قراءة في كتاب

صباح بشير: "كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

كتاب "كأنّي لم أذهب بعيدا" للكاتب رجا زعاترة، الصّادر في (288) صفحة وخمسة فصول، هو مرافعة أدبيّة ووثيقة تقتفي أثر الشّاعر الكبير محمود درويش في جغرافيا الذّاكرة بين حيفا والجليل، وتتجلّى العودة بين سطوره كأنّها ولادة تتحقّق على دفعات، تكتمل بها دائرة المنفى وتتصالح فيها الذّات مع مرجعيّاتها الأولى، كاشفة عن حيفا كمختبر لصهر وعي الشّاعر وملاذ ظلّ يسكنه. ومن خلال الحوارات والمقالات المضمّنة، يبرز درويش شاعرا إنسانيّا يرفض الانحباس في القوالب الرّمزيّة الضّيّقة، منتصرا لجماليّة الإرادة في وجه محاولات المحو والتّهميش.

أمّا توثيق وشائج الوفاء الّتي ربطته برفاق الكلمة والموقف؛ كسميح القاسم، توفيق زيّاد، إميل حبيبي، وفدوى طوقان، فتعيد صياغة مفهوم "أدب المقاومة" باعتباره كلّ إبداع جماليّ، ينحاز للحريّة ويدافع عن إنسانيّة الفلسطينيّ.

سأستعرض بإيجاز ملخّصا لما ورد في صفحات هذا المؤلَّف، علما أنّ هذه الإطلالة لا تغني عن قراءته.

يتتبع الكتاب المسارات العميقة لخطوات درويش بين ثنايا الذّاكرة والحنين، مستعيدا حيفا ككيان حيّ، أعاد ترتيب وعي الشّاعر وبلورة هويّته الإنسانيّة؛ لينقلها من حيّز الارتهان للذّكريات إلى مرساة وجوديّة تتجذّر فيها الذّات، محوّلا إيّاها في مدار الشّاعر من جغرافيا مسلوبة إلى منارة روحيّة تؤثّث منفاه بالمعنى، وتمنح غربته وطنا من اليقين.

يفتتح زعاترة الكتاب بمقدّمته (ص13)، يتحدّث عن مسيرة درويش وعودته إلى حيفا عام (2007م) كلحظة تماهٍ وجوديّ وثقافيّ.

يستعرض دلالات حيفا في وعي الشّاعر، من حيث هي جوهر الحكاية، وخزّان للهويّة والذّاكرة، ومختبر لنضجه الفنّيّ الّذي وازن فيه بين العامّ والخاصّ، مؤكّدا تجسيد هذه العودة لانتصار الأمل، وإثباتها لالتصاق جذور الشّاعر بتراب الكرمل طوال سنوات غيابه.

في مقالة أخرى لزعاترة (ص 223)، يستحضر الصّراع الوجدانيّ لمحمود درويش، الّذي ظلّ يرى في حيفا ترياقا يغسل روحه من أوزار الغربة، مبيّنا أنّ المدينة استوطنت كيانه كإرث لغويّ خالد، وظلّت ضرورة وجوديّة لا يملأ فراغها المنفى.

تحت عنوان: "لا أتمنّى نهاية أعلى وأجمل وأكمل" (ص 17)، يعلن درويش تمسّكه بالأرض كبرهان حيّ، منتصرا لثقافة الحياة في وجه الموت، ومحذّرا بمرارة من انكسار المعنى وتشويه الهويّة، ليخلص في النّهاية إلى أنّ دور الشّاعر في زمن المحنة هو لملمة شظايا الواقع وإعادة صياغته، وصون الذّاكرة الجمعيّة. وفي حوار يفيض بالشّجن والعمق المعرفيّ (ص 25)، يختزل علاقته بمدينة حيفا الّتي صقلت وعيه الثّقافيّ والسّياسيّ، ويطرح رؤية فلسفيّة حول كتابة المكان وتثبيته في اللّغة، مقابل محاولات الطّمس والتّغييب.

يشرح ثنائيّة الوطن والمنفى، مبرهنا على أنّ الحداثة الشّعريّة تكمن في قدرة النّصّ على عبور الزّمن، من خلال المزاوجة بين المهارة الفنّيّة والارتباط بالواقع، ومشدّدا على أنّ بقاء القصيدة رهن لبطاقتها الجماليّة.2274 sabah

في حوار آخر مع الصّحفيّة "داليا كاربيل" (ص 55)، يعبّر درويش عن مشاعر متناقضة تسبق عودته إلى حيفا، يتناول بعض القضايا، مقدّما رؤية سياسيّة قاتمة للواقع الفلسطينيّ، يتحدّث عن طفولته وعاداته الكتابيّة، موضّحا أنّ شعوره أمام عظمة الشّعر العالميّ هو المحرّك لإبداعه، وقدرته على ابتكار الأمل بالاستعارات. في مقالة وردت في الصّفحة (71) للكاتب أنطوان شُلحَت، يقول فيها: إنّ أمسية درويش في حيفا هي استحقاق تاريخيّ، حيث يفنّد الانتقادات الّتي حاصرت الحدث، ويرى أنّ احتفاء الجماهير بشاعرها هو حقّ إنسانيّ.

في السّياق ذاته، ينبري الصّحافي هشام نفّاع (ص 75) لدحض الانتقادات الموجّهة للأمسية، مقوّضا دعائمها برؤية نقديّة، ومدافعا عن دور القوى المنظّمة لها، ومستشهدا بالإقبال الجماهيريّ؛ كدليل على أنّ الزّيارة هي تلبية لنداء القلوب. وفي الصّفحة (78)، تستقرئ الدكتورة سارة لزار هذه الزّيارة؛ كتجسيد للعلاقة الوثيقة بين فلسطينيّي الدّاخل وسائر أبناء شعبهم.

أمّا في الصّفحة الواحدة والثمانين، فيحتفي النّائب أيمن عودة في كلمته بعودة محمود درويش إلى حيفا، رائيا فيها لقاءً وجوديّا، يجمع بينه وبين جمهوره، الّذي لم ينسَ يوماً أنّه خرج من رحم معاناتهم؛ ليغدو حضوره أكثر رسوخا ووضوحا، واحتضانا تاريخيّا دافئا بين الابن العائد وأهله.

في كلمته، يفسّر البروفيسور رمزي سليمان (ص 85) تجربة درويش بين الذّات الخاصّة والذّات العامّة، معتبرا مسيرته كفاحا مستمرّا لحماية صوت الشّاعر من هيمنة الصّوت الجمعيّ والسّياسيّ. ويصف شربل عبّود (ص 89) أمسية حيفا بأنّها عيد شعريّ، مثّل عودة القصيدة إلى حميميتها وينابيعها الأولى على سفح الكرمل.

في حوار خاصّ (ص 95) مع المفكّر محمّد دكروب، يؤكّد درويش أنّ شعره أداة نضاليّة تحوّل مفردات الأرض؛ كالزّيتون مثلا والزّعتر والسّنابل، إلى رموز للمقاومة والصّمود، جاعلة من التّفاصيل البسيطة مواقف حضاريّة عميقة، وإلى رموز وجوديّة، تعكس التحامه بقضيّة شعبه.

أمّا الفنّان عبد عابدي، فيستحضر (ص 123) الذّاكرة المشتركة الّتي جمعته بدرويش في حيفا مطلع الستّينيّات؛ ويسرد تفاصيل علاقته الشّخصيّة بالشّاعر ومحاولته لتوثيق ملامحه عبر "بورتريه"، مبرزا التّلاحم بين ريشة الفنّان وقصيدة الشّاعر في مواجهة الواقع، ومستذكرا بدايات تشكّل الوعي الإبداعيّ الّذي جعل من حيفا منطلقا للتّواصل الثّقافيّ.

كما يصفه أحمد الطّيبي (ص 127) صائغا للوجدان الفلسطينيّ في زمن التّيه والشّتات القسريّ، كاشفا عن جوانب من شخصيّته الّتي تماهت مع الجغرافيا الفلسطينيّة؛ فكان في رام الله مفكّرا رزينا، وفي القدس صوتا لجرحها، وفي الجليل عائدا إلى ينابيع لغته الأولى.

يستعرض السّياسيّ محمّد بركة (ص 131) كيف حوَّل درويش سحر حيفا إلى قصيدة، يتطرّق إلى المحطّات الشّعوريّة الأخيرة في حياته، مستحضرا مشهد عودته المهيبة، حيث امتزجت براءة الطّفولة بزهو الشّاعر وهو يغلق دائرة الحنين بلقاء رفاق الدّرب، كما يسلّط الضّوء على ملامح شخصيّته الّتي ترفض الهزيمة والانكسار.

نعثر على مرثيّة باذخة، تجمع بين جلال الوداع وعمق التّحليل النّقديّ (ص 138)، يرثي فيها درويش فدوى طوقان، واصفا إيّاها بالشّاعرة الّتي طوت جسدها الهشّ في قصيدتها؛ كفراشة في وردة. وفي خطاب وداعيّ مؤثّر (ص 145)، يرثي رفيق الكلمة والموقف إميل حبيبي، مجسّدا في شخصه أيقونة الصّمود الّذي اختار أن يكون باقيا في حيفا حيّا وميّتا. وبمرثية نضاليّة أخرى تقطر وفاءً (ص 165)، ينعى رفيقه توفيق زيّاد، واصفا إيّاه بآخر أصوات العاصفة، ومؤكّدا أنّه رحل صامدا على مبادئه.

في خطاب آخر يتّسم بالحمولة الوجدانيّة (ص 169)، يعلن من قلب النّاصرة أنّ كيّنونته الشّعريّة والإنسانيّة لا تستقيم إلّا بالالتحام بعناصر تكوينها الأوّل؛ "الأرض واللّغة"، وأنّ صوته الفرديّ هو مرآة للهمّ الجماعيّ. وتكملة لمشهد العودة هذا وما رافقه من مواقف، يرحّب رامز جرايسي بحفاوة (ص 177) بعودة درويش، يبيّن في خطابه دوره كرمز أدبيّ وإنسانيّ، وثائر اختزل الفنون في لغته الشّعريّة؛ ليحمل همّ الوطن والحقّ الأصيل في العيش بحريّة وكرامة.

ثمّ نقرأ عن مراسلات درويش مع سميح القاسم (ص 199)، الّتي يعبّر فيها عن لوعة الاغتراب وحلم الاستقرار. ومن باريس عام (1986م)، يصرخ برفضه للمنفى، يتشبّث بحقّ العودة، ويختم رسالته بتساؤل عن مكانه المفقود حتّى في الموت.

في ردّ يفيض بالحبّ والعتاب والمشاكسة الأخويّة (ص 206)، يتلقّف القاسم رسائل رفيقه محوّلا إيّاها إلى منصّة لترميم الذّاكرة؛ حيث يستحضر بوجع وشجن ذكريات البدايات في الرّامة وحيفا، ويشخّص مفارقة الثّنائيّة بينهما بذكاء.

(ص 216) نجد مقالة للكاتبة عبير حيدر، تكثّف فيها رمزيّة حيفا في وجدان محمود درويش بكونها قلبه المكانيّ، ومحفّز وعيه السّياسيّ والإبداعيّ، وهي مسرح البدايات ومنبت الحبّ والصّداقات الأدبيّة، والذّاكرة الّتي ظلّت عصيّة على النّسيان.

في صفحات أخرى من الكتاب، يفكّك درويش جدليّة المنفى والولادة، معتبرا المنفى اقتلاعا من تفاصيل الحياة البسيطة؛ ليتحوّل الحنين لديه من عاطفة ذاتيّة إلى وعي فلسفيّ، يجعل من المكان وحده مثبّتا للوجود. وفي مقال فارق (ص 275)، يرى إميل حبيبي أنّ رحيل درويش إلى القاهرة عام (1971م) قضيّة عامّة، تتجاوز القرار الشّخصيّ؛ لتكشف عن عمق المأساة الّتي كابدها المثقّف الفلسطينيّ.

وبعد.. يخلص هذا الكتاب إلى أنّ شاعرنا لم يغادر وطنه إلّا ليعود إليه عبر وطن اللّغة، منوّها بأنّ سيادة الشّاعر على المكان تبدأ من سيادته على كلماته، وأنّ صمود الباقين في أرضهم هو البرهان الأنصع على انتصار الذّاكرة.

بذلك، نستجلي كيف أضحى وطن اللّغة ملاذا أخيرا ومعقلا حصينا، استبقى ملامح الشّاعر وتفاصيل ذاكرته نائية عن النّسيان؛ لتبقى حيفا هي المنارة الّتي لم تخطئها قصائده، مهما نأى به الغياب عن ثراها.

***

صباح بشير

 

في المثقف اليوم