قراءة في كتاب

عبد السلام فاروق: حكايات من الغرف المغلقة!

لا يخفى على دارسي التاريخ أن المنهج هو روح العمل التاريخي، وهو الذي يحدد قيمته ومكانته بين الدراسات. وعندما نطالع كتاباً صدر في الربع الأول من القرن العشرين مثل كتاب محمد عبدالله عنان "تاريخ المؤامرات السياسية وتطوراتها الاجتماعية والقانونية"، فإننا لا نحاكمه بمنطق زماننا، بقدر ما نحاول أن نفهم سياقه الفكري والمنهجي، ونقف على القيمة التي أضافها إلى المكتبة التاريخية العربية في عصره.

يقدم عنان في هذا الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1928، جرأة موضوعية ومنهجية لافتة. فاختيار موضوع "المؤامرات السياسية" بحد ذاته يمثل خروجاً على المألوف في الكتابة التاريخية العربية آنذاك، التي كانت لا تزال أسيرة السرد السياسي التقليدي، أو السير الذاتية للقادة والملوك. إن نظرة المؤلف إلى التاريخ من خلال هذه الثغرات المظلمة، والدوافع الخفية، والخيوط التي تحاك في الخفاء، تكشف عن محاولة جادة لفهم أعمق لآليات تغير المجتمعات وتحولات الأنظمة.

واللافت في عنوان الكتاب إدراج المؤلف لتطورات هذه المؤامرات "الاجتماعية والقانونية". فهنا تتجلى بصيرة المؤرخ الذي يرى أن الحدث السياسي لا يعيش في فراغ، بل هو ابن بيئته الاجتماعية، وأن رد الفعل عليه لا يقتصر على المواجهة العسكرية أو السياسية، لكن يمتد إلى التشريعات والقوانين التي تسن لمواجهته. إنه يربط، ولو بشكل أولي، بين البنى الفوقية (السياسة والقانون) والبنى التحتية (الاجتماع والاقتصاد)، في إشارة منهجية سبقت انتشار هذا المنهج في الكتابة التاريخية العربية لاحقاً.

يغطي الكتاب حقب زمنية شاسعة "من أقدم العصور إلى أحدثها" في 280 صفحة فقط، مما يدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة هذا المشروع. هل هو محاولة لتقديم نظرية شاملة للمؤامرة في التاريخ؟ أم هو سرد لوقائع مختارة لتأكيد فكرة مسبقة؟ يبدو أن عنان، رحمه الله، كان يسعى إلى التأريخ لظاهرة، أكثر من سعيه إلى بناء نموذج تفسيري مغلق. فهو ينتقي من التاريخ العالمي، لا العربي والإسلامي فحسب، أمثلة تؤكد أن المؤامرة كانت محركاً خفياً لكثير من الأحداث الجسام.

غير أن هذا المنهج، رغم إبداعيته في زمانه، يحمل في طياته إشكالية منهجية كبرى. فتركيز المؤرخ على "المؤامرة" كعامل محوري قد يدفع به أحياناً إلى تبني رؤية اختزالية للتاريخ، تخضع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة لإرادة مجموعة من الأشباح القابعين في الخفاء. وهي نظرة قد تغفل الحتميات التاريخية الأوسع، وتقلل من شأن دور الجماهير والطبقات الاجتماعية في صنع تاريخها. صحيح أن عنان حاول تفادي هذا الفخ بالإشارة إلى التطورات الاجتماعية والقانونية، لكن ثقل فكرة "المؤامرة" في بناء الكتاب يظل طاغياً.

أما من الناحية الوثائقية، فمن الصعب الحكم على مدى توثيق الكتاب دون العودة إلى هوامشه ومراجعه. لكننا نثق في أمانة عنان المعروفة، وفي تمكنه من اللغات ومصادر التاريخ المختلفة. ومع ذلك، فإن طبيعة الموضوع نفسه، "المؤامرات"، تجعل الوصول إلى الحقيقة التاريخية الكاملة ضرباً من المستحيل، إذ قلما تسجل أسرار المؤامرات في وثائق رسمية يمكن الرجوع إليها، مما يضطر المؤرخ إلى الاعتماد على روايات قد تكون مشبوهة أو ملغومة بأجندات معاصرة لها.

يظل كتاب "تاريخ المؤامرات السياسية" لمحمد عبدالله عنان عملاً رائداً يستحق القراءة والتأمل. فهو يمثل مرحلة مهمة من تطور الوعي التاريخي العربي، حيث بدأ المؤرخون في الخروج من دائرة السرد التقليدي إلى محاولة فهم الآليات والأنماط. وهو كتاب لا نقرأه اليوم للحصول على حقائق تاريخية نهائية، بل لنتفهم كيف كان مفكر عربي في عشرينيات القرن الماضي يحاول فك شفرة التاريخ، مستخدماً أدوات عصره ومحدوديتها. إنه شاهد على جيل كان يبحث عن تفسيرات لأزمات الحاضر في دهاليز الماضي، تماماً كما نفعل نحن اليوم.

إذا كان الجزء الأول من هذا المقال قد انصب على الإطار العام لكتاب الأستاذ محمد عبدالله عنان "تاريخ المؤامرات السياسية"، فإن استكمال هذا التحليل يقتضي منا الغوص في أكثر من سياق، والسياقات هنا متشابكة: سياق المؤلف بصفته رائدا من رواد الكتابة التاريخية العربية الحديثة، وسياق الزمن الذي كتب فيه الكتاب (عقد العشرينيات)، وسياق تلقي الكتاب اليوم.

أولاً: عنان المؤرخ في مرحلة التأسيس

لا ينفصل هذا الكتاب عن المشروع الفكري لمحمد عبدالله عنان ككل. فالناظر في مؤلفاته الأخرى، مثل "تاريخ الجمعيات السرية" و"المؤامرات والمحافل الماسونية في البلاد العربية" و"مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية"، يجد أن الرجل كان مهووساً، إن جاز التعبير، بفكرة القوى الخفية والتدفقات السرية للتاريخ. هذا الهوس ليس عيباً في منهجه بقدر ما هو تعبير عن روح العصر الذي عاش فيه. فالعالم العربي في تلك الفترة كان يعيش حالة من التفتت والبحث عن تفسيرات لانهيار الخلافة العثمانية ووقوع معظم الأقطار العربية تحت الاحتلال الأوروبي. في مثل هذا المناخ، تنتعش النظريات التي تبحث عن "يد خفية" وراء الأحداث الكبرى، وتجد في المؤامرة تفسيراً جاهزاً لتعقيدات الواقع.

ثانياً: السياق التاريخي والهاجس القومي

إن صدور الكتاب عام 1928، أي بعد ست سنوات فقط من إلغاء الخلافة الإسلامية وإعلان مصر دولة مستقلة اسمياً عام 1922، يضفي عليه بعداً سياسياً ملحاً. كان عنان، ككثير من المثقفين المصريين والعرب في تلك الحقبة، يحاول فهم آليات السيطرة الاستعمارية الجديدة، التي لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت تعتمد على شبكات معقدة من النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي. من هذا المنطلق، يمكن قراءة الكتاب ليس كعمل أكاديمي محض، إنما كمساهمة في كشف آليات الهيمنة، ومحاولة لتسليح القارئ العربي بفهم أعمق للعبة السياسية الدولية، التي رأى فيها كثيراً من المؤامرات المحكمة.

ثالثاً: إشكالية المفهوم وتأويل التاريخ

هنا تبرز الإشكالية المركزية: أين يقع الخط الفاصل بين "التفسير" التاريخي القائم على تحليل العلاقات والصراعات، وبين "نظرية المؤامرة" التي تختزل الأحداث في خطط دبرها أفراد أو جماعات سرية؟ يبدو أن عنان، في سعيه لملء الفراغ التفسيري في التاريخ العربي التقليدي، وقع أحياناً في فخ المبالغة في دور "المؤامرة". فهل يمكن، مثلاً، تفسير سقوط الدولة العباسية أو نهاية الحكم العربي في الأندلس بمجموعة من المؤامرات فقط؟ أم أن هناك عوامل بنيوية أعمق، كالتدهور الاقتصادي، والصراعات الطبقية، والتغيرات المناخية، وتراجع النظم الإدارية، هي الأجدر بالدراسة والتحليل؟

الخطر المنهجي هنا هو تحويل "المؤامرة" من مجرد ظاهرة تاريخية موجودة وحقيقية، إلى مفتاح تفسيري وحيد وشامل. هذا ما يجعل بعض أجزاء الكتاب، من منظور منهجي معاصر، تبدو وكأنها تقدم تاريخ النخب والصراعات داخل القصور، متجاهلة تاريخ المجتمع وسيروراته الذاتية.

رابعاً: قيمة الكتاب التراثية والإبستمولوجية

رغم هذه المآخذ، يظل للكتاب قيمته الكبيرة بوصفه وثيقة على تطور الفكر التاريخي. فهو يمثل لحظة انتقالية حاول فيها المؤرخ العربي التحرر من نزعة "الوعظ والإرشاد" التي طغت على كتابات السابقين، والانتقال إلى مستوى التحليل العلمي للظواهر السياسية، حتى لو كان هذا التحليل لا يزال في مراحله الأولى. لقد قدم عنان للقارئ العربي تاريخاً "مشكوكاً فيه"، تاريخاً لا يقدم الأبطال والقديسين، بل يقدم البشر بضعفهم ومطامعهم ومكائدهم. إنه تاريخ من أسفل القمة، إذا جاز التعبير.

وفي الختام فإن "تاريخ المؤامرات السياسية" لمحمد عبدالله عنان هو أكثر من كتاب في التاريخ؛ إنه رحلة في عقلية مثقف عربي في مرحلة ما بين الحربين العالميتين. قراءتنا له اليوم يجب أن تكون قراءة نقدية، نأخذ منها روح المغامرة الفكرية والجرأة في طرح الأسئلة المحرمة، ونحذر في الوقت نفسه من منهجية الاختزال التي قد تسقط في فخ التبسيط. إنه تراث فكري نتعلم منه كيف نقرأ التاريخ، وأحياناً، كيف لا نقرأه. وهو يذكرنا بأن مهمة المؤرخ هي، قبل ذلك وبعده، نقاش المنهج نفسه.

***

د. عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم