قراءة في كتاب
عامر عبد زيد الوائلي: العنف بوصفه مُكوِّنًا أخلاقيًا للذات
لم يعد السؤال الأخلاقي في المجتمعات الخارجة من العنف سؤالًا عن القيم التي يجب استعادتها، ولا عن القوانين التي ينبغي تفعيلها، بل أصبح — على نحو أعمق وأخطر — سؤالًا عن الذات التي تشكّلت داخل العنف: كيف تكوّنت؟ وبأي منطق أخلاقي تشتغل؟ وما الذي تبقّى من قدرتها على الحكم والتمييز والمسؤولية؟
ينطلق هذا الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن العنف، حين يتحوّل من حدث استثنائي إلى زمن ممتد، لا يدمّر البنية الاجتماعية والسياسية فحسب، بل يعيد تشكيل البنية الأخلاقية للذات الإنسانية نفسها. في هذا السياق، لا تعود الأخلاق معطى سابقًا على التجربة، ولا مرجعية ثابتة تحاكم الواقع من خارجه، بل تصبح نتاجًا هشًّا لتفاعلات الخوف، والذاكرة الجريحة، وآليات التبرير، واستراتيجيات البقاء.
من هنا، لا يسعى هذا الكتاب إلى تقديم خطاب أخلاقي معياري جديد، ولا إلى الدفاع عن منظومة قيم بعينها، بل إلى تحليل عملية تشكّل الذات الأخلاقية في سياق تاريخي محدّد: العراق المعاصر بوصفه فضاءً مكثّفًا للعنف، والتشظي، وإعادة هندسة الضمير.
أولًا: من الأخلاق المعيارية إلى تشكّل الذات
تقوم معظم المقاربات الأخلاقية التقليدية — سواء الفلسفية أو الدينية — على افتراض ضمني مفاده أن الذات الأخلاقية كيان سابق على التجربة، يمتلك جهازًا قيميًا جاهزًا، وما على الواقع إلا أن يختبر مدى التزامه به. غير أن هذا الافتراض ينهار حين نواجه مجتمعات عاشت العنف لا كطارئ، بل كبنية يومية: حيث تُكسَر المعايير، وتُعلّق القوانين، ويُعاد تعريف الخير والشر وفق منطق النجاة والانتماء والانتقام.
في مثل هذه السياقات، لا يعود السؤال: ما هو الصواب؟ بل يصبح: كيف يتكوّن الإحساس بالصواب أصلًا؟
وهذا ما يفرض انتقالًا نظريًا من الأخلاق بوصفها منظومة أحكام إلى الأخلاق بوصفها عملية تشكّل للذات.
يتقاطع هذا التحول مع ما طوّره ميشيل فوكو في تحليله لتقنيات الذات، حيث الأخلاق ليست طاعة لقواعد، بل ممارسة تشكّل من خلالها الذات علاقتها بنفسها وبالآخرين. كما يستند إلى بول ريكور، الذي أعاد تعريف الهوية لا بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل هوية سردية تتكوّن عبر الزمن، وتُعاد صياغتها تحت ضغط الذاكرة والجرح والتجربة.
غير أن هذا الكتاب لا يكتفي باستدعاء هذه الأطر النظرية، بل يختبرها في سياق مختلف جذريًا: سياق العنف الأهلي والطائفي، حيث لا تتشكّل الذات في فضاء مؤسساتي مستقر، بل في فضاء مكسور المعايير، مُثقل بالدم، ومشحون بالتماهيات القاتلة.
ثانيًا: العنف كزمن أخلاقي
لا يُقارب هذا الكتاب العنف بوصفه حدثًا تاريخيًا يمكن تأريخه أو تجاوزه بخطاب المصالحة وحده، بل بوصفه زمنًا أخلاقيًا تتغيّر فيه شروط الحكم والمسؤولية والذنب.
