آراء
راشيل دونالد: عدو عدوك ليس صديقك
بقلم: راشيل دونالد
ترجمة: صالح الرزوق
***
مثل العديدين منكم تابعت الأخبار بعد إعلان ترامب العبثي في بواكير صباح يوم السبت نبأ دخول الولايات المتحدة الأمريكية مجددا الحرب ضد إيران. نظرا لاغتيال القائد الأعلى، وحجم القصف، وانتقام إيران في الشرق الأوسط، واستهداف حلفاء أمريكا، والوعود الأورويلية من إدارة ترامب بقصف إيران حسب الضرورة وحتى تحقيق السلام، من العدل أن نفترض أننا في داخل مذبحة ذات عواقب أطول وأبعد من حرب الصيف الماضي بين إيران - والولايات المتحدة. وهذا يعني أنه علينا إيجاد طريقة للكلام عن الحرب بأسلوب يتقبل تعقيدات الأنظمة المجرمة التي تهاجم بعضها البعض، وهذا، كالعادة، واجب نفشل نحن اليساريين في تحقيقه.
*كيف ساعد الغرب في خلق الجمهورية الإسلامية
الحقائق المجردة لهذه الأزمة مهمة للغاية. تتحكم إيران بــ 13% من احتياطي البترول العالمي، وهي ثالث أكبر منتج في الأوبك. أمم رئيس الوزراء محمد مصدق صناعة البترول الإيراني عام 1951، وقاد ذلك إلى انقلاب دعمته بريطانيا وأمريكا عام 1953، لتركيز كل السلطات بيد حليف الغرب الشاه محمد رضا بهلوي، وإضعاف سلطة البرلمان. أعقب ذلك اتفاق التعاون الفني في عام 1954 وبموجبه امتلكت شركات النفط الغربية الحق بإنتاج 50% من النفط الإيراني.
في عام 1973 رفض الشاه الذي أعاد تأميم صناعة النفط الإيراني أن يتفق مع شركات النفط البريطانية والأمريكية والفرنسية والألمانية لمضاعفة إنتاج البلاد حتى 8 ملايين برميل من النفط يوميا. فحزمت الشركات الكبيرة أمتعتها وغادرت، وتواصلت الجهود الدبلوماسية بما يكفي من الهدوء، مستفيدة من حقيقة أن إيران أصبحت أحد أسرع الاقتصادات (والجيوش) نموا في العالم، بالإضافة لتماهي البلاد مع المؤثرات الغربية. فقد تغلغلت القوة الأمريكية الناعمة في داخل الثقافة الإيرانية على نحو مؤثر. ولكن بعد أقل من عقد، تورط البلد بمخاض عنيف. انحدر نظام الشاه إلى حكم أقلية فاسد: فأضرب 10% من البلد للاحتجاج على الملكية، ورد الجيش الإمبراطوري بتنفيذ مجازر ضد الشعب في الشوارع. لكن تابع الإيرانيون زحفهم، بكثير من التحدي والعناد. وأصبح وجه الثورة آية الله موسوي الخميني، المنفي في باريس بسبب معارضته لبرنامج الشاه في تحديث الإصلاحات، وسرعان ما وعد الإيرانيين بوضع حد للمؤثرات الغربية الفاسدة، والعودة إلى مبادئ المساواة التي شجعت على نهضة ثقافية في بلد متنوع بأقصى الحدود. تخبرنا كتب التاريخ في الغرب والشرق الأوسط أن آية الله استعاد إيران من الغرب عام 1979. لكن في عام 2016 كشفت وثائق السي آي إي أن آية الله كان على تواصل مباشر مع إدارة الرئيس كارتر، بحثا عن دعم أمريكي لتسهيل عودته إلى إيران مقابل ضمانات بحماية المصالح الأمريكية. وتظهر هذه الوثائق أن الحكومة الأمريكية بالفعل "ساعدت في تمهيد الطريق لعودة الخميني بأمان إلى إيران، ولتسريع استلامه السلطة"، وهو ما قاد إلى تكوين متعجل للجمهورية الإسلامية الثيوقراطية، وإقامة نظام عرف بالقمع العنيف وبالتطهير العرقي للمعارضين.
*ماذا يريد ترامب ونتنياهو من إيران
تعرضت إيران إلى مقاطعة دولية على فترات منذ عام 1979، مما أدى إلى شلل تطورها الاقتصادي والحد من تجارة تصدير النفط. طبعا لم يساعد ذلك الإيرانيين، الذين تعرضوا لمجازر وتطهير عرقي في الثمانينات. وفي نهاية المطاف حاولت إدارة أوباما بتنفيذ تكتيك جديد مع إيران، وعرضت عليهم مقاطعة مخففة، مشيرة إلى العقوبات التي شملت النفط الإيراني، على أن تخفف إيران بالمقابل من نشاطاتها النووية. تم توقيع صفقة JCPOA (صفقة إيران النووية) بمشاركة من الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة. وكان هناك فريق تفتيش ثالث يقدم تقريره كل 90 يوما للتأكد من أن إيران تلتزم بالاتفاق. واستمر الأمر حتى زعم ترامب المسعور في عام 2018 أن المخابرات الإسرائيلية اكتشفت كذب إيران ولم تحد من برنامج سلاحها النووي، وبناء على ذلك سحب الولايات المتحدة من الاتفاق. وأعاد ترامب تفعيل عقوبات قاسية في أواخر 2018، مع عقوبات مماثلة شملت البلدان التي تتعامل تجاريا مع إيران. وأضاف اسم إيران إلى قائمة العقوبات الاقتصادية السوداء عام 2020، ليحد عمليا من قدراتها على المساهمة بالاقتصاد الدولي. وتمنع قائمة FATF السوداء الدول من الدخول إلى نظام سويفت المصرفي SWIFT الأمر الذي يجعل إرسال وتلقي الأموال بغاية الصعوبة، حتى لو قمت بالالتفاف من حول المقاطعة الأمريكية. بالتوازي مع ذلك أدت العقوبات المفروضة على الصين إلى تطوير علاقة خاصة مع إيران، وبنهاية المطاف أصبحت المشتري الأساسي لنفطها. وفي عام 2021 وقع البلدان عقد شراكة مدته 25 عاما. وهكذا تمكنت الصين، بعد شراء ما يزيد على 80% من نفط إيران وشحنه بواسطة أسطول ناقلات شبحية، ثم تنقيته بمصافي "الشاي" الصغيرة 1، من التغلب بدون ضجيج على عقوبات ترامب، ودفعت إلى إيران أغلب عائدات تصدير النفط البالغة 53 مليون دولار. بالمثل قدمت إيران، بسبب نظام التصدير والتنقية الشبحي، نفطها بأسعار مخفضة لبقية السوق العالمي، وعقدت مع الصين صفقة رابحة كان سعر برميل النفط بموجبها 8-10 دولارات. وبفضل عائدات إيران المستورة والشبحية تغلبت على العقوبات، ولكن كل ذلك لم يوقف أزمتها الاقتصادية، فقد ارتفع التضخم بنسبة بلغت 50% تقريبا، ووصلت البطالة عنان السماء.
في كانون الثاني تدفق الإيرانيون إلى الشوارع للاحتجاج على النظام. وكان الرد حادا وعنيفا بشكل مطلق مثلما كان الحال مع كل النشاطات الثورية التي اندلعت ضد النظام الإيراني الراهن. ففي عام 2024 زادت الإعدامات إلى975 حالة. وفي عام 2025 ارتفع الرقم إلى 2038. وقدرت هيئة المقاومة الوطنية في إيران أن الإعدامات في هذا العام تجاوزت الــ 2000 حالة. واعتبر ترامب ادعاءات إسرائيل غير المؤكدة حيال برنامج الأسلحة النووية الإيرانية، والنشاط الثوري، مبررا لإطلاق هجومه الأخير هذا. ولو أخذنا بعين الاعتبار آخر نظام أسقطه، وهو مادورو فنزويلا، والذي باع معظم نفطه للصين، تبدو سياسة ترامب الخارجية في دورتها الثانية، لا أقل من هجوم بقناع رقيق على ثاني قوة عظمى في العالم، وهي قوة عظمى تدوس بحذر على أطراف الولايات المتحدة الأمريكية في كل منعطف (بنتيجة مقاطعة ترامب الحالية لنفط كوبا، حليف آخر للصين، شهدت صناعة الألواح الشمسية الصينية طوفانا ملأ فراغ الطاقة). يعتبر هذا الهجوم، عمليا، عدوانا على العدالة أيضا. فترامب يعمل بالتنسيق مع صديقه نتنياهو، الكلب المسعور في القدس (جيروساليم)، والذي تحول تطهيره العرقي للفلسطينيين إلى حملة تخدم الفوضى العامة في الشرق الأوسط، والذي ورط إسرائيل في الحرب ليتهرب من المثول أمام المحاكم بسبب جرائم حربه الشخصية. لا يحاول ترامب ونتنياهو معا تشجيع قلب الأنظمة، بل قلب الأوضاع في المنطقة كلها، وذلك لحماية سلطتيهما، وللحد من تمدد الصين في العالم، ولفتح مصادر الشرق الأوسط أمام الغرب، وللتأكد أن إسرائيل لن تعاقب على قتل ما يزيد على 75000 فلسطيني بدون مبرر شرعي، وكان معظمهم من النساء والأطفال.
*عدو عدوك ليس صديقك
أردت أن أقدم كل هذا السياق لأن السؤال الذي يهمني هو: كيف نتكلم عن ما يحدث في إيران؟ حينما دخلت على تطبيق لينكدإن LinkedIn في هذا الصباح، أول تدوينة رأيتها هي هجوم من الداخل اليساري، حيث أدان علنا باحث في النمو السلبي degrowth مرجعا أكاديميا معروفا يهتم بشؤون هذا النمو، ويعمل في مجال التضامن مع الشعوب الأصلية colonial solidarity لأنه أشار وببساطة لسمعة النظام الإيراني في تطبيق العنف، ولأنه عبر عن تضامنه مع شعب إيران. صدمني ذلك على اعتبار أنه عبث مطلق - عبث مثل الصور التي تغرقنا وتصور شعوب العالم الغربي وهي تخرج من كل زاوية إلى الشوارع إما للاحتفال بغزو أمريكا أو للدفاع عن حق الإيرانيين بحكم بلدهم. نشرت مجلة وول ستريت مقالة جميلة كتبتها الإيرانية الأمريكية دينار نائيري عن تضامن يسار إيران مع الجمهورية الإسلامية هذا الأسبوع. وفيها تؤكد أن الخطاب اليساري كشف عن حلقات تفكير مزدوجة حول الإسلام. فقد هربت نائيري شخصيا من النظام في طفولتها برفقة أمها وأختها، وتعرضت لتهمة نشر الإسلاموفوبيا بسبب انتقادها للثيوقراطية الإيرانية. وتساءلت لماذا لم تمتد حملة التضامن اليساري إلى إيران، رغم توفر الدليل المادي على إعدام شرطة الأخلاق للنساء اللواتي تجرأن على الاحتجاج ضد النظام في عام 2022. وقالت: "إن نساء إيرانيات مثقفات مثلي لا زلن يسمعن من بعض لجان التحكيم (أو من أكاديميين وكتاب مطلعين ويتحلون بالإنسانية) تكرارا ببغائيا لوجهات نظر الجمهورية الإسلامية: ومفادها أن من في الدياسبورا معبأ بمعلومات مريضة، وهم عرضة لمخاوف ومؤثرات تأتي من ترامب أو إسرائيل، أو من قوى عنصرية وإمبريالية يمينية". وأضافت نائيري أنها حينما بدأت بنشر فيديوهات في وسائل التواصل الاجتماعي عن تعقيدات الوضع في ايران ونقد النظام، أشارت الأرقام إلى تبدل حاد نحو اليمين. وهذه تراجيديا مأساوية تدل على الإهمال لأن من رحب بنقد الأنظمة الدينية الخطيرة هو نفسه من أيد الأنظمة الدينية الخطيرة. كان اليسار مصيبا وحادا في نقده لحكومة ترامب المسيحية الأصولية والأتوقراطية والفاسدة، وبالمثل هاجم استفادة نتنياهو من الأصولية اليهودية لتحقيق أهدافه وسياساته. لماذا إذا لا ننظر بنفس العدسات إلى الأصولية الإسلامية؟ على سبيل المثال لماذا نفهم شجب حق النساء في الولادة والإجهاض أنه هجوم على تحرير المرأة حينما يطبق على أرض أمريكية - ولكن ليس على أرض إيرانية؟. ولماذا تكون حرية المرأة طلبا مسبقا وأساسيا من أجل الحرية السياسية للجميع في الغرب - ولكن ليس في الشرق الأوسط؟. الحق في الاختيار بدون إكراه هو حجر الزاوية في الديمقراطية - وعليه لماذا يضع اليساريون أنفسهم في أنشوطة لإثبات أن للنساء الحق في قبول وضعهم المتحيز والمحروم من المساواة؟.
انحياز اليسار للنقاء الأخلاقي وليس الوضوح الأخلاقي تسبب بكسل ثقافي وحالات غش أخلاقي، وهي حالات لم تصمد أثناء فحصها، ومدت أكثر من أنبوب تنفس واتصال باتجاه اليمين (ولذلك يجب منع البدء من أسئلة وموضوعات معينة).
ليس هناك شر أساسي في هذه الأزمة التي ننظر إلى أنفسنا خلالها على أننا الكرام والأخيار . للشعب الإيراني الحق في اختيار مصيره، وهو حق غير مكفول في الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أن دونالد ترامب لن يهتم به إذا سقط النظام، فهو كما تدل الوقائع لا يبالي لدرجة مرضية بحق الشعب الأمريكي في اختيار مصيره. إنه واجب أخلاقي أن نرى حقيقتين واضحتين ولا تسر أي منهما أحدا: العدوان المتحاربان هما عدوان للحرية بنفس المقدار. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نرى بها ماذا وراء الأفق المحدود للواقعية الرأسمالية ولتصور عالم أفضل. على التضامن أن يكون دائما مع الشعب، وليس الأنظمة، وعليه، لا يجب تمييع النقد والتقليل من مشكلة عدم إمكان بعض الجماعات أن تدافع عن نفسها. وليس من التقدمية ولا المنطق أن ننظر لأخوتنا وأخواتنا، أينما كانوا، كأنهم ضحايا تستحق رعاية مؤسسات المعونة الغربية foot soldiers. والحقيقة أن الشرق الأوسط كان مصدرا للسياسات الثورية في العقود القليلة الماضية كما أنه كان مصدرا للنكسات الاستبدادية. وفي هذا الأسبوع سنقرأ للصحافي مات برومفيلد كلامه عن فوضى الثورة والنسوية في روج أفا، وهي تجربة سياسية تجاوزت بطبيعتها التقدمية أي محاولة غربية. وكانت المناقشة تدور حول المأزق الأخلاقي الناجم عن التهديد الوجودي، لكنه مأزق تجاوزه الأكراد بنجاح في روج أفا، رغم تعثر اليسار الغربي مرارا في هذا الخصوص. إن الحقيقة في الخنادق وحش مختلف تماما عن الحقائق التي نهدئ بها حساسياتنا.
لن ينطلق التفكير والفعل الثوري منا إذا وجدنا أنه من الأفضل أن يستهدف أحدنا الآخر، عوضا عن استهداف الأنظمة الظالمة. وأي خلاف قد يكشف الأرض المشتركة التي نقف عليها، ولا يمكننا عندها أن نقف لدعم أخوتنا وأخواتنا إن لم يكن هناك شيء تحت أقدامنا.
***
........................
1 اسم يطلق على مصافي نفط مستقلة وخاصة تنتشر في مقاطعة شاندونغ الصينية.
*الترجمة عن مدونة الكاتبة (الكوكب: تحقيقات نقدية حول أسباب الكارثة التي أصابت العالم). منشورة بتاريخ 3 آذار 2026.
* راشيل دونالد Rachel Donald: كاتبة وناشطة في شؤون البيئة والمجتمع المدني.






