قضايا
مراد غريبي: يورغن هابرماس.. في رثاء العقل الذي خانه صاحبه
مفتتح: ثمة طريقة مريحة لقراءة الفلاسفة بعد وفاتهم: أرشفتهم في صور تماثيل من المرمر، عاليةٍ ونظيفة وصامتة، يُرشّ عليها ماء التبجيل دون أن يتجرأ أحدٌ على اختبار صلابتها. لكن هابرماس (1929-2026)، الذي وافته المنية في الرابع عشر من مارس 2026 عن ستةٍ وتسعين عامًا حافلةً بالجدل والعطاء، يستحق شيئًا أصعب وأعمق: أن يُقرأ في تناقضاته لا في مجرد إنجازاته، فالفيلسوف الحقيقي لا يُعرَف من خلال ما تقوله نظرياته فحسب، بل من خلال المسافة التي تفصل تلك النظريات عن مواقفه في لحظات الامتحان الحقيقي.
وقد كانت لحظة الامتحان الكبرى في 07 أكتوبر 2023، حين وقّع هابرماس بيانًا مُثيرًا للجدل في خضم الحرب المدمرة على غزة، بيانٌ يُشكّك في مشروعية المقاومة الفلسطينية ويتجاهل بصورةٍ لافتة ذلك التماثل الذي طالما أعلنه ركيزةً لأخلاقيات الخطاب. لم يكن الأمر مجرد زلّةٍ سياسية عابرة — بل كانت شاهدًا فاضحًا لذلك المأزق الذي لم تتمكن أي فلسفةٍ كونية من الفرار منه: ارتطام الحجة الكلية بسياج الانتماء الخاص. ولهذا، فإن قراءة هابرماس لا ينبغي أن تسير على طريقة من قرأ حنّة أرندت قراءةَ الأيقونة المُبجَّلة، بل ينبغي أن تكون قراءة من يُمسك الفكر من تلابيبه ويسأله: هل كنت أمينًا لنفسك؟ وإن لم تكن، فماذا يُعلّمنا هذا الإخفاق عن طبيعة العقل الإنساني ذاته؟
هذا هو المفتتح الحقيقي لقراءة رجلٍ أمضى ستة عقودٍ في بناء فلسفةٍ للعقل التواصلي، ثم وجد في نهاية المطاف نفسه أسيرَ ذلك العالم المعاش الذي حذّر منه طويلًا. فالاغتراب الفلسفي — حين تتحول الفكرة الكبرى إلى أداةٍ طيّعة في يد الانتماء الهوياتي — ليس إخفاقًا يخص هابرماس وحده؛ إنه المرآة التي تكشف هشاشة كل مشروعٍ إنساني يدّعي الكونية.
من رحم الكارثة: ميلاد الفيلسوف
وُلد يورغن هابرماس في دوسلدورف عام 1929، وترعرع في كومرباخ قرب كولونيا، وكان من جيلٍ حمل على عاتقيه ثقل الهوية الألمانية المكسورة. نشأ طفلًا في زمن هتلر، مرّ بتجربة شبيبة هتلر كما مرّ بها ملايين أترابه، وصنّفته لجان التطهير بعد الحرب بوصفه مجرد «مُسايِر», ولد أيضًا حاملًا علامةً جسدية تعرّضه للتهميش داخل أيديولوجيا «الجنس الأسمى»: شقٌّ خلقي في الحنك أعاق نطقه وميّزه عن الآخرين.
هذان الأثران — العار الجماعي والندبة الجسدية — لم يتركاه أبدًا. بل إنهما، في تقديرٍ فلسفي دقيق، كانا المحرّكَ الخفي لمشروعه بأسره. فهابرماس لم يختر الدفاع عن الحوار والعقل والديمقراطية من فراغٍ مجرد، بل اختارهما لأنه عاش بجسده ووجدانه ما يحدث حين تُسكَت الأصوات وتُغلَق مسالك التداول العقلاني. الفيلسوف الذي دعا طوال عمره إلى المساواة في الحق بالكلام كان رجلًا عرف منذ طفولته ما معنى أن تكون صوتًا مختلفًا في عالمٍ يريدك أن تصمت.
دخل معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت عام 1956 مساعدًا لأدورنو، وتشكّلت ملامح صراعه الفكري الأساسية هناك: إنه يقاسم أساتذة مدرسة فرانكفورت — هوركهايمر وأدورنو ومارکوز وبنيامين — يقيناتٍ نقدية حول الرأسمالية وأمراض الحداثة، لكنه يرفض الخلاصة التشاؤمية التي أوصلتهم إليها «جدلية التنوير» عام 1947؛ تلك النظرة التي ترى أن الأنوار ولدت في داخلها بذرة دمارها، وأن العقل الأداتي قد ابتلع العقل التحرري بلا رجعة. وبينما نصّب أدورنو نفسه شاهدًا ساخطًا على عالمٍ يصفه بـ«الكل الزائف» رفض هابرماس هذا الحكم الختامي وقرّر أن في بنية اللغة الإنسانية ذاتها بذرةً للتحرر لم تُمَت بعد.
العقل التواصلي: رهانٌ على المستحيل الضروري
في سنة 1981، أصدر هابرماس عمله الأكثر أهمية وتأثيرًا: «نظرية الفعل التواصلي» في مجلدين ضخمين. وهو عملٌ يستعصي على التلخيص، لا لغموضه بل لثرائه: إنه توليفٌ هائل بين فلسفة اللغة وعلم الاجتماع والفلسفة الأخلاقية والتحليل النفسي، كلها موجَّهة نحو سؤالٍ واحد: هل لا يزال ممكنًا، في عصر الهيمنة الرأسمالية ومجتمعات الإعلام والبيروقراطية المتضخمة، أن نتواصل بصدقٍ ونُقيم معًا حياةً جديرة بهذا الاسم؟
جوابه نعم — لكن بشرط. وهذا الشرط هو التمييز الجوهري بين نمطين من الفعل الإنساني: الفعل الاستراتيجي الذي يتخذ من الآخر وسيلةً لبلوغ الغاية، والفعل التواصلي الذي يتخذ من الحجة والحوار الحرّ سبيلًا إلى التفاهم المشترك. وما يُميز هذا الثاني ويجعله ركيزةً للتحرر هو ما يُسمّيه هابرماس «وضع الكلام المثالي»: المساواة المبدئية بين المتحاورين، وغياب الإكراه الخارجي والداخلي، وإتاحة الطعن في أي ادعاءٍ مطروح بالحجة لا بالقوة.
ويُعدّ مفهوم «العالم المعاش» المستعار من هوسرل، قطعةً مفصليةً أخرى في هذا المشروع: إنه ذلك الأفق الصامت من اليقينيات المشتركة والموروثات الثقافية الضمنية الذي يُشكّل خلفية كل تواصلٍ ممكن. وفي مقابله يضع هابرماس «الأنظمة» — الدولة والسوق — التي تعمل بمنطق السلطة والمال، وتسعى إلى استعمار العالم المعاش وتآكله. وهذه «الاستعمار» هو المدلول الفلسفي لمرض الحداثة المتأخرة في نظره.
بينما السؤال المُحرج الذي يفرضه أكتوبر 2023 هو التالي: حين يُكتب بيانٌ يُسكت مسبقًا صوتَ شعبٍ محاصَر قبل أن يُتاح له التحدث، ويُشترط في الضحية أن تُثبت أهليتها للكلام، أيُّ الفعلين يُجسّد — التواصلي أم الاستراتيجي؟
هل آمن هابرماس بما نادى إليه؟
هذا هو السؤال الذي كثيرًا ما يتحاشاه شارحو هابرماس، لأنه مُحرجٌ ومُقلق وأشد إصابةً من أي انتقادٍ تجريدي. فهل كان هابرماس يؤمن فعلًا بما نادى إليه؟
الجواب الصادق هو: نعم، في معظم الأحيان — وربما إيمانًا نادرًا في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة. وهذا ما يجعل سيرته الفكرية مثيرةً للتأمل ومُثقَلةً بالمعنى في آنٍ معًا.
فعلى صعيد الأمانة لمبدأ الفضاء العام، التزم هابرماس طوال حياته بنزول الفيلسوف إلى الميدان العام والمشاركة الفعلية في النقاشات الكبرى. لم يكتفِ بالنظرية مُتعاليًا من أبراجه الجامعية، بل انخرط في كل قضيةٍ كبرى: الجدل التاريخاني عام 1986 حول المقارنة بين النازية والستالينية، وكتب بشجاعةٍ نادرة ضد المراجعة التي رأى فيها تبييضًا للجريمة النازية. وتدخّل في جدل الهوية الألمانية بعد توحيد 1990 مدافعًا عن مفهوم «الوطنية الدستورية» أي الانتماء إلى القيم لا إلى الدم والأرض — وكان ذلك موقفًا مكلفًا في السياق الألماني آنذاك. كما رفض حرب العراق عام 2003 رفضًا قاطعًا، وكتب مع دريدا نصًا مشتركًا يدعو إلى بناء أوروبا قطبًا مستقلًا في مواجهة الأحادية الأمريكية.
ولكن — وهنا يكمن المأزق الجوهري — حين جاء الاختبار الأشد التصاقًا بجروحه الذاتية وذاكرته التأسيسية، تعثّرت تلك الكونية التي طالما بشّر بها. فالرجل الذي حمل طوال حياته عبء الخزي الألماني من المحرقة، والذي جعل من المصالحة مع الموروث اليهودي حجر الأساس لهويته الأخلاقية، لم يستطع إخضاع اللحظة الفلسطينية للمنطق الحيادي الذي أرساه. وليس هذا اتهامًا بالنفاق الشخصي — فهابرماس لم يكن منافقًا كبعض مثقفي العرب و الغرب— بل هو تشخيصٌ فلسفي لآليةٍ أعمق: آلية الاغتراب الذي يتسلل إلى أكثر العقول التزامًا بالعقلانية، حين يتعلق الأمر بالجرح الأكثر قُربًا من الجوهر.
وهكذا يتضح أن هابرماس لم يخن مبادئه بسبب انعدام الإيمان بها، بل على وجه التحديد بسبب فرط ثقته بأنه يطبّقها — بينما كان عالمه المعاش يُملي عليه في صمتٍ ما لا تجرؤ النظرية على الإفصاح عنه. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: فمفهومه عن العالم المعاش، الذي صاغه لتشريح هيمنة الأنظمة على التواصل الإنساني، صار أداةً لتشريح هيمنة عالمه هو على عقله..
هابرماس فرنسيا: مرآةٌ كاشفة لا مجرد تتاري
قد يبدو تاريخ قراءة هابرماس في الفضاء الفكري الفرنسي مسألةً أكاديمية محدودة الأفق، غير أنه في الحقيقة مرآةٌ كاشفة لتوترٍ فلسفي عميق: التوتر بين نمطين من الفكر النقدي — ذاك الذي يُراهن على إصلاح العقل من الداخل، وذاك الذي يُشكّك في نفس الأساس.
حين وصلت أفكار هابرماس إلى فرنسا في ستينيات القرن الماضي، كان المشهد الفلسفي محتلًا بالبنيوية وفلسفات الانفصال الجذري. في هذه البيئة، بدا هابرماس غريبًا: فهو أكثر انتماءً إلى كانط منه إلى نيتشه، وأكثر تعلقًا بـ«الحداثة غير المكتملة» منه إلى ما بعد الحداثة. وفي عام 1985، أطلق عليهم هجومًا فلسفيًا مباشرًا في «الخطاب الفلسفي للحداثة»، إذ اتهم فوكو وديريدا وليوتار وكاستورياديس باللاعقلانية والنسبية و«المحافظة الجديدة ». فردّ ديريدا بحدة، ونشأ بين التقليدين مناخٌ من التوجّس المتبادل يُلوّن النقاشات الأكاديمية حتى اليوم.
ولكن مع الزمن، تبيّن أن عرف بنسبية فوكو كان في الحقيقة تحذيرًا من وهم الحياد — تحذيرٌ ثبتت صحته بشكلٍ ساطع في أكتوبر 2023. فالفضاء العام ليس خاليًا من علاقات القوة بطبيعته، وادعاء الحيادية لا يُلغي هذه العلاقات بل قد يُغطيها بالشرعية. أما في العقدين الأوليين من القرن الحادي والعشرين، فقد صار هابرماس كلاسيكيًا مُدرَّسًا في الجامعات الفرنسية، خصوصًا في نقاشات الديمقراطية التداولية وفلسفة الحق، بفضل جهود مفكرين من أمثال جان-فرانسوا كيرفيغان وستيفان هابر وإيمانويل رينو. وبعد أكتوبر 2023، انتقال انعكاس المرٱة الفرنسية لهابرماس من مرحلة الاستيعاب إلى مرحلةٍ أكثر نضجًا ومرارة: مرحلة القراءة النقدية التي تُطبّق على هابرماس أسلحته الخاصة.
جدلية التراث والوصية
في سنواته الأخيرة، أصدر هابرماس «تاريخٌ للفلسفة» 2019 وهو مؤلَّفٌ موسوعي يتجاوز ألفَ وسبعمئة صفحة، يتتبع فيه المسار الطويل للعقل البشري من الفلاسفة السابقين لسقراط إلى حاضرنا الراهن. ومن أبرز ما يُميز هذا العمل أنه يبدأ بمقارنةٍ رحبة بين التقاليد الفلسفية الكبرى في العالم: البوذية والكنفوشيوسية واليهودية والفلسفة الإغريقية، ساعيًا إلى إثبات أن الإنسانية في مختلف حضاراتها قطعت مسارًا مشتركًا من التعلم الجماعي الذي أنتج موارد معيارية لنقد الظلم والتطلع نحو العدل.
وفي هذا الطموح الكوني الأخير يتجلى التمثال الحقيقي لهابرماس ومعه تناقضه الأعمق. إذ كيف لفيلسوفٍ يحتفي بالتقليد الإسلامي والبوذي والإفريقي في تاريخٍ للفلسفة أن يُقصي أهلَ هذه التقاليد من كونية العقل حين تتعلق المسألة بدمائهم ومصيرهم؟ وحين وصف هابرماس في مقابلاته الأخيرة ما يجري في العالم من انحسارٍ ديمقراطي وصعودٍ للشعبوية وتفككٍ للنظام الدولي الليبرالي، كان محقًا في تشخيصه. لكن صدقية هذا التشخيص كانت ستبلغ ذروتها لو أنه أدرج في خريطة الألم الكوني الذي يرصده، كلَّ الشعوب التي تنزف — دون أن تُحدّد جغرافيا الرحمة بحدود الحضارة الغربية.
ومع ذلك، تظل جملته الأخيرة في هذا الكتاب وصيةً فلسفية لا تُستهان: «إن ما تعلمته الإنسانية عبر مساراتٍ طويلة من التجربة لا يُنسى كليًا — في أسوأ الأحوال يُكبَت، لكنه يترك دومًا آثارًا يمكن العودة إليها.» وإذا كان شيءٌ يستحق أن يُكتب على لوحة هذا الرجل، فهو هذه الجملة التي تنطوي على أكثر من تعبيرٍ عن التفاؤل الفلسفي — إنها اعترافٌ ضمني بأن الكبت ممكنٌ، وبأن العقل، حتى في أكثر أشكاله انضباطًا وأمانةً، ليس محصّنًا ضد أن يُكبَت فيه ما يعلمه.
الفلسفة أكبر من فيلسوفها
رحل يورغن هابرماس تاركًا إرثًا فلسفيًا من العمق والاتساع الذي نادرًا ما يُرى في تاريخ الفكر الغربي الحديث. ومع ذلك فإن أثمن ما يُخلّفه لنا ليس مؤلَّفاته، بل السؤال الذي تُفجّره حياته كاملةً: هل يمكن لأي عقلٍ بشري، مهما بلغ من الصرامة والالتزام والرسوخ المنهجي، أن يُفلت من أسر العالم المعاش الذي شكّله؟
والجواب الذي تُلمّح إليه مسيرته هو: ربما لا. لكن هذا لا يعني اليأس من الكونية — بل يعني أن الكونية الحقيقية ليست وصفًا لحالةٍ راهنة بل مهمةٌ لا تنتهي، تشترط على الفيلسوف أن يعود باستمرار إلى مرآة نظريته ويسأل نفسه: هل تطبّق هذا بشكلٍ متماثل على الجميع؟ هل تُتيح للضعيف حق الطعن في ادعاءاتك كما تُتيحه للقوي؟ هل يتضمن فضاؤك العام من لا يملك منبرًا أو دولةً أو جيشًا يُعلي صوته؟
إن قراءة هابرماس التي ينبغي أن نُداوم عليها ليست قراءة تبجيل ولا قراءة إدانة، بل قراءةٌ تُجري النظرية على صاحبها أولًا، وتُقيس الفكر بالمكان الذي يتعثّر فيه لا بالمكان الذي يتألق فيه. لأن الفلسفة الحقيقية لا تنبت في الاتساق، بل تنبت في شقوق التناقض — حيث يُفصح الفكر رغم نفسه عن حدوده، ويُتيح لمن يأتي بعده أن يُكمل ما لم يستطع هو أن يُكمله.
وإن كان هابرماس قد علّمنا شيئًا واحدًا يستحق أن يُحفر في ذاكرة الفلسفة، فهو هذا: أن الدفاع عن العقل مهمةٌ لا تُنجز مرةً واحدة وتُختتم، بل هي يقظةٌ مستدامة، وشجاعةٌ متجددة، وقبول دائم بأن تكون أنت أيضًا — حتى وأنت تدافع عن الحوار — موضعًا لحوارٍ لا ينتهي..
***
مراد غريبي – الجزائر
في الرابع عشر من ٱذار 2026