فالعنف، حين يستقر، يعيد هندسة الضمير:
- يُبرَّر القتل باسم الهوية
- ويُعاد تعريف البراءة وفق منطق الجماعة
- وتُختزل الأخلاق في الولاء والاصطفاف
في هذا الزمن، لا يُلغى الضمير، بل يُعاد تشكيله على نحو وظيفي، بحيث يصبح قادرًا على التعايش مع أفعال كانت تُعدّ سابقًا غير قابلة للتبرير. وهنا تكمن خطورة العنف: ليس في عدد ضحاياه فقط، بل في تحويله الاستثناء إلى قاعدة أخلاقية.
يمثّل العراق، في هذا الإطار، حالة قصوى لا بوصفه استثناءً عربيًا، بل بوصفه مختبرًا أخلاقيًا مكثّفًا، تتقاطع فيه:
- انهيارات الدولة
- تديين السياسة
- تطييف الذاكرة
- وتسليع الألم
ومن ثم، فإن تحليل التجربة العراقية لا يُقدَّم هنا باعتباره وصفًا لحالة محلية، بل كنافذة لفهم ما يحدث للأخلاق حين تعيش طويلًا داخل العنف.
ثالثًا: العرفان بوصفه أداة تحليل
يُساء فهم العرفان غالبًا باعتباره خطابًا صوفيًا روحانيًا منفصلًا عن الواقع، أو تجربة فردية خلاصية. غير أن هذا الكتاب ينطلق من فرضية مغايرة:
العرفان، في عمقه الفلسفي، هو تحليل دقيق لتفكك الأنا وآليات توهّمها.
في سياق العنف الطائفي، تتضخّم الأنا الجمعية، وتتماهى مع المقدّس، وتُنتج سرديات تبريرية تُحوّل القتل إلى واجب. هنا، لا يصبح العرفان دعوة للانسحاب، بل أداة نقدية لتفكيك الأنا المتورّمة، وكشف بنيتها الوهمية، وإعادة مساءلة العلاقة بين الذات، والحقيقة، والآخر.
لا يستدعي هذا الكتاب العرفان بوصفه تراثًا يُستعاد، بل بوصفه منهجًا تحليليًا قادرًا على تفكيك آليات:
- التماهي الطائفي
- تقديس الجماعة
- وتديين العنف
رابعًا: الفضائل ككفاءات للعيش
بالمثل، لا تُقارب الفضائل في هذا الكتاب بوصفها مواعظ أخلاقية أو خصال مثالية، بل بوصفها كفاءات عملية تمكّن الذات من العيش بعد الصدمة.
فالفضيلة، في سياق ما بعد العنف، ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا لإعادة بناء العلاقة مع الذات والآخر والعالم.
يُعاد تعريف الصبر، والعدل، والرحمة، والشجاعة، لا باعتبارها قيمًا مجردة، بل كطاقات أخلاقية مكتسبة، تُمارَس في مواجهة الذاكرة الجريحة، والرغبة في الانتقام، وإغراء التبرير.
خامسًا: التجربة الدينية بين التعبئة والتحوّل
يُخصّص هذا الكتاب حيزًا خاصًا للتجربة الدينية، لا بوصفها سببًا مباشرًا للعنف، ولا كحلّ جاهز له، بل كحقل متنازع عليه بين:
- دين التعبئة والاصطفاف
- ودين التحوّل الأخلاقي الداخلي
ويُجادل بأن السؤال ليس: هل الدين عنيف؟
بل: أي نوع من الذات الدينية نُنتج؟
ذات مبرِّرة، أم ذات ناقدة لنفسها؟
سادسًا: رهان الكتاب وحدوده
لا يدّعي هذا الكتاب تقديم نظرية أخلاقية مكتملة، ولا وصفة للشفاء الجمعي، بل يطرح رهانًا تحليليًا:
فهم كيف تتشكّل الذات الأخلاقية في زمن العنف، شرطٌ أولي لأي مشروع أخلاقي أو سياسي جاد بعده.
وحدوده واضحة:
- لا يتحدث باسم الضحايا
- ولا يدّعي الحياد الأخلاقي
- ولا يفصل التحليل عن المسؤولية
بل يسعى إلى فتح أفق تفكير جديد، يُعيد طرح الأخلاق لا كقانون، بل كسؤال مفتوح.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي






