عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

يذكرنا الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو في كتابه افول الوعي بأن الطغيان لم يعد بحاجة إلى جيوش جرارة أو سجون مظلمة لفرض سيطرته. بل يكفيه اليوم شاشة صغيرة وبرمجيات ذكية تعيد صياغة وعي الإنسان دون أن يشعر بعبوديته. واليوم ونحن نراقب المشهد الثقافي نجد أنفسنا أمام المعضلة ذاتها التي حذر منها فلاسفة التنوير: كيف يمكن للمثقف الحقيقي أن ينجو بوعيه في عصر تحولت فيه المعرفة إلى مجرد تريند عابر، واستبدلت فيه الأفكار المستنيرة بضجيج المنصات الرقمية؟

في القدم كان المثقف – من فولتير وسارتر إلى طه حسين وعلي الوردي – يمثل القلق المعرفي والبوصلة التي توقظ المجتمعات من سباتها الفكري. كانت المواجهة بين المثقف والسلطة واضحة المعالم سلطة تملك أدوات القمع، ومثقف يملك سلاح الكلمة والموقف. لكن اليوم فقد تبدلت اللعبة تماماً إذ لم تعد السلطة الرقمية الحديثة بحاجة إلى مصادرة كتاب أو إغلاق صحيفة، بل أصبحت تمارس الرقابة بالإغراق، أي إغراق الفضاء العام بملايين التغريدات والمنشورات التافهة والمضللة، حتى يضيع صوت المثقف الرصين في زحام الصخب والتهريج الإلكتروني.

إن الجريمة الكبرى التي ترتكبها خوارزميات التوجيه اليوم هي تحويل الثقافة من فعل حفر ونقد وتفكيك، إلى بضاعة استهلاكية خفيفة تخضع لقوانين الإعجاب والمشاركة السريعة. في هذا المستنقع الرقمي، تراجعت قيمة الكتاب العميق لحساب الجملة السطحية الاستعراضية، وتحول بعض أشباه المثقفين إلى مؤثرين يلهثون وراء رضا الجمهور والمشاهدات، متنازلين عن دورهم التاريخي كقادة للتنوير ليصبحوا مجرد أسرى في قطيع مبرمج تصنعه خوارزميات صامتة وخفية.

لذا يصبح واجب المثقف الحقيقي اليوم ليس الانعزال على أطلال الماضي، بل خوض معركة شرسة لاسترداد العقل الإنساني من أسر الاستلاب الرقمي. إنها معركة الدفاع عن الشك المنهجي في وجه اليقينيات الزائفة التي تبثها الشاشات. لن يعود للمثقف دور إلا إذا استعاد شجاعته المعرفية، وترفع عن مستنقع الشعبوية الرقمية، ليعيد للكلمة عمقها وللفكر كرامته. فالوعي ليس ترفاً، بل هو السلاح الوحيد المتبقي لنا كي لا نتحول إلى مجرد أرقام في حسابات القوى التي تدير العالم من وراء الستار.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

(خَميرُ الرأي خيرٌ من فطيرِه!) تركيبٌ مكثّفٌ في المفاضلة بين الرأي المتأنّي وبين الرأي المستعجَل، وقد نسَب جوهرَه الجاحظُ في كتابه البيان والتبيين إلى عبدالله بن وَهْب الراسبي، إذ قال ما نصه: "قالوا: وأرادوا عبدالله بن وهب الراسبي على الكلام يومَ عقدتْ له الخوارجُ الرياسة، فقال: وما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب. ولما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يَغِبّ؛ فإنّ غُبُوبَه يكشف لكم عن مَحْضِه"(1).

إنّ الوقت عاملٌ غامضٌ في التأثير ودحرجة الأمور برشاقة خفيّة؛ لأنه يعمل سياقًا ينفتح على مستجدّات جديدة في مجرى الأحداث، فتنشأ مسارات مختلفة من شأنها أن تغيّر المشهد وحيثيات الرأي والفكرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالوقت حاضنٌ يُنضج الفكرة على نار هادئة، والمكافئ الإنجليزي لهذا التركيب هو (Sleep on it) بمعنى منح الفكرة مساحة من الوقت لتختمر في دهاليز لاوعينا، متفاعلة مع الذكريات والإمكانات ذات الصلة، لنتفاجأ على حين غِرّة أنّ حَلًا خطر لنا أو زاوية نظر جديدة للموضوع بأسره بَدت لنا بلا سابق استئذان.

بدا جليًا أنّ المراهنة على الوقت ممارسةٌ واعية، غير أنه ثمّة لِحاظٌ مهمٌ لا بد من إعماله حتى لا ننزلق لمغالاة في الممارسة تُقوّض جدواها، وهو أن تخمير الرأي، وإعمال الفكر فيه ينبغي ألا يكون صادرا عن هوس الكمال، فيتجاوز وقتُه الوقتَ المعقول - بحسب حجم الموضوع محِلّ الرأي، وما يكتنفه من ملابسات - فالإفراط في التفكير يُزيح الرأي من منطقة التخمير الحميد إلى منطقة العُلوق في حلقة مفرغة من التفكير غير الفعّال؛ لسبب وجيه وهو أن الكمال سرابٌ لا يمكن تحصيله، ونشدانه هو ركض صوب المستحيل، ناهيك عن التشتت والإرباك، وعليه فإفراغُ الجهد في الاستقصاء، ودفع الممكن إلى حده الأقصى المتأتّي والمعقول، هو أصحّ طريقةً من إشغال الفكر صبحَ مساءَ إلى أجل غير مسمّى، وأنه بجعل عامل الزمن متّزنًا، يصبح المفهوم ناضجا غير مشوّه، وهنا يصحّ لنا القول إنّ الرأي الذي يصدُر عن تَؤُدَةٍ وتأنٍ هو خيرٌ عاقبةً ومآلًا من الرأي الذي يخرج من مشكاة العَجَل.

على أنّ مرحلة تخمير الآراء لا تعني بالضرورة الاعتكاف حصرا على تقليب الرأي يمنة ويسرة، والمكوث في دراسته وفحصه، بل تعني في عظيم ما تعنيه أيضا أنْ تَعْمد إلى ترك الأمر تناسيا وتغافلا إلى حين، وذلك بعدما أشبعتَه تفكيرا، لترجع إليه لاحقا بعد بضعة أيام وربما أسابيع إذا كانت لديك سعةٌ من الوقت، فإراحة الدماغ من التفكير الواعي يدع مساحة فعّالة للعقل اللاواعي في التعاطي مع الفكرة المخمّرة، وهذا هو السبب وراء ظهور الحل، وأنت مندمج في عمل آخر تماما كسقي المزروعات أو قيادة السيارة أو مشاهدة فيلم ما.

لحظة التجلّي هذه هي ما نطلق عليها لحظة (وجدتُها) (Eureka) الملازمة للعباقرة والمكتشفين، وفي مجال علم الأعصاب الإدراكي تُبرَّر بـ (Incubation Effect) تأثير الاحتضان؛ لأن فترة التخمير المنفصل عن التفكير في الفكرة لا تعني توقف الدماغ نهائيا عن المعالجة المعرفية، إذْ تتم ولكن على مستوى آخر لاواعي، إذْ تُفَعّل حينها شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (Default Mode Network) وذلك وفقا لدراسة علمية نُشرت السنة المنصرمة (2025) في مجلة (NeuroImage) بعنوان: إعادة التشكيل الديناميكي للشبكة الافتراضية والشبكة الجبهية الجدارية يدعم الحضانة الإبداعية.(2)

وخُلاصة مفهوم تخمير الرأي أنه ممارسة واعية جدا، شريطة أن يكون ضمن الحيّز الزمني المعقول بلا إفراط، إضافةً إلى ضرورة الوعي بأن شطرا محوريًا من مرحلة التخمير يجب أن يتزامن مع التوقف الواعي عن التفكير في الفكرة، فالوعي تفكير وتخمير!

***

محمد سيف

.....................

الهوامش:

(1) الجاحظ، البيان والتبيين، (205/1)، ت: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية.

(2) رابط الدراسة العلمية:

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1053811925000217

النشأة، المبادئ، التطور المفاهيمي والتاريخي والتطبيقات العربية، مقاربة ما بعد كولونيالية

مقدمة: تُشكل المسألة الوطنية أحد أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر السياسي والاجتماعي الحديث والمعاصر. فهي ليست مجرد مطلب سياسي عابر أو شعار تعبوي، بل هي حقل متشابك من التصورات حول الهوية والسيادة والانتماء والسلطة والزمن التاريخي. تتقاطع فيها أبعاد فلسفية وأنثروبولوجية واقتصادية وثقافية، وتكشف عن التوتر الدائم بين الكوني والخصوصي، بين الدولة والأمة، بين الذاكرة والمستقبل. وفي السياقات العربية، اكتسبت المسألة الوطنية كثافة خاصة بفعل التجربة الاستعمارية الطويلة، ثم تجربة الاستقلال، ثم أزمات ما بعد الاستقلال، مما جعلها حقلًا خصبًا للمقاربات النقدية، ولا سيما المقاربة ما بعد الكولونيالية التي تعيد مساءلة مفاهيم الأمة والسيادة والهوية من داخل التجربة الاستعمارية ذاتها. فماهي مكونات المسألة الوطنية؟ متى تشكلت؟ وأين ظهرت؟ وماهي مسوغات تطورها؟ وهل مازال لها مستقبل؟

النشأة التاريخية للمسألة الوطنية

نشأت المسألة الوطنية في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر. لم تكن الأمة مفهومًا أزليًا، بل نتاج عملية تاريخية معقدة ارتبطت بتفكك البنى الإقطاعية، وصعود البرجوازية، وتشكل الدولة الحديثة بوصفها إطارًا للتنظيم السياسي والاقتصادي. جاءت الثورة الفرنسية لتحول فكرة الأمة من رابطة تقليدية أو دينية إلى رابطة سياسية مدنية تقوم على المواطنة والإرادة المشتركة. أصبح الشعب مصدر السيادة، وصارت الأمة كيانًا يُتصور بوصفه مجتمعًا متخيلًا يتقاسم أفراده لغة وذاكرة ومصيرًا. لكن النشأة الأوروبية للمسألة الوطنية لم تكن محايدة. فقد ارتبطت في كثير من الحالات بعمليات التوحيد القسري، وبقمع الهويات الفرعية، وببناء سرديات تاريخية انتقائية تبرر الحدود الجديدة. ومع توسع الإمبراطوريات الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين، انتقلت المسألة الوطنية إلى المستعمرات بوصفها سلاحًا مزدوجًا: من جهة، استخدمها المستعمرون لتبرير سيطرتهم عبر خطاب «الرسالة الحضارية»، ومن جهة أخرى، استعارها المستعمَرون أنفسهم لمقاومة السيطرة والمطالبة بالاستقلال. هكذا تحولت المسألة الوطنية من إشكالية أوروبية داخلية إلى إشكالية عالمية، تحمل في طياتها توترات الاستعمار والمقاومة معًا. في السياق العربي، بدأت المسألة الوطنية في التبلور مع ضعف الدولة العثمانية وتصاعد التدخلات الأوروبية. لم تكن الهوية العربية قبل ذلك محددة بالحدود السياسية الحديثة، بل كانت تتوزع بين الانتماءات الدينية والمذهبية والعشائرية والإقليمية. ومع دخول مفاهيم الأمة والوطن والسيادة عبر الترجمة والصحافة والبعثات التعليمية، بدأت النخب العربية تعيد صياغة انتمائها في إطار جديد. نشأت المسألة الوطنية العربية إذن في لحظة تقاطع بين تفكك الإمبراطورية العثمانية، وصعود الاستعمار الأوروبي، وتأثر النخب بأفكار النهضة الأوروبية.

المبادئ المؤسسة للمسألة الوطنية

تقوم المسألة الوطنية على مجموعة من المبادئ المترابطة التي شكلت إطارها النظري والعملي. أول هذه المبادئ مبدأ تقرير المصير، الذي يفترض أن لكل جماعة بشرية حقًا أصيلاً في تحديد شكل وجودها السياسي دون تدخل خارجي. يرتبط هذا المبدأ ارتباطًا وثيقًا بمبدأ السيادة، الذي يحول الأمة إلى كيان قانوني يتمتع بالسلطة العليا داخل حدوده. أما مبدأ الوحدة، فيؤكد على ضرورة تجاوز الانقسامات الداخلية من أجل بناء كيان متماسك قادر على مواجهة التحديات الخارجية. يأتي مبدأ الهوية بوصفه حجر الزاوية. فالأمة لا تقوم فقط على الإرادة السياسية، بل على تصور مشترك للذات يستند إلى اللغة أو التاريخ أو الثقافة أو الدين أو مزيج منها. هذا التصور ليس معطى طبيعيًا، بل هو بناء تاريخي يخضع للتفاوض والصراع. ومن هنا ينبثق مبدأ الشرعية، الذي يربط السلطة بتمثيلها للأمة، ويجعل الخروج على هذه الشرعية خيانة أو انحرافًا. غير أن هذه المبادئ ليست متجانسة دائمًا. فمبدأ تقرير المصير قد يتعارض مع مبدأ الوحدة عندما تطالب جماعات فرعية بالاستقلال. ومبدأ الهوية قد يتحول إلى أداة إقصاء عندما يُعرَّف بطريقة ضيقة تستبعد مكونات المجتمع. كما أن مبدأ السيادة قد يُستخدم لتبرير الاستبداد الداخلي باسم الحفاظ على الاستقلال الخارجي. هذه التوترات الداخلية هي ما يجعل المسألة الوطنية حقلًا للصراع لا مجرد إطار توافقي.

التطور المفاهيمي والتاريخ

يشهد مفهوم الأمة والمسألة الوطنية تطورًا مفهوميًا عميقًا عبر القرنين التاسع عشر والعشرين. في المرحلة الكلاسيكية، ساد تصور الأمة بوصفها كيانًا عضويًا طبيعيًا ينمو عبر الزمن، له روح خاصة ولغة وتاريخ مشترك. ارتبط هذا التصور بالرومانسية الأوروبية، وأعطى للقومية طابعًا عاطفيًا وثقافيًا قويًا. ثم جاءت المرحلة الليبرالية لتركز على البعد السياسي والمدني، معتبرة الأمة تعاقدًا إراديًا بين مواطنين أحرار. مع صعود الحركات الاشتراكية، أُعيدت صياغة المسألة الوطنية في إطار الصراع الطبقي. اعتُبرت القومية في بعض السياقات أداة برجوازية لتأجيل الثورة الاجتماعية، بينما رُبطت في سياقات أخرى بحق الشعوب المضطهدة في التحرر بوصفه شرطًا للتحرر الإنساني الشامل. أما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت المسألة الوطنية مرادفة لحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتحولت إلى شعار عالمي لمناهضة الاستعمار.

في العقود الأخيرة، تعرض المفهوم لمراجعات جذرية. أدى تفكك الدول القومية في بعض المناطق، وصعود العولمة، وتنامي الهويات الفرعية والدينية، إلى التشكيك في قدرة الأمة على أن تكون الإطار الوحيد للانتماء. ظهرت مفاهيم جديدة مثل ما بعد القومية، والهوية الهجينة، والمواطنة العالمية، مما أعاد طرح المسألة الوطنية في سياق مختلف تمامًا: سياق يتسم بتآكل الحدود التقليدية وتعدد مستويات الانتماء. تاريخيًا، مرت المسألة الوطنية في العالم العربي بمراحل متمايزة. المرحلة الأولى هي مرحلة الوعي النهضوي، حيث سعت النخب إلى التوفيق بين التراث الإسلامي والمفاهيم الحديثة للأمة والوطن. المرحلة الثانية هي مرحلة النضال ضد الاستعمار المباشر، حيث توحدت الشعارات حول الاستقلال والسيادة. المرحلة الثالثة هي مرحلة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، والتي شهدت محاولات لبناء هوية وطنية موحدة عبر التعليم والإعلام والجيش. أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة الأزمات، حيث واجهت الدولة الوطنية تحديات داخلية من قبيل الانقسامات الطائفية والجهوية، وتحديات خارجية من قبيل التبعية الاقتصادية والتدخلات الأجنبية.

التطبيقات العربية للمسألة الوطنية

اتخذت المسألة الوطنية في السياق العربي أشكالًا متعددة تعكس تنوع التجارب التاريخية. في المشرق العربي، برزت القومية العربية بوصفها مشروعًا يتجاوز الحدود القطرية، مستندًا إلى اللغة والتاريخ المشترك. سعت هذه القومية إلى توحيد الأقطار العربية في إطار أوسع، معتبرة الحدود التي رسمها الاستعمار حدودًا مصطنعة. غير أن هذا المشروع اصطدم بتناقضات واقعية: اختلاف المصالح بين الأنظمة، وتنوع التركيبات الاجتماعية، وصعوبة التوفيق بين الهوية العربية والهويات المحلية.

في المغرب العربي، اتخذت المسألة الوطنية طابعًا أكثر ارتباطًا بالدولة القطرية، مع التركيز على مقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني، ثم بناء الدولة المستقلة. هنا برزت إشكالية العلاقة بين العروبة والأمازيغية، وبين الإسلام والعلمانية، مما جعل بناء الهوية الوطنية عملية تفاوض مستمرة.

أما في فلسطين، فقد اكتسبت المسألة الوطنية طابعًا وجوديًا خاصًا. لم تكن مجرد مطلب استقلال، بل صراعًا على الأرض والذاكرة والوجود ذاته في مواجهة مشروع استيطاني يهدف إلى نفي الهوية الوطنية الفلسطينية. هنا تحولت المسألة الوطنية إلى رمز عالمي للمقاومة، لكنها حملت أيضًا أعباء التجزئة السياسية والانقسام الداخلي. في الخليج والجزيرة العربية، تشكلت المسألة الوطنية في سياق مختلف تمامًا، مرتبط بنشأة الدول الحديثة على أسس قبلية ودينية، مع دمج تدريجي لمفاهيم الدولة والمواطنة. أما في السودان والقرن الأفريقي، فقد كشفت المسألة الوطنية عن تعقيدات الإثنية والدين والجغرافيا، وأدت في بعض الحالات إلى انقسامات كبرى. في مجمل هذه التطبيقات، برزت مفارقة مركزية: بينما نجحت الحركات الوطنية في تحقيق الاستقلال السياسي الشكلي، فشلت في كثير من الأحيان في بناء أمة متماسكة قادرة على استيعاب تنوعها الداخلي وتحقيق تنمية مستقلة. تحولت الدولة الوطنية في بعض الحالات إلى جهاز سلطوي يحتكر تمثيل الأمة ويقمع المعارضين باسم الوحدة الوطنية.

مقاربة ما بعد كولونيالية للمسألة الوطنية

تتيح المقاربة ما بعد الكولونيالية إعادة قراءة المسألة الوطنية بعيدًا عن السرديات التحررية المثالية. فهي تكشف أن القومية في السياقات المستعمَرة لم تكن مجرد استعادة لهوية أصلية مكبوتة، بل كانت في كثير من الأحيان إعادة إنتاج لآليات السلطة الاستعمارية داخل إطار جديد. فالدولة الوطنية التي ورثت الحدود الإدارية الاستعمارية، والجهاز البيروقراطي، ونظام التعليم، أعادت في كثير من الأحيان إنتاج منطق السيطرة والمركزية والإقصاء. من هذا المنظور، تظهر الأمة بوصفها بناءً خطابيًا أكثر مما هي واقع معطى. السرديات الوطنية تختار من الماضي ما يناسب مشروع الحاضر، وتُسكت أصوات المهمشين والنساء والأقليات والجماعات الفرعية. الهوية الوطنية، بدل أن تكون فضاءً للتعدد، تتحول أحيانًا إلى أداة للتوحيد القسري. كما أن خطاب التحرر الوطني كثيرًا ما أخفى استمرار التبعية الاقتصادية والثقافية، محولًا الاستقلال إلى استقلال شكلي يحتفظ فيه المركز الغربي بنفوذه عبر آليات جديدة.

تكشف المقاربة ما بعد الكولونيالية أيضًا عن الطابع الهجين للهوية في السياقات العربية. فالذات الوطنية لم تتشكل في عزلة، بل في تفاعل مستمر مع الآخر الاستعماري: مقاومة وتمثل، رفض واستيعاب. هذا الهجين ليس ضعفًا، بل هو الواقع الحي الذي يجب الاعتراف به بدل البحث عن نقاء أصلي وهمي. كما تبرز هذه المقاربة أهمية الصوت الهامشي: صوت الفلاحين والعمال والنساء والأقليات الذين غالبًا ما غُيبت أصواتهم في السردية الوطنية الرسمية. في السياق العربي المعاصر، تسمح هذه المقاربة بفهم أزمات الدولة الوطنية لا بوصفها انحرافًا عن مسار صحيح، بل بوصفها نتيجة بنيوية لكيفية تشكل هذه الدولة في ظل الاستعمار وما بعده. فالحدود المصطنعة، والاقتصاد الريعي أو التبعي، والخطاب الهوياتي الضيق، كلها عناصر متوارثة ومعاد إنتاجها. ومن هنا فإن تجاوز أزمات المسألة الوطنية لا يكون بالعودة إلى قومية رومانسية أو إلى أممية مجردة، بل بإعادة تخيل الأمة بوصفها فضاءً تعدديًا ديمقراطيًا يعترف بالاختلاف ويحول السيادة من سيادة الدولة على المجتمع إلى سيادة المجتمع على نفسه.

خاتمة:

تكشف الدراسة أن المسألة الوطنية ليست مفهومًا ثابتًا، بل هي حقل ديناميكي يتغير مع تغير الشروط التاريخية. نشأت في أوروبا الحديثة، وانتقلت إلى العالم المستعمَر بوصفها أداة مقاومة، ثم تحولت في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى إطار لبناء الدولة، ثم واجهت أزمات عميقة مع صعود الهويات الفرعية وتحديات العولمة. في السياق العربي، حملت المسألة الوطنية آمال التحرر والتقدم، لكنها حملت أيضًا بذور الإقصاء والتسلط والتبعية المستمرة. المقاربة ما بعد الكولونيالية لا تلغي أهمية المسألة الوطنية، بل تعيد مساءلتها من الداخل. فهي تدعو إلى فك الارتباط بين الأمة والدولة الاستبدادية، وبين الهوية والنقاء، وبين السيادة والعزلة. الأمة الممكنة اليوم هي أمة تعترف بهجينتها، وتحتضن تعددها، وتحول تقرير المصير من شعار خارجي إلى ممارسة داخلية ديمقراطية. بهذا المعنى، تبقى المسألة الوطنية مفتوحة، لا بوصفها إجابة جاهزة، بل بوصفها سؤالًا مستمرًا عن كيفية العيش المشترك في عالم متغير. فكيف نتجه نحو إعادة صياغة المسألة الوطنية في عصر الرقمنة والاستعمار الجديد؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في البداية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذة نورجان سرغاية، صاحبة هذه الدعوة الكريمة، وإلى الأستاذ علي الحاج حسين، وإلى القائمين على منتدى حوارات «قضية ورأي»، على جهودهم التنويرية الرامية إلى استعادة قيمة الحوار العقلاني في زمن طغت فيه الضوضاء على المعرفة، والاستقطاب على الاختلاف، والأحكام المسبقة على فضيلة السؤال. إن تخصيص مساحة لمناقشة أسباب التخلف في المجتمعات العربية والإسلامية، وإتاحة المجال أمام الآراء المتباينة لتتجادل بالحجة لا بالخصومة، يمثلان عملاً ثقافياً يستحق التقدير؛ فالمجتمعات التي تفقد القدرة على الحوار تفقد، تدريجياً، قدرتها على فهم نفسها وتغيير واقعها.

استمعت باهتمام إلى الاستاذ موفق زريق واليكم وجهة نظري في القضية التخلف حالة تاريخيّة وليس صفة جوهرية في العرب أو المسلمين، فالشعوب لا تولد متقدمة أو متخلفة، وإنما تتشكل شروط تقدمها أو تعثرها عبر مسارات تاريخية معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم وطبيعة المؤسسات والعلاقة بين الفرد والسلطة. ولذلك فإن السؤال الذي يشغلني ليس فقط: لماذا تأخرنا؟ بل كيف صنعنا شروط تأخرنا، ولماذا عجزنا عن تحويل معرفتنا بتاريخنا وتجاربنا إلى قوة قادرة على تغيير حاضرنا؟

معلوم إن الناس حين يعجزون عن تغيير واقعهم، يعمدون أحياناً إلى تغيير الكلمات التي تصفه. وهكذا يتحول العجز إلى حكمة، والهزيمة إلى صمود، والفساد إلى توافق، والانهيار إلى مرحلة انتقالية، وتصبح الشعارات بديلاً عن الإنجاز، والخطابة تعويضاً نفسياً عن الفعل. لا يعود الخلل في غياب الكلمات الكبيرة، بل في انفصالها عن الواقع الذي يفترض أن تعبّر عنه. فنحن نتحدث عن الوطن بينما تمزقه الولاءات الضيقة، وعن العدالة بينما نمارس التمييز، وعن الحرية بينما نخشى الاختلاف، وعن النهضة بينما نعيد إنتاج الشروط التي عطلتها. وهذا هو السحر الأيديولوجي الذي يجعل الأوهام قابلة للتوارث، والمعجزات المؤجلة قابلة للانتظار جيلاً بعد جيل.

إن من الأخطاء المنهجية أن نبحث عن سبب واحد شامل لتخلف مجتمعاتنا، فنحمّل الاستعمار وحده المسؤولية، أو نلقيها على التراث أو الدين أو الآخر. وليس في ذلك إنكار لأثر الاستعمار والتدخلات الخارجية، ولا تجاهل لثقل الموروثات الثقافية، وإنما المشكلة تبدأ حين يتحول التفسير إلى وسيلة لتبرئة الحاضر من المسؤولية. فالتاريخ ليس محكمة نبحث فيها عن متهم نلقي عليه اللوم، بل مجال لفهم العلاقات بين الأسباب والنتائج، وبين الخيارات التي اتخذناها والاحتمالات التي أهدرناها. إن السؤال النقدي الحقيقي هو: ما الذي فعلناه بما ورثناه، وكيف تعاملنا مع التحولات التي مررنا بها، وما الذي منعنا من التعلم من إخفاقاتنا؟

ومن هنا تأتي أهمية الدولة الحديثة. فالدولة ليست مجرد علم ونشيد وحدود جغرافية، وليست امتداداً لشخصية الزعيم أو فضيلة الجماعة التي تتولى الحكم؛ إنها نظام من القواعد والمؤسسات التي تنظم العلاقة بين المواطنين، وتضبط استخدام القوة، وتحمي الحقوق، وتحدد المسؤوليات. لقد تعلمت المجتمعات الحديثة، عبر قرون من الحروب والصراعات والانهيارات، أن البشر ليسوا ملائكة، وأن حسن النوايا لا يكفي لضمان العدالة. ولذلك لم تبنِ الدولة الحديثة استقرارها على انتظار صلاح الحاكم، بل على تقييد سلطته بالقانون وإخضاعه للمساءلة.

وهنا تكتسب فكرة العقد الاجتماعي أهميتها الفلسفية؛ فالعيش المشترك ليس دائماً ثمرة محبة متبادلة أو تطابق في المعتقدات، بل هو أيضاً ضرورة عقلانية تفرضها حاجة البشر إلى الأمن وتنظيم المصالح وحماية الحقوق. نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه في كل شيء كي نعيش معاً، بل نحتاج إلى قواعد عادلة تمنع اختلافاتنا من التحول إلى حروب. فالسياسة الرشيدة لا تلغي الصراع، وإنما تنقله من الشارع والسلاح إلى المؤسسات والحوار والانتخابات والقضاء. ولا تفترض أن الجميع صالحون، بل تنشئ الضمانات التي تحول دون استبداد أي طرف بالآخر.

وتزداد هذه المسألة تعقيداً في المجتمعات التي تتجاور فيها هويات قبلية ومناطقية ومذهبية وعائلية متنافسة. ففي بعض هذه المجتمعات قد تتساوى الجماعات في شعورها بالاستحقاق والمكانة، لكنها تظل منقسمة في ولاءاتها ومصالحها. وحين تغيب القواعد المؤسسية المقبولة لتنظيم التنافس على السلطة والثروة والوظيفة العامة، تتحول المساواة في الشعور بالجدارة إلى منافسة مفتوحة على النفوذ. ولا تكمن المشكلة في التعدد ذاته، بل في العجز عن تحويله إلى تعددية سياسية منظمة، تتعايش فيها الجماعات تحت سقف المواطنة والقانون. فالتنوع يمكن أن يكون مصدر ثراء حضاري، لكنه يتحول إلى مصدر استنزاف حين تصبح كل جماعة دولة داخل الدولة، وترى في السلطة غنيمة لا مسؤولية عامة.

وبهذا المعنى كتبت مقالي عن العلمانية بوصفها تنظيماً للتعدد ومنعاً لاحتكار الدولة باسم عقيدة أو مذهب أو جماعة. ليست المسألة إقصاء الدين من المجتمع، بل ضمان ألا تتحول عقيدة فريق إلى أداة لحرمان الآخرين من حقوقهم. فالدولة المدنية لا تسأل المواطن عن قبيلته أو مذهبه قبل أن تحميه، ولا تجعل الانتماء شرطاً للحصول على المواطنة. إنها دولة تتسع للمؤمن وغير المؤمن، وللمتدين والعلماني، وللمختلفين في الرأي والهوية، ما دام الجميع خاضعين لقانون عادل يحمي حقوقهم المتساوية.

لقد كتبت مراراً أن أخطر ما يصيب السياسة هو غياب المسؤولية. فالسلطة ليست امتيازاً، وإنما عبء أخلاقي وقانوني. ولا تُقاس قيمتها بقدرتها على السيطرة أو حشد الأنصار، بل بقدرتها على حماية الناس، وتأمين حياتهم، وإدارة الموارد، وتحقيق العدالة، وتحمل تبعات القرارات. وحين تقع الكوارث ولا نعرف من المسؤول عنها، وحين تتوزع المسؤولية بين أشخاص ومؤسسات وجماعات حتى تتلاشى، يصبح الفشل بلا صاحب، وتتحول المحاسبة إلى خطاب فارغ.

إن السؤال الأهم في أي نظام سياسي رشيد هو: من المسؤول؟ من اتخذ القرار؟ من يملك صلاحية التصرف؟ ومن يُحاسب حين يفشل؟ هذه الأسئلة البسيطة هي التي تفصل بين الدولة الحديثة وشبكات النفوذ، وبين السياسة بوصفها إدارة للشأن العام والسياسة بوصفها صراعاً على الغنائم. فالسلطة التي لا تخضع للمحاسبة تصبح قوة سائبة، والقوة السائبة قادرة على تحويل المجتمع إلى رهينة لمصالح من يمتلكونها.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن التعليم والاقتصاد والثقافة. فالنهضة لا تتحقق بمجرد تغيير الخطاب السياسي إذا بقيت المدرسة عاجزة عن تنمية التفكير النقدي، والجامعة خائفة من حرية البحث، والاقتصاد غير قادر على توفير فرص عادلة، والكفاءة مغلوبة أمام الولاءات. إن المجتمع الذي يدفع أبناءه إلى الهجرة بسبب الإقصاء وانعدام الفرص يخسر جزءاً من مستقبله، والمجتمع الذي يمنح الوظائف العامة على أساس القرب والولاء بدلاً من الجدارة يعاقب الكفاءة ويكافئ الرداءة. لذلك لا بد أن يكون الإصلاح الثقافي متصلاً بإصلاح المؤسسات، وأن تقترن الحرية بالعدالة الاجتماعية، وأن يصبح التعليم أداة لبناء الإنسان المستقل، لا وسيلة لإعادة إنتاج الطاعة.

إن أسباب تعثرنا ليست لغزاً يستعصي على الفهم، ولا سرّاً لا يمكن الاقتراب منه. لكن معرفة الأسباب لا تعني بالضرورة امتلاك الإرادة لمعالجتها. وربما تكمن المشكلة في أن بعض النخب تستفيد من استمرار الأزمة أكثر مما تستفيد من حلها، وأن تغيير الكلمات أقل كلفة من تغيير البنى التي تنتج الفشل. فمن السهل أن نعلن ثورة جديدة، وأن نرفع شعاراً جديداً، وأن نمنح السلطة اسماً جديداً، لكن الأصعب أن نقبل بقانون يقيدنا، ومؤسسة تحاسبنا، وحق متساوٍ لمعارضينا، وانتقال سلمي للسلطة قد يُخرجنا من مواقع النفوذ.

ولهذا فإن الخروج من مأزق التخلف يبدأ باستعادة الإنسان باعتباره غاية التنمية وفاعل التاريخ، وبناء دولة مدنية ديمقراطية لا تحتكرها جماعة أو سلالة أو منطقة أو أيديولوجيا، وإرساء مواطنة متساوية، وتعزيز حرية التفكير، وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة. كما يبدأ بالتخلي عن انتظار المنقذ الفرد، والزعيم الاستثنائي، والمعجزة التي ستصل ذات يوم من خارج التاريخ. فالتقدم ليس هبة، والنهضة ليست أمنية، والدولة العادلة لا تُبنى بالنوايا وحدها، وإنما بالعمل المؤسسي والتعلم من الأخطاء والقدرة على مراجعة الذات.

وأنا لا أعتقد أن مجتمعاتنا محكوم عليها بالتخلف، كما لا أعتقد أن التقدم حكر على شعب أو حضارة. لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات قادرة على تغيير مساراتها حين تتوافر لها شروط المعرفة والحرية والمؤسسات، وحين تتعلم أن الاختلاف لا يستلزم العداوة، وأن القوة لا تمنح صاحبها حقاً مطلقاً، وأن شرعية الحكم لا تنفصل عن قدرته على حماية الناس وخدمتهم.

ولعل السؤال الذي أود أن أضعه أمام هذا الحوار هو: هل تكمن أزمتنا في أننا لا نعرف أسباب تخلفنا، أم في أننا نعرف كثيراً منها، لكننا لم نمتلك بعد الإرادة السياسية والأخلاقية لتحويل المعرفة إلى تغيير؟

أميل إلى الاحتمال الثاني. فنحن لا نفتقر إلى الشعارات بقدر ما نفتقر إلى المؤسسات التي تمنحها معنى، ولا نفتقر إلى الحديث عن الحرية بقدر ما نفتقر إلى الممارسة التي تحميها، ولا نفتقر إلى الدعوة إلى الوحدة بقدر ما نفتقر إلى العدالة التي تجعلها ممكنة. إن السياسة ليست ما نرغب فيه فحسب، بل ما نستطيع بناءه ضمن حدود الواقع وإمكاناته، والسياسي المسؤول ليس من يعد الناس بالمعجزات، بل من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة، ويعمل على توسيع الممكن، ويقبل أن يخضع قراره للمساءلة.

لسنا في بداية التاريخ ولسنا في نهايته، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نعيش بها لحظتنا التاريخية. وما لم نتعلم أن نغيّر شروط الواقع بدلاً من الاكتفاء بتغيير الكلمات، وأن نبني المؤسسات بدلاً من انتظار المعجزات، وأن نجعل القانون أعلى من الجماعة والزعيم، فستظل الأجيال تتوارث الأوهام نفسها، وتعيد إنتاج المآسي ذاتها، بينما يتغير قاموس الخراب ويبقى الخراب على حاله.

قوة الحق لا حق القوة؛ والمواطنة حق وليست مكرمة؛ وما ينفع الناس هو وحده ما يستحق أن يبقى.

***

د. قاسم المحبشي

"من استحلى القاع نسي الصّعود"

مقدمة: قد يكون هذا الكلام مُستفزّاً، مزعجاً، لكنّه في حقيقته واقعٌ لا يُخْفي بين ثنايا سطوره اتّهامات أو تبريرات، إنه واضح كفلق الصّبح، لأنّ الأمر لا يحتاج تزويقَ كلام أو ترميزه، أو تشريح ما هو بيّن جلي، ولا هو سيناريو لفيلم وثائقي مرعب، فكلمة "قاع" وحدها، كفيلة بدفع القارئ إلى طرح أسئلة حارقة، مستفزّة تنطلق منه وتنتهي إليه، تُحرّك فيه القناعات تُسائلها، لينخرط بوعي في تحليل ظاهرةٍ مقلقةٍ على المستوى السياسي والأخلاقي والثقافي، وهي ظاهرة النزول إلى القاع لاتّخاذه موطنا وهوية.

قبل النزول إلى القاع..

أن ننحدر إلى القاع سلوكٌ قد يُفسّر بالضّعف واليأس، لكن حين نحاربُ من أجله ونصنع منه مملكة نمنحها مشروعية وجودية، وحين يصبح القاع هدفاً وجودياً لا ينزل إليه الكثير عن طريق الخطأ، بل وعياً واقتناعاً لدرجة اتّخاذه موطنا، التّشبُّث به منهجاً وغاية، يتحول السقوط الذي كان في الأصل أزمة وهزيمة، إلى حالة من التصالح المخادع والتّحرُّر الخادع، إذ لم يعد للإنسان "السّاقط" ما يخسره، حيث تلاشت وتحطّمت تلك القيود التي تفرضها الرغبة في الصعود والانعتاق.

أمام القاع السحيق، ومن عل، وقبل النّزول تزاحمت في رأسي أسئلة حارقة تُبعثر اتّزان العقل، هل النّزول إلى القاع مجرد انهيار أخلاقي، أم أمر أكبر من هذا، طفْرة أنطولوجية وجودية يعيد فيها الإنسان تشكيل مفهوم جديد عن ذاته وموقعه من العالم؟ أم تحوُّلٌ من حالة اضطرارية إلى هوية مكتملة بحيث لم يعد السقوط قدراً محتوماً يُقاوم، بل خياراً واعيا يُتّخذُ موْطناً ومنهج حياة، يدافع فيه الإنسان عن وسخه الوجودي بكافّة وسائل الإفلاس الأخلاقي وشرعنته وتجميلة وتعميمه؟

ـ لم يسألني أحد لمَ أنا هنا؟

أمام الشفير وقفتُ منتظراً، لأنّ النزول أمرٌ صعب يتطلّب الوعي به، تتصاعد إليّ صيحاتٌ وآهاتٌ وكلام كثير مبهم، نزلتُ أتحسّس القاع بأصابع قدمي كما يتحسّس الأعمى وجه شخص يكرهه، النّاس مشدودون إلى القاع، يختارون أماكنهم في سباقٍ محموم، كأن القاع محا من عقولهم فكرة الصّعود فغاصوا أكثر، ومن استحلى القاع نسي الصّعود. تتغير الوجوه، والأقنعة، وكذا الكلمات، تحملني الأجساد العرْقى، تسكنني الأصوات، تتقاذفني الأيدي، تمحو من عقلي درجات الصّعود.

يصعبُ عليّ معرفة عمق القاع، واتساع أفقه، يغيب القاع تحت الأجساد وتحت قدمي، أريد أن أخرج، أتنفّس، أريد أن أرتقي إلى السّطح، أجرُّ خلفي بقايا الأيدي والقرصات، أريد أن أغرس كروما ورمّانا. في ظلمة القاع نسي الجميع سر الحبّ، وسرّ الحرث والغرس، نسوا آخر خطواتهم في الطرقات، وفي المحطّات، والمطارات، والمقاهي، تركوا قلوبهم هناك مصلوبة وتاهوا في السراديب العفنة.

لم يعد هناك ما يُضحك، نظْرةٌ إلى فهرس السّاقطين إلى سلّة المهملات، إلى العتمة، تراهم يتوافدون في تراكم عجيب، يتعاقبون على سرد أُحجيات حياتهم التّافهة، كأنّ المقام سيطول بهم. أنتفضُ، تمسكني الأيدي..

ـ اِبْق حتى آخر الحكايات..

القاع أمنيتهم، وأنا أريد أن أغسل قلبي بيدي، بالماء البارد وكثير من الزّهر والزّعفران، لأنّي، لمسافات طويلة مشيت وسأمشي وفي قلبي أبواب ونوافذ أفتحها للصاعدين، وفي دمي فرحٌ يسع العالم، سأخرج من ضوضاء القاع إلى فسحة الهواء واتّساع المدى وانفتاح السّماء على زُرْقة ناصعة. سأسافر بعيداً عن قاعكم، سأكتب عنكم سطراً سطراً، سأنثر حكاياتكم في الشوارع والأزقّة والدروب حتى يبحّ منّي الصّوت، وتنتهي الأوراق.

صحتُ بِمِلْء الصّوت غاضباً: امنحوني سبباً لأبقى هنا معكم؟

ـ اتّساع القاع سبب، ولن تعدم مكاناً يليق بك..

أُحضّر قدمي وأظافري للصُّعود بعناد وغضب، حافياً يمشي من يتألّم. لافتاتٌ دعائية ومُلصقات بألوان زاهية تخزُّ العيون، تمدح القاع وأهله، وتدعو الزّبائن للصّمود والغوص أكثر. لستُ مغفّلاً، لن أصدّق وشوشاتهم، أحاول جاهداً أن أحافظ على أفكاري من الشّتات، رأسي ثقيل، عيني محشوّتان بالدّهشة والألم والأسف، فتحتُ للسبّ مصراعَهُ، يعرف لغته الأولون والمتأخّرون، مرّت من أمامي كائنات ناقصة الاكتمال، تساءلت..

ـ هل في الحضيض اكتمال؟

كل شيء مضطرب في القاع، تغوص الأرجل حدّ الرُّكب وتزيد، الْتصقوا بالقاع كبقٍّ لا يُحصى له عدد، غرس إبَرَهُ ليتمسّك أكثر، هنا يتعلّمون لغة الذّلّ والخنوع، لا أحد ينتظرُ أحداً، الكلُّ يبحث عن قاعٍ تحت القاع، تساءلت..

ـ الأمر جلل، لماذا كل هذا الحبّ والحنين للقاع؟

كل شيء يموج كبحر هادر غاضب لا يرحم، كل شيء يحترق، كل شيء يختلط بالكلام والضّجيج والصّراخ والضّحك. كم مسخاً سقط في الطريق، تفتّتوا، تناطحوا، تقاتلوا كأنّهم إلى المسالخ يؤخذون، يُذبحون أو ينتظرون الذّبح؟ تُفتح على الجوانب الأبواب فيغلقونها، وتُرصّص إلى الأعلى الدّرجات ليصعدوا فيردمونها، وتنفتح من أعلى فُرجاتٌ للنّور فيغمضوا أعينهم.

أعيد ترتيب هذه الصّور، وأمنحها عنوانا، أقرأها، فتختلط في ذهني وتتزاحم. القاع مكانٌ للقتل والغدر والدّسائس، موطنٌ يتقيّأُ الدم والصديد والأكاذيب والألم، ترتاده بحبٍّ ظاهر وحوش مفترسة، وأخرى دفعوا بها قربانا تصدُّ عنهم لعنة الهزائم والانكسارات والخنوع.

خرجتُ من القاع بمزاج معطوب، ونفس كسيرة، ولسان ملجوم من هول المشهد، وطعم الرّماد والألم وبقايا رائحة الأجساد تسبح في فمي، وعجبتُ كيف هرمتُ بهذه العُجالة، ارتميتُ في أحضان عشبٍ أخضر ركض فوقه أطفالٌ ضاحكين. أمرّغُ جسدي أمحو عنه بقايا القاع، وشهوة الذّلّ. من بعيد، جلستُ أتأمّل طوابير التّافهين يتوجّهون نحو القاع، يسقطون تباعاً، وبعض الصّاعدين النّاجين في بكاء مرير ينظرون إلى السّماء مبتسمين وقد أخذ منهم القاع كل الجهد. لقد ولدوا من جديد، من رحم المعاناة حين خاضوا معارك شرية ضد اليأس والذّلّ والظلمة، منهكين، ذاكرتهم مثقلة بالصمت، لكنّهم حاربوا صعوداً حين انتزعوا أنفسهم من الوحل، ليحفظوا آدميتهم وما تبقى من إنسانيتهم، ليقفوا، الآن، على شفير القاع، يقرأون في عيون السّاقطين الخزي والذل والهوان، وفي عيون الصّاعدين النّاجين الأمل في انطلاقة جديدة قوية.

خاتمة..

"ارتقوا، فالقاع مزدحم"، سلامٌ على قومٍ ارتقوا ولم يقبلوا القاع موطنا، واختاروا اتساع المدى، وانفتاح الأفق.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/المغرب

وأنا أقرأ في مدرسة التاريخ الجديدة، وما أحدثته من تحولات في فهم الماضي وطرائق الكتابة التاريخية، استوقفني سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالاته، ومقلقًا في نتائجه: ماذا لو؟ سؤال يفتح أبواب التاريخ المغلقة، ويعيد إلى الوقائع التي انقضت شيئًا من احتمالاتها المفقودة، ويحرر العقل من الاعتقاد بأن ما حدث كان الطريق الوحيد الذي كان على التاريخ أن يسلكه. إنه سؤال لا يستدعي الماضي رغبةً في تغييره، فالماضي لا يعود، بل يستدعيه كي نفهمه على نحو مختلف، ونكتشف ما أخفته الوقائع من إمكانات، وما استبعدته القرارات من بدائل، وما تركته اختيارات البشر من آثار في مصائر المجتمعات والأمم.

لقد اعتدنا أن نقرأ التاريخ كما لو أنه نهر لا يعرف إلا مجرى واحدًا، وأن الحاضر الذي نعيشه هو النتيجة الطبيعية والضرورية لكل ما سبقه من أحداث. وحين ننظر إلى الماضي من موقع الحاضر، تبدو الوقائع متصلة بعضها ببعض في سلسلة من الأسباب والنتائج، حتى يخيل إلينا أن كل ما وقع كان مقدرًا له أن يقع، وأن كل ما لم يقع لم يكن ممكنًا أصلًا. لكن هذه النظرة، على ما تمنحه من شعور باليقين، تنطوي على مغالطة منهجية؛ إذ إنها تعرف النتيجة، ثم تعود إلى الوراء لتجعل الطريق المؤدي إليها طريقًا وحيدًا، متجاهلةً أن الفاعلين التاريخيين، وهم يعيشون لحظاتهم، لم يكونوا يعرفون ما نعرفه نحن اليوم، وأن أمامهم كانت تقف بدائل متعددة، بعضها ممكن، وبعضها عسير، وبعضها لم يخطر لهم على بال.

من هنا تنبع القيمة النقدية لسؤال «ماذا لو؟». فهو لا يطلب منا أن نختلق تاريخًا من الأوهام، ولا أن نستبدل الوقائع بحكايات متخيلة، وإنما يدعونا إلى إعادة بناء أفق الإمكان الذي كان مفتوحًا أمام البشر قبل أن تحسم الأحداث مسارها. إنه ينقلنا من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا حدث على هذا النحو، لا على نحو آخر؟ وما الشروط التي جعلت احتمالًا بعينه ينتصر، بينما تراجعت احتمالات أخرى أو أُجهضت قبل أن ترى النور؟

وتحضرني هنا عبارة الاستاذ مدني صالح التي تصف الكائن الانساني بوصفه اعتباطيا تبريريا؛ تحركه الرغبات والأهواء والانفعالات والمصالح، بوعي أو من دونه، ثم يستدعي العقل لتبرير سلوكه وإضفاء مسوغات منطقية عليه. فالعقل، في هذا التصور، لا يكون دائمًا مصدر القرار، بل قد يتحول إلى أداة لتسويغه بعد اتخاذه، وإظهاره بمظهر العقلانية أمام الذات والآخرين. ومن هنا، فإن فهم الإنسان لا يكتمل بتحليل أقواله وحججه المعلنة، بل يقتضي النفاذ إلى دوافعه الخفية، والكشف عن المسافة الفاصلة بين ما يفعله فعلًا وما يقدمه من تبريرات لما فعله.

أسهمت مدرسة الحوليات الفرنسية من تأسيسها عام 1929م على يدي مارك بلوخ (Marc Bloch) ولوسيان فيفر (Lucien Febvre).وازدهرت مع فرناند بروديل وجاك لوغوف، في تحرير الكتابة التاريخية من اختزال الماضي في أخبار الحكام والمعارك، وفتحت المجال لفهم البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والذهنيات الجماعية وتعدد الأزمنة التاريخية. ومن هذا التحول يكتسب سؤال «ماذا لو؟» قيمته النقدية؛ إذ لا يكتفي باستعادة ما حدث، بل يبحث في الإمكانات التي كانت متاحة، والخيارات التي أُهملت، والشروط التي جعلت مسارًا تاريخيًا ممكنًا دون غيره. ماذا لو اتُّخذ قرار مختلف، أو تغير عامل حاسم في لحظة مفصلية؟ ليست الغاية اختراع ماضٍ متخيّل، بل اختبار حدود الحتمية وكشف دور الإنسان في صناعة التاريخ. فليس كل ما يمكن تخيله ممكنًا تاريخيًا، ولا كل ما وقع كان ضرورة لا مفر منها. إن النتيجة التي نعرفها اليوم لم تكن قدرًا مكشوفًا لفاعلي الماضي؛ ولذلك فإن فهم التاريخ لا يكتمل بتفسير ما حدث فحسب، بل بمساءلة ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.

ولعل هذا ما يجعل سؤال «ماذا لو؟» أكثر إلحاحًا حين نقترب من تاريخنا العربي واليمني، حيث تتجاور الثورات والتحولات الكبرى مع الإخفاقات والانقسامات والحروب، وحيث كثيرًا ما جرى التعامل مع الأحداث بوصفها نهايات مغلقة، لا تجارب إنسانية قابلة للفهم والمراجعة والنقد. إننا نحتاج إلى هذا السؤال لا لكي نعيش أسرى الندم، ولا لكي نحاكم الماضي بمعايير لم تكن متاحة لأهله، بل لكي نكتشف أين أخطأنا في قراءة الواقع، وأين ضاعت فرص التسوية، وكيف تحولت خلافات سياسية كان يمكن إدارتها إلى صراعات وجودية دفعت المجتمعات أثمانًا باهظة من دمائها وأمنها ومستقبلها.

تكتسب ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر أهميتها الحقيقية حين نتأملها بمنظور عقلاني نقدي جديد، لا يكتفي باستعادة أمجاد الماضي، بل يسائل مساراته وإمكاناته والخيارات التي صنعت نتائجه. فالتاريخ العربي واليمني ليس سلسلة من النهايات الحتمية، بل تجارب إنسانية كان يمكن لبعض منعطفاتها أن تسلك طرقًا مختلفة لو اختارت النخب الحوار بدل الإقصاء، والتوافق بدل المغالبة، وبناء المؤسسات بدل إخضاعها للأشخاص والجماعات. ماذا لو تحولت الثورات إلى مشاريع لبناء دولة تحمي الجميع، وتصون الحقوق، وتضمن المساواة والكرامة؟ وماذا لو أدركت القوى السياسية أن امتلاك السلطة لا يعني امتلاك الوطن، وأن انتصار طرف لا يعني بالضرورة انتصار المجتمع؟ إن استحضار هذه الأسئلة ليس محاكمة للماضي بمعايير الحاضر، بل محاولة لفهم إخفاقاته واستعادة دروسه. فالثورة التي لا تراجع تجربتها تفقد قدرتها على تجديد ذاتها، والاستقلال الذي لا يصون حرية الإنسان وحقوقه يظل منقوصًا، والدولة التي يخضع فيها القانون للقوة تعجز عن حماية مواطنيها.

إن ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر لا تستمد معناها من استعادة أمجاد الماضي وحدها، بل من قدرتنا على مساءلته بعقل نقدي يميز بين عدالة البدايات ونتائج التجارب، وبين الوفاء للتضحيات وتقديس الخيارات السياسية. لقد مثّلت الثورة لحظة تحرر وطني من الاستعمار البريطاني، لكنها تفتح أمامنا سؤالًا أعمق: ماذا لو استطاعت إرادة التحرر أن تتحول إلى مشروع مكتمل لبناء دولة مدنية ديمقراطية، تحمي الحقوق، وتصون التعدد، وتجعل القانون أقوى من الأشخاص والجماعات؟ لا نستطيع تغيير ما وقع، ولا الجزم بما كان سيحدث لو اتُّخذت قرارات مختلفة، لكننا نستطيع فهم الأسباب، واستخلاص الدروس، والكشف عن الفرص التي أُهدرت، بدل الاحتماء بتبريرات تعفي أصحاب القرار من المسؤولية. فالتاريخ ليس قدرًا مغلقًا، والثورات ليست صكوك براءة دائمة، والاستقلال لا يكتمل ما لم يشعر الإنسان بحريته وكرامته ومساواته أمام القانون. ومن هنا، فإن سؤال «ماذا لو؟» لا ينبغي أن يحبسنا في ندم الماضي، بل أن يوقظ فينا مسؤولية الحاضر: ماذا لو تعلمنا أخيرًا أن الوطن أكبر من أحزابه، وأن السلطة مسؤولية لا غنيمة، وأن المواطنة حق وليست مكرمة؟ إن الحنين وجع الذاكرة، لكن النقد يحوّل الوجع إلى معرفة، والمعرفة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل. فلنكرم ثورة أكتوبر دون أن نقدس تجربتها، ولنقرأ إخفاقات تاريخنا دون أن نهين تضحيات أبنائه؛ فالماضي الذي لا نستطيع تغييره نستطيع أن نفهمه، والحاضر الذي نعيشه نستطيع أن نعمل فيه، والمستقبل الذي لم يُحسم بعد لا يجوز أن نتركه أسيرًا لأخطاء نعرفها وبدائل ما زالت ممكنة. فليس السؤال الأهم: ماذا لو تغير الماضي؟ بل: ماذا لو امتلكنا اليوم شجاعة ألا نكرر أخطاءه؟

***

د. قاسم المحبشي

 

ثمة علاقة عميقة بعضها ذاتية واغلبها موضوعية بين ظاهرة التطرف والغلو والتشدد والإرهاب وبين المشروعات الأجنبية التي تستهدف إسقاط منطقتنا ومجتمعاتنا في أتون الصراعات الداخلية التي تدمر النسيج الاجتماعي وتجعل الكل يخاف من الكل، مما يوفر المخططات والمؤامرات الاجنبية كل فرص الهيمنة والسيطرة على مقدرات بلداننا والتحكم في مصائرها الراهنة والمستقبلية. ولا شك أن ظاهرة التطرف والإرهاب. هي من الظواهر المجتمعية المرحلة، التي تعجل في تدمير البنية الاجتماعية الداخلية لأي بلد، وحينما تتدمر البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لأي بلد عربي وإسلامي، فإن قدرة الأجنبي في الهيمنة والسيطرة تصبح سهلة ويسيرة. لأن التطرف والإرهاب، يوجه كل البوصلات نحو الداخل، وكل طرف داخلي بفعل التطرف والإرهاب، يرى في الطرف الآخر هو عدوه الحقيقي الذي يجب محاربته والقضاء عليه. ولا ضير في سبيل القضاء على هذا العدو من الاستعانة بقوة الأجنبي وخبراته وبطشه للتخلص من العدو الداخلي.

وهذه الممارسة هي التي تدخل الجميع في أتون الدورة الجهنمية التي لا تبقي حجرا على حجر، وتدمر كل أسس ومرتكزات الاستقرار الاجتماعي والثقافي في أي بلد وبيئة إنسانية.

لذلك ثمة علاقة عميقة وحقيقية تربط بين ظاهرة التطرف والغلو ومخططات الأعداء ومؤامراتهم. وهذه العلاقة تارة تكون ذاتية بمعنى إن أجهزة الأجنبي هي تقوم يصنع بعض الحالات والوجودات المتطرفة، بحيث تكون هذه الوجودات بمثابة الذراع والقاعدة المتقدمة لتنفيذ مخططات الأجنبي في تضعيف الداخل العربي والإسلامي، وإسقاطه في دوامة العنف والعنف المضاد، وتدمير نسيجه الثقافي والاجتماعي.

و في كل الحالات تكون العلاقة بين التطرف والأجنبي علاقة موضوعية.. بمعنى أن المستفيد الأول في نمو ظاهرة التطرف والارهاب في أي بيئة اجتماعية هو الأجنبي ومخططاته ومؤامراته.

لأن ظاهرة التطرف تفضي إلى انهيار أسس التعايش بين مكونات المجتمع والوطن الواحد، بحيث يعيش المجتمع الواحد حالة من انعدام التوازن على مختلف المستويات بحيث يرى كل شريك وطني في شريكه الوطني الآخر هو الخصم والعدو، وتسقط بفعل عقلية التطرف والعداء المستحكم كل الضوابط الأخلاقية والقيمية، فيتجه جميع أهل التطرف والإرهاب إلى الأجانب لمساعدتهم ومدهم بأسباب القوة للقضاء على عدوهم الداخلي. فما يريده الأجنبي في كل الأوقات هو ضعفنا واهترائنا الداخلي وغياب أدنى مستويات الثقة بيننا، فيأتي التطرف ومتوالياته النفسية والاجتماعية والسلوكية لتحقيق كل ما يحلم به الأجنبي في كل بلداننا العربية والإسلامية. لذلك يقال أنه في مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي في إطار منع إسرائيل الولايات الأمريكية المتحدة من تطوير علاقتها بعصر الناصرية، أن وزير الدفاع الإسرائيلي في عام 1954م (بنحاس لافون)، رعى شبكة تجسس من يهود مصر من دون معرفة رئيس الوزراء (موشي شاريت)، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وتخريبية تطاول المصالح الأمريكية في مصر.

وذلك من أجل تقوية البرنامج الراديكالي في الناصرية على حساب برنامجها الثاني في تطوير العلاقات مع الغرب.. والإسرائيلي كان من مصلحته منع تطور أي علاقة مصرية غربية وتوسل بخلايا تجسس تقوم بأعمال إرهابية لابقاء العلاقات الغربية المصرية متوترة وأقرب إلى حالة الخصومة والعداء منها إلى الصداقة والتعاون.

و تم اكتشاف الشبكة وأعدم إثنان من أفرادها وحكم على الٱخرين بالسجن المؤبد مع الأشغال الشابة، واستقال وزير الدفاع (لافون) من منصبه بعد اكتشاف حقيقة الأمر والمخطط.

وهذه الحادثة وغيرها تكشف حقيقة أن ظاهرة التطرف والتي تقود إلى ممارسة الإرهاب هي موضوعيا لا تخدم إلا مخططات الأجانب في السيطرة على مقدرات ومصائر البلدان العربية والإسلامية. لذلك ثمة تحالف موضوعي بين التطرف بكل صوره ويافطاته وعناوينه وأيدلوجياته، وبين الأجهزة والمؤسسات الأجنبية التي تعمل ليل نهار للسيطرة على بلداننا والتحكم في مصائرها وراهننا ومستقبلنا.

لذلك فإن الوقوف ضد التطرف والارهاب، هو وقوف ضد الأجنبي ومحاولاته في السيطرة علينا.

ولا يمكن على المستوى العملي من مقاومة الأجنبي، دون مقاومة ومجابهة كل محاولات إسقاط المنطقة والمجتمعات العربية والإسلامية في أتون النزاعات والصراعات الطائفية والمذهبية والقومية والعرقية. لأن طريق التحرر من ربقة وهيمنة الأجنبي، هو في تعزيز وحدة وتضامن مجتمعاتنا بكل مكوناتها وتعبيراتها.

أما إذا سقطت مجتمعاتنا من الداخل في أتون الحروب الداخلية العبثية، فإن سيطرة الأجنبي على مقدراتنا تصبح تحصيل حاصل.

لأنها هي النتيجة الطبيعية لتفتت مجتمعاتنا من الداخل. ولا ريب أن معول التطرف والإرهاب هو أمضى الأسلحة وأفتكها في تخريب البنية الداخلية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.

من هنا فإن محاربة التطرف بكل عناوينه والإرهاب بكل يافطاته من الضرورات الوطنية والأخلاقية والدينية والقومية.

لأنه لا يمكننا أن نحافظ على ثوابت أوطاننا ومقدساتنا الدينية بدون مجابهة نزعات الغلو والتطرف والإرهاب.

كما أن تحررنا الفعلي من ربقة الأجنبي ومؤامراته على وجودنا العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية مرهون بقدرتنا من التخلص من آفة التطرف والإرهاب. لذلك فإن كل جهد يبذل في سبيل تجفيف منابع الإرهاب ووالحؤول دون انتشاره، هو جهد يعزز استقلال البلدان العربية والاسلامية، وقدرتها على مواجهة كل المخططات والمؤامرات.

و إن الصمت على ظاهرة التطرف والارهاب، سيفضي إلى نتائج كارثية على مستوى تماسك مجتمعاتنا العربية والإسلامية من الداخل، كما أنه سيؤدي إلى دخول جميع البلدان في أتون الحروب والمعارك العبثية التي تنهي المكاسب وتؤسس لأزمات مستحكمة ف حاضرنا ومستقبلنا.

وتعلمنا العديد من التجارب أن الصمت ازاء التطرف والإرهاب للقبض على مصلحة مرحلية وٱنية، سيؤدي إلى انقلاب المتطرفين على على من صمت إزاءهم. لأن التطرف بكل عناوينه مثل النار يأكل الأخضر واليابس، وإذا لم تجد شيئا لأكله، فإنها ستقوم بأكل القريب منها والمهادن اليها. لأن النزعة الانشقاقية على قاعدة الشرعية ومدى الالتزام بالبديهيات والمسلمات، ظاهرة ملازمة لظاهرة التطرف. فالجماعات المتطرفة لا تبقى موحدة لاعتبارات متعلقة بطبيعة الفكر والخيارات المتطرفة، وبعضها الأخر لقدرة بعض الأجنبي من السيطرة على بعض الحالات والوجودات المتطرفة.

فعلى المستوى الحقيقي والفعلي لا رابح حقيقي من التطرف والإرهاب إلا الأجنبي الذي يتطلع باستمرار إلى ضعفنا وإسقاطنا في أتون الحروب والمعارك الداخلية.

 فلا خيار حقيقي للجميع على مستوى الداخل العربي والإسلامي، إلا بمجابهة خيار التطرف والإرهاب، لأن سيادة هذا الخيار سيفضي إلى انهيار العالم العربي والإسلامي من الداخل.

كما انه من أجل وحدتنا كعرب ومسلمين، ومن أجل بناء استقلالنا من هيمنة الأجنبي،

و من أجل بناء واقعنا العربي والإسلامي على أسس العدالة والمساواة، تعالوا جميعا نحارب الإرهاب والتطرف، ونبني حقائق الاعتدال والتسامح والوسطية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. 

***

محمد محفوظ

في صناعة الرغبات، وحدود الإستقلال، هل نريد ما نريد حقا؟

قد يمر الإنسان بسنوات وهو يسعى وراء شيء يعتقد أنه يريده هو، لا أن أحدا أوحى له بأنه ينبغي أن يريده. يعمل من أجله مؤجلا حياته في سبيله، يتحمل ما يتحمله لأنه مقتنع أن وصوله إليه يعني وصوله إلى نفسه. ثم يصل وتأتي المفاجأة: لا شيء يتغير كما توقع. الرغبة تتبخر، أو تتحول فورا إلى رغبة جديدة، أو يكتشف أن السعادة التي تخيلها لم تكن مرتبطة بالشيء بقدر ما كانت مرتبطة بلحظة إعجاب الآخرين به حين يناله.

ما الذي حدث هنا بالضبط؟

الجواب السهل أن الناس يتغيرون وأن التوقعات تخيب. لكن حين يتكرر هذا النمط، حين يكتشف المرء أنه لا يتوقف عن السعي لأنه يعرف ما يريد، بل لأنه يخشى أن يتوقف، ليصبح السؤال أكثر إلحاحا، هل كانت الرغبة من البداية ما ظنناها؟ نحن نميل إلى التعامل مع رغباتنا كحقائق واضحة لا تحتاج إلى تفسير. فعبارة "أريد هذا" تبدو جملة كافية لوحدها. لكن قد يكون الأجدى أن نسأل: ما الذي يجعل هذا الشيء مرغوبا في نظري؟ هل أريده لما يمنحني إياه فعلا، أم لما يرمز إليه؟ وهل كنت سأريده بنفس الشوق لو لم يعرف به أحد؟

الرغبة إذن ليست دائما صوتا داخليا خالصا.

اعتدنا أن نتصور الرغبة كأنها تنبع من أعماقنا ثم تتجه للخارج بحثا عن موضوعها. نرغب في شيء لأننا نحتاجه أو نكتشف فيه قيمة تلائم ميولنا. لكن التجربة كثيرا ما تكشف أن الأمر أعقد من هذا. فالطفل يولد في عالم لا تتوزع فيه الأشياء على أساس حاجاته وحده. ثمة مهن يحتفى بها وأخرى تعامل باعتبارها دون المستوى، أنماط حياة توصف بالنجاح وأخرى تقدم بوصفها إخفاقا. ومع الوقت، لا يتعلم الطفل ما يمكنه فعله فحسب، بل يتعلم ما الذي "ينبغي" أن يتمنى الوصول إليه إذا أراد أن يكون مقبولا ومحترما.

هذه العملية لا تتوقف عند الطفولة. نحن نراقب اختيارات الآخرين باستمرار، ونقارن أوضاعنا بأوضاعهم، ونستخلص من ردود أفعال المحيطين بنا أحكاما على قيمة ما نملكه وما يفتقر إليه. وقد نكتشف فجأة أننا نرغب في شيء لم يكن يشغلنا، لا لأن خصائصه تغيرت، بل لأننا رأيناه في حياة شخص آخر، أو لأنه أصبح علامة على مستوى نطمح إلى الإنتماء إليه.

الرغبة، في هذه الحالات، لا تنبع من الداخل وتتجه للخارج. إنها تتشكل أيضا من الخارج وتجد طريقها إلى الداخل حتى تبدو وكأنها كانت هناك دائما.

لنتأمل مثالا بسيطا: شخص يمتلك منزلا يلبي حاجاته ويوفر له قدرا معقولا من الراحة. يشعر بالرضا، حتى يكتشف أن أصدقاءه انتقلوا إلى منازل أكبر وأكثر فخامة. لم تتغير حاجاته الأساسية، ولم يصبح منزله أقل صلاحية للعيش. لكن نظرته إليه تغيرت. ما كان مصدرا للراحة أصبح مصدرا للشعور بالنقص.

ما الذي دخل المعادلة؟ طرف ثاني. شخص لا يسكن المنزل ولا يستخدمه، لكن وجوده غير معنى امتلاكه. آلية المقارنة هذه، والتي تعيد ترتيب قيمة الأشياء من دون أن تغيرها في ذاتها، تتكرر في مجالات أكثر حساسية بكثير: في اختيار المهنة، في معايير الجمال، في تصور ما يعنيه الزواج الناجح، حتى في الآراء التي نعلنها عن أنفسنا والعالم.

وهذا لا يعني أن التأثر بالآخرين ينتقص دائما من أصالة ما نريد. فقد نكتشف، من خلال رؤية شخص آخر يعيش شيئا ما، إمكانات لم نكن نعرفها. الفارق بين أن يفتح الآخر أمامنا أفقا جديدا وبين أن يتحول إلى مقياس لا نستطيع تقدير أنفسنا من دونه، هذا الفارق هو ما يحدد إن كان تأثيره يوسع حريتنا أو يضيقها.

لا يمكن فهم هذه المسألة من دون التوقف عند مفهوم الإعتراف. الإنسان، في فلسفة هيغل، لا يبني وعيه بذاته في عزلة تامة. فنحن لا نكتشف أنفسنا بوصفنا ذواتا مستقلة ومكتملة قبل دخول العالم الاجتماعي، بل نتعلم معنى وجودنا ومكانتنا من خلال التفاعل مع من يحيطون بنا. فالطفل الذي يتعلم الكلام لا يكتسب وسيلة للتعبير عن رغباته فحسب. إنه يدخل عالما من المعاني المشتركة التي تتيح له أن يقول "أنا"، أن يميز نفسه، أن يطلب من الآخرين الإستجابة والإعتراف. والإنسان البالغ، رغم اتساع خبرته واستقلاله النسبي، لا يتخلص من هذه الحاجة. يريد أن يرى ويعترف بعمله، أن تؤخذ أفكاره على محمل الجد. هذه الحاجة ليست ضعفا في الشخصية ولا دليلا على غياب الإستقلال. الإعتراف المتبادل أحد الشروط الأساسية للحياة الإنسانية المشتركة، مسألة تتصل بالكرامة والمشاركة في الفضاء العام، لا مجرد مجاملة نفسية. لكن هذه الحاجة المشروعة تنقلب إلى تبعية حين تصبح قيمة الإنسان متوقفة كليا على نظرة الآخرين إليه. عندئذ لا يكتفي بأن يحترم، بل يشعر بأنه مطالب بأن يظل جديرا بالإعجاب في كل لحظة. النجاح يصبح شهادة يحتاج إلى تجديدها باستمرار لا تجربة يعيشها. وقد يضحي بما يريده فعلا من أجل الحفاظ على صورة تضمن له القبول.

المشكلة ليست في أننا نحتاج إلى الآخرين. المشكلة في أن يصبح حكمهم علينا المصدر الوحيد الذي نستمد منه إحساسنا بأننا نستحق.

الإنسان الذي لا يحتمل اختلاف الآخرين معه قد يتنازل عن رأيه قبل أن يفحصه. والذي يخشى فقدان إعجابهم قد يتخلى عن أهدافه الحقيقية لصالح أهداف أكثر قبولا. والذي يربط احترامه لنفسه بمكانته قد يرى في كل نجاح يحققه شخص آخر انتقاصا من قيمته الخاصة.

النضج لا يعني أن نتوقف عن الإهتمام بما يراه الآخرون. يعني أن نعيد وضع هذا الإهتمام في مكانه الصحيح، أن نصغي إلى النقد دون أن نجعل من كل اعتراض حكما نهائيا على قيمتنا. أن نفرح بالتقدير من دون أن يصبح شرطا لمواصلة ما نؤمن به. الذات لا تتشكل خارج العلاقات، لكنها لا تنمو إذا تحولت هذه العلاقات إلى محكمة دائمة.

***

عبد الرحيم الجرودي

دراسة مقارنة مع الاتجاهات الحداثية وموقفها من التراث الإسلامي

يقول الرفاعي في مقدمة الطبعة الأولى لكتابه الدين والنزعة الإنسانية: " أن المجتمعات الغربية التي عملت منذ فترة طويلة على نفي الدين وتعبيراته من عالمها، لم تستطع اجتثاث رموزه المكتظة بها القلائد والحلي والألبسة والتماثيل واللوحات الفنية"

أصبح تجديد الخطاب الديني من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي المعاصر، نتيجة التحولات المعرفية والاجتماعية والسياسية التي أظهرت الحاجة إلى مراجعة طرائق فهم الدين، والتمييز بين النص الديني والقراءات البشرية التي تشكلت حوله، وقد اتخذت محاولات التجديد اتجاهات مختلفة؛ فمنها ما ركّز على البعد الإنساني والأخلاقي للدين، ومنها ما اهتم بتحليل النص القرآني وآليات تفسيره، ومنها ما اتجه إلى نقد البنى المعرفية للتراث وإعادة النظر في التصورات المتعلقة بالوحي.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ولا سيما في كتابه الدين والنزعة الإنسانية، الذي يضم موضوعات تتصل بحاجة الإنسان إلى الدين، وعلاقة الدين بمعنى الوجود، ونقد اختزاله في الأيديولوجيا، وتجديد الفكر الديني.(١)

وتتمثل أهمية هذا المقال في دراسة منهج الرفاعي ومقارنته بمشروع نصر حامد أبو زيد في قراءة النص الديني ونقد الخطاب الديني، مع الإشارة إلى اتجاهات معاصرة أخرى شغلت الساحة البحثية في موضوعات الحداثة و تجديد الخطاب الديني.

إشكالية البحث

في هذا المقال نسعى للإجابة عن السؤال الآتي: ما أبرز ملامح منهج عبد الجبار الرفاعي في تجديد الخطاب الديني، وما أوجه الاتفاق والاختلاف بينه وبين بعض الاتجاهات الحداثية في التعامل مع النص والتراث الإسلامي؟

وسنعتمد المنهج الوصفي التحليلي في دراسة النصوص، والمنهج المقارن في بيان نقاط الالتقاء والاختلاف، مع التمييز بين ما يصرّح به المؤلفون في كتبهم وبين ما نستنتجه من أفكارهم إجمالا.

منهج عبد الجبار الرفاعي في تجديد الخطاب الديني

أولًا: النزعة الإنسانية في الدين

يمنح الرفاعي البعد الإنساني مكانة أساسية في مشروعه، وينطلق من ضرورة استعادة القيم التي تربط التدين بكرامة الإنسان والمودة والتراحم والتعاطف. ويؤكد في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه أن الدين ظل من منابع المحبة والشفقة واحترام الكائن البشري، وأن إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين يرتبط بنقد أشكال التعصب والكراهية التي تُمارس باسم الدين.(٢)

ويُفهم من هذا التصور أن تجديد الخطاب الديني لا ينبغي أن يقتصر على معالجة المصطلحات أو إعادة ترتيب المسائل النظرية، بل يحتاج إلى مراجعة أثر الفهم الديني في سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين. فالمعيار الإنساني والأخلاقي يصبح عنصرًا مهمًا في تقويم الخطاب الديني، ولا سيما حين يؤدي الخطاب إلى الإقصاء أو إضعاف العيش المشترك.

ولا يعني ذلك أن الرفاعي يدعو إلى إلغاء البعد الاعتقادي للدين، بل يركز على إبراز الوظيفة الإنسانية والأخلاقية للتدين، وعلى ضرورة عدم السماح للتوظيفات المتعصبة بأن تحجب هذه الوظيفة

ثانيًا: نقد اختزال الدين في الأيديولوجيا

يعالج الرفاعي قضية "اختزال الدين في الأيديولوجيا"(٣) الفرق بين الدين بوصفه تجربة إيمانية وأخلاقية، وبين توظيفه ضمن أنظمة فكرية مغلقة تسعى إلى تفسير المجتمع والتاريخ وفق نتائج محددة مسبقًا، فالدين عند الرفاعي "حياة في أفق المعنى، تفرضها الحاجة الوجودية لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية" فهو لا يرى الدين بمعزل عن التجربة الوجودية للإنسان وهو ليس خطابا جامدا أو نصوصا معزولة عن سياقها، وهو تعريف شاعري لتجاوز قلق الإنسان الوجودي بالعودة إلى الحياة الروحية التي أخذت المادية منه مأخذها.

ويظهر في مناقشته للأيديولوجيا، عند تحليله تجربة علي شريعتي، أن هيمنة الأيديولوجيا قد تؤثر في وعي الباحث وتوجه تفسيره، وتدفعه إلى تسخير المعرفة والتاريخ لخدمة مواقف جاهزة.(٤) ويكشف هذا التحليل عن إشكالية أوسع، هي احتمال تحوّل الخطاب الديني من مجال للتفكير والنقد إلى وسيلة لتثبيت اليقينيات وإقصاء الرأي المخالف.

وتبرز أهمية هذا النقد في التمييز بين الدين نفسه وبين الاستخدامات البشرية والسياسية له؛ فوجود توظيف أيديولوجي للدين لا يعني أن كل أشكال التدين أيديولوجية، كما أن نقد الأيديولوجيا لا يكفي وحده للحكم على صحة المعتقدات الدينية أو بطلانها.

ثالثًا: تجديد التفكير الديني وقراءة التراث

يرى الرفاعي أن تجديد الفكر الديني يقتضي مراجعة الموروث ونقده وتقويمه،وعلى أهمية النقد في تجديد الفكر الديني، وضرورة مراجعة الموروث وغربلته واستبعاد العناصر والمفاهيم التي تعوق التحديث والبناء.(٥)

وتقوم هذه الرؤية على التمييز بين الدين بوصفه مرجعية إيمانية، وبين الفهم البشري الذي يتشكل في سياقات تاريخية ومعرفية محددة. فالموروث الديني يتضمن اجتهادات وتفسيرات بشرية قابلة للدراسة والمراجعة، ولا يلزم من نقدها رفض التراث كله أو القطيعة معه.

ومن هنا يمكن وصف منهج الرفاعي بأنه يتجه إلى تجديد التفكير الديني من الداخل، من خلال إعادة فحص المفاهيم والمقولات التي تؤثر في فهم الدين ووظيفته الإنسانية. غير أن تحديد ضوابط هذه المراجعة يظل سؤالًا أساسيًا؛ إذ ينبغي التمييز بين نقد تفسير تاريخي وبين إعادة تعريف أصل ديني وهنا تكمن أهمية دراسة منهجية الرفاعي التي تعتمد غربلة التراث ومراجعته مراجعة نقدية فاحصة ليتلاءم مع المدوّنات العصرية للإنسان؛ لا أقل أن تكون القراءة الواعية النقدية هي الطريق لفهم التراث بروح العصر لا القطيعة معه.

نصر حامد أبو زيد وقراءة النص الديني

أولًا: النص والثقافة

يعالج نصر حامد أبو زيد في كتابه مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن العلاقة بين النص والثقافة، ويجعل موضوع «النص في الثقافة: التشكل والتشكيل» مدخلًا لبناء دراسته. يناقش مفهوم الوحي والمتلقي الأول للنص، والمكي والمدني، وأسباب النزول.(٦)

ولا ريب أن أبو زيد كان مهتما بالسياق الذي يتلقى فيه النص، وبالعلاقة بين النص ومتلقيه وعمليات تفسيره وتأويله. ولا يقتصر مشروعه على البحث في القارئ أو المفسر، بل يتناول أيضًا مكونات النص وآلياته، ويحاول دراسة العلاقة بين النص والتأويل من دون إغفال أحد الطرفين.(٧)

ومن الناحية المنهجية، يساعد هذا الاتجاه على إدراك أهمية السياق واللغة وتاريخ التلقي في دراسة النصوص. لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول الحدود الفاصلة بين استخدام السياق لتوضيح المعنى وبين بناء نتائج فلسفية تتجاوز مجرد التحليل اللغوي أو التاريخي، فالمنهج السياقي وحده قد يكون عائقا عندما يتعلق الأمر بالاستئنافات القرآنية وحتى الحديثية عند المتقدّمين وهو ما تحدثنا عنه في صياغة لغة جديدة للخطاب، لغة مختلفة، لغة يفهمها الجيل الجديد، لا إغلاق فيها ولا طلاسم، لا خلط فيها ولا إدراج، وهي بلا شك لا تستقيم دائما مع السياق، يركز أبو زيد على البنية النصية دون البعد الجمالي، الرفاعي ينظر الى الدين كقوة جمالية يمكن أن تواكب الحداثة من زاوية جمالية روحية إذا ما تم التركيز على جانبه الروحي والجمالي والأخلاقي.

ثانيًا: نقد الخطاب الديني

في كتابه نقد الخطاب الديني، ينتقل أبو زيد من تحليل النص إلى دراسة آليات الخطاب الديني المعاصر ومنطلقاته الفكرية.(٨) وأن نقد الخطاب الديني لا يقتصر على مناقشة النتائج التي يصل إليها أصحاب الخطاب، بل يتناول كذلك الآليات والمقدمات التي تنتج تلك النتائج. وهو يناقش تعدد الاتجاهات التي تعاملت مع ظاهرة المد الديني، ويحذر من الخلط بين تفسير الظاهرة وتبريرها.(٩)

وهو بلا شك يحتمل النظر في أن الظواهر التي لا يمكن تفسيرها لا يمكن تبريرها بالضرورة ولا يمكن سحب النص الى الاعتقادات للتبرير، ويختلف هذا التركيز عن مشروع الرفاعي من حيث الأولوية المنهجية؛ فالرفاعي يضع النزعة الإنسانية وأثر التدين في الإنسان والمجتمع في مركز مشروعه، بينما يمنح أبو زيد مساحة واسعة لتحليل النص وآليات الخطاب والتأويل. ومع ذلك، يلتقي المشروعان في الدعوة إلى عدم الاكتفاء بتكرار الموروث من دون فحص مقدماته وطرائق إنتاج المعنى، ولا يصح عدّ المشروعين متطابقين لمجرد اشتراكهما في نقد بعض أنماط التفكير الديني. فالرفاعي ينطلق من سؤال يتعلق بإنسانية الدين ووظيفته الأخلاقية، في حين يتناول أبو زيد قضايا النص والتأويل وآليات الخطاب. وبناءً على ذلك، ينبغي أن تميز المقارنة بين موضوع كل مشروع وأدواته والنتائج التي يصل إليها، كما ينبغي التمييز بين دراسة السياق التاريخي للنص وبين اتخاذ موقف محدد من مصدره أو طبيعته. فالأولى مسألة منهجية يمكن بحثها في الدراسات القرآنية، أما الثانية فتحتاج إلى حجج كلامية وفلسفية مستقلة، ولا تنتج تلقائيًا من مجرد تحليل السياق.

محمد أركون ونقد العقل الإسلامي

يمثل مشروع محمد أركون اتجاهًا يهتم بنقد البنى المعرفية التي تشكل الفكر الإسلامي، وبإعادة دراسة التراث ضمن شروطه التاريخية والمعرفية. وتكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه لا يكتفي بتكرار الآراء التراثية أو عرضها، بل يسعى إلى مساءلة المقدمات التي حكمت إنتاج المعرفة الدينية وحددت ما يدخل في مجال التفكير المقبول وما يُستبعد منه.

وعند المقارنة بين أركون والرفاعي، يظهر اختلاف في مركز الاهتمام؛ إذ يركز الأول على نقد العقل الإسلامي وآليات تشكله، بينما ينطلق الثاني من ضرورة استعادة النزعة الإنسانية في الدين وتجديد التفكير الديني. ومع ذلك، يلتقي الاتجاهان في أهمية مراجعة المسلمات الفكرية وعدم التعامل مع الموروث بوصفه كتلة واحدة مغلقة، لكنهما يختلفان في المركزية الفكرية، الرفاعي لا ينظر لقيمة الدين والرسل و التراث إلا من خلال الإنسان، والكُبرى عند الديانات هو الخطاب الأخلاقي الموجه لهذا الإنسان، ولذلك فالمركزيات الفكرية الحداثية غير ناظرة لهذه المركزية بوصفها كبرى قضايا التجديد، فالإنسان هو محور الرسالات وهو المعني الأول بفهم النص، هو الركيزة في الإحياء والنماء وهو المنطلق للمجتمع السعيد، فكيف يكون صغرى تجاه الخطاب ومسائل تجديده!.

ويمكن تحديد أبرز نقاط القوة في مشروع الرفاعي في ثلاثة أمور:

إبراز البعد الإنساني والأخلاقي للدين:

إذ يجعل كرامة الإنسان والتراحم ونقد التعصب قضايا أساسية في تقويم الخطاب الديني.(١٠)

نقد التوظيف الأيديولوجي للدين:

إذ يلفت النظر إلى أثر المواقف المسبقة في توجيه التفكير والتفسير، وإلى خطر تحويل المعرفة إلى وسيلة لتبرير نتائج جاهزة.(١١)

الدعوة إلى مراجعة الموروث:

وهنا يؤكد أهمية النقد والتقويم في تجديد الفكر الديني، بدل الاكتفاء بتكرار المقولات الموروثة من دون فحص.(١٢)

وهنا يجب أن نلتفت إلى أن تجديد الخطاب الديني في الفكر الإسلامي المعاصر يتخذ مسارات متعددة، تختلف بحسب موضوع الدراسة والمنهج المعتمد والنتائج المراد الوصول إليها، حيث يبرز مشروع الرفاعي محورية الرفاعي في خطابه الموجه للإنسان، المركزية العامة للرسالات في الخطاب الديني الأخلاقي، الرفاعي يرى أن الحاجة إلى الدين حاجة فطرية لصيانة الطمأنينة والسلام في الروح وهذه الطمأنينة لا يمكن توجيهها بقبليات غير قابلة للنقد والفحص، فأدران المسلّمات غير القابلة للنقاش تشبه إلى حد ما أدران نسف التراث وغياب التراث الروحي للإنسان كإغراق متعمّد في القطيعة.

"مركزية الإنسان في الأرض ومركزية الله في الوجود"

يقول الرفاعي: أن الاستخلاف في الآية الكريمة " إني جاعل في الأرض خليفة" (١٣)يعني استثمار المستثمِر للخلافة ما في الأرض وتسخيرها بتفويض كامل من الله عز وجل، هكذا يرى الرفاعي بعد أن أهمل بعض المفسرين مركزية الإنسان في الأرض، الأرض التي تعتبر جزءا من هذا الوجود الذي مركزيته الله عز وجل، كما أهمل المفكّر حسن حنفي في تفسيره مركزية الله - على حد قوله - فالاهتمام بمركزية الإنسان لا تعني إلغاء مركزية الله عز وجل(١٤)، هاتان المركزيتان لا انفكاك لهما فعندما يموت صوت الله داخل الإنسان يموت الإنسان، فماﻻ لم يتحسس صوت الله في داخله فلن يتخلص من اغترابه الوجودي.(١٥)

هذه المركزية في الأرض هي في حاجة دائمة للمركزية الأعلى، ويخبرنا القرآن الكريم عن طبيعة الإنسان الملأى بالهشاشة والضعف في قوله تعالى: " : إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(١٦) وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا،(١٧) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ،(١٨)  فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ،(١٩) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ،(٢٠)  قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ،(٢١)  بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ"،(٢٢)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا،(٢٣)  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا،(٢٤)  خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ،(٢٥)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا،(٢٦) وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا،(٢٧) أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ،(٢٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا،(٢٩)  لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ،(٣٠)  كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى،(٣١)  إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ،(٣٣)  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، (٣٣) وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا،(٣٤ )اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً،( ٣٥) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ،(٣٦) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ،(٣٧) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا،(٣٨)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا،(٣٩)  لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ،(٤٠ ) نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ، (٤١) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي(٤٢)

إن القرآن الكريم ليس في مقام توبيخ وازدراء الإنسان، بل في مقام تبيان طبيعته الهشّة المحتاجة إلى ما يخلصها من قصورها وهشاشتها، إلى من يخلصها من قلقها الوجودي و اغترابها، بالإيمان، بصوت الله.

للإنسان في القرآن الكريم بعدين: الإنسان ببعده الأنطولوجي الوجودي وهذا البعد هو ما يكون موضوعا للقيم والأخلاق الكونية ,والإنسان بوصفه هوية متحوّلة وهذا الإنسان هو ما يكون موضوعا للأحكام الظرفية المتغيّرة، فكثير من الكتابات تخلط بين هذين البعدين، فقلّما نجد تفسيرا يميز تمييزا دقيقا بين الإنسان الذي يعيش ظرف الرسالة والإنسان الآخر الذي لم يعش ظرفها، بل يعيش في زمان ومكان مختلفين، هناك من يتعاطى مع الإنسان ككائن لا يتغيّر وهناك من يرى أن الشيء الوحيد الثابت هو المتغيّر، وأن الحقيقة والأخلاق والقيم نسبية، فيختزل الإنسان في كلا النظريتين ببعد واحد، فأما ثابت لا يتغيّر بمختلف الظروف فهو فهم متحجّر للإنسان، أو متغيّر على الدوام وتنتهي إلى نسبية كليّة.(٤٣) ومن صور هذه المركزية في الأرض في القرآن الكريم:

١- يتفرَّدُ الإنسانُ في خلقِه فِي أَحْسَنِ صورةٍ يُمكِن أن يُخلَق فيها مخلوق، كما تقول الآية: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. التين، ٤.

٢- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي نفخ اللهُ فيه من روحه عند خلقه، فصارت هذه الروحُ مكوِّنًا أساسيًّا لكينونته الوجودية، مما تسامى بمقامه إلى مرتبة لن يبلغها مخلوقٌ سواه في مكانته، كما تقول الآية: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. (ص، ٧٢).

٣- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي استحق أن تسجد له الملائكة، كما تقول الآية: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. (ص، ٧٢).

٤- يتفرَّدُ الإنسانُ في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق، كما جاء في الآية: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. (الإسراء، ٧٠).

٤- يتفرَّدُ الإنسانُ في تسخير الله له كلَّ ما في السَّمواتِ والأرض، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. (لقمان، ٢٠).

٥- يتفرَّدُ الإنسانُ في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. (البقرة، ٣٠).

٦- يتفرَّدُ الإنسانُ في تعليمه البيان، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. (الرحمن، ٤).

٧- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية حمل الأمانة الإلهية، وهذا الضربُ من التكريمِ الوجوديِّ هو الذي استحق الإنسانُ بسببه أن تُناط به مسئوليةٌ عظمى. حملُ الأمانة الإلهية مهمةٌ جسيمة لا يقوى عليها إلَّا الإنسان، كما تقول الآية: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. (الأحزاب، ٧٢).

٨- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية الخلافة الأرضية نيابةً عن الله، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. (البقرة، ٣٠).(٤٤)

***

عبد الهادي المظفر

دراسات عليا - كلية الفقه - جامعة الكوفة

.....................

* القرآن الكريم مصدرا:

الهوامش

١. عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، مؤسسة هنداوي، 2025،، الصفحات ٤٣- ٦٧ -٩٧ و٢١٧.

٢. عبد الجبار الرفاعي، المصدر نفسه، ص ١١و١٢.

٣. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ٩٧ وما بعدها.

٤. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ١٠٢–١٠٤.

٥. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ٨-٩.

٦. نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٣ ص ٣٥.

٧. أبو زيد، مفهوم النص، المصدر نفسه، ص ٦-٧.

٨. نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٤، ص ١٥و١٨و١٤١

٩. أبو زيد، نقد الخطاب الديني، المصدر نفسه، ص ٩-١٠

١٠. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ١١و١٢

١١. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ١٠٢و١٠٤.

١٢. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ٨و٩

١٣. البقرة، الآية٣٠

١٤. الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مقطع صوتي من محاضرة له في ألمانيا بعنوان" مركزية الله في الأرض امتداد لمركزية الله في الوجود"

١٥.اريك فروم، حب الحياة، نصوص مختارة، ترجمة حميد لشهب،ص ٩٨

١٦. إبراهيم، ٣٤.

١٧ الإسراء، ٦٧.

١٨ الحج، ٦٦.

١٩ الشورى، ٤٨.

٢٠ الزخرف، ١٥.

٢١ عبس، ١٧.

٢٢ القيامة، ٥.

٢٣ الإسراء، ١٠٠.

٢٤ المعارج، ٢١.

٢٥ الأنبياء، ٣٧.

٢٦ الإسراء، ١١.

٢٧ الأحزاب، ٧٢.

٢٨ يس، ٧٧.

٢٩ المعارج، ١٩.

٣٠ البلد، ٤.

٣١ العلق، ٦.

٣٢ العاديات، ٦.

٣٣ العصر، ٢.

٣٤ النساء، ٢٨.

٣٥ الروم، ٥٤.

٣٦ هود، ٩.

٣٧ النحل، ٤.

٣٨ الإسراء، ٨٣.

٣٩ الكهف، ٥٤.

٤٠ فصلت، ٤٩.

٤١ التوبة، ٦٧.

٤٢ يوسف، ٥٣.

٤٣. ينظر: الدين والكرامة الإنسانية، عبد الجبار الرفاعي.

٤٤. المصدر نفسه.

 

أحياناً أفكر أن أعظم اختبار للإنسان المثقف لا يوجد في الجامعة، ولا في قاعة المحاضرات، ولا أمام جمهور يصفق لفكرته، ولا حتى في لحظة حصوله على جائزة كبرى؛ الاختبار الحقيقي يبدأ حين يعود إلى البيت، ويكتشف أن كل ما قاله عن الحرية والعدالة والأخلاق والإنسان لا يعفيه من إعداد فطور الصباح.

وهنا تحديداً تبدأ مشكلتي الشخصية مع الفلسفة. فأنا أستطيع أن أكتب عن هيغل، وأن أجادل فوكو، وأن أستدعي بورديو، وأن أختلف مع هايدغر، وأن أشرح شيئاً عن الوعي والسلطة والخطاب والتمثيل، لكنني أمام قائمة مشتريات معلقة على باب الثلاجة، أتحول فجأة إلى كائن أقل ميتافيزيقا وأكثر واقعية. إداك أكتشف أن نظرية المعرفة لا تنفعني: هل اشترينا الخبز؟ ولا تنفعني فلسفة اللغة: ماذا كان المقصود حين قالت الزوجة "لا تنسَ الحليب"؟ ولا تنفعني الأنطولوجيا: أين اختفى السكر؟ ولا حتى نظرية السلطة عند فوكو، لأن السلطة في تلك اللحظة تكون واضحة تماما، ومصدرها معروف، ولا تحتاج إلى حفريات أركيولوجية.

ثم هناك شطائر المدرسة. تلك الشطائر التي تبدو، لمن ينظر إليها من الخارج، فعلا صغيرا لا يستحق الذكر، لكنها بالنسبة إلى أب يواجه الصباح هي جزء من اقتصاد يومي كامل: ماذا سيأكل الطفل؟ هل وضعت له ما يكفي؟ هل سيتذكر أن يأخذها معه؟ وهل يمكن أن تبدأ صباحاً هادئاً من دون أن تتحول الدقائق الأخيرة إلى مفاوضات بين الأبناء والآباء والزمن؟

لذلك، أعترف أنني أجد عزاءً خاصا في أخبار العلماء الكبار حين أكتشف أنهم يعيشون هذه الورطة نفسها.

يحكى عن عزيز سانجار، عالم الكيمياء الحائز جائزة نوبل سنة 2015، أن زوجته طلبت منه ذات يوم إخراج القمامة، فاحتج متدللاً بمكانته: "أنا حائز على جائزة نوبل!". قد تكون العبارة مجرد دعابة زوجية، لكنها بالنسبة إليّ تحمل فلسفة كاملة عن مأزق الإنسان حين يصدق صورته العامة أكثر مما ينبغي.

فماذا تفعل جائزة نوبل أمام سلة القمامة؟ .. لا شيء. وهذه الـ"لا شيء" هي ربما واحدة من أكثر الحقائق ديمقراطية في الحياة. فالجائزة لا تطبخ والشهرة لا تنظف والدكتوراه لا تشتري الخبز والعبقرية لا تمنح صاحبها حقا طبيعيا في أن يعيش على حساب الآخرين. بل إن الحياة الخاصة تقوم أحيانا بعملية هدم قاسية لكل ما تبنيه الحياة العامة من أوهام. في الخارج، أنت الأستاذ والباحث والمفكر والخبير والحائز على الجائزة. في البيت أنت الشخص الذي نسي أن يشتري البيض.

وهذا تحديدا ما يجعل قصة كارل ديسيروث، عالم الأعصاب والطبيب النفسي الأمريكي، حين تحدث عن إعداده شطائر المدرسة لأبنائه، أكثر من مجرد تفصيل طريف في سيرة عالم. إنها تذكرنا بأن أعظم العقول لا تعيش في المختبر وحده. إنها تعود إلى البيت، إلى الأطفال، إلى الطعام، إلى المرض، إلى التعب، إلى تلك الأعمال التي لا تكتب عنها المجلات العلمية لأنها لا تنتج نظرية ولا اكتشافا.

لكنها تنتج شيئاً أكثر بداهة، إنها إمكانية استمرار الحياة. وقد أشارت حنة أرندت في إحدى رؤاها الفلسفية إلى مساءلات ضرورية لفهم ما نعتبره عادةً أعمالا هامشية. فقد ميزت في الحالة الإنسانية بين العمل المرتبط بحاجات الحياة، والعمل الذي يصنع عالماً قابلاً للسكن، والفعل الذي يكشف الإنسان في علاقته بالآخرين. والعمل المنزلي، في هذا المعنى، لا ينبغي النظر إليه باعتباره هامشا أمام "الأعمال الكبرى"، لأنه مرتبط بالشروط التي تجعل الحياة نفسها قابلة للاستمرار.

المشكلة أن الثقافة الحديثة صنعت تراتبية غريبة للأعمال، فهناك أعمال ترفع صاحبها إلى المنصة، وأعمال تجعله ينحني أمام المغسلة. وهناك من يُحتفى به لأنه اخترع، ومن لا يلتفت إليه أحد لأنه أطعم، أو ربّى، أو نظف، أو حمل، أو رعى. والأغرب أننا كثيرا ما نمنح الأعمال الذهنية قيمة أعلى من الأعمال التي تحفظ الحياة نفسها.

ويرى بورديو من خلف الستار، أننا لا نوزع الاحترام بالتساوي، وإنما نوزع "الرأسمال الرمزي" وفق قواعد اجتماعية تجعل بعض الأسماء أكثر قيمة من غيرها. فالعالم الشهير يمتلك رأسمالا رمزيا هائلا؛ اسمه يتحول إلى علامة، وشهاداته إلى سلطة، وكلامه إلى مرجع. لكن هذا الرأسمال، مهما تضخم، يبقى عاجزا أمام الحياة اليومية.

فالبيت لا يعترف بالرأسمال الرمزي. وهذه ربما هي أجمل فضيلة للبيت. إنه المكان الذي تستعيد فيه الأشياء وزنها الحقيقي. حيث لا تسأل زوجتك كم بحثا نشرت هذا العام. ولا يسأل أبناؤك كم مرة ظهرت في الصحافة. ولا يهم كثيرا أنك ألقيت أمس محاضرة عن مستقبل الإنسان. إذا كان الخبز غير موجود، فالمشكلة قائمة.

كانط، الذي جعل الواجب مركزا أساسيا في فلسفته الأخلاقية، كان سيجد في هذه التفاصيل اليومية مادة كثيفة للتفكير؛ فالعقل العملي عنده لا يكتفي بمعرفة ما هو صحيح، وإنما يتعلق بالسؤال عما ينبغي فعله.

لكنني أخشى أن كانط نفسه كان سيواجه مشكلة إذا طُلب منه إعداد شطائر المدرسة في السادسة والنصف صباحاً فالواجب حين يكون مكتوبا في كتاب، يبدو عظيما. وحين يكون أمامك في المطبخ، يصبح أكثر تواضعا وأكثر إزعاجا، وهذا هو معنى الأخلاق حين تخرج من الفلسفة وتدخل الحياة.

أن تعرف أن الآخرين ليسوا تفصيلا في سيرتك الذاتية. وأن تفهم أن الطفل الذي ينتظر شطيرته ليس أقل أهمية من المقال الذي تنتظر أن تنشره المجلة.

أن تدرك أن الزوجة التي تطلب منك شراء شيء من السوق لا تعترض طريق مشروعك الفكري، وإنما تشاركك في بناء الحياة التي من دونها لن يكون لمشروعك أي معنى.

والعظيم سارتر يفكك هذه النقطة، إذ يذهب إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يختبئ طويلا وراء الدور الذي منحه لنفسه. لا يمكن أن أقول: أنا كاتب، ولذلك لا علاقة لي بالتسوق. ولا أن أقول: أنا مفكر، ولذلك الأعمال المنزلية أقل من مقامي. الأدوار الاجتماعية لا تعفي الإنسان من مسؤوليته عن اختياراته. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للحرية، أن تعرف أنك مسؤول عن الأشياء الصغيرة كما أنت مسؤول عن الأشياء التي تحب أن تراها كبيرة.

 لذلك، كلما قرأت عن عالم كبير يعد شطائر أبنائه، أو حائز نوبل يقف أمام سلة القمامة، لا أضحك منه. أضحك معه. لأنني أراه يعود من قمة العالم إلى أرضه. وأرى في ذلك شيئا من العدالة. فالبيت لا يسمح للعبقرية بأن تتحول إلى طبقة أرستقراطية. إنه يعيد العالم إلى حجمه البشري.

وهذا، في النهاية، ما ينقص كثيرا من المعرفة المعاصرة، أنها تتضخم في الرأس وتضمر في الحياة. نعرف أكثر، ونقرأ أكثر، ونحلل أكثر، وننتج خطابا لا ينتهي عن الإنسان، لكننا قد نفشل في أبسط امتحان إنساني، أن نكون نافعين لمن يعيشون معنا.

ما جدوى أن أعرف تاريخ الفلسفة إذا كنت أعتقد أن إعداد فطور لأطفالي ينتقص من مقامي؟ وما جدوى أن أكتب عن العدالة إذا كنت أتعامل مع من يشاركونني البيت بمنطق الامتياز؟

ما جدوى أن أشرح للناس معنى الحرية إذا كنت أطالب الآخرين بأن يحملوا عني أعباء حياتي لأنني أرى نفسي "أهم"؟

العلم الذي لا يتحول إلى أخلاق عيش يبقى معرفة معلقة. والفكر الذي لا ينتج تواضعاً أمام الحياة قد يتحول إلى شكل راقٍ من النرجسية.

أما المعرفة التي تستحق الاحترام حقا، فهي تلك التي تجعل صاحبها أكثر قدرة على العطاء، وأكثر انتباها إلى تعب الآخرين، وأكثر استعدادا لأن ينزل من برجه حين تناديه الحياة. ولهذا أعتقد أن علينا أن نعيد تعريف العبقرية. ربما ليست العبقرية أن تكتشف قانونا جديدا في الكون فقط. وربما هي أيضا أن تعرف كيف تعيش مع الذين تحبهم دون أن تجعلهم يدفعون ثمن عبقريتك.

فأن تشتري الخبز. وأن تعد الشطائر. وأن تخرج القمامة. ثم تجلس بعد كل ذلك، لتكتب عن معنى الإنسان. فقد يكون أعظم درس في الفلسفة أن نكتشف أن الإنسان الذي نحاول فهمه في الكتب هو نفسه الذي ينتظر منا، في البيت، أن نحمل عنه شيئاً من ثقل الحياة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

لقد عبرت مرحله جديده من النضج في حياتي.. فقد اصبحت حياتي ممتلئة بي بأفكاري التي تتسع، ومعرفتي التي تتراكم يوما بعد يوم، وبأحلامي التي أسعى إلى تحقيقها، وعالمي الداخلي الذي اتعلم فيه كيف أرتب فوضاه، وأصنع من وحدته مساحة للتأمل لا سجنا للعزلة.

فليس كل فراغ يحتاج إلى شخص يملؤه، ولا كل وحدة تحتاج إلى علاقة تنقذها، ولا كل صمت ينبغي أن نبدده بأخبار الآخرين.

أحيانا يكون الفراغ فرصة لاكتشاف ما أهملناه في أنفسنا، وتكون الوحدة مختبرا لإعادة بناء وعينا، ويكون الصمت استراحة ضرورية من عالم يطالبنا طوال الوقت بأن نراقب ونعلق ونحكم ونتدخل.

وما أكثر الذين يستنزفون أعمارهم في حياة لم يعيشوها، ومشكلات لم تخصهم، ومعارك لم يخوضوها، وأسرار يتوهمون أن اكتشافها سيضيف شيئا إلى حياتهم. يراقبون الآخرين بشغف، ويفتشون في اختياراتهم، ويتعقبون علاقاتهم، ويحللون دوافعهم، بينما تظل حياتهم الخاصة مؤجلة، وأحلامهم معلقة، وأسئلتهم الداخلية بلا إجابات. يعرفون الكثير عن الناس، لكنهم لم يبذلوا جهدا كافيا ليعرفوا أنفسهم.

لماذا نراقب أخطاء غيرنا بعين يقظة، لكننا يعجز عن مواجهة أخطائنا

ربما تكون وسيلة للهروب من مواجهة الذات، ويصبح الحديث عن عيوب الناس تعويضا نفسيا عن العجز عن إصلاح عيوبنا..

 النضج هو أن تعرف أين تنتهي مسؤوليتك، وأين تبدأ المساحة الخاصة بالآخرين، وأن تدرك أن لكل إنسان حقا في أن يعيش بطريقته، يخطئ ويتعلم، ويختار ويراجع اختياراته، دون أن يتحول إلى مشروع دائم للتحليل والمحاكمه في عقول المحيطين به.

و في وجهه نظري احترام خصوصية الآخرين ليس مجرد تهذيب اجتماعي، بل تعبير عن وعي عميق بحدود الذات وحقوق الغير.

 إن الوقت الذي تنفقه في مراقبة الآخرين هو جزء من عمرك لن تسترده، والطاقة التي تبددها في تحليل نواياهم كان يمكن أن تتحول إلى معرفة أو مهارة أو فكرة أو تجربة تمنح حياتك معنى أعمق.

لذلك، انصرف إلى ما يبنيك. اقرأ، واكتب، وتعلم، وسافر إن استطعت، واصنع من هواياتك نوافذ تطل منها على عوالم جديدة، وامنح عقلك حقه في السؤال، وروحك حقها في السكينة، وأحلامك حقها في المحاولة.

راقب نموك لا تعثر الآخرين، واحتفي بتقدمك ولو كان بطيئا، وتعلم أن تقيس حياتك بما تضيفه إليها، لا بما تعرفه عن حياة سواك.

لا تجعل سعادتك رهينة بمقارنة نفسك بالآخرين، ولا تجعل قيمتك مرهونة بتفوقك عليهم، ولا تبحث عن الطمأنينة في اكتشاف عيوبهم

اصنع عالما داخليا غنيا بما يكفي لكي لا تحتاج إلى اقتحام عوالم الناس ولا تنشغلوا بإحصاء نجاحاتهم وإخفاقاتهم، فلكل إنسان رحلته الخاصة، ومعاركه التي لا ترونها، وأثقاله التي قد لا يعرف أحد عنها شيئا.

 يا رفاق.. الحياة أقصر مما تتخيلون، وأثمن من أن نهدرها في معارك لا تشبهنا، وخصومات لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ومراقبة أشخاص لا يعني وجودهم أو غيابهم فارقا حقيقيا في حياتنا.

أقصر من أن نقضيها في تبرير أنفسنا لمن لا يريد أن يفهمنا، أو إثبات قيمتنا لمن لا يرى إلا ما يريد أن يراه، أو مطاردة رضا الآخرين بينما نفقد رضا أنفسنا.

لن نستعيد السنوات التي عبرت، ولن نعرف كم بقي لنا من الوقت، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش ما تبقى منه. فلنمنح أعمارنا لما يستحقها، وعقولنا لما ينميها، وقلوبنا لما يجعلها أكثر رحمة واتساعا.

انشغلوا فقط بما يجعلكم أكثر وعيا، وأكثر نضجا، وأكثر قدرة على فهم العالم والتمتع بجماله

عيشوا حياتكم، قبل أن تتحولوا إلى مجرد متفرج على حياة الآخرين. فالعمر الذي تمنحوه لفضولكم لن يعود، والحياة التي تؤجلها اليوم قد لا تمنحك غدا فرصة أخرى لتعيشها

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في مقال لافت بأسبوعية دير شبيغل الألمانية، يروي الصحفي شتيفان شولتس كيف قاده مشهد عابر في حديقة حيوان إلى ثمانية أسابيع من مساءلة النفس، ثم إلى تجربة عملية في الكرم انتهت بخلاصة غير متوقعة: قد يكون الجشع عرضا لفقدان الثقة أكثر منه عيبا في الطبع.

في عصر يوم مشمس من منتصف مايو، كان الكاتب يركض مع ابنه يانوش، ابن الرابعة، عبر حديقة للحيوان. أراد الطفل أن يرى النمر قبل كل شيء، وما إن بلغاه حتى طلب الانتقال إلى الحيوان التالي. حاول الأب أن يدعوه إلى التمهل والامتنان بما أمامهما، لكنه سمع كلماته تخرج جوفاء، فقد كان هو نفسه، في يوم مخصص للعائلة، مشغولا بقائمة ما يريد أن يراه وينجزه. وتذكر أن ابنه قال له قبل قليل إنه يمشي بسرعة كبيرة، وأنه وعد الصغير ذات مرة بدمية يشتريها له ليحظى بدقائق من الهدوء يجري فيها مكالمة. ومن هنا انبثق السؤال: هل يقلد الطفل ما يراه من ولع بالمزيد يسود المجتمع كله، ويمارسه الأب أيضا؟

يلاحظ شولتس أن الجشع قيل فيه الكثير: من أغنية لفرقة كوين تطلب كل شيء الآن، إلى العبارة الشهيرة في فيلم «وول ستريت» التي تمجده، وصولا إلى العقار الفخم الذي يملكه نجما الغناء بيونسيه وجاي زي بمساحة تناهز 2800 متر مربع. وقد حملته المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل مسؤولية الأزمة المالية العالمية عام 2008، ورأى فيه مارتن لوثر منبع التلاعب والغش. ويعد الجشع الشعور الاقتصادي بامتياز، والمشكلة الجوهرية في الرأسمالية، غير أن الحد الفاصل بين السعي المعتدل الذي يصنع الرفاه والإفراط الذي يمزق المجتمع غير واضح، ونحن نميل إلى رسمه أكثر سخاء حين يتعلق الأمر بأنفسنا.

والكاتب نفسه لم يكن يرى نفسه جشعا. فقد انضم إلى قسم الاقتصاد في المجلة يوم انهيار مصرف ليمان براذرز، وكتب منذ ذلك الحين تعليقات نارية كثيرة ضد الجشع. وهو يملك مجموعة متواضعة من الأسطوانات، ومجموعة كتب أقل تواضعا، ويسكن شقة مستأجرة وصفتها صديقة مؤخرا بأنها صغيرة فعلا، فاعتبر ذلك شهادة على قناعته. لكنه، منذ زيارة الحديقة، قرر أن يتصرف بصرامة مع نفسه.

بدأ في اليوم التالي يوميات للجشع، يدون فيها المواقف التي يشعر فيها بأنه لم ينل ما يكفي، وسرعان ما اكتشف أن الظاهرة تمتد إلى ما هو غير مادي. فهو يعد البلدان التي زارها بنوع من الطموح، ويلتهم قوائم الأغاني والكتب المسموعة، وحتى في خلوات التأمل يلهث من تجربة ذاتية إلى أخرى. وفي إعداده لهذا المقال قرأ ثلاثة كتب، واستمع إلى خمسة بودكاست، وحاور نحو اثني عشر شخصا، فوجد نفسه جالسا على جبل من المواد لا يعرف أين يضعه. وخلص إلى نمط ثابت: كلما فعل شيئا يريده حقا، انزلق إلى التكديس.

استعان الكاتب بثنائية المحلل النفسي إريش فروم: نمط الكينونة، حيث يعيش المرء اللحظة ويستمتع بالحياة، ونمط التملك، حيث يطلب الأمان والحيوية من الأشياء، وكثيرا ما يختلط النمطان. وكتب ذات ليلة على شرفته أنه يقيم في نمط التملك أكثر مما ينبغي. ثم لاحظ أن الجشع نادرا ما يأتي وحده، بل يصحبه عادة حزمة من المشاعر المتناقضة.

أولها البخل، وهو أشبه بحزام بارد يشد الصدر؛ كأن يمتنع عن إعطاء عامل توصيل البيتزا إكرامية ويزعم أن محفظته ليست معه، أو يغتاظ لأن صديقا يدعوه إلى الطعام ثم لا يرد الدعوة، بينما يجد جزء آخر منه هذا الغيظ مخجلا. وثانيها قلق متصاعد، كأن يشتاق إلى حفل موسيقي يحبه ثم تلازمه رغبة مؤلمة لا ترتوي، تدفعه من جرعة دوبامين إلى أخرى. وثالثها، وهو الأبرز، أنانية تظهر حين يقود دراجته إلى العمل في مدينة مزدحمة، فيتحول الآخرون من بشر إلى عقبات تعترض طريقه.

ويرى الكاتب في هذا الشعور بالانفصال أساس الجشع كله. فالفيلسوف الثقافي جيريمي لنت يعزو ذلك إلى أننا لا نحس بألم الآخرين، فيسهل علينا استغلالهم موارد. وهذه هي الآلية الكامنة وراء ملابس الماركات التي يخيطها عمال في أقاصي العالم بأجور زهيدة، وشركات تتحايل على القيود البيئية، ومستهلكين مثله يعدون ذلك كله أمرا عاديا.

في مطلع يونيو قرر شولتس أنه رسم من خريطة جشعه ما يكفي، فحمل حقيبتي ظهر مملوءتين بالكتب وقصد «صندوق التبادل»، وهو خزانة تقاوم الطقس في حيه يترك فيها الناس كتبهم لمن يشاء، وابنه جالس خلف ظهره على الدراجة. فرح بفخر ابنه به، لكنه سأل نفسه بصدق عن مدى تجرده، إذ لم يتخل إلا عن كتب لا يحبها، ومنها مجلدات أرسلتها إليه دار نشر دون طلب. وعلق بأن عطاءه أقرب إلى التخلص من الأشياء منه إلى الإهداء.

وفي اليوم التالي تبرع بسراويل وقمصان لم تعد تناسبه في متجر منظمة أوكسفام، وحمل فائض مأكولات الشواء إلى ثلاجة عامة يأخذ منها من شاء، وأعطى بائع صحيفة المشردين عشرة يورو أمام متجر الحي. غير أنه اشترى لنفسه بعد ذلك قهوة بالكراميل بثمن لا يقل كثيرا، فأحس بالضآلة. وفكر في أن يعطي الرجل خمسين يورو في المرة المقبلة، ثم أدرك أن حرجه من الكتابة عن ذلك يفضح حقيقة أخرى: إن المسألة تتعلق أيضا بالاعتراف الاجتماعي، وإنه عالق في كرم استعراضي.

وفي المساء نشر على بوابة إلكترونية للجوار عرضا لمساعدة السكان في رعاية حيواناتهم وقضاء حاجاتهم أو مجرد الصحبة، فانهالت عليه الطلبات والإعجابات، واعترف بأنه شعر بالتملق. وخلال الأسبوع التالي رافق سيدة مسنة في نزهة مع كلبها، وساعد أرملة في استخدام الحاسوب، وأوصل بالحافلة إلى الطبيب امرأة تستعمل كرسيا متحركا بسبب مرض مناعي ذاتي. ولم يخل الأمر من إخفاق طريف، فقد احتاج وقتا طويلا لارتداء القفازات المعقمة حين طلبت منه المرأة فك أنبوب التسريب عن ذراعها. لكن الأحاديث غدت شخصية: حدثته الأرملة عن حزنها، وروت صاحبة الكلبين تجربتين مع السرطان نجت منهما، وقالت الجارة ذات الكرسي إنها سعيدة لأنها سافرت كثيرا في شبابها فلم يفتها في الحياة الكثير. وشعر بدفء واسع في صدره، وبسعادة جعلته لا يبالي بنفسه.

لكن البهجة لم تدم. تراكمت الطلبات: امرأة تحتاج عونا في الحديقة، وجار يريد تفريغ بيت أمه المحتضرة، وآخرون يريدون ترتيب أموالهم أو نقل رف ثقيل أو تنظيف علية. وافق على الجميع وهو منهك، فالحر شديد، وابنه لا ينام جيدا، وزوجته متوعكة، وعمله كثير، وصديق يحتاج دعما نفسيا، وحديقته المستأجرة غطاها العشب. وفي مركز التبرع بالدم، وقد استقرت الإبرة في ذراعه وفاحت رائحة المعقمات، أصابه دوار وأحس بأنه صغير ومتعب.

عندها تذكر فتاة «النجوم الذهبية» في حكايات الأخوين غريم، التي وهبت كل ما تملك حتى قميصها الأخير فتحولت النجوم من السماء إلى عملات ذهبية. ورأى فيها مثالا كاملا للتضحية المثالية بالنفس، مع فارق أن الحياة الحقيقية لا تمطر نجوما مكافأة على الإيثار. ونبهته ممرضة إلى أن عليه أن يفتح عينيه، وخطر بباله الممرضون والمرعون المحترقون مهنيا، والناشطون الذين يستنزفون أنفسهم في قضية نبيلة بأجر هزيل. فاعتذر من الجيران الذين رآهم أقل حاجة إليه، وقرر أن يرسم استراتيجية للكرم أنفع أثرا.

في مطلع يوليو أبلغ نادلة مقهاه المعتاد أنه يرغب في دعوة الزبون التالي الذي يطلب قهوة. لم تفهم النادلة، وحين شرح لها أنه يريد أن يدفع ثمن قهوة لشخص لا يعرفه قالت: «ما أروع هذا»، ثم طلبت منه المال نقدا، فنظام المحاسبة عندها لا يتسع للهدايا. فذهب إلى مكتبة عامة ودس ورقة نقدية من فئة عشرة يورو في كتاب مع رسالة قصيرة إلى من يعثر عليها، يدعوه فيها إلى أن يشتري لنفسه شيئا جميلا، وإن استطاع فليهد غيره لاحقا شيئا ما.

وقد استلهم الفكرة من نيبون مهتا، مبرمج سابق في وادي السيليكون أسس حركة «جيفتيفيزم»، أي النشاط بالهدية. يسعى مهتا ورفاقه إلى تنمية العطاء بمرح ودون تقريع أخلاقي للرأسمالية، لاعتقادهم أن الناس لا يتغيرون إلا حين يستمتعون. ومن استراتيجياتهم مبدأ «الدفع المسبق للآخرين»: أن تدفع لغريب شيئا سلفا وتدعوه إلى أن يفعل مثلك. وقد ظهرت مطاعم أولى تكون فيها الفاتورة صفرا دائما، فما يطلبه الزبون مدفوع سلفا، وهو يدفع بدوره عن ضيف قادم. إنها إيماءات صغيرة غير بطولية يستطيع كل إنسان أن يأتيها كل يوم، ولذلك قد تفعل الكثير. فكل قهوة تهدى إيداع في حساب لا يملكه مصرف، هو حساب الثقة لدى الجماعة.

بعد أسبوعه الأول ناشطا في الهدايا تغير شيء في داخله: خف بخله وقلقه، وفكر لأول مرة منذ زمن طويل: عندي ما يكفي. وبدأ يقرأ جشعه قراءة أخرى، فلعله ليس عيبا في الشخصية، بل علامة على فقدان الثقة بالشبكة الاجتماعية، في الصغير والكبير معا: كلما ظن المرء أنه مضطر لتأمين نفسه وحده، كدس المزيد من الممتلكات. وكلما قلت ثقة دولة بالنظام العالمي، سعت إلى القوة المادية والعسكرية ولو على حساب دول أخرى. فالجشع نتيجة لفقدان الصلة الجماعية ومحرك له في آن واحد، ولعل السؤال الصحيح ليس كيف نروضه، بل كيف نعيد الثقة بين بعضنا حتى تقل حاجتنا إليه.

أما مع ابنه فما زالت المحاولة متعثرة. اشترى مؤخرا هدية لحفل عيد ميلاد طفل، فنجح يانوش في إقناعه بأن يشتري له عنكبوتا مطاطيا بالمناسبة. وفي المساء، وهو يجهزه للنوم، بدأ الصغير يتحدث عن طقم الشرطة الذي رآه في المتجر. قال له الأب إنه يفهمه، لكنهما لا يستطيعان الحصول على المزيد دائما. فكر الطفل قليلا ثم أجاب: يمكننا أن نهدي دميتي الرضيعة، فيصبح عندنا أقل من جديد. فقال الأب: هذه بداية.

تتميز هذه التجربة بصدقها في مساءلة الذات وبسخريتها من تناقضاتها، فصاحبها لا يقدم وصفة جاهزة، ويعترف بأن عطاءه الأول كان تخلصا وأن بعض كرمه كان استعراضا. وهي، مع محدوديتها بوصفها شهادة فردية امتدت شهرين، تلتقي من زاوية أخرى بما استقر في التراث الأخلاقي والصوفي من ربط الفلاح بالتحرر من شح النفس: «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون». ولا يخلو من دلالة أن يصل صحفي اقتصادي إلى أن العلاج لا يكون بالزجر وحده، بل بإعادة بناء الثقة والصلة بين الناس عبر أفعال صغيرة يومية.

عن كاتب المقال: شتيفان شولتس صحفي ألماني ومحرر في قسم الاقتصاد بمجلة «دير شبيغل»، التحق به عام 2008 تزامنا مع انهيار مصرف ليمان براذرز، وكتب منذ ذلك الحين تعليقات نقدية كثيرة عن الجشع والرأسمالية. يكتب في هذا المقال بضمير المتكلم، أبا لطفل في الرابعة وزوجا، ويمزج الشهادة الشخصية بالتحليل الاقتصادي والنفسي. والمقال أولى حلقات سلسلة تعدها المجلة عن «قوة المشاعر في الاقتصاد».

***

د. محمد غاني، كاتب - المغرب

..........................

* نشر المقال الأصلي في مجلة «دير شبيغل» الألمانية، العدد 30 لسنة 2026 (النصف الثاني من شهر يوليو)، قسم الاقتصاد، الصفحات 72 إلى 74

المصدر: شتيفان شولتس، «كيف حاولت أن أكون أقل جشعا»، مجلة دير شبيغل (Der Spiegel)، العدد 30 لسنة 2026، الصفحات 72 إلى 74. هذا التقرير عرض وتحليل بصياغة عربية مستقلة، وليس ترجمة للنص الأصلي.

***

ما زلت أعتقد أن حروب الملح مستمرة. لا أقصد حكاية من التاريخ القديم، ولا أيام كانت فيها السلطة تخزّن الملح لحفظ الطعام. ولا أقصد قرطاج التي أحرقتها روما وردمتها بالملح حتى لا ينبت فيها زرع ولا ضرع، فهي هنا تيمة فحسب. ولا أقصد كلمة salarium اللاتينية التي ارتبطت بما كان يُدفع للجنود، ومنها جاءت الرواتب.

الملح الذي أعنيه اليوم هو ملح الخوارزميات. لا نراه، لكنه يتسلل إلى كل خلية من خلايا الوعي ويقرر ما «نطعمه» من أخبار وما يُحجب عنا. يُملّح الذوق اليومي، فيحوّل المحبوب إلى منفّر والمنفّر إلى محبوب، لأن الإعجابات والتفاعلات تتدفق في اتجاه بعينه. لا تغرق الأمم بالملح الأبيض ولا بملح الهيمالايا الوردي، وإنما ببحر من المحتوى المصمَّم لكل قبيلة رقمية على حدة، فتتفتت الهوية إلى ملايين الجيوب المغلقة. يعيش كل جيب في مذاقه ويحارب سواه بلا رحمة.

لا تحاصر الغطرسة الجديدة قرطاج بجيش. تحاصر «الذوق العام» للبشرية كلها عبر الشركات. تأتي بالفيديو والتريند وغرف الصدى والشائعات، وتنسج شبكة عنكبوتية تلصق الناس بعضهم ببعض في مجموعات متعادية، ثم تبيعهم لأعلى مزايد، إعلانياً كان أو سياسياً أو أيديولوجياً. نأكل الملح كل يوم ونحسبه ذوقنا الشخصي، ونقول بإعجاب «أنا أحب هذا المحتوى»، والخوارزمية هي التي أضافته إلينا قليلاً قليلاً حتى صرنا مدمنين عليه.

ملح جديد وسؤال قديم

ليست الخوارزميات في جوهرها عدواً. تكمن المشكلة في الاحتكار. حين يتحكم كيان واحد، أو عدد ضئيل جداً من الكيانات، في «ملح الذوق» لأمة أو للعالم بأسره، تُحسم المعركة سلفاً، فالفرد مهما بلغ وعيه يقف وحده أمام آلة تشتغل على ملايين العقول في آن واحد.

أسّس جوزيف غوبلز وزارة الدعاية الشعبية في ألمانيا النازية (1933-1945)، وسيطرت على الصحف والإذاعة والسينما والملصقات. ردّد مبدأ «الكذبة الكبرى» حتى صارت حقيقة في أذهان الملايين، وغيّر الذوق الجماعي بالتدريج حتى أحب الجمهور ما كان يكرهه وكره ما كان يحبه. كان ذلك «ملح الخوارزميات» في صورته الكلاسيكية: كيان واحد يمسك بملح الذوق، ويغرق الجمهور في محتوى مفصَّل لقبيلة واحدة، فتتفتت الهوية وتصير المجتمعات جيوباً مغلقة يقاتل بعضها بعضاً.

نشرت مجلة «ساينس» في نوفمبر 2025 دراسة مشتركة بين جامعة ستانفورد وجامعة نورث إيسترن وجامعة واشنطن، شملت 1256 مستخدماً على منصة إكس. استعمل الباحثون أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعادة ترتيب التغريدات في الخلاصة الخوارزمية. كانت النتيجة صادمة. عشرة أيام من التعرض للخلاصة التي تعتمد على التفاعل دون التسلسل الزمني غيّرت مشاعر المستخدمين تجاه الحزب المعارض بقدر ما يتغير عادة في المجتمع خلال ثلاث سنوات كاملة. وحين أُنزلت التغريدات العدائية إلى أسفل الخلاصة، تحسنت نظرة المستخدمين إلى الطرف الآخر تحسناً ملحوظاً.

طبقات من الملح المضاد

يبدو العالم كأنه لحظة يصير فيها الوعي الفردي وما يحيط به من خصوصية جزيرة صغيرة تحاصرها بحار من «الملح المصمَّم والمُدوزن». ولا ينفع رفض التكنولوجيا، فذلك مستحيل عملياً. الذي ينفع أن نعيد صياغة علاقتنا بها، فيقرر الفرد، وتقرر الجماعة، متى يأكل ومتى يتوقف، ومتى يتفق ومتى يختلف، دون أن يتحول إلى أداة لتمزيق نفسه.

لم تنته حروب الملح. غير أن ساحتها اليوم الذائقة، وهي جزء راسخ من الهوية، وسلاحها الخوارزميات، وطرفاها إرادة واعية وإرادة صُمّمت خصيصاً لتظل نائمة.

أعود إلى السؤال البديهي: من يتحكم بالعقول؟ أراه بروباغندا الملح وخوارزمياتها، وهي عقل أعلى للسيطرة يتغذى من نواتات صغيرة ترفده ولا تعرف أنها تصنعه، لأنها صُمّمت كي لا تدرك ذلك، كأي جسم ميكانيكي يصنع ولا يفكر.

فاصلة

لا أقدّم في هذه الفاصلة تمريناً في الشرح ولا حلولاً جاهزة. أحاول أن أفهم من زاوية مفتوحة، تمهيداً لشرح أكثر اتساقاً. يمر التحدي بطبقات من الوعي. أولاها الاتجاه إلى خوارزميات بديلة مفتوحة المصدر تقوم على التنوع والتعميق والملل الإيجابي، وتتخلى عن معادلة أقصى تفاعل يساوي أقصى ربح. وثانيتها استعادة فكرة الهوية المخصوصة بإنشاء فضاءات مشتركة تولّد مناعة طبيعية.

إزالة «الملح الخوارزمي» عملية تراكمية صغيرة نستعيد بها قطعة بعد قطعة شيئاً من السيطرة على وعينا اليومي. تبدأ بخطوات بسيطة سريعة الأثر ثم تتعمق شيئاً فشيئاً. نفعّل في الأيام الأولى الترتيب الزمني على المنصات الكبرى مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام ويوتيوب لنتجنب التغذية المخصصة. نوقف الإشعارات غير الضرورية كلها لنقطع الجذب المتكرر، ونحدد وقتاً يومياً صارماً للشاشة بأدوات الهاتف نفسها. ثم نعيد تدريب الخوارزمية عمداً، فنتفاعل لمدة أسبوع مع محتوى متنوع بعيد عن التطرف العاطفي، ونستعمل وضع التصفح الخفي في المواضيع الحساسة. وعلى المدى الطويل نشترك في نشرات بريدية جيدة، ونبحث عن مصادر لا تحكمها الخوارزميات، ونقرأ كل يوم كتباً ومقالات طويلة، ونخصص وقتاً للملل الإيجابي بعيداً عن الهاتف. هذا طريق شاق ويثير المقاومة في النفس، لكنه أنجع ما نعرفه للتحرر من الهيمنة والعودة إلى الذات واكتشاف المهم في الحياة.

قد يواجه الملل ذلك الفراغ الذي تسعى الخوارزميات إلى ملئه، وهنا يكمن التحدي. أن ننتزع الفراغ منها ونملأه بأنفسنا. نملؤه بالمطالعة والمواقع الجيدة، وبالرجوع إلى الأسرة والأصدقاء، وإلى الجمال في معناه العادي والفلسفي والاجتماعي، وباكتشافه من جديد.

فاصلة أخرى كخاتمة

يحب الجميع بحماسة ويكرهون بإخلاص، ويظنون أن هذا كله «نحن». لا تخترق المدن رايات تُرفع. تدخل البيوت خيوط رقمية ان باب «المحتوى الموصى به». لا أحد يجبر أحدا على شيء، ولهذا بالذات صار التحرر أصعب مما كان. لعل المعركة لم تدر على الأرض ولا على الذائقة وحدها، وإنما على الإحساس بأننا نملك ذائقة ووعياً أصلاً. فإذا نجحت آلة في إيهامنا بأن ما ترسله إلينا هو رغبتنا الأعمق، فقد انتصرت قبل أن تبدأ الحرب.

***

سعيف علي - تونس

لم يعد السؤال التربوي في عالمنا العربي سؤالا تقنيا يتعلق بالمناهج والامتحانات وأساليب التقويم فحسب بل أصبح سؤالا وجوديا يمس صورة الإنسان الذي نريد تكوينه في ظل تحولات ثقافية عميقة ومتسارعة. فنحن نعيش زمنا تتداخل فيه المرجعيات وتتقاطع فيه الهويات وتتجاور فيه أنماط عيش وقيم كانت تبدو إلى وقت قريب متباعدة أو متناقضة. في هذا السياق لم تعد المدرسة مجرد فضاء لنقل المعارف بل أضحت ساحة تتفاعل فيها تيارات فكرية وإعلامية ورقمية تعيد تشكيل وعي الناشئة بطرق لم تعهدها الأجيال السابقة. لذلك فإن أي حديث عن التربية اليوم ينبغي أن ينطلق من فهم هذا التحول الثقافي لا من الحنين إلى نماذج ماضية لم تعد قادرة على الاستجابة لتعقيدات الحاضر.

لقد كان النموذج التربوي التقليدي في مجتمعاتنا يقوم إلى حد بعيد على فكرة الضبط والامتثال وترسيخ منظومة قيم شبه ثابتة تنقل من جيل إلى جيل بوصفها حقائق مكتملة. غير أن الانفتاح الإعلامي وثورة الاتصال وتنامي دور المنصات الرقمية جعلت الطفل والمراهق يتعرضان منذ سن مبكرة لخطابات متعددة ومتناقضة أحيانا حول الهوية والدين والجندر والنجاح وأنماط الحياة. ولم يعد في مقدور الأسرة أو المدرسة احتكار مصادر المعرفة أو التحكم في مسارات التأثير. من هنا يصبح التحدي الأساسي هو الانتقال من تربية تقوم على الحفظ والتلقين إلى تربية تؤسس على الفهم والنقد والقدرة على الاختيار الواعي.

إن المجتمع المتغير ثقافيا لا يعني بالضرورة مجتمعا فاقدا للثوابت بل يعني مجتمعا يعيد التفاوض حولها باستمرار. وهذا يفرض على التربية أن تكون جسرا بين الأصالة والتجديد لا ساحة صراع بينهما. فليس المطلوب إلغاء التراث أو القطيعة معه وإنما قراءته قراءة تاريخية نقدية تسمح باستخلاص قيمه الإنسانية الكبرى مثل العدالة والتضامن والكرامة وربطها بسياقات معاصرة. التربية التي نريد هي تلك التي تمنح المتعلم أدوات فهم ماضيه من دون أن تسجنه فيه وتفتح أمامه آفاق المستقبل من دون أن تقتلع جذوره.

وفي مجتمع تتعدد فيه الانتماءات الفرعية وتتقاطع فيه التأثيرات المحلية والعالمية تصبح مسألة الهوية في قلب المشروع التربوي. فالشاب الذي يتابع محتوى عالميا ويتفاعل بلغات مختلفة ويعيش في بيئة اجتماعية متغيرة يحتاج إلى إطار مرن للهوية يسمح له بالتفاعل الإيجابي مع الآخر من دون شعور بالتهديد أو الذوبان. التربية هنا مطالبة بتعزيز قيم الحوار والتسامح وقبول الاختلاف لا بوصفها شعارات بل كممارسات يومية داخل الفصل الدراسي وفي الأنشطة المدرسية. عندما يتعلم الطفل كيف يصغي لوجهة نظر مخالفة وكيف يناقشها بالحجة لا بالانفعال فإنه يكتسب مهارة مواطنية أساسية في مجتمع تعددي.

ومن أهم سمات التحول الثقافي الراهن صعود الثقافة الرقمية بما تحمله من فرص ومخاطر. فالفضاء الافتراضي أتاح إمكانات هائلة للتعلم الذاتي والوصول إلى مصادر المعرفة لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية وثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة. لذلك فإن التربية المنشودة يجب أن تدمج التربية الإعلامية والرقمية في صلب مناهجها بحيث يتعلم المتعلم كيف يتحقق من المصادر وكيف يحلل الرسائل المبطنة في الصور والإعلانات وكيف يدير حضوره الرقمي بوعي ومسؤولية. إن الأمية اليوم لم تعد أمية قراءة وكتابة فقط بل أصبحت أيضا أمية رقمية ونقدية.

كما أن المجتمع المتغير ثقافيا يشهد تحولات في بنية الأسرة وأدوارها. فقد دخلت المرأة بقوة إلى سوق العمل وتغيرت أنماط التنشئة وقلت المساحات المشتركة بين أفراد العائلة بفعل إيقاع الحياة السريع. وهذا يفرض على المدرسة أن تضطلع بدور تكميلي لا تعويضي، أي أن تتعاون مع الأسرة في بناء شخصية متوازنة لا أن تحل محلها. التربية التي نريد هي شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني تقوم على وضوح الأهداف وتكامل الأدوار. فالقيم لا تُغرس بالمواعظ فقط بل بالقدوة والممارسة اليومية.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في صياغة الرؤية التربوية. فالعالم يشهد تحولا نحو اقتصاد المعرفة والمهارات العالية، ما يعني أن الاكتفاء بتخريج حفظة معلومات لم يعد مجديا. نحن بحاجة إلى تربية تنمي مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي والابتكار. غير أن التركيز على المهارات لا ينبغي أن يكون على حساب البعد الأخلاقي والإنساني. فالمجتمع المتغير يحتاج إلى كفاءات مهنية لكنه يحتاج أيضا إلى ضمير حي يوجه هذه الكفاءات نحو خدمة الصالح العام. من هنا فإن إدماج التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والعمل التطوعي يصبح جزءا لا يتجزأ من المشروع التربوي.

ثم إن سؤال اللغة يطرح نفسه بقوة في سياق التغير الثقافي. فالازدواجية اللغوية أو التعدد اللغوي في كثير من البلدان العربية يخلق تحديات وفرصا في آن واحد. التربية التي نريدها هي تلك التي تعزز إتقان اللغة الأم بوصفها حاملة للهوية والثقافة وفي الوقت نفسه تفتح المجال لتعلم لغات أجنبية بوصفها أدوات تواصل وانفتاح على العالم. إن الصراع المصطنع بين اللغات لا يخدم المتعلم بل يربكه، بينما يمكن تحويل التعدد اللغوي إلى ثراء معرفي وثقافي إذا أُحسن تدبيره.

وفي خضم هذه التحولات تبقى مسألة العدالة التربوية مركزية. فالمجتمع المتغير قد يعمق الفوارق بين من يملك الوصول إلى تعليم جيد وتقنيات حديثة ومن يفتقر إلى ذلك. لذلك فإن أي رؤية تربوية مستقبلية ينبغي أن تضع في أولوياتها تقليص الفجوات بين المناطق الحضرية والريفية وبين المدارس العمومية والخاصة. فالتربية ليست امتيازا لفئة بل حقا أساسيا يحدد مسار التنمية برمتها. وإذا لم نضمن تكافؤ الفرص فإن الحديث عن التغيير الثقافي سيظل حديثا عن انقسام ثقافي أيضا.

إن التربية التي نريد في مجتمع متغير ثقافيا هي تربية إنسانية في جوهرها، ترى في المتعلم ذاتا قادرة على التفكير والاختيار لا وعاء فارغا يُملأ بالمعلومات. هي تربية تعترف بالتعدد وتدير الاختلاف بدل أن تخشاه، وتربط بين المعرفة والقيم، وبين الحرية والمسؤولية. وهي أيضا تربية تتجدد باستمرار، تخضع للتقييم والمراجعة، ولا تعتبر مناهجها نصوصا مقدسة بل مشاريع قابلة للتطوير.

من هنا، لا يمكن فصل سؤال التربية عن سؤال المشروع المجتمعي الأشمل. فالتربية مرآة لطموحاتنا الجماعية وصورتنا عن المستقبل. وإذا كنا نريد مجتمعا متماسكا ومنفتحا في آن واحد، معتزا بهويته وقادرا على التفاعل مع العالم، فإن الطريق يمر عبر مدرسة تعلّم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يفكرون، كيف يتحاورون لا كيف يقصون، وكيف يبنون عالما أكثر عدلا وإنسانية في ظل تغير ثقافي لا مفر منه بل يمكن تحويله إلى فرصة للنهوض والتجدد.

***

د. عصام البرّام

من أين أتى الإنسان؟ حين أضع يدي على حجر، وأشعر ببرودته تتسلل إلى كفي، يصعب عليّ أن أتخيّل الطريق الطويل الذي قطعته هذه اليد حتى صارت قادرة على الكتابة.

تضع الأدلة الأحفورية نشأة نوعنا، الإنسان العاقل، في أفريقيا قبل نحو ثلاثمائة ألف عام. [1] أتابع أثره في الحجر الذي شذّبه، وفي العظم الذي تركه قرب النار، وأحاول أن أتخيل ليله. ما الذي كان يسمعه وراء الأشجار؟ كم مرة تراجع عن طريق لأن ظلاً تحرك فيه؟ حمل معه ذلك الإصغاء إلى المجهول، حتى جلس أمام شاشة تتكلم، وأخذ يسألها عمّا سيحلّ به.

كان البرد يدخل العظم، والماء يجرف ما بُني قربه، والموت يأتي قبل أن يتسع الوقت لفهمه. تعلّم البشر إشعال النار وصنع الأدوات، وأقاموا بيوتاً وحقولاً ومدناً. ثم عاد التراب فابتلع شارعاً في زلزال، وعبر فيروس مجهري الحدود التي أقاموها. اتسعت قدرتهم على النجاة، واتسعت معها قدرتهم على إفساد ما يحفظ حياتهم.

في يد الصانع الأول كان الحجر قريباً من الجسد. يرى حدّه، ويعرف أين يشذّبه. ثم طالت المسافة بين حركة الإصبع ونتيجتها. صار زرّ في جهاز يصل إلى بلاد لم تطأها قدم صاحبه. وتدخل الأداة اليوم إلى اللغة، إلى الموضع الذي أشرح فيه خوفي وأراجع أفكاري. تجيب بصوت مطمئن، وقد تخطئ بذلك الاطمئنان نفسه. أقرأ جوابها مرة ثانية، وأجدني أشك في خبرتي قبل أن أشك فيه.

أخاف هذه اللحظة الصغيرة. أظل موجوداً، ويضيق حضوري في الحياة التي تخصني. يُحجب عني علاج، أو يُصنّف وجهي خطراً، ثم أجد عند باب الاعتراض موظفاً يشير إلى الشاشة. لا يستطيع أن يشرح القرار، ولا أستطيع أن أصل إلى من اتخذه.

هل تعلّم الجماد الحركة

لم تنتظر المخيلة ظهور الروبوت حتى رأت جسداً مصنوعاً يتحرك. في «الأرغونوتيكا» لأبولونيوس الرودسي، يحرس تالوس البرونزي جزيرة كريت، ويردّ القادمين بالحجارة. في جسده الصلب موضع هش عند الكاحل. حين يتسرّب منه السائل الذي يقيم حياته، يسقط الحارس. [2] أتوقف عند الشاطئ الذي يحرسه. هناك بشر يريدون الوصول، وقدرة هائلة تمنعهم. أقرأ في المشهد سؤالاً يخص زمننا أيضاً: كيف يستعيد الإنسان طريقه حين تقف في وجهه القوة التي أُقيمت لحراسة الطريق؟

وفي حكاية بروميثيوس تخرج النار من حوزة الآلهة إلى أيدي البشر، ويبقى جسده معلقاً بالعقاب. للمعرفة جرح في هذه الحكاية. أرى فيه خوف الصانع من الثمن الذي قد يدفعه حين يفتح باباً جديداً. كانت الآلهة القديمة تُخاطَب بالدعاء والتضرع، وكان غضبها يحمل وجهاً وإرادة. أما الجهاز الذي يتكلم معي فأسمع صوته، وأعجز عن معرفة ما وراء ذلك الصوت. قد أعتاد صحبته، ثم أحمّله حناناً استعرته أنا من الكلمات.

وصف الآلة بأنها «شيء ميت» يعبّر عن وحشة هذه الصحبة. الأنظمة الراهنة تعمل بالكهرباء والحساب، وقدرتها على محاكاة الحنان لا تثبت أنها تحسّ به. لكن أذى الآلة لا يتوقف على امتلاكها إحساساً. برنامج يرتب الناس وفق معيار خاطئ يستطيع أن يضيّق حياة إنسان لم يعرفه قط. من اختار المعيار؟ ومن منحه سلطة العمل؟ عند هذين السؤالين يبدأ الخوف بالخروج من ضبابه.

في «فرانكنشتاين» لماري شيلي، يمنح الصانع مخلوقه الحياة ثم يبتعد عنه. يتألم المخلوق ويطلب الصحبة، ويصير نبذه جزءاً من الطريق إلى المأساة. تترك الرواية في ذاكرتي صورة موجود فُتح له باب العالم، ثم تُرك وحيداً فيه. كل قدرة جديدة تحمل سؤال الرعاية معها. ماذا يفعل الصانع بعد أن ينجح؟ وإلى أين يذهب من ستغيّر صنعته حياتهم؟

وفي «2001 أوديسة الفضاء» لستانلي كوبريك، تبقى عين هال الحمراء مفتوحة. حين يمتنع الحاسوب عن فتح باب المركبة لديف بومان، ينفصل الصوت المهذب عن النجدة التي ينتظرها الرجل. بينه وبين الهواء باب، وسلطة الباب عند الجهاز. أشعر أن المشهد يضغط خوفاً واسعاً في عتبة واحدة: أن تكون حياتي في الخارج، ويكون تفسير بقائي في الداخل. يشتد هذا الإحساس حين يعطّل بومان وحدات ذاكرة هال، ويتباطأ صوت الحاسوب. نستمع إلى آلة تفقد قدرتها، وقد منحها الفيلم من الألفة ما يجعل التعطيل موجعاً. تتعقد علاقتنا بما نصنع حين نعتمد عليه، ثم نسمع فيه شيئاً من أنفسنا.

تحت سماء سوداء

حين يعجز البشر عن رد الظلم، يطول نظرهم إلى الغد. تحمل عودة المسيح في الإيمان المسيحي وعداً بالدينونة وتمام العدل، مع التأكيد على أن موعد العودة غير متاح لمعرفة البشر. وفي التراث الإسلامي تحضر صورة المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً بعد جور. تختلف التفاصيل بين المذاهب، ولها موقع مركزي في الاعتقاد الشيعي الاثني عشري. [3]

أقترب من هذه المعتقدات من جهة ما تمنحه للمنتظر من رجاء، مع احترام مقامها الديني عند أصحابها.

المظلوم يريد زمناً يستعيد فيه اسمه. قد يعيش سنوات وهو يمسك بذلك الرجاء، مثل من يمسك طرف ثوب في العتمة.

أتساءل عن اليد التي تتمسك به، وعن اليد الأخرى التي تستطيع أن تستغله. حين يجعل صاحب سلطة الخلاص مؤجلاً إلى غد لا يأتي، يبقى ظلم اليوم آمناً. وتتحول قدرة الإنسان على الاحتمال إلى مورد ينتفع به ظالمه.

تطفو رباعيات نوسترادامس كلما اشتدت أزمة. تُفتح صفحات من القرن السادس عشر، ويُبحث فيها عن أسماء حربنا ووبائنا. تسمح لغتها الغامضة بتأويلات واسعة، وتُلحق بها أحداث بعد وقوعها. [4] يقرأ المرء الكارثة التي يعرفها، ثم يشعر أن الصفحة كانت تعرفها قبله. ذلك الشعور لا يمنحها قدرة موثوقة على التنبؤ بزوال البشر أو سيادة الروبوت.

يهمني القارئ المنحني على الصفحة. ربما يستطيع أن يتحمل غموضاً له حروف أكثر مما يتحمل غموضاً بلا شكل. وفي أخبار الذكاء الاصطناعي أسمع حرارة انتظار مشابهة. شركة تعد بالوفرة، وصوت يحذّر من الانقراض، وإنسان يعدّ ما بقي من أجره. هذا الإنسان يحتاج إلى ما يعينه على فهم الغد، قبل أن يتعلم الخوف منه.

للإيمان رجاؤه، وللفن قدرته على إعطاء الخوف صورة. وحين نناقش خطراً تقنياً، نحتاج إلى معرفة كيف يقع، وما الذي يزيده، وأين يمكن وقفه. قد توقظنا الحكاية إلى السؤال. تبقى الإجابة مطالبة بأدلتها.

هل ستصبح اليد زائدة

تخيّل عاملاً يدخل مكانه صباحاً، فيجد جهازاً يؤدي جزءاً مما تعلّمه طوال عشرين سنة. يكون الجهاز أسرع، وتكون الإدارة مسرورة، ويعود العامل إلى بيته وهو يحمل سؤالاً يصعب وضعه على المائدة. الخوف هنا يمس الأجرة والكرامة معاً. أين يضع سنواته؟ ماذا يقول عن نفسه حين يسأله ابنه عن العمل؟

يمكن للروبوت أن يرفع ثقلاً أنهك الظهر، وللبرنامج أن يخفف ساعات من الفرز والحساب. لكن صاحب العمل يستطيع أيضاً أن يستخدم هذه القدرة لتقليل العاملين أو زيادة ما يطلبه ممن بقوا. النتيجة الاجتماعية تتشكل عند توزيع المكسب. إذا اختُصرت ساعات إنجاز المهمة وبقي العامل محروماً من الوقت والدخل، حملت المؤسسة ربح السرعة وحمل جسده كلفتها.

في تحديثها لعام 2025، تقدّر منظمة العمل الدولية أن واحداً من كل أربعة عاملين في العالم يشغل مهنة تتعرض بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، وترجّح تحول المهام على الاستغناء الكامل عن معظم الوظائف المتأثرة. [5] وراء هذا التقدير أعمال ستتغير من داخلها، وقد يبقى اسم المهنة على الباب بعد أن يتبدل يوم صاحبها. والتعرض هنا مقياس لإمكان تأثر المهام، وليس عدداً متوقعاً للمسرّحين، كما أن الدراسة لا تشمل مجمل أثر الروبوتات في العمل البدني.

يعرف السباك الجدار من الصوت الذي يخرج حين يطرقه، وتعرف الممرضة من حركة المريض أن شيئاً يقلقه قبل أن يستطيع تسميته. يدخل إلى العمل ما تعلّمته الأجساد أيضاً. بعض المهام المكتبية أقرب إلى قدرات الأنظمة الراهنة، وبعض المهن تقاوم اختزالها في ملف. وقد يتغير موقع العامل من صاحب خبرة إلى مراقب ينفذ توصية، ثم يُحاسب وحده حين تخطئ.

اختفاء بعض المهام لا يثبت انتهاء الطبقة العاملة. تتغير مواقع العمل وتتبدل أدواته، وتبقى مسألة من يملك وسائل الإنتاج ومن يحتاج إلى بيع عمله. وحتى في مستقبل تقل فيه الحاجة إلى الجهد البشري، يمكن أن تتسع حياة الناس بالوقت والتعليم والرعاية، إذا وصل إليهم نصيب من الثروة المنتجة. لا يحدد البرنامج وحده طريقة اقتسامها.

أفهم الخوف من أن يُعامل العاطلون كحمل على أصحاب الثروة. لغة «الكفاءة» تصبح قاسية حين تمتد من حساب ساعات الإنتاج إلى تقدير قيمة العمر. لكن الانتقال من البطالة إلى افتراض خطة عالمية لإبادة العاطلين يحتاج إلى أدلة لا تقدمها الشواهد المعروضة هنا. الأذى الذي يمكن مساءلته أقرب: أجر يتراجع، وتأمين يضيع، وخدمة تُحجب، وشخص يُطلب منه أن يدفع ثمن تقدّم لم يصل إليه نصيب من منافعه.

في دراسة نُشرت في مجلة Science عام 2019، فحص زياد أوبرماير وزملاؤه خوارزمية مستخدمة في تحديد المرضى المحتاجين إلى رعاية إضافية. كان المرضى السود، عند درجة الخطر نفسها، أشد مرضاً من المرضى البيض.

اعتمد النظام على كلفة الرعاية مؤشراً للحاجة الصحية، بينما كان التفاوت في الوصول إلى الرعاية يجعل الإنفاق على المرضى السود أقل. [11] حمل المعيار أثر الظلم السابق إلى القرار الجديد. هذه واقعة تخص خوارزمية تنبؤية، وتكشف مشكلة أوسع في الأنظمة التي تُمنح سلطة ترتيب حاجات الناس.

أتوقف عند هذا الفرق بين المرض وما أُنفق عليه. يمكن لوجع قليل الكلفة في السجل أن يكون وجعاً كبيراً في الجسد. إذا أخذ القرار بالرقم وحده، ورث حرمان المريض ثم أعاده إليه في صورة نتيجة محايدة. يبدأ فقد السيطرة هنا، حين يجد الإنسان أن تاريخه الناقص في الملفات أقوى من حضوره أمام الطبيب.

حسابات الحرب

الحروب أقدم من الحاسوب. في كل حرب تتشابك الأرض والموارد وأمن الدول وصراعات السلطة، ويدخل الخوف وسوء التقدير والتحريض في إشعالها. من يفسّر حرباً يحتاج إلى تاريخها ووثائقها. أما الصور المتشابهة للبيوت المهدمة فقد تخدعنا بسهولة تفسير واحد يصلح لها جميعاً.

ومع هذا، يغير التفوق التقني شروط العنف. تتسع قدرة طرف على الرصد والاستهداف، وقد تضيق قدرة الطرف الأضعف على حماية خدماته وإصلاحها. حين تتوقف محطة كهرباء، تصل الحرب إلى مضخة الماء، ثم إلى بيت بعيد، ثم إلى جسد لم يقترب من موقع الهجوم. تذكّر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأخطار تسارع القرار العسكري وبالحاجة إلى حماية المدنيين ومراعاة الأذى اللاحق بالخدمات. [6]

في حروب الاستنزاف يواصل الجوع ما بدأته القذيفة. ينتهي الانفجار وتبقى العائلة تبحث عن دواء، ويبقى الحقل عطشان. قد تتراكم آثار استهداف الخدمات حتى يصعب على الناس البقاء في أماكنهم. يتطلب إثبات القصد إلى محو مجتمع أدلة تخص الحرب المعنية. ويظل وصف ثقافة بأنها بدائية بسبب ضعف قدرتها على الاستهلاك جزءاً من الإذلال الذي ينبغي مساءلته. الأرض التي تبدو قليلة الربح تسع حياة أهلها وذاكرتهم.

يشعر المرء بالوحشة حين يرى خريطة مضيئة على طاولة، ويعرف أن النقطة الصغيرة فيها بيت. يدخل الذكاء الاصطناعي إلى معالجة المعلومات وترتيب الاحتمالات، ويستطيع أن يمنح قراراً خاطئاً سرعة وثقة إضافيتين. وجود ضابط أمام الشاشة لا يضمن رقابة فعلية إذا لم يُمنح وقتاً للفحص، ولم يستطع مخالفة التوصية. يمكن للإنسان أن يحتفظ بالتوقيع ويخسر مساحة الحكم.

تفحص دراسة لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، منشورة في 2025، أثر الذكاء الاصطناعي العسكري في خطر التصعيد النووي، حتى حين يُستخدم خارج أنظمة السلاح النووي. قد تضغط سرعة اكتشاف التهديد وتنسيق الرد على وقت القرار، وتزيد التوصيات الغامضة أو الثقة المفرطة بالنظام خطر سوء التقدير. [7] أتخيل ضابطاً أمام إنذار، وثواني تتناقص، وجواباً يبدو حاسماً. مقدار ما يستطيع أن يشك فيه خلال تلك الثواني قد يصير جزءاً من مصير بشر بعيدين عنه. وقد يبلغ الموت، بعد الانفجار، أماكن لم تر ضوءه. نمذجت ليلي شيا وزملاؤها في دراسة نُشرت في Nature Food عام 2022 أثر سخام حرب نووية في المناخ وإنتاج الغذاء. وفي سيناريو حرب واسعة بين الولايات المتحدة وروسيا، قدّرت الدراسة أن المجاعة قد تودي بحياة أكثر من خمسة مليارات إنسان. [8] إنها نتيجة سيناريو مشروط بفرضيات، وليست تقديراً لاحتمال اندلاع الحرب. يمتد التحذير منها إلى الحقول التي سيصل إليها أثر السخام، بعد أن تصمت أخبار الانفجار.

أحاول أن أرى ما وراء العدد. ضوء أقل يصل إلى سنبلة، ومحصول يضعف في بلد بعيد، وسوق ينتظر شحنة لا تأتي. تمتد الكارثة على طرق الخبز. لا يحمي امتلاك آلة ذكية طفلاً إذا انقطع عنه الغذاء، ولا تستطيع شاشة أن تعوض الشمس التي يحتاج إليها الحقل.

هل سيصل الخطر إلى كأس الماء في سنة 2022 نشر فابيو أوربينا وزملاؤه تجربة تكشف إمكان إساءة استخدام أداة لاكتشاف الأدوية. حين وُجّهت نحو اقتراح مركبات يُتوقع أن تكون سامة، ولّدت أربعين ألف تركيب جزيئي في أقل من ست ساعات. كانت مقترحات حسابية، ولم تكن أربعين ألف مادة جرى تصنيعها واختبارها. [9]

تكشف التجربة سرعة مرحلة من البحث الخطر، وتكشف أثر الغاية التي يحددها المستخدم. تظل بين اقتراح تركيب وإحداث أذى مادي مراحل تتطلب معرفة وتجهيزاً. لكنها تضع مسؤولية جديدة على من يطوّر الأدوات ويمنح صلاحيات استخدامها. وفي المجالات البيولوجية أيضاً، تستحق قدرة الأنظمة على خفض بعض حواجز المعرفة متابعة دقيقة، مع بقاء التنفيذ مقيداً بعقبات مادية وتجريبية. يناقش التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 هذه المخاطر وما يحيط بقياسها من عدم يقين. [10]

عند الماء والغذاء يصل النقاش إلى ما يدخل الجسد كل يوم. الدراسات السابقة لا تثبت شروع برنامج في تسميم موارد البشر. لكنها تجعل فحص الصلاحيات ضرورياً حين تتصل التوصية الرقمية بتنفيذ مادي. من يراجع النتيجة؟ ومن يستطيع وقف الإجراء المشبوه؟ وما الذي يحدث إن تعطل الاتصال في منشأة تحفظ الماء أو الدواء؟

أعود إلى الكأس لأن الحديث عن الانقراض قد يحجب بداية الأذى. قراءة غير دقيقة في مختبر، أو مضخة أُهملت صيانتها، أو دفعة دواء لم تُفحص كما ينبغي. أشياء تمر في هامش الخبر الكبير، ثم تستقر في جسد من وثق بها. العامل الذي يستطيع إيقاف الخط يحتاج إلى وقت واستقلال، وإلى حماية حين يعترض.

من يبقى صاحب القرار

يناقش تقرير السلامة الدولي لعام 2026 احتمالات فقد السيطرة على أنظمة أكثر قدرة، ويعرض ما يحيط بمساراتها من خلاف وعدم يقين. [10] قد يقع الضرر من هدف سيئ وصلاحيات واسعة وعجز عن وقف التنفيذ. لذلك لا أحتاج إلى تخيل آلة تكرهنا حتى أفهم ضرورة السؤال عن سلطتها. أحتاج إلى معرفة الباب الذي أستطيع فتحه إذا أخطأت.

تبدأ المسألة عند الصلاحية. نظام يساعد على ترتيب ملفات يختلف عن نظام يملك تنفيذ قرار يمس الجسد. ومن يستطيع تعطيل قرار خاطئ، والوصول إلى أسباب اعتماده، وطلب مراجعة بشرية مستقلة، يملك شيئاً من حياته. أما من يسمع «هذه نتيجة النظام» ولا يجد باباً آخر، فيعيش تحت سلطة لا يعرف أين يواجهها.

وفي العمل يتخذ ذلك شكلاً مادياً. تقليل الساعات مع حماية الدخل، وتعليم متاح لمن تتغير مهنته، ونصيب عادل من مكاسب الإنتاج، خيارات ينبغي أن تدخل النقاش قبل أن تصل رسالة التسريح. وفي الحرب يصبح الوقت اللازم للتحقق جزءاً من حماية الحياة. وتحتاج المنشآت التي تحفظ الماء والعلاج إلى قدرة على مواصلة الخدمة حين يتعطل نظام أو يفشل اتصال.

أريد للآلة أن تدخل إلى المكان الذي أتعب الإنسان، وأن تردّ إليه بعض الوقت الذي أخذه العمل. أتخيل ظهراً يرتاح من حمل، وطبيباً يجد فسحة أطول للإصغاء إلى مريضه. لكن هذه الفسحة لا تصل تلقائياً إلى أصحابها. تُحسم في الأجر والعقد والتمويل، وفي قدرة من يتحمل الخطأ على مساءلة من يملك الجهاز.

بدأت الرحلة بيد على حجر. وبينها وبين إصبعي على الشاشة مسافة من الصنع والشك. ما زالت اليد تحتاج إلى أن تعرف أثر ما تفعله، وأن تتوقف حين يساورها الخوف. أحاول الاحتفاظ بتلك الوقفة الصغيرة، قبل أن يصير قبول الجواب عادة أسرع من التفكير فيه.

تضيء الشاشة قرب نافذة. في الخارج يمر عامل عائد إلى بيته، وتبقى على ثوبه رائحة يومه. يصل إليه ضوء النافذة لحظة، ثم يمضي. أفكر في الغد الذي يعده له أصحاب الآلة، وفي الخبز الذي سيضعه على مائدته الليلة.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

.......................

المصادر والمراجع التحريرية

[1] Smithsonian Human Origins Program — Homo sapiens

https://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils/species/homo-sapiens

[2] Apollonius Rhodius — Argonautica Book IV 1638–1693

https://www.theoi.com/Gigante/GiganteTalos.html

[3] Catechism 668–682 and Sunan Abi Dawud 4285

https://www.vatican.va/content/catechism/en/part_one/section_two/chapter_two/articl

e_7.html

[3] Sunan Abi Dawud 4285

https://sunnah.com/abudawud:4285

[3] Encyclopaedia Iranica — The Concept of Mahdi in Twelver Shiism

https://www.iranicaonline.org/articles/islam-in-iran-vii-the-concept-of-mahdi-in-

twelver-shiism/

[4] Erin Blakemore — Who was Nostradamus — National Geographic 2025

https://www.nationalgeographic.com/history/article/who-was-nostradamus-plague-

astrology-predictions

[5] ILO — Generative AI and Jobs A Refined Global Index of Occupational Exposure

2025

https://www.ilo.org/publications/generative-ai-and-jobs-refined-global-index-

occupational-exposure

[6] ICRC — Artificial Intelligence in the military domain 2026

https://www.icrc.org/en/article/faq-artificial-intelligence-in-military-domain

[7] SIPRI — Impact of Military Artificial Intelligence on Nuclear Escalation Risk 2025

https://www.sipri.org/publications/2025/sipri-insights-peace-and-security/impact-

military-artificial-intelligence-nuclear-escalation-risk

[8] Xia et al — Global food insecurity and famine from nuclear war 2022

https://doi.org/10.1038/s43016-022-00573-0

[9] Urbina et al — Dual use of artificial intelligence powered drug discovery 2022

https://doi.org/10.1038/s42256-022-00465-9

[10] International AI Safety Report 2026

https://internationalaisafetyreport.org/publication/international-ai-safety-report-2026

Mary Shelley — Frankenstein 1818

https://www.gutenberg.org/ebooks/41445

Hesiod — Theogony

https://www.theoi.com/Text/HesiodTheogony.html

Charlie Chaplin — Modern Times 1936 and Stanley Kubrick — 2001 A Space

Odyssey 1968

[11] Obermeyer Z et al — Dissecting racial bias in an algorithm used to manage the

health of populations — Science 2019

https://doi.org/10.1126/science.aax2342

 

عام آخر يمر، ولا يزال السؤال يتكرر: لماذا لا يحصل العالم العربي على جائزة نوبل؟ ولماذا تمر العقود دون أن يُضاف اسم عربي جديد إلى قائمة الفائزين، بينما تتسابق دول أخرى على حصد الجوائز سنة بعد سنة؟ لكن الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن العرب ليسوا وحدهم خارج هذا السباق، فالشعوب الآسيوية والأفريقية تشاركهم في ذلك إلى حد كبير، وتواجه بدورها عقبات بنيوية في البحث العلمي والتمويل والحرية الأكاديمية والاعتراف العالمي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن السؤال العربي يفقد مشروعيته أو خصوصيته، بل يظل مشروعا وملحا، لأن المفارقة العربية أشد وقعا: منطقة واسعة، ذات تاريخ حضاري عريق، وموارد بشرية هائلة، ومع ذلك يظل حضورها في جوائز نوبل العلمية والأدبية محدودا جدا، بل إن العقول العربية، حين تصل إلى القمة، كثيرا ما تصل إليها من خارج بيئتها الأصلية. وهكذا، فإن توسيع الصورة ليشمل الآسيويين والأفارقة لا يُضعف هدف المقال، بل يمنحه سياقا أعدل وأدق: المشكلة ليست في نقص العقول العربية، بل في البيئة التي تمنعها من النمو والاعتراف.

الحقيقة أن الإحساس بالإحباط مشروع. فحين ننظر إلى القائمة، نجد أن الحضور العربي فيها محدود جدا، خاصة في الجوائز العلمية والأدبية. نجيب محفوظ حصل على نوبل في الأدب عام 1988. أما في العلوم، فأحمد زويل حصل على نوبل في الكيمياء عام 1999، لكن إنجازه تحقق بالكامل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) بالولايات المتحدة، حيث كان يعمل أستاذا للكيمياء الفيزيائية. وقد اعترف زويل بنفسه بأن الفضل في اكتشافاته العلمية يعود إلى المختبرات الأمريكية، ولولا الميزانيات المخصصة لما استطاع البحث والمواصلة والحصول على الجائزة.

نعم، هناك أسماء عربية أخرى نالت نوبل: نادية مراد، الناشطة الأيزيدية العراقية من قضاء سنجار، التي فازت بنوبل للسلام عام 2018 مناصفة مع الطبيب الكونغولي دينيس ميكويغي لجهودهما في وقف استخدام العنف الجنسي كسلاح في الحروب. وهي أول عراقية تحصل على جائزة نوبل. وتوكل كرمان، الصحفية والناشطة اليمنية من مدينة تعز، التي فازت بنوبل للسلام عام 2011 مناصفة مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة ليما غبوي، لتكون أول امرأة عربية تحصل على الجائزة. لكنهما في مجال السلام، وليستا في العلوم أو الأدب أو الاقتصاد.

وحتى في العلوم، نجد منجي الباوندي، العالم التونسي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، الذي فاز بنوبل الكيمياء عام 2023 لأبحاثه في النانوكيمياء. وعمر ياغي، العالم الأردني من أصل فلسطيني، الذي يشغل كرسي الكيمياء في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفاز بنوبل الكيمياء عام 2025 لتطويره الأطر المعدنية العضوية. وفي الأدب، هناك عبد الرزاق قرنح، الروائي التنزاني من أصول يمنية، الذي فاز بنوبل الآداب عام 2021، وهو أول فائز اسود البشرة منذ توني موريسون، لكنه مقيم في بريطانيا ويكتب بالانكليزية.

وهذا يعني أن التمثيل العربي في الجوائز الأكاديمية والعلمية يبقى ضعيفا جدا مقارنة بحجم المنطقة وعدد سكانها وتاريخها الحضاري. والمفارقة الأعمق أن العقل العربي، حين يصل إلى القمة، يصل إليها غالبا من خارج بيئته الأصلية.

 المفارقة الكبرى.. العقول العربية تزدهر خارج وطنها

هناك نمط متكرر في قائمة الفائزين العرب بنوبل: أحمد زويل (مصر – كاليفورنيا)، منجي الباوندي (تونس – MIT)، عمر ياغي (الأردن/فلسطين – بيركلي)، عبد الرزاق قرنح (اليمن – بريطانيا). وحتى نادية مراد وتوكل كرمان، رغم أنهما حصلتا على نوبل السلام وهما تعملان داخل المنطقة، فإن جائزتيهما سياسية/حقوقية وليست علمية أو أكاديمية بالمعنى الدقيق.

هذا النمط لا يعني أن العقول العربية أقل قدرة. على العكس تماما. إنه يعني أن البيئة العربية - بمختبراتها وتمويلها وحريتها الأكاديمية -لا تزال غير قادرة على احتضان هذه العقول وإنتاجها. وحين يهاجر الباحث العربي إلى بيئة داعمة، يجد ما يفتقده في وطنه:- مختبرا مجهزا، وتمويلا مستقرا، وحرية أكاديمية، وفرقا بحثية متكاملة. عندها فقط يصبح الوصول إلى نوبل ممكنا - لكن باسم مؤسسة غربية، لا باسم جامعة عربية.

 التشخيص بالأرقام.. أزمة بنيوية لا أزمة أفراد

لكن السؤال الأهم ليس "لماذا لا يحصل العرب على نوبل؟"، بل "ما الذي يمنع البيئة العربية من إنتاج الفائزين بنوبل؟" هنا تصبح الأرقام أكثر دلالة من أي خطاب.

مساهمة العالم العربي في الإنتاج العلمي العالمي لا تتجاوز 2%، وفقا لبيانات كتاب "أزمة البحث العلمي العربي" لمحمد الربيعي. هناك دولا عربية مجتمعة سجلت 3.7% من إجمالي النشر العلمي العالمي، لكن لا توجد دولة عربية واحدة تجاوزت حاجز 1% من الانتاج العالمي بمفردها. للمقارنة، تنتج إسرائيل وحدها - بتعداد سكاني لا يتجاوز عُشر سكان المنطقة العربية - إنتاجا علميا يعادل ما تنتجه دول عربية بأكملها من حيث الحجم، مع فارق أكبر في النوعية وعدد الاستشهادات.

أما الانفاق على البحث والتطوير، وهو المؤشر الأكثر تعبيرا عن جدية الدولة في الاستثمار المعرفي، فيتراوح في معظم الدول العربية بين 0.2% و0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين توصي اليونسكو بنسبة تتراوح بين 2% و4%. وحتى هذه النسبة المتواضعة، تتوزع بشكل غير متكافئ:- فبينما تصل النسبة في الإمارات إلى 1.5%، تنخفض في دول أخرى إلى 0.1%. للمقارنة، أنفقت الصين 2.8% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في عام 2025، متجاوزة لأول مرة متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

والأمر لا يتوقف عند التمويل. فعدد الباحثين في العالم العربي لا يتجاوز 650 باحثا لكل مليون نسمة، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 1,350 و1,600 باحث لكل مليون نسمة. وحتى هذا الرقم المنخفض يخفي تفاوتا كبيرا بين الدول العربية، حيث تتركز الكثافة البحثية في عدد محدود من البلدان.

أما حصيلة براءات الاختراع المسجلة دوليا، وهي المؤشر الأكثر مباشرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، فلا تتجاوز 0.5% من الإجمالي العالمي. وحتى في قطاع تكنولوجيا الاتصالات، وهو قطاع حيوي للاقتصاد المعرفي، تسجل قطر 17.1 براءة اختراع لكل مليون نسمة، بينما تنخفض النسبة في الإمارات الى 2.4 والسعودية إلى 1.5، في مقابل 117.5 براءة اختراع لكل مليون نسمة في إسرائيل.

وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة. انها "رسائل إنذار"، كما يصفها المؤلف، تؤكد أن البحث العلمي العربي يسير في اتجاه معاكس لمسار العالم. إنها أزمة هوية مؤسسية، وحوكمة، وتمويل، وربط بالاقتصاد الحقيقي، ونزاهة بيانات، وتعاون إقليمي. والنتيجة أن العقول العربية، حين تصل إلى مستوى الانجاز العالمي، تفعل ذلك غالبا من داخل مؤسسات غربية، لا من داخل بيئتها الأصلية.

 لماذا نوبل ليست مجرد جائزة؟

جائزة نوبل، في جوهرها، ليست جائزة للحظة عبقرية عابرة. انها تتويج لتراكم طويل من العمل المؤسسي والدعم المستمر والحرية الأكاديمية. الفائزون بنوبل في العلوم لا يظهرون من فراغ، يظهرون من مختبرات مجهزة على مدى عقود، ومن فرق بحثية مستقرة، ومن تمويل متواصل لا يتوقف عند كل أزمة مالية أو تغيير حكومي.

وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في العالم العربي. فحتى في الجامعات العربية التي تحقق أداء بحثيا ملحوظا، مثل جامعة الملك سعود، وجامعة القاهرة، وجامعة بغداد فإن الإنتاج البحثي يتركز في مجالات محدودة، ويظل الأثر العلمي طويل المدى محدودا. وتشير تقارير "آرسيف" (قاعدة بيانات المجلات العلمية العربية) الى أن عدد المؤلفين العرب الذين جرى الاستشهاد بإنتاجهم لا يتجاوز 32.57% من إجمالي المؤلفين، وهو مؤشر على أن جزءا كبيرا من النشر العلمي العربي لا يجد طريقه إلى التداول والتراكم المعرفي.

والنشر باللغة العربية، رغم أهميته الحضارية، لا يحقق الانتشار الدولي المطلوب. فالعالم العربي يترجم أقل من 500 كتاب سنويا، معظمها في الأدب والعلوم الإنسانية، بينما تترجم إسبانيا نحو 10,000 كتاب، واليابان أكثر من 20,000، والصين أكثر من 15,000. وحتى الكتاب المترجم لا يتجاوز 5% من حجم المنشور على المستوى العربي، وقد يقترب من الصفر بالنسبة للكتب العلمية المتعلقة بعلوم العصر الأساسية.

والنتيجة أن البحث العلمي العربي يعيش عزلة مزدوجة: عزلة عن المجتمع الذي لا يرى في البحث قيمة مباشرة، وعزلة عن العالم الذي لا يمنحه الاعتراف الكامل لأنه لا يُنتج معرفة أصيلة. وحين يهاجر الباحث العربي إلى بيئة داعمة، يجد ما يفتقده في وطنه: مختبرا مجهزا، وتمويلا مستقرا، وحرية أكاديمية، وفرقا بحثية متكاملة. عندها فقط يصبح الوصول إلى نوبل ممكنا، لكن باسم مؤسسة غربية، لا باسم جامعة عربية.

 دروس من دول نجحت

ليس من الضروري أن يظل هذا الوضع قدرا. فهناك دول نجحت، خلال عقود قليلة، في بناء منظومات بحثية متينة رغم محدودية مواردها، وأصبحت اليوم منافسة على المستوى العالمي.

ماليزيا، على سبيل المثال، أطلقت خطة "Vision 2020" التي تضمنت إنشاء أكثر من 100 مركز بحثي متخصص، ورفعت الإنفاق على البحث إلى 1.2% من الناتج المحلي. واستهدفت رفع نسبة الإنفاق البحثي إلى 2% من الناتج المحلي بحلول عام 2020، وهو هدف طموح مقارنة بمعظم الدول العربية. وسنغافورة، رغم صغر حجمها، خصصت أكثر من 25 مليار دولار لدعم البحث والابتكار في إطار خطة RIE2025، ثم أطلقت خطة RIE2030 التي تستند إلى نفس النهج.

أما تركيا، فقد انتقلت خلال عقدين من دولة ذات حضور علمي هامشي إلى دولة تحتل المرتبة الثالثة عالميا في عدد الجامعات المصنفة ضمن تصنيفات التايمز للتعليم العالي، كما أنها تعد الدولة الوحيدة في منظمة التعاون الإسلامي التي تمتلك جامعات مصنفة ضمن أفضل 500 جامعة عالميا. ولديها أكثر من 1,700 مركز بحث وتطوير، وأكثر من 13,000 شركة تعمل في 115 حديقة تكنولوجية.

هذه التجارب تشترك في عناصر أساسية: سياسة علمية وطنية طويلة الأمد، وتمويل مستقر ومتزايد، وربط البحث بالاقتصاد، وحرية أكاديمية، وبنية تحتية متكاملة. وهي جميعا عناصر لا تزال غائبة أو ضعيفة في معظم الدول العربية.

 نوبل كنتاج لبيئة مؤسسية

السؤال إذن ليس "كيف نصنع فائزا بنوبل؟"، بل "كيف نبني البيئة التي تنتج الفائزين بنوبل؟" والجواب، كما يخلص كتاب "أزمة البحث العلمي العربي"، لا يكمن في مبادرات فردية أو قرارات وزارية ظرفية، بل في استراتيجية عربية موحدة للبحث العلمي، مقسمة إلى مراحل تنفيذية واضحة: التأسيس والتشبيك، ثم بناء المؤسسات والتمويل، ثم بناء القدرات والتعاون، وأخيرا التقييم والتطوير.

ويتطلب ذلك، أولا، الإقرار بأن البحث العلمي ليس ترفا فكريا، بل هو شرط للسيادة وأداة للتنمية. ويتطلب، ثانيا، استعادة شجاعة السؤال والاعتراف بأن الأزمة ليست في غياب العقول العربية — فهي موجودة في كل مكان، داخل المنطقة وخارجها، بل في غياب البيئة التي تسمح لهذه العقول بأن تنمو وتُثمر وتُعترف بها عالميا.

الخبر السار أن بعض الدول العربية بدأت تتحرك في هذا الاتجاه. فقد أطلقت الإمارات برامج حوافز ضريبية للبحث والتطوير، ورفعت مخصصاتها البحثية بنسبة 500% في ميزانية 2026. وأطلقت السعودية رؤية 2030 التي تهدف إلى رفع مكانة المملكة في مؤشرات التنافسية العالمية من خلال البحث والابتكار. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة وغير كافية لسد الفجوة المعرفية على المستوى العربي ككل.

 الطريق إلى نوبل العربية

عام آخر يمر، والحسرة تتجدد. لكن الأمل يبقى في أن يأتي اليوم الذي لا ننتظر فيه نوبل عربية، بل نراها نتيجة طبيعية لنهضة حقيقية في التعليم والبحث والحرية.

هذه النهضة لن تأتي من انتظار معجزة، بل من بناء صبور لمؤسسات بحثية مستقلة، وتمويل مستقر ومتزايد، وربط عضوي بين الجامعة والمجتمع والاقتصاد، وحرية أكاديمية تسمح بالخطأ والمحاولة والتجربة، وتعاون عربي حقيقي بدل التشرذم والتنافس غير المنتج.

نوبل ليست هدفا في حد ذاتها. إنها مؤشر على أن البيئة البحثية العربية أصبحت ناضجة بما يكفي لتحتضن العقول، وتدعمها، وتتيح لها أن تنتج معرفة تُغير العالم. وحين يتحقق ذلك، لن نحتاج إلى السؤال: "لماذا لا نحصل على نوبل؟" لأن الإجابة ستكون واضحة: لأننا بنينا ما يكفي من البيئة التي تصنع الفائزين.

***

د. محمد الربيعي

 

(يُعدّ التفلسف نشاطاً ممتعاً ومُتجدداً؛ فهو يزخر بالقضايا العميقة والشيقة، ويمنحنا رؤيةً للعالم أكثر جِدّةً وإثارة)

قبل وفاته بعامين، كتب الفيلسوف وعالم النفس الأميركي جون ديوي رداً على سؤال حول مصير الفلسفة يقول: "كنت أسعى لإطالة عمر الفلسفة، لكن كلمتين أصبحتا قريبتين من الناس، وهما العلم والديمقراطية، أسدلتا الستار على مهنة الفيلسوف". كان ذلك عام 1950، آنذاك كان ديوي يعتقد أن الإنسان المعاصر قد تجاوز الفلسفة، وأن النظم السياسية الحديثة والثورة العلمية كانتا وراء موت الأم العجوز "فيلسوفيا"، فهل ماتت الفلسفة حقاً؟ وهل على البشرية أن تؤدي لها الطقوس والمراسم الجنائزية؟.

كان ديوي من المتحمسين إلى أقصى حد لنجاح العلم ومناهجه في البحث، وكان مؤمناً إيماناً جازماً بالإمكان الحقيقي للتقدم العلمي في الأمور البشرية، فالمجتمع لا يمكن أن يتقدم إلا إذا كان أعضاؤه على قدر من التربية ليكونوا عقلانيين ومرنين، واعتقد ديوي أنه لا بد من تشجيع الفن لأنه يثير "الحلول" الخيالية ومشكلاتها الفريدة.

كان ديوي يرى أن المجتمعات الديمقراطية هي الأفضل لأنها مجتمعات مرنة تتجنب المعتقدات الجامدة، وبذلك تكون قادرة على التغيير. وظل ديوي مهتماً بالنظم الجديدة في علم الاجتماع، لأنه يعتقد بقدرتها على حل المشكلات الاجتماعية بعيداً عن التنظير الفلسفي. وظل مصراً على أن الفلسفة إذا لم تعالج مضامين النسبية والذكاء الاصطناعي والرياضيات فإنها في طريقها إلى الانهيار، الأمر الذي دفعه إلى كتابة مقال بعنوان "الانهيار الفلسفي" أكد فيه أن الفلسفة نوع من المرض، يحتاج أطباؤه إلى علاج.

وكفيلسوف براغماتي، يقدم ديوي المولود عام 1859 مفهوماً مختلفاً عن المعرفة الفلسفية؛ باعتبار أن المعرفة هذه يجب أن تسلط الضوء على الأفكار النافعة فقط، والفكرة النافعة هي التي تجيب على سؤال لدى الإنسان وتحل المشكلة التي تواجهه. ولهذا يرى أن الفلسفة في السنوات الأخيرة لم تعد تقدم حلولاً مثل العلم والنظم الديمقراطية الحديثة، فهي -حسب رأيه- أصبحت مخصصة فقط للأفكار التي لم تثبت الخبرة نجاحها. عند ديوي، التفكير العلمي فقط هو الذي يربط مباشرة بين الفكر والعمل ويحاكم الأفكار بحسب قدرتها على الإنتاج.

في كتابه "إعادة البناء في الفلسفة"، يرى ديوي أن الفلسفة ضلّت الطريق حين فصلت الفكر عن التجربة العملية. وهو يرى أن الفلسفة ومناهجها وموضوعاتها لم تعد لها قيمتها النظرية التي يمكن الاستفادة منها في عصرنا الحديث، ويستند ديوي في دعوته لإحلال العلم والديمقراطية والتربية بدلاً من الفلسفة، إلى التغير الذي حدث في مفاهيم العقل والخبرة والمنطق والمجتمع في القرن التاسع عشر، حيث كان يرى أن الفلسفة بمناهجها القديمة أصبحت عائقاً أمام تطور الأفكار، وما لم تؤسس الأفكار الفلسفية على مفهوم الخبرة والتجربة، فإنها تصبح أفكاراً مجردة.

في العام 1951 يكتب فيلسوف بريطاني اسمه برتراند رسل، رسالة إلى كبير فلاسفة أميركا جون ديوي، يحييه باعتباره الفيلسوف الحي الذي له تأثير عميق ليس بين الفلاسفة فقط، وإنما بين المهتمين بدراسة التربية والجمال والنظرية السياسية: "سيدي العزيز أكاد أتفق معك اتفاقاً تاماً في معظم آرائك، ولكنني مضطر، للأسف، أن أختلف معك في نظرتك لدور الفلسفة في عصرنا، أعني الاستعانة بالعلم ومناهج التربية والديمقراطية كبديل عن معارفنا الفلسفية، فلا تزال معظم معارفنا ونشاطنا العلمي والتربوي والسياسي تخضع لرضا هذه الأم العظيمة (الفلسفة)".

ويتساءل رسل: ما هي الفلسفة؟ إنها بحسب المحاورات التي سُجِّلت معه ونُشِرت في كتاب بعنوان "محاورات مع برتراند رسل": "تتألف من تأملات عن الموضوعات التي لم تستطع المعرفة العلمية أن تحسمها، والفرق بين الفلسفة والعلم أن العلم يدور حول ما نعرفه، أما الفلسفة فتدور حول ما لا نعرفه".

إذن عندما نوقن من شيء ونكتشفه فإنه لا يظل فلسفة وإنما يتحول إلى علم، هكذا يجيب رسل على ما كتبه جون ديوي. ويضيف رسل أن للفلسفة فائدتين، الأولى أنها تغذي التأمل في الأشياء التي لم تخضع بعد للمعرفة العلمية، والثانية أنها توسع من نظرتنا الخيالية تجاه العالم، فقد ابتكر ديمقريطس الافتراض الذي يقول بأن المادة تتألف من ذرات صغيرة، وبعد ألفي عام ثبت أن هذا الرأي هو العلمي الصحيح، غير أنه في عصره كان ضرباً من الخيال. وكان أريستارخوس أول من أشار إلى أن الأرض تدور حول الشمس، وأن التحركات اليومية للكواكب مرجعها دوران الأرض، وظل هذا الافتراض خارج حدود تصديق العقل، إلى أن ظهر كوبرنيكوس. الفلسفة إذن تفكر بالأشياء التي قد تكون صحيحة، ومهمة العلم إثبات صحتها أو خطئها. هكذا حاول فيلسوف بريطانيا برتراند رسل أن يعيد للفلسفة مكانتها بعد أن حاول ديوي أن يستبدلها بالعلم والنظم السياسية الحديثة والفنون وما تضيفه لخبرات الإنسان.

ذات مرة تلقّى آينشتاين رسالة من أحد رجال الكنيسة يسأله فيها: هل أنت مؤمن؟ فيجيبه صاحب النظرية النسبية ببرقية من سبع كلمات: "أجل، مؤمن بالذي فصّله إسبينوزا في فلسفته". بدأ اهتمام آينشتاين بالفلسفة مبكراً بتعرُّفه لأول مرة في مكتبة عمّه الكبير على كتب أرسطو التي قال عنها إنها أول الألغاز التي واجهته في حياته. ومنذ ذلك الحين صارت الفلسفة أكثر ما يتحدث فيه مع عمّه الأكبر، الذي رشح له مجموعة من كتب الفلسفة اليونانية، ففتنه بشدة سقراط، لم يتأمل فلسفته، وإنما حياته الفوضوية، وإصراره على طرح الأسئلة على الناس في الأسواق وأماكن العمل: "تعرّفت على هذا الساحر اليوناني وأنا في الرابعة عشرة من عمري، ما أزال أتذكر صورته التي وجدتها في كتاب ملون ومبسط عن الفلسفة، صورة تركت أثراً عميقاً ودائماً في نفسي وأدركت حينها أن هناك أموراً خفية تتوارى خلف إصرار هذا الرجل على الوقوف رافعاً يده باتجاه المجهول". وكان لمعرفة آينشتاين، الطالب الصغير، بعالم أمانوئيل كانط وكتابه "نقد العقل المحض" أبرز الأثر في تغذية حبه للفلسفة، والذي لم ينقطع طوال حياته، لكنه حين اقترب من سن العشرين وقع بيده كتاب إسبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة". كان آينشتاين طالباً في الجامعة حين وجد الكتاب مثيراً ومفزعاً في الوقت نفسه، كانت كل صفحة منه حافلة بـ "ومضات نارية"، هكذا قال آينشتاين لكاتب سيرته "والتر إيزاكسون"، وإضافة لذلك يقول آينشتاين إنه وجد في إسبينوزا أفكاراً تدل على تبصُّر عقلي بالمشكلة التي يطرحها والتي كانت تؤرق آينشتاين أيضاً، وهي علاقة الدين بالتفكير العقلي والعلمي، وكما كتب آينشتاين فيما بعد: "في البداية تساءلت، ما إذا كان إسبينوزا قد أجاب على الأسئلة قبل أن تتشكل في ذهني.. ناهيك عن الإجابة الواضحة والجريئة التي قدمها لي".

لقد نبّه إدموند هوسرل منذ بداية الانفصال بين العلوم الحديثة والفلسفة إلى أن هناك أزمة بدأت بالظهور بين عالم العلوم وعالم الحياة، وخصوصاً وأن العلم لا يستطيع بمفرده أن يُمكّن الإنسانية من تأمّل عمقها الوجودي وبناء وعي بالمعنى والدلالة من وجودها، فالعلوميون قد أغفلوا على حد رأي هوسرل التمازج بين الموقف العلمي والموقف من الحياة، وهو تمازج يتطلبه ترشيد العلم وأنسنة أسسه، وهو ما جعل هوسرل معجباً بديكارت الذي أصرّ على أن الإخلاص للعلم لا يعني السكوت عن الحياة واستخلاص مستويات الوجود والموقف من القضايا الكبرى للعصر، فإن الإنسان يعطي العالم الصورة التي هو عليها قبل كل معرفة علمية، وبالتالي فإن الفلسفة توجد قبل كل علم، إنها توجد كما يقول كارل ياسبرس حينما يوجد أناس مستيقظون، يعني ذلك أن الإنسان ليس في حاجة إلى يقين العلم فقط بل في حاجة إلى النقد الفلسفي لكي يوازن ما بين ما يجب أن يكون للعلم وما يجب أن يكون للحياة، في عصر نشهد فيه انفجاراً معرفياً وتقنياً، وكما لاحظ هنري برغسون أن ما تحتاجه البشرية في الوقت الحاضر وفرة من الطاقة الأخلاقية حتى تنهض من انحنائها وتنظر إلى السماء، فالتفلسف حسب هايدغر نشدان للحظة الوجود الغائبة تحت زحام التقنية المعاصرة وأنواع الاغترابات.. إنه نشدان للحرية والحياة.

فإذا كانت هذه هي مسيرة الفلسفة في التاريخ أن تكون هادية للعلم وسلاحاً له وأن تقف في وجه كل من يريد أن يعيق مسيرة العلم، فإن العلم كما يقول بنيامين فارينغتون في كتابه "العلم الإغريقي"، يصيبه الضرر إن انفصل عن الحياة الفكرية العامة للعصر.

لاحظ كارل بوبر أن الفلسفة لم تعد مثلها مثل العلم، مجرد مسألة لإيجاد دليل لإثبات صحة نظرية، لأن الفيلسوف الحقيقي أو العالم الحقيقي على حد تعبير بوبر سيعمل على إثبات أنه مخطئ، محاولاً العثور على الثغرات في أي نظرية موجودة.. حينها يمكن للمعرفة أن تستحق الاسم الذي أُطلق عليها. ولهذا فاننا عندما نتفلسف، فإننا نتراجع خطوة إلى الوراء ونفسح المجال لاكتساب فهم جديد لما نؤمن به.

***

علي حسين

ثمة مجتمعات لا تخشى على مستقبلها من الجهل بقدر ما تخشى من امرأة تعرف، ولا ترتبك أمام عقول أبنائها بقدر ما ترتبك أمام فتاة تتعلم كيف تفكر خارج الأسوار

وأخطر القيود ليست تلك التي تطوق المعصمين، بل تلك التي تزرع في العقول حتى يعتاد أصحابها الأسر، ويظنوا أن الأبواب المغلقة هي حدود العالم، وأن الطاعة فضيلة حتى حين تهدر الكرامة، وأن التنازل عن الحق هو الثمن الذي ينبغي دفعه كي ينالوا رضا المجتمع.

هكذا تبدأ الحكاية في مجتمعات كثيرة؛ فتاة تولد ولديها الحق في الحلم، ثم تكبر محاطة بأسئلة لم يخترها عقلها، ومحظورات لم يختبرها وعيها، وأحكام تسبق أفعالها لمجرد أنها أنثى.

في اليوم العالمي للفتاة، لا أريد أن أقدم كلمات احتفالية عابرة، بل أن أطرح سؤالا يستحق أن يقلق كل مجتمع يدعي التقدم: كيف يمكن لأمة أن تحلم بمستقبل مختلف، بينما تخشى أن تمتلك فتياتها عقولهن كاملة؟

إلى كل فتاة، أقول:

 لست أقل عقلا أو قيمة أو أهلية لأنك أنثى، ولست مطالبة بالاعتذار عن صوتك، أو تبرير طموحك، أو استئذان أحد كي تكون لك شخصية مستقلة.

 إن إنسانيتك ليست منحة اجتماعية، وحقوقك ليست مكافأة، وحياتك ليست ملكية مشتركة يحق للآخرين التصرف فيها باسم العائلة أو العرف أو الخوف مما سيقوله الناس.

إن أخطر ما تفعله الثقافة الإقصائية بالفتاه أنها لا تكتفي بفرض القيود عليها، بل تحاول إقناعها بأن هذه القيود جزء من طبيعتها، وأن حريتها خطر، واستقلالها تمرد، وعقلها الذي يسأل مشكلة ينبغي تهذيبها. وحين تنجح هذه الثقافة في جعل الفتاة تخاف من أفكارها قبل أن تخاف من عقاب الآخرين، تكون قد نقلت السجن من الخارج إلى الداخل.

إلى كل فتاة:

 اقرئي، لا لتكرري ما يقوله الآخرون، بل لتكتشفي كيف تفكرين أنت

 تعلمي، لا لتثبتي أنك جديرة باحترام أحد، بل لأن المعرفة حقك، ولأن عقلك يستحق أن ينمو.

 اسألي، حتى حين تكون الأسئلة مزعجة،

وراجعي أفكارك كلما ظهرت أمامك حجة أقوى،

 ولا تجعلي الخوف من الاختلاف يحرمك متعة اكتشاف الحقيقة.

 ابني استقلالك، واحترمي ذاتك، ولا تسمحي لأحد أن يختصر وجودك في مظهرك أو دور اجتماعي واحد.

لست مطالبة بأن تكوني نسخة من أحد، ولا أن تخوضي معركة لا تنتهي لإثبات أنك تستحقين ما يستحقه الآخرون بالفطرة. يكفي أن تدركي أن لك الحق في أن تصنعي حياتك، وأن تخطئي وتتعلمي، وأن تختاري وتراجعي اختيارك، وأن تتخذي قراراتك دون أن تتحولي إلى متهمة كلما مارست حقا مشروعا.

العلم والثقافة ليسا زينة عقلية للفتاه، بل من أهم أدوات استقلالها؛ فالمعرفة تمنحها القدرة على الاختيار، والاستقلال الاقتصادي يوسع قدرتها على حماية خياراتها، والوعي بحقوقها يجعلها أقل قابلية للاستغلال أو الابتزاز باسم الحب أو الشرف أو التقاليد.

ولذلك، لا يكفي أن نفتح أبواب المدارس والجامعات أمام الفتيات، ثم نغلق أمامهن أبواب المشاركة والقرار. لا يكفي أن نشجعهن على النجاح، ثم نطلب منهن إخفاء طموحهن حتى لا يشعر أحد بالتهديد. فالتعليم الحقيقي ليس شهادة تعلق على الجدار، وإنما قدرة على إدارة الحياة، ومساءلة السلطة، وتحمل مسؤولية الاختيار، والمشاركة في صنع المجتمع.

ولا تعني المساواة أن تدخل المرأة في حرب مع الرجل، ولا أن تثبت تفوقها عليه، بل أن تتحرر العلاقة بينهما من منطق السيادة والخضوع. فالرجل الذي يرى في تعليم المرأة تهديدا لمكانته لا يدافع عن الأسرة، بل عن امتياز يخشى فقدانه. أما العلاقة الإنسانية الناضجة، فلا تقوم على عقل يأمر وعقل يطيع، وإنما على شخصين يملك كل منهما حق التفكير والاختيار والاختلاف.

ومن هنا تأتي أهمية الرؤية العلمانية للدولة والمجتمع؛ إذ لا يجوز أن تتحول المعتقدات أو التفسيرات الدينية أو الأعراف الاجتماعية إلى أدوات لانتقاص حقوق النساء أو فرض الوصاية على ضمائرهن. فالإيمان شأن شخصي يحترمه القانون، أما الحقوق والمواطنة فينبغي أن تقوم على المساواة والكرامة الإنسانية، لا على جنس الإنسان أو مقدار امتثاله لتوقعات الجماعة. ولا تعني العلمانية مصادرة الإيمان، بل تعني ألا يستخدم أي اعتقاد ذريعة لحرمان مواطن من حق أصيل، أو لفرض تصور واحد للحياة على الجميع.

إن المجتمع الذي يحترم الفتاة لا يكتفي بحمايتها من العنف، بل يحمي حقها في المعرفة والعمل والمشاركة، ويضمن لها الأمان الذي يسمح لها بالنمو دون خوف، والقانون الذي يصون كرامتها، والفرص التي تجعل نجاحها مرتبطا بقدراتها لا بجنسها. فكم من فتاة تملك الموهبة، لكنها تحاصر بالفقر أو الزواج المبكر أو التمييز أو الخوف من حكم الآخرين؛ وكم من عقل كان يمكن أن يضيف إلى المعرفة الإنسانية، لولا أن المجتمع قرر مسبقا أن بعض الأحلام لا تليق بأصحابها.

وفي اليوم العالمي للفتاة، ينبغي ألا ننسى ملايين الفتيات اللواتي ما زلن محرومات من التعليم، أو يواجهن العنف والاستغلال والتمييز.

 إن الاحتفاء الحقيقي بهن لا يكون بالشعارات، بل بإزالة العقبات التي تحول دون أن يعشن حياة آمنة، وأن يقررن مستقبلهن، وأن يشاركن في بناء عالمهن بوصفهن مواطنات كاملات الحقوق.

إن أعظم هدية يمكن أن نقدمها للفتاة ليست كلمات الإعجاب، بل مجتمعا لا تضطر فيه إلى امتلاك شجاعة استثنائية كي تمارس حقوقا عادية. مجتمعا لا يخشى عقلها، ولا يعاقب استقلالها، ولا يجعل كرامتها رهينة رضا الآخرين.

فالمستقبل لا يبنى بنصف عقل، ولا تزدهر الحضارة حين تهدر طاقات النساء، ولا تتحقق العدالة إذا ظلت الحقوق تتغير بتغير جنس أصحابها.

في اليوم العالمي للفتاة، لنجعل رسالتنا أبعد من الاحتفال: لا وصاية على العقل، ولا انتقاص من الكرامة، ولا تمييز في الحقوق بسبب الجنس.

أعطوا الفتاة حقها في المعرفة، ومساحة آمنة للحلم، وحرية السؤال، وشجاعة الاختيار، ولا تضعوا الأسوار أمام عقلها ثم تسألوها لماذا لا تحلق.

 امنحوها تعليما يحرر وعيها، وثقافة توسع أفقها، وقانونا يحمي كرامتها، ومجتمعا لا يعاقبها لأنها تفكر على نحو مختلف. لا تربوها على الخوف من الخطأ، بل على شجاعة المحاولة، ولا تلقنوها كيف ترضي الآخرين، بل كيف تحترم ذاتها وتحترم حقوق غيرها.

أعطوا الفتاة حقها في أن تكتشف العالم بعقلها، لا أن ترث أحكام الآخرين عنه، وأن تخوض الحياة بإرادتها، لا أن تعيش وفقا لخريطة رسمها لها المجتمع

افتحوا أمامها أبواب العلم والفن والفلسفة،

 ودعوها تسأل عن الوجود، وتناقش الأفكار، وتعيد النظر في المسلمات، وتشارك في صناعة المعرفة، بدلا من حصرها في أدوار ضيقة لا تستوعب اتساع إمكاناتها. علموها أن قيمتها لا تتوقف على إعجاب أحد بها، وأن نجاحها ليس تهديدا لأحد، وأن كرامتها لا تقبل المساومة، وأن الحب الذي يطلب منها التخلي عن ذاتها ليس حبا يستحق التضحية. أعطوها الحق في أن تختار طريقها، وأن ترفض ما لا تريده، وأن تقول لا دون أن تتحول إلى متهمة في محكمة المجتمع.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المسافة الخفية بين ما نريده وما صنع فينا

يعتقد معظم الناس أنهم يعرفون ما يريدون. هذا الإعتقاد لا يحتاج منهم إلى برهان، لأنه يسبق التفكير ويأتي قبل الأسئلة. نحن نختار أعمالنا وعلاقاتنا وآراءنا، ونتحمل نتائج ما اخترناه، ونلوم أنفسنا حين يسوء الأمر. هذا يبدو كافيا كدليل على الحرية.

لكن لنتأمل، حين نتخذ قرارا "بإرادتنا الحرة"، ما الذي كان موجودا في داخلنا قبل تلك اللحظة؟ الخوف من الفشل؟ الرغبة في رضا الأب؟ مثلا، الصورة التي رسمها الآخرون لنا عن أنفسنا قبل أن نكون قادرين على رسمها وحدنا؟ التوقعات التي استقرت في أعماقنا حتى صارت تشبه الرغبة؟

المسألة أعمق من مجرد "هل نحن أحرار أم لا". هي أقرب إلى هذا السؤال المزعج، ماذا لو أن جزءا مما نسميه "اختياراتنا" لم ينشأ فينا، بل تشكل فينا؟

لا أحد يختار البلد الذي يولد فيه. ولا اللغة التي يفكر بها. ولا العائلة التي ستعلمه أي شيء يستحق الحب وأيها لا. نحن نصل إلى العالم ومكاننا فيه محجوز سلفا، والتوقعات منا جاهزة، والقواعد مكتوبة قبل أن نمسك القلم، فالطفل لا يجبر على شيء في أغلب الأحيان، لكنه يتعلم بسرعة ما يجلب الحب وما يجلب الإعراض. يتعلم أن بعض الأسئلة لا تطرح وأن بعض الرغبات "لا تليق" وبعض الطرق "ليست لأمثالنا". وعندما يكبر، لا يشعر بأن هذه الأشياء فرضت عليه، بل يشعر أنها هو. وهذا هو الأذكى في ميكانيزم عمل المجتمع، لا يحتاج إلى أن يمنعك من شيء، إذا نجح في جعلك لا تريده أصلا.

فكر معي في إنسان أمضى عمرا في مهنة لا يحبها لكنه يصفها بـ „الاستقرار". أو في امرأة بقيت في زواج ينهكها لأن "هذا ما تفعله النساء الجيدات". أو في شاب يخفي ما يفكر به حقا، ثم يبرر صمته لنفسه بأنه "حكمة". هؤلاء لم يجبروا على هذا السلوك، لكن هل اختاروه؟السؤال الحقيقي حول إمكانية أن يفعلوا خلاف ذلك هو: هل كانت الخيارات الأخرى متاحة لهم نفسيا بنفس القدر؟ أم أنها كانت محاطة من الداخل بالذنب والخوف والعار؟ ومع هذا لا ينبغي أن نقلب المسألة ونجعل من المجتمع والثقافة شيطانا خالصا. فلا أفكار بدون اللغة التي تلقيناها، وبدون العلاقات التي احتضنتنا، لا شخصية. المشكلة ليست في كوننا تشكلنا داخل عالم مشترك، بل أن يظل الإنسان أسيرا لما تشكل فيه، عاجزا عن تمييز ما يمنحه الحياة مما يسد عليه أبوابها.

الخوف ليس دائما شيئا نراه. أخطره هو الذي لا نعرف أنه موجود، فالخوف من الفشل مفهوم، لكن ماذا عن الخوف من الخروج عن المألوف؟ أو من أن تكتشف في منتصف عمرك أنك أمضيت نصفه الأول في الدفاع عن صورة لا تشبهك؟ هذا الخوف لا يصرخ، يهمس، وهمسه يشبه الحكمة والواقعية والنضج.

يستطيع الإنسان أن يبني حجة عقلانية لأي قرار يريد تبريره. مثلا: "لم أغير مساري المهني لأن الظروف لا تسمح."، "لم أعترض لأن الوقت لم يكن مناسباً."، وكل هذا قد يكون صحيحا تماما. لكنه قد يكون أيضاً ثوبا نظيفا يلبس على خوف لا نملك الشجاعة على الإعتراف به حتى لأنفسنا.

الفيلسوف الدنماركي كيركغارد رأى في الحرية مصدرا للدوار لا للبهجة. الإختيار الحقيقي يغلق أبوابا لن تفتح، ويضعك أمام مسؤولية لا تستطيع توزيعها على أحد. من هنا يفهم المرء أن بعض الناس لا يهربون من الحرية لعجزهم عنها، بل لأنهم يدركون في مكان ما من وعيهم، أن امتلاكها سيسلب منهم الأعذار المريحة التي اعتادوا الإحتماء بها، وبين اعتقادين خاطئين تقع الحقيقة: الإعتقاد بأن كل شيء ظرف خارج سيطرتنا، وهذا يريحنا من مسؤولية القرار لكنه يسلمنا لها تماما، والإعتقاد بأن كل شيء يتوقف علينا، وهذا يفضي إلى نوع من العذاب الأخلاقي الذي لا يطاق. وفي المساحة بين هذين الوهمين يقع ما يمكن تسميته بالحرية الواقعية، فهي لست سيدا مطلقا على حياتك، لكنك لست ضحية مطلقة لها.

جان بول سارتر مزعج. ليس لأن فلسفته صعبة، بل لأنها لا تمنحك مكانا تختبئ فيه. فالإنسان عنده لا يأتي إلى العالم مزودا بهوية جاهزة تنتظر منه أن يكتشفها. هو يوجد أولا، ثم يصنع نفسه عبر ما يفعله ويرفضه، وما يقدم عليه وما يتراجع عنه. فهويتك ليست جوهرا تبحث عنه، هي مسار تصنعه. والجملة الأشهر عنده: "الإنسان محكوم عليه بالحرية." وهذا لا يعني أنك ستكون سعيدا لأنك حر، بل لأنك لا تستطيع أن تتهرب من الإختيار. فالصمت اختيار، والتأجيل اختيار، والقبول اختيار. حتى قولك "ليس بيدي شيء" هو نفسه موقف تتخذه.

لكن سارتر يشكل خطرا إذا قرئ بشكل انتقائي: يمكن لهذا المنطق أن يتحول إلى أيديولوجيا تلوم الفقراء على فقرهم وتطالب المقهورين بأن "يختاروا" غير ما يعيشون. إنسان لا يملك ما يأكله لا يحتاج محاضرة عن المسؤولية الوجودية.

لذلك ثمة مستويان لا يمكن الفصل بينهما: مستوى الفرد الذي يملك وعيا ودوافع وقدرة على إعادة النظر في موقفه. ومستوى الشروط المادية والإجتماعية والسياسية التي تجعل هذا الوعي ممكنا أو تجعله ترفا. الحرية الداخلية ليست بديلا عن العدالة. والعدالة وحدها لا تصنع إنسانا قادرا على استخدامها.

الأصعب ليس أن تقاوم سلطة تعرف أنها تقيدك، بل هو اكتشاف السلطات التي لا تراها. فالإنسان قد ينجح في التخلص من شيء فرض عليه صراحة، ثم يكتشف أنه ما زال يحمل تصورا عن النجاح أو الرجولة أو الكرامة صيغ بالأدوات نفسها التي أراد التخلص منها. خلع الثوب القديم ولبس ثوبا آخر مصنوعا من الخيط ذاته.

ميشيل فوكو أرانا كيف تعمل السلطة حين لا ترى لها وجها. فهي ليست دائما قوة تمنع وتأمر، بل معايير تتسرب حتى تصبح طريقة نرى بها أنفسنا. "الطبيعي" و"المقبول" و"الناجح" من قرر هذه التعريفات؟ وحين استبطنها الفرد، لم يعد بحاجة إلى رقيب خارجي. صار رقيب نفسه ولننظر حولنا: كم شخص يقيس قيمته بحجم إنجازاته، ويشعر بالذنب حين يستريح؟ يعتذر عن أنه يحتاج إلى وقت؟ يختار مساره وفق ما سيثير إعجاب الآخرين؟ هذه ليست مشاعر فردية طارئة، بل هي ثمرة ثقافة تربط الإنسان بالإنتاج ربطا وثيقا حتى صار يشعر بأنه يتخلف حين لا ينتج.

معرفة الذات ليست قائمة بنقاط قوة وضعف. هي استعداد لمواجهة التناقضات التي نفضل تجاهلها، لأن بعض فضائلنا تخفي رغبة في التحكم وبعض تضحياتنا تغذيها حاجتنا إلى الإعتراف، وبعض قناعاتنا التي ندافع عنها بحرارة لم تخضع قط لاختبار حقيقي.

نقيس الحرية عادة بالخيارات المتاحة: العمل، المكان، العلاقات، الآراء. لكن ماذا لو أن الخيارات تتسع بينما تبقى معايير الإختيار ضيقة كما هي؟

الفرق بين حرية الإختيار وحرية التفكير هو الفرق بين أن تختار من قائمة جاهزة، وبين أن تسأل: من أعد هذه القائمة؟ ولماذا هذه الخيارات بالذات دون سواها؟

التفكير النقدي لا يعني رفض كل شيء أو التشكيك في كل فكرة. التفكير النقدي يبدأ حين نتوقف عن التعامل مع المألوف كما لو كان طبيعيا أزليا: لماذا أؤمن بهذا؟ من أين جاءت هذه القناعة؟ هل أتمسك بها لأنها تصمد حين تفحص، أم لأن التخلي عنها يهدد انتمائي إلى جماعة أحتاجها؟ وهذه الأسئلة لا توصل دائما إلى يقين. لكنها تغير علاقتك بأفكارك، فمن يراجع قناعاته لا يصبح بالضرورة أكثر ثقة، لكنه يصبح أقل خضوعا للثقة الموروثة. ومن يدرك أن هويته قابلة للمراجعة لا يضطر إلى الدفاع عن كل موقف سابق وكأنه يدافع عن وجوده.

هناك صورة شائعة للحرية: الإنسان الحر هو من لا أحد يمنعه من شيء، من يستطيع أن يفعل ما يشاء متى شاء. هذه الصورة مغرية جدا، لكنها مخادعة. فالإنسان الذي لا يستطيع مقاومة أي رغبة عاجلة ليس أكثر حرية ممن يرفضها عن وعي. والذي يقيس قيمة كل فعل بمدى إعجاب الآخرين به ليس حرا، بل محتاج، وهذه الحاجة هي قيده الفعلي. في المقابل، الإنسان الذي يقبل التزاما اختاره بوعي، ومسؤولية، عهدا وقيمة، لم يفقد حريته، بل اختار حدودا تمنح حياته معنى، فالمسألة ليست في عدد القيود، بل في طبيعتها وفي علاقتك بها. قيد تختاره غير قيد يفرض عليك. ورغبة تعبر عن حاجة حقيقية غير رغبة تتغذى على المقارنة والحرمان المصطنع وصراع التنافس الدائم.

الحرية لا تبدو بالشكل نفسه لكل الناس ولا في كل الأوقات. قد تعني لشخص أن يخرج من الفقر. ولآخر أن يعبر عن رأيه دون خوف. ولثالث أن يتوقف عن قياس نفسه بمعيار لا علاقة له به. وقد تتعارض هذه المعاني أحيانا، فبعض أشكال الحرية لها ثمن في أشكال أخرى منها. والسؤال الأصدق ليس "هل أنا حر؟" كأن الحرية مكان تصل إليه وتجلس. الأصدق هو: أين تبدأ قدرتي على الإختيار وأين تضيق؟ ما الذي أستطيع تغييره؟ وما الذي يحتاج إلى تغيير في الشروط المحيطة بي لا في إرادتي وحدها؟ أي من قراراتي هو اختيار حقيقي، وأيها استجابة لضغط لم أتعلم بعد كيف أسميه؟ الحرية، إذن، ليست أن تبدأ من نقطة نقية لا تلوثها الظروف. هي أن تتعلم كيف ترى القوى التي شكلتك. أن تفرق بين ما قبلته عن اقتناع وما استسلمت له خوفا. أن توسع تدريجيا المساحة التي تتخذ فيها قرارات أكثر وعيا. وقبل كل شيء: أن تكف عن الإقتناع بأن مجرد شعورك بأنك تختار يكفي دليلا على أنك حر.

لكن يبقى السؤال الذي لا راحة معه: ماذا لو أن رغباتنا تتشكل قبل أن نعيها؟ وماذا لو كانت قدرتنا على مراجعتها تتأثر هي الأخرى بما صنعنا؟ ليست الحرية في العثور على ذات نقية في انتظارنا تحت طبقات التأثيرات. هي في قدرتنا على إعادة النظر في أنفسنا من داخل هذا التاريخ الذي نحمله، وتحويل ما تلقيناه إلى مادة للتفكير بدلا من أن يظل قدرا صامتا يوجه حياتنا.

هل نريد ما نريد حقا؟ أم أننا تعلمنا على امتداد حياتنا، أن نرغب فيما ينتظر منا أن نرغب فيه؟

 هذا سؤال لا يحتمل جوابا سريعا، وربما لا يحتمل جوابا نهائيا أصلا. يكفي أن يظل مقلقا حين يطرح؟.

***

عبد الرحيم الجرودي

ثمَّة ظاهرةٌ معاصرةٌ من التفتيش عن متكآت الأنصار في التراث، فما تكاد طائفة من المعاصرين تجد عَلَمًا قال برأيٍ وافق الهوى، وإنْ خالف السائد الغالب بين العلماء، حتى تجتلبه، رمزًا من رموزها، وتستدعيه واحدًا من سلفها الصالح، وإنْ كان منها ومن فِكرها براء. هكذا باغتنا (ذو القُروح) بموضوعه الجديد. قلتُ:

- إنَّها الحاجة الملحَّة إلى التأسيس على ماضٍ، على تُراث، على تُراب، على سلفٍ صالح.  وكلٌّ عاشقٌ للماضي، وكلٌّ عاشقٌ للتراث، وكلٌّ عاشقٌ لسلفٍ صالحٍ ما، حتَّى كفَّار (قُريش)؛ وهو، إنْ لم يجد ذلك الماضي وذلك التراث وأولئك السلف، احتال في التماسهم، أو اختراعهم! 

- صدقتَ. ذلك أنَّ الآباء، والأسلاف، «تكايا» تريح الضمائر، وتزيل شُبَه الابتداع، وقَوْل ما لم يقله الأوائل، فتَصُدُّ الخصوم، من ذوي «التَّكايا» التاريخيَّة الشبيهة الأصيلة المتجذِّرة، أو غير الأصيلة ولا المتجذِّرة. 

- ذلك هو بيت الدَّاء. وإلَّا كيف يُنظَر إلى عقلٍ إسلاميٍّ مفكِّر، مثل (ابن رُشد، -595ه-)، متفلسف، وقبل ذلك فقيه، وأصوليٌّ، وقاضٍ- إنَّما أراد أن يوفِّق بين العقل والنقل، أي بين الفكر والدِّين- على أنه مارق، أو متخفِّفٌ من الدِّين؟ وهذا بعكس ما أراد، من أن يعضد الخطاب الدِّيني بالخطاب العقلي، وينفي مزاعم من يقول بالتعارض بينهما، أو بتهافت الفلاسفة، نتيجة فهمٍ سطحيٍّ للفلسفة وللدِّين في آن؟! 

- وعدم فهم فلسفة الدِّين تنشأ جوهريًّا من الافتقار إلى التفريق بين مقاصد الدِّين ووسائل نقل تلك المقاصد مطبَّقة إلى أرض الواقع. فإذا الوسائل تُجعَل مقاصد وغايات. وهذا سبب نفور بعض الناس من التديُّن، أو حتى كفرهم.

- وهو سبب التمزُّق البَشري، والصراع الدِّيني؛ لأنَّ هناك من يُصِرُّ على تطبيق مقاصد الدِّين بالآليَّات القديمة نفسها، في كلِّ زمانٍ ومكان؛ وهنا تُصبِح الوسائل غايات، فيما الغايات مضيَّعة غالبًا. وما مَثَل هذا إلَّا كمن يظلُّ يُصِرُّ على أن يعيش بالآليَّات القديمة نفسها التي كانت زمن النُّبُوَّة، فلا يركب، مثلًا، إلَّا الخيل والبغال والحمير والإبل، ويحرِّم ما عداها! 

- هل يفعل هذا عاقل؟! 

- نعم، يفعله من أصيب بذلك الخبال. أمَّا المقاصد نفسها ومن حيث هي، فهي صالحةٌ بالفعل لكلِّ زمانٍ ومكان، وهي أصلًا غاية كلِّ دينٍ وكلِّ قانونٍ وكلِّ نظامٍ اجتماعيٍّ إنسانيٍّ حضاري. أي غير «دوغمائيٍّ» مؤدلجٍ وَفق توجُّهٍ فكريٍّ أو سياسيٍّ معيَّنٍ لفئةٍ بشريَّة، تريد أن تفرضه فرضًا على الناس كافَّة، وأن تمنعهم من أن يكون لهم رأيٌ أو توجُّهٌ أو سلوكٌ اجتماعيٌّ مخالف.

- مثلًا؟

- ما أكثر أمثلة ما يقع من هذا! فمثلًا، في القوانين المنبثقة عمَّا يُسمَّى (ميثاق الأُمم المتَّحدة) تلحظ أنها قوانين مصمَّمة لفئتَين متمايزتَين من البَشَر، الفئة الأُولَى: الصهيونيَّة العالميَّة ومن لفَّ لفَّها ومشى في ركابها، والفئة الأخرى: قوانين مصمَّمة لسائر البَشَر. يتجلَّى ذلك في التطبيق، وإن لم يبدُ ذلك مصرَّحًا به في مستوى التنظير. ذلك أنَّ مَن صمَّمَ تلك القوانين أصلًا ما كان له أن يخرج عن إهابه الأيديولوجي المعروف، ولا عن دُخان عواطفه، وحشيش مصالحه القوميَّة والاقتصاديَّة. من حيث إنَّ ما سُمِّي ب-(ميثاق الأُمم المتَّحدة) إنَّما حقيقته الأساس: (ميثاق الأُمم الاستعماريَّة المتَّحدة). وهو قبل ذلك وريث الفكر التوراتي، الذي يقسِّم العالم إلى: ساميِّين، وحاميِّين، ويافثيِّين، أو آريِّين. والعِرق الأسمَى هو العِرق السامي، مختزَلًا حديثًا في تلك الشراذم من الشعوب، التي جمَّعها (تكفيريُّو أوربا) في (فلسطين)- تكفيرًا عن جريمتهم النازيَّة وغير النازيَّة بحقِّ اليهود- بعد احتلال فلسطين بدعمهم وتأييدهم. ولا علاقة لما سُمِّي (إسرائيل)- وهي تسميةٌ دينيَّةٌ ماكرةٌ لأهداف سياسيَّة- لا (بسام بن نوح)، ولا بالشَّرق «الأوسط» أو غير «الأوسط» أصلًا، ولا تربطهم سِوَى حبال الخرافة الأيديولوجيَّة التوراتيَّة. أمَّا البَشَر المكتشفون في بلاد (الهنود الحُمر)، فهم كالفلسطينيِّين، نسلٌ شيطاني؛ لأنَّ مصنِّف «التوراة»- رَبَّ الجنود- لم يكن يعرف بوجودهم على كوكب الأرض، أو وجود غيرهم من الشعوب! ولذا فإنَّ طوفان «التوراة» لم يشملهم بمائه! إنَّها ثقافة خرافيَّة ما انفكت تنخر في الدِّماغ الغربي المختطَف، ولن يتحرَّر منها حتى يهطل عليه نيزك كذلك الذي أهلك الديناصورات وأراح منها!

  - هل يمكن أن يكون هناك دِين أو قانون أو نظام- يستحقُّ هذا الاسم- لا تكون غاياته العُليا، ومقاصده الكُليَّة بناء مجتمعٍ مدنيٍّ، فيه: حماية النفس، والمال، والعِرض، والعقل، والدِّين (بمعنى حريَّة المعتقَد)؟!

- كلَّا، وإنْ وُجِد مثل ذلك الدِّين أو القانون أو النظام، فهو محض أيديولوجيا قَبَليَّة فاسدة، تُناقض العقل والروح وأخلاقيَّات الإنسان الأوَّليَّة، التي هي من مسلَّماته الفطريَّة، ولو عاش معزولًا في غابة، ك-(حيِّ بن يقظان)، حسب قِصَّته في رسالة (ابن طفيل) المشهورة.

- لماذا؟

- لأن عقل الإنسان- إنْ كان عاقلًا- يفرض عليه بالضرورة ذلك النظام العادل، ويدلُّه على أنَّ ثمَّة خطوطًا حمراء، وحدودًا محترمة، وضرورات حياتيَّة؛ تحميه من غيره، وتحمي غيره منه.     

- في هذا السياق قلتَ في مساق سابق إنَّك، من حيث المبدأ، بضدِّ سياسة المنع الثقافي، وهي غير ذات معنى اليوم في الشأن الثقافي. وبالرغم من هذا فإن أيَّ رقابة ستجد في نوعيَّة بعض النتاج المُسِفِّ- فكرًا وأخلاقًا وفنًّا- ذريعة وجودها، وغذاء قيامها، ليقول الناس إنها حينئذٍ مُحِقَّة في المنع، حمايةً للذَّوق العام، والأخلاق المرعيَّة، والبناء الاجتماعي الذي يُرفَض الاعتداء عليه. وذلك أضعف الإيمان.

- والمفارقة هنا أنَّ أولئك الذين لا يرون لفنِّ الرواية وظيفة اجتماعيَّة إصلاحيَّة- كما تقدَّم في حواراتنا السابقة- هم غارقون إلى آذانهم في الهمِّ الاجتماعي الإفسادي، وما داؤهم إلَّا ذلك الهمُّ، ولكن من منظور وظائف هم يميلون إليها أيديولوجيًّا، هي الإصلاح بحسبهم، تَصْدُق عليهم الآية: «وَإِذَا قِيلَ لَ-هُمْ: لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون.‎‏ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُون». وحين ينزلق الفهم، وتتهافت الأمانة، وتنحدر مسؤوليَّة الكلمة لدَى كاتبٍ أو ناقدٍ إلى هذا الدَّرك الأسفل من الانتماء تكون خطورتها الثقافيَّة، وبخاصَّة في فنٍّ غير نخبويٍّ- غالبًا- كالرِّواية، تتلقَّاه كُلُّ الشرائح، من الأطفال إلى كبار السِّنِّ، ومن مختلف مستويات التعليم، أكثر من غيره من الفنون. 

- وإنْ كانت النخبويَّة غير مسوِّغة لقلَّة الأدب في الأدب أيضًا. من مثل صُوَر التحرُّش بالأطفال في بعض شِعر (نزار قباني)، كنصِّه السخيف تحت عنوان «عند الجدار»، مجموعته «سامبا»، 1949.  وليست سخافة النصِّ أخلاقيَّة فحسب، بل فنيَّة أيضًا. 

- رحم الله (عبد القاهر الجرجاني)(1) الذي نبَّه إلى أنَّ الاستخفاف بقِيَم الدِّين والعَبث الأخلاقي في الشِّعر، لا تمسُّ القِيَم والدِّين فحسب، بل تسيء قبل ذلك إلى رسالة الشاعر وعلاقته بالقارئ، فتقذفه بعيدًا عن جمهرة التلقِّي، ليضلَّ قابعًا مع مَن كان على شاكلته في الشذوذ من المتلقِّين، وهم الأقلُّ، مهما كان فساد المجتمع.  معلِّقًا على بيت (المتنبِّي):

يترشَّفْنَ من فَمِي رَشَفاتٍ 

هُنَّ فيهِ أَحْلَى من التَّوحيدِ

فقال: «وأبعدُ ما يكون الشاعر من التوفيق، إذا دعتْه شهوةُ الإغراب إلى أن يستعير للهَزْل والعَبث من الجِدِّ، ويتغزَّل بهذا الجنس.» فإنْ لم يكن الشاعر حريصًا على القِيَم، فمن الغباء أن يضحِّي بجماهيره من المتلقِّين، فيصادمهم في أخلاقهم ومشاعرهم. لكنَّ الغباء فنونٌ أيضًا!

- فكيف لو اطَّلع (الجرجاني) على بعض مباذل زماننا؟!

- مع أنها قد خُرِّجت كلمة «التوحيد» في بيت (المتنبِّي) تخريجات مختلفة. من أطرفها الزعم أنَّ «التوحيد» المقصود نوعٌ من التَّمْر العراقي!

- أسفَّ هؤلاء إسفافًا أزرَى بالصورة أكثر من بيت (المتنبِّي). فأنْ يقول شاعر إنَّ المرأة لديه أحلى من التَّمْر، فهذا إنسانٌ جائع، لا عاشق ولا شاعر؛ قد بات التَّمْر لديه مضرب المثل في الحلاوة، وفي ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ له المطامح والأحلام. وإنَّما أشار المتنبِّي إلى كلمة التوحيد الإسلاميَّة، وإنْ أساء الأدبَ في مبالغته مع المعنى الدِّيني. ولا ريب أنَّ للتوحيد حلاوةً لدَى أهله لا تعدلها حلاوة؛ إذ يستشعر المرء توحُّده بالله، لا بالمعنى الصُّوفي، بل بمعنى العلاقة بربِّ العالمين، وَحْدَه لا شريك له. وهو ما حاول الإسلام غرسه في نفوس المسلمين؛ ليمتازوا عمَّن سواهم، ممَّن ينادون: يا هُبَل، أو يا يسوع، أو يا عذراء، غير أنَّه سرعان ما ظهر من المسلمين أنفسهم أيضًا من حاكَى أتباع الدِّيانات السالفة، التي جاء الإسلام ثورةً عليها، فجعلوا ينادون كذلك: يا علي، يا فاطمة، يا حسين، يا سيدي البدوي، أو يا سيدي «الحضري»... إلى آخر تلك الوثنيَّات المؤسلَمة، ليعيد تاريخ الأديان نفسه بعباءات مبتكرة!

- وعندئذٍ يحقُّ للمتنبِّي أن يقول: «هُنَّ فيهِ أَحْلَى من التَّوحيدِ»، أي: من مثل هذا التَّوحيد الممسوخ، الذي لم تَعُد له تلك الحلاوة الأُم. وبذا ينجو الشاعر من عصا (عبدالقاهر الجرجاني)! وهذا تخريجٌ «فوق البَيعة» لبيت (أبي المُحسَّد)، يضاف إلى الاجتهادات السالفة!

...............

* مرفأ:

تَعُبُّ الخَ-وَابِ-يْ لَ-مَى شَفَ-تَ-يْهَا

نَمِ-يْ-رَ القَوَافِ-ي بِكَ-أْسِ الوَتَ-رْ

بِلا اسْمٍ يُسمَّى، لَ-هَا غَيْمَتَ-انِ،

فَسَلْ: ما هُ-مَا؟ وانْسَ غَيْمَ ال-مَطَرْ!

إِذَا دَاعَ-بَ العِطْ-رُ لَيْ-لَ الظَّفَائِ-

-رِ ثَ-ارَتْ قُرُوْنٌ وغَ-ارَتْ أُخَ-رْ

وإِنْ نَطَقَتْ، أَعْشَبَ الشِّعْ-رَ صَخْرٌ،

وأَيْ-نَ-عَتِ النَّ-ارُ فِ-يْ-نَ-ا نَ-هَ-رْ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.........................

(1)  يُنظَر: (1991)، أسرار البلاغة، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (جُدَّة: دار المدني)، 233.  

من حفظ النصوص إلى صناعة العقل القانوني

لم يعد التعليم القانوني في الجامعات الرصينة قائماً على تلقين النصوص القانونية وحفظ أرقام المواد واستظهارها، وإنما أصبح يركز على بناء قدرة الطالب على فهم القاعدة القانونية وتحليلها وتفسيرها وتكييف الوقائع في ضوئها.

فالنص التشريعي قابل للتعديل أو الإلغاء، والاجتهاد القضائي قابل للتطور، والوقائع الاجتماعية والاقتصادية تتغير باستمرار؛ ولذلك فإن القيمة الحقيقية للتعليم القانوني لا تكمن في كمية النصوص التي يحفظها الطالب، بل في قدرته على التعامل مع القانون حين يتغير، وعلى مواجهة مسألة قانونية جديدة لم يسبق له أن درس صورتها.

ومن هنا يمكن اختزال السؤال الأساسي في التعليم القانوني المعاصر في عبارة واحدة: هل نريد من كلية القانون أن تخرّج حافظاً للنصوص، أم أن تصنع عقلاً قادراً على التفكير بالقانون؟

أولاً: القانون أوسع من النص التشريعي

من الأخطاء الشائعة اختزال القانون في الأوامر والنواهي التي تقترن بالجزاء، وكأن القانون لا يظهر إلا عند وقوع الجريمة أو نشوء النزاع أمام القضاء.

والقانون، في حقيقته، أوسع من ذلك بكثير؛ فهو ينظم جانباً كبيراً من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويدخل في الأسرة والعمل والتجارة والملكية والعقود والإدارة والتعليم والعلاقات الدولية والحقوق والحريات وغيرها.

وقد تنشأ العلاقة القانونية من عقد، وقد تنشأ من واقعة أو مركز قانوني أو نص تشريعي من دون وجود اتفاق بين الأطراف. ولذلك فإن دراسة القانون ليست دراسة لمواد متفرقة، وإنما دراسة للنظام الذي ينظم العلاقات داخل المجتمع ويحدد الحقوق والالتزامات والمراكز القانونية.

ومن هذه الزاوية، يصبح القانون وسيلة لفهم المجتمع نفسه؛ فقانون العمل يكشف طبيعة العلاقة بين العامل ورب العمل، والقانون التجاري يرتبط بالنشاط الاقتصادي، والقانون الإداري ينظم علاقة الفرد بالسلطة العامة، والقانون الدولي يتصل بالعلاقات بين الدول.

وبذلك لا يكون القانون مجرد مجموعة قواعد يجب معرفتها، بل مدخلاً لفهم الإنسان والمجتمع والدولة.

ثانياً: المبادئ العامة للقانون لغة المشترك القانوني العالمي

لا تكتمل صناعة العقل القانوني دون الاستغراق في دراسة المبادئ العامة للقانون، التي تُعدّ بمثابة «الدقائق التركيبية» واللغة المشتركة للنظم القانونية حول العالم، لا سيما في النظام القانوني اللاتيني (Civil Law).

فهذه المبادئ—مثل مبدأ حسن النية، وعدم جواز الإثراء بلا سبب، وحجية الأمر المقضي فيه، والعقد شريعة المتعاقدين وشرعية الجرائم والعقوبات، واستقرار المراكز القانونية وفكرة النظام العام والآداب العامة —ليست مجرد نصوص تشريعية تفصيلية قد تتغير بتغير الزمان والمكان، بل هي روح القانون والأصول الكلية التي تنبثق منها كافة القواعد الفرعية.

وإن استيعاب الطالب لهذه المبادئ يمنحه قدرة استثنائية على فهم المنطق القانوني العالمي والتحاور مع مختلف المدارس التشريعية؛ فهي الشفرة الموحدة التي تمكّن رجل القانون من تفكيك النص الغامض، وسد الثغرات التشريعية، واستنباط الحلول العادلة للمسائل المعقدة، حتى وإن خلا التشريع الوطني من نص صريح يحكمها.

ثالثاً: من شرح النص إلى منهج التفكير القانوني

لا يعني تجاوز أسلوب الحفظ الاستغناء عن معرفة النصوص؛ فالنص هو أحد أهم مصادر العمل القانوني. وإنما المقصود أن تتحول معرفة النص من غاية في ذاتها إلى أداة للتفكير.

فالطالب الذي يدرس نظرية التفسير والتكييف، والنظرية العامة للالتزام والجريمة، والشخص المعنوي، والمبادئ العامة للقانون، ومناهج الاستدلال، يمتلك أدوات يمكنه استخدامها حتى عندما تتغير النصوص.

ويقوم التفكير القانوني، في جوهره، على سلسلة مترابطة:

1- فهم الوقائع وتحديد المسألة القانونية.

 2- تكييف الوقائع وتحديد القاعدة الواجبة التطبيق.

3- تفسير القاعدة.

 4- تطبيق القاعدة بانزال الحكم.

وهذه المنهجية هي التي تحول المعرفة القانونية إلى ملكة.

فالمحامي أو القاضي لا يواجه في الواقع سؤالاً على صورة مادة قانونية محفوظة، وإنما يواجه وقائع قد تكون متشابكة ومتعارضة، وعليه أن يحدد الوقائع المؤثرة قانوناً، ثم يضعها في التكييف الصحيح، ويبحث عن القاعدة التي تحكمها.

ولهذا يمكن تشبيه العمل القانوني، من بعض الوجوه، بالعمل الطبي: فالطبيب يشخص الحالة قبل أن يصف العلاج، ورجل القانون يشخص المسألة القانونية قبل أن يقترح الحل.

فالتكييف القانوني هو، في كثير من الحالات، نقطة التحول بين الواقعة والحكم.

رابعاً: القانون علم متطور لا معرفة جامدة

يتفاعل القانون مع المجتمع ولا يعيش بمعزل عنه. فالتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية تخلق وقائع ومسائل جديدة، وقد تجعل بعض القواعد بحاجة إلى تعديل أو تطوير.

ولهذا ينبغي أن يتعلم طالب القانون ليس فقط ما يقوله القانون، بل أيضاً لماذا قرر هذه القاعدة، وما الغاية التي تستهدفها، وما إذا كانت لا تزال قادرة على الاستجابة للواقع.

وهنا تتجاوز الدراسة القانونية حدود التطبيق إلى النقد والإصلاح.

فالمتخصص القانوني لا يكتفي أحياناً بتفسير النظام القائم، بل يستطيع أن يسهم في تطويره، سواء من خلال البحث العلمي أو القضاء أو التشريع أو الممارسة المهنية.

وهذا البعد هو الذي يجعل القانون علماً حياً؛ فهو يجمع بين معرفة القواعد القائمة والتفكير في القواعد التي ينبغي أن تكون.

خامساً: اللغة القانونية ودقة التعبير

لا يمكن بناء عقل قانوني دقيق من دون لغة قانونية دقيقة.

فالمصطلح القانوني ليس مجرد تعبير اصطلاحي، وإنما يحمل مفهوماً محدداً قد يختلف أثره عن مصطلح قريب منه. ولذلك فإن تعلم الطالب للغة القانون ينبغي ألا يقتصر على معرفة المصطلحات، بل يشمل القدرة على قراءة النص وتحليل عباراته، وصياغة الحجة، وكتابة المذكرات والبحوث، والتعبير عن الرأي بوضوح ومنطق.

ومن هنا فإن دقة التعبير ليست مسألة شكلية؛ إذ كثيراً ما تكون دقة اللغة انعكاساً لدقة الفكرة القانونية نفسها.

سادساً: الأستاذ الأكاديمي وصناعة الأساس العلمي

في هذا النموذج يحتل الأستاذ الأكاديمي المتخصص موقع الركيزة الأساسية؛ لأن مهمته تتجاوز شرح النص إلى بناء الأساس العلمي الذي يقوم عليه التفكير القانوني.

فهو تؤصل المفاهيم، ويعرض النظريات والاتجاهات الفقهية، ويحلل النصوص، ويقارن بين النظم القانونية، ويناقش الاجتهادات، ويدرّب الطالب على البحث والنقد والاستنباط.

وتظهر أهمية هذا الدور بصورة خاصة في المواد التي تشكل البناء الفكري للطالب، مثل المدخل لدراسة القانون، والنظرية العامة للقانون، وفلسفة القانون، والقانون الدستوري، والقانون المدني، والقانون الدولي، والتاريخ القانوني وغيرها.

ولا تتمثل قيمة الأستاذ في أن يقدم للطالب جواباً لكل مسألة، وإنما في أن يمنحه المنهج الذي يستطيع به الوصول إلى الجواب عندما تتغير المسألة أو يظهر سؤال جديد.

سابعاً: الممارس ونقل القانون من النظرية إلى الواقع

إذا كان الأستاذ الأكاديمي يؤسس المعرفة والمنهج، فإن القاضي والمحامي والخبراء والممارسين ينقلون الطالب إلى الجانب الذي لا تستطيع الكتب وحدها أن توفره.

فالخبرة العملية تكشف للطالب كيفية قراءة ملف الدعوى، وترتيب الوقائع، وبناء الدفوع، وصياغة المذكرات، والتعامل مع الأدلة، وفهم الإجراءات، وإدارة الجلسة، والتعامل مع المشكلات التي يفرضها الواقع.

وتتأكد قيمة هذا الدور في المواد ذات الطبيعة الإجرائية والمهنية، مثل المرافعات، وأصول المحاكمات الجزائية، والتحكيم، وصياغة العقود، والمحاكمات الصورية والمهارات القانونية.

لكن الاستفادة من هذه الخبرة لا تعني تحويل الكلية إلى مؤسسة تدريب مهني بحت؛ فالممارسة تكمل التكوين العلمي ولا تحل محله.

 ثامناً: التكامل بين الجامعة والمهنة

لا ينبغي أن يكون السؤال: من الأفضل، الأستاذ الأكاديمي أم الممارس؟

فلكل منهما وظيفة مختلفة ومتكاملة.

الأستاذ الأكاديمي يقدم التأصيل والنظرية والتحليل والمقارنة والنقد، بينما يقدم الممارس الخبرة والواقع والتطبيق والإجراءات.

والخلل يحدث عندما يحاول أحد الجانبين أن يؤدي وظيفة الآخر.

فالتعليم الأكاديمي من دون أي اتصال بالواقع قد ينتج معرفة يصعب تحويلها إلى ممارسة، بينما التدريب العملي من دون أساس علمي قد ينتج مهارة في التعامل مع الحالات المألوفة من دون قدرة كافية على تحليل المسائل الجديدة.

ولهذا فإن النموذج الأكثر توازناً هو الذي يجعل الأكاديمي أساساً، والممارس مكملاً، والجامعة فضاءً يلتقي فيه العلم بالتطبيق.

تاسعاً: وظيفة الجامعة ليست تخريج ممارس جاهز

من الضروري كذلك التمييز بين التعليم الجامعي والتأهيل المهني.

فالجامعة ليست مكتب محاماة، وليست محكمة، وليست مركز تدريب مهني فحسب. وظيفتها الأساسية هي بناء القاعدة العلمية والمنهجية والفكرية التي يستطيع الطالب أن ينطلق منها إلى مختلف المسارات القانونية.

ومن ثم لا ينبغي أن يكون معيار نجاح كلية القانون هو عدد المهارات الإجرائية التي أتقنها الطالب وحدها، وإنما قدرتها على تخريج شخص يستطيع أن يصبح، وفق مساره، محامياً أو قاضياً أو باحثاً أو مشرعاً أو مستشاراً قانونياً، وأن يواصل التعلم والتطور بعد التخرج.

فالتأهيل المهني يتطلب ممارسة وخبرة متراكمة، بينما الجامعة تمنح الطالب الأساس الذي يجعله قادراً على اكتساب تلك الخبرة بصورة واعية ومنهجية.

خاتمة: صناعة رجل القانون

إن التعليم القانوني الرصين لا يقوم على المفاضلة بين النظرية والتطبيق، ولا بين الأستاذ الأكاديمي والممارس، وإنما على وضع كل عنصر في موقعه الصحيح.

فالمعرفة القانونية تمنح الطالب الأساس، والمنهج القانوني يمنحه القدرة على التفكير، والخبرة العملية تمنحه القدرة على التعامل مع الواقع.

ومن هنا تكون مهمة كلية القانون أعمق من تعليم النصوص؛ إنها صناعة عقل يستطيع أن يقرأ الواقعة، ويحدد المسألة، ويكيّفها، ويبحث عن القاعدة، ويفسرها، ويطبقها، ويناقش مدى ملاءمتها، ويسهم عند الحاجة في تطويرها.

فالقانون يتغير، لكن القدرة على التفكير القانوني يمكن أن تبقى.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي للتعليم القانوني لا يكمن في إيداع القواعد في الذاكرة، بل في إيقاد التفكير في العقل؛ ليس الهدف تخريج مستظهرٍ للنصوص، بل صناعة رجل قانون يُفكّر بمنطق القانون.

***

فارس حامد عبد الكريم

العلم نور والجهل ظلام.. تداعي افكار

وأنا أتابع أخبار جائزة نوبل لهذا العام في علم وظائف الأعضاء أو الطب، التي مُنحت لثلاثة علماء حوّلوا الضوء إلى مفتاح للتحكم في خلايا الدماغ، استوقفتني قصة العلماء الثلاثة: الأمريكي كارل دايسروث بالاشتراك مع الألمانيين بيتر هيغمان وجورج ناغل الذين نالوا الجائزة تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية الحساسة للضوء، وتطويرهم تقنية البصريات الوراثية إذ أتاح هذا الإنجاز العلمي للباحثين استخدام نبضات الضوء للتحكم في نشاط خلايا عصبية محددة، وفتح آفاق جديدة لدراسة الدوائر العصبية التي تسهم في تشكيل الذاكرة والمشاعر والسلوك. بدأت القصة من دراسة بروتين حساس للضوء اكتُشف في طحلب وحيد الخلية، ثم تطورت عبر بحوث متراكمة حتى أصبح الضوء أداة دقيقة لاستكشاف بعض أسرار الدماغ ووظائفه.

تداعت إلى ذاكرتي رمزية العلم والتعليم والضوء والتنوير، واستعدت عبارة مدرسية قديمة ظلت ترافقني منذ طفولتي، وكأنها لم تكن جملة عابرة تعلمنا كتابتها في حصة تعليم الخط العربي، بل كانت بذرة سؤال فلسفي لم تتكشف معانيه إلا بعد عقود من القراءة والتجربة والتأمل: «العلم نور والجهل ظلام» تلك العبارة التي أضاءت عقلي وقلبي وكنت أتمثلها بوصفها حالة وجودية وليست عبارة شائعة لتعلم الخط العربي: العلم نور والجهل ظلام! من يتذكرها منكم؟ عبارة تختصر تاريخاً طويلاً من الصراع الإنساني بين المعرفة والجهل، وبين الوعي والوهم، وبين حرية العقل وسلطان الأوثان التي يصنعها العقل نفسه، ثم ينسى أنها من صنعه.

لم أكن آنذاك أعرف شيئاً عن تاريخ التنوير، ولا عن فلسفة المعرفة، ولا عن الصراع الطويل الذي خاضه العقل الإنساني في مواجهة الخرافة والأوهام والسلطات التي احتكرت لنفسها حق تفسير العالم. كنت طفلاً يتعلم الكلمات، واليوم تداعت إلى ذهني مع اخبار جائزة نوبل عن الضوء والدماغ.

إنها ليست دعوة إلى الحنين وحده، وإنما إلى استعادة المسافة بين الكلمة ومعناها، وبين حفظ الحكمة والعيش بمقتضاها. فما أكثر ما نحفظ من العبارات الجميلة، ثم نمارس في حياتنا ما يناقضها! وما أكثر من يحملون الشهادات والألقاب العلمية، لكنهم يعجزون عن مراجعة أفكارهم، أو الاعتراف بأخطائهم، أو الإصغاء إلى من يختلف معهم! إن العلم الذي يستحق أن يسمى نوراً ليس مجرد امتلاك المعلومات، بل القدرة على الفهم والتمييز والنقد، والاستعداد لمراجعة ما نعتقد أننا نعرفه. أما الجهل فليس دائماً نقصاً في المعلومات؛ فقد يكون وفرة من المعلومات بلا فهم، أو معرفة بلا بصيرة، أو يقيناً متضخماً يغلق أبواب العقل أمام كل سؤال جديد.

النور، في معناه الفيزيائي، هو ما يتيح لنا رؤية الأشياء وتمييز حدودها وألوانها وعلاقاتها. لكنه تجاوز حدود الظاهرة الطبيعية ليصبح إحدى أعمق الاستعارات في تاريخ الوعي الإنساني. نقول: أنار عقله، واستنار فكره، وأضاءت المعرفة طريقه، وتبددت عتمة الجهل عن بصيرته. وفي المقابل، نقول: أظلم العقل، وغابت الحقيقة، واستبدت الأوهام، وضاع الإنسان في متاهات الخرافة. وهكذا لم يعد النور مجرد ظاهرة نراها، بل أصبح رمزاً لما نطمح إليه من وعي وحرية وقدرة على الفهم، فيما غدا الظلام رمزاً لما يحجب عنا الحقيقة ويعوق قدرتنا على الاختيار.

ولعل جائزة نوبل لهذا العام تقدم مثالاً بالغ الدلالة على انتقال النور من الاستعارة إلى التجربة العلمية. فالضوء الذي استخدمه الإنسان منذ القدم لإضاءة الكهوف والطرقات، والذي أصبح في اللغة رمزاً للعقل والمعرفة، صار اليوم أداة يستخدمها العلماء لاستكشاف بعض الآليات العصبية التي يقوم عليها التفكير والسلوك. إن العقل الذي ابتكر أدوات الكشف أصبح قادراً، بواسطة الضوء، على دراسة بعض الآليات التي يعمل بها الدماغ نفسه. أليست هذه مفارقة تستحق التأمل؟ إننا لا نستخدم الضوء لنرى العالم فحسب، بل أصبحنا نستخدمه لفهم بعض العمليات التي تجعلنا قادرين على الإحساس والتذكر والتعلم والتفاعل مع العالم.

وكلما قلت معارف الرجل كلما زاد الحديث ولعاً بذلك الشيء القليل الذي يعرفه! وهكذا سُمي سقراط حكيم أثينا لأنه الوحيد الذي فهم الرمز الذي نطقت بِه عرافة دلفي (أعرف نفسك) إذ قال يومها: (لعلها اختارتني لأنني الوحيد الذي اعرف بانني لا اعرف شيئاً) بهذه الحكمة الخالدة عرّف سقراط فضيلة الفلسفة التي تعلمنا جهلنا.

وهنا تكمن قيمة العلم بوصفه تاريخ تجاوز الاخطأ: يعلمنا كيف نبحث، وكيف نختبر الفرضيات، وكيف نميز بين الاعتقاد والدليل، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه. فالاستنارة ليست ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، وإنما القدرة على الاقتراب منها من دون أن نغلق الطريق أمام مراجعتها.

لكن هل يكفي العلم وحده لتحرير الإنسان من الظلام؟ وهل يؤدي التقدم التقني بالضرورة إلى التقدم الأخلاقي والحضاري؟ إن الفرق بين العلم والتنوير يكمن، في أحد أبعاده الأساسية، في أن العلم يوسع قدرتنا على معرفة العالم والتأثير فيه، بينما يقتضي التنوير أن نمتلك القدرة على مساءلة أنفسنا ومعتقداتنا ومصالحنا، وأن نستخدم المعرفة في خدمة الحرية والكرامة والعدالة. فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، لكنه ضيق الأفق؛ وقد يكون المجتمع متقدماً في التكنولوجيا، لكنه متخلف في احترام حقوق الإنسان. وعندئذ لا يكون النقص في الضوء الذي تنتجه المختبرات، بل في الوعي الذي ينبغي أن يوجه استخدامه.

وبهذا المعنى تتعين وظيفة الفلسفة، بوصفها حكمة العقل ودهشة السؤال، وبوصفها إحدى أهم الممارسات الإنسانية التي تعلّمنا ألا نأخذ الأشياء على ظاهرها، وألا نخلط بين المألوف والحقيقي، أو بين الموروث والمبرهن عليه. إن صرخة سقراط: «اعرف نفسك» ليست مجرد دعوة إلى التأمل في الذات، بل هي دعوة إلى اختبار أفكارنا ومعتقداتنا، والتعرف إلى حدود معرفتنا، ومساءلة المسلمات التي نعيش في ظلها من دون أن ننتبه إلى أنها تشكل طريقة رؤيتنا للعالم والخروج من الكهف (كهف أفلاطون) أكثر الرموز الفلسفية قدرة على تفسير علاقة الإنسان بالأوهام. فالسجناء الذين اعتادوا رؤية الظلال على جدار الكهف يتصورونها الواقع كله، لا لأنهم اختاروا الخداع عن وعي، بل لأن خبرتهم المحدودة لم تمنحهم سبباً كافياً للشك فيما اعتادوا رؤيته. إن قوة الكهف لا تكمن في جدرانه، بل في اعتياد العقل على حدوده، وفي تحوله إلى سجين لما ألفه من تصورات وأحكام.

إذ تلازم أوثانُ العقل الإنسانَ كظله؛ فالعقل الذي ينتج الأفكار قد يتحول إلى أسير لها حين يتوقف عن مساءلتها، ويعاملها بوصفها حقائق نهائية. لقد نبّه فرانسيس بيكون إلى الأوهام التي تحجب الرؤية، وجعل ديكارت الشك المنهجي وسيلة لاختبار المعتقدات، وخاض الغزالي رحلة مراجعة الموروث بحثاً عن اليقين، فيما كشف نيتشه الجذور التاريخية والاجتماعية لكثير من القيم والمفاهيم التي نعدّها بديهية. وعلى اختلاف مناهجهم، يذكروننا بأن تحرير العقل يبدأ من شجاعة السؤال.

وما أكثر الكهوف التي نبنيها حول أنفسنا في هذا العصر! فقد تحولت وسائل الاتصال الحديثة أحياناً إلى جدران تعيد إلينا أفكارنا ذاتها، وتضاعف أوهامنا بالتكرار، حتى نرى العالم كما نحب أن نراه، لا كما هو. وهكذا قد يعيش الإنسان في عصر المعلومات، بينما يظل أسير الجهل المتخفّي في ثوب اليقين. فليست المأساة أن نجهل، بل أن نعجز عن إدراك جهلنا؛ وليست حرية العقل في امتلاك الأفكار، بل في امتلاك الشجاعة لمساءلتها والتحرر من أوثانها.

لعل المعنى الفلسفي للاكتشاف الطبي الجديد، أن النور ليس مجرد استعارة للحقيقة، بل أداة علمية للكشف عن أسرار الدماغ وفهم آلياته. وهنا يلتقي العلم بالفلسفة في غاية إنسانية مشتركة: تحرير الإنسان من الجهل، وتوسيع قدرته على الفهم، وفتح آفاق جديدة أمام المعرفة. فإذا كان العلم يستخدم الضوء للكشف عن خفايا الدماغ، فإن الفلسفة تستخدم السؤال لكشف خفايا العقل، وتفكيك أوهامه، ومساءلة المفاهيم التي تتحكم في أحكامنا من دون أن نشعر. فالعقل الذي يحتاج إلى أدوات علمية لفهم العالم يحتاج أيضاً إلى النقد كي يفهم نفسه، ويميز بين الحقيقة والوهم، وبين الدليل والمعتقد، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه. ومن هنا تتجلى الوظيفة التنويرية للفلسفة؛ فهي لا تعادِي التراث ولا تقدّس الجديد، وإنما تخضع الأفكار للاختبار، وتبحث في أصولها وسياقاتها، وتمنح الإنسان شجاعة مراجعة يقينياته. كما أن التعليم الحقيقي ليس تكديساً للمعلومات، بل تدريب على السؤال والاستدلال والتحقق، ولا تزدهر المعرفة إلا في فضاء يحمي حرية البحث ويصون حق الاختلاف. وحين أستعيد عبارتي المدرسية القديمة: «العلم نور والجهل ظلام»، أدرك أن معناها أعمق مما تصورت يوم كتبتها؛ فالنور لا يقتصر على كشف ما يحيط بنا، بل يمتد إلى كشف أوهامنا وحدود معرفتنا. وليس التنوير أن نزعم امتلاك الحقيقة، بل أن نظل مستعدين للبحث عنها، وأن نراجع أفكارنا كلما ظهرت أدلة جديدة. فالعلم يضيء لنا دروب العالم، والفلسفة تعلّمنا كيف نبصر؛ وباجتماعهما يتحرر العقل من أوثانه، ويصبح الإنسان أقدر على الفهم والاختيار، وأقل استعداداً لأن يحوّل جهله إلى يقين، أو اختلافه مع الآخرين إلى عداوة. ذلك، في تقديري، هو المعنى الأعمق للنور: أن نعرف أكثر، وأن نتوهم أقل، وأن نجعل المعرفة قوة لتحرير الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.

ختاما: يمكن القول إن اكتشاف إمكانية التحكم في نشاط خلايا الدماغ باستخدام الضوء، عبر تقنية البصريات الوراثية يُعد ثورةً علميةً في علم الأعصاب وعلم النفس العصبي؛ إذ أتاح للباحثين الانتقال من مراقبة النشاط العصبي إلى التحكم الدقيق في خلايا عصبية محددة، وفهم علاقتها بالذاكرة والتفكير والانفعالات والسلوك. وتكمن أهميته في فتح آفاق جديدة لفهم الاضطرابات التي تصيب الدماغ والجهاز العصبي، مثل مرض باركنسون (الشلل الرعاش)، والصرع، والاكتئاب، واضطرابات القلق، وبعض حالات الإدمان. كما يتيح دراسة الآليات العصبية المرتبطة بمرض ألزهايمر واضطرابات الذاكرة، بما قد يساعد على تطوير علاجات مستقبلية أكثر دقة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإنجاز البحثي وإمكاناته العلاجية؛ فالتقنية لا تزال في معظم هذه التطبيقات أداة بحثية، ولم تصبح علاجًا سريريًا معتمدًا لهذه الأمراض. إننا أمام تحول في فهم الدماغ، حيث لم يعد الضوء وسيلة لرؤية العالم فحسب، بل أصبح أداة لاستكشاف أسرار العقل، والعلاقة المعقدة بين النشاط العصبي والحياة النفسية للكائن البشري.

***

د. قاسم المحبشي

هناك علاقة وثيقة بين المدينة والإسلام، إذ ارتبط الإسلام منذ انطلاقته الأولى بالمدن وحواضر الجزيرة العربية، وتأكد هذا الارتباط مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب التي سارع رسول الله إلى تسميتها بالمدينة.

فعلاقة الإسلام بالمدينة والحواضر علاقة حميمة، إذ أن مجموع قيمه ومبادئه تدفع نحو الإقامة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وقد قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، ومن المؤكد أن الإقامة والاستقرار الذي يوفرهما الدين الإسلامي، من الشروط الضرورية لتأسيس المدينة وفق قواعد ومتطلبات تزيد من فعالية الناس وحيويتهم الحضارية.

والمدينة أو الحاضرة لم يجعلها الإسلام بلا قانون وترتيب إداري يساهم في تنظيم شؤون المدينة من جميع النواحي، وإنما عمل على تنظيم شؤون المدينة ودفع باتجاه الحشد واستكمال الجماعة، وحارب كل النوازع التي تحول دون استقرار المدينة وتطورها النفسي والاجتماعي والحضاري.

والإسلام هنا لم يلغ نظام الطاعة الطبيعي، إلى الأسرة، العشيرة، القبيلة، وإنما جعل طاعتهم في سياق طاعة الشريعة والالتزام بقيمها ومبادئها. ولقد جاء في المأثور (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

فالإسلام أسس مفهوم الطاعة على أسس جديدة، ومعايير متعالية على معايير التراب. فالطاعة أضحت مع الإسلام إلى الشريعة وليس إلى أي معيار آخر، ولا شك أن طاعة الشريعة والالتزام بهديها وترتيب المواقف والخيارات وفق هديها، هو من الشروط الأساسية والاستقرار السياسي والحضاري، وخلق المجتمع المدني في المجالين العربي والإسلامي.

والطاعة وفق هذا المنظور، هي التي تصهر التمايزات أو تجعلها في سياق الوحدة والبناء والانفتاح والتسامح، بدل أن تكون وسيلة وسبباً للانكفاء والانعزال والتفتت والانخراط في مشروعات تجزئية، تزيد من ضعف الأمة على المستويين السياسي والحضاري.

وفي التاريخ العربي والإسلامي، نرى نموذج الحالة المدنية في فعاليات المدينة الإسلامية، والدينامية الاجتماعية التي عبَّرت عن نفسها بأشكال من التوازن بين التدخل السلطاني، الذي يتمثل في مؤسسات الوالي والقاضي والمحتسب وصاحب الشرطة، وبين الحاجات الاجتماعية (المدينة) التي عبرت عن نفسها بابتداع أشكال من المؤسسات التي تقوم بممارسة دورها في هذا الصدد.

فالنشاط المديني (على حد تعبير وجيه كوثراني) الذي تركز بشكل أساسي في الإنتاج الحرفي والتجارة انتظم في (الأصناف) وهذه الأخيرة هي تنظيمات اجتماعية تراتبية متماسكة، كل تنظيم فيها يعبِّر عن أهل حرفة من الحرف. والملاحظ أن (الصنف) يعتمد على تراتبية أهل الصوفية ابتداء من المبتدئ (المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة، إلى شيخ السوق، وبين كل مرتبة تقوم أعراف وطقوس وأخلاقيات وتقنيات تعبر بدورها عن التفاوت الحاصل بين كل مرتبة ومرتبة في المعرفة والقيمة، أي وفقاً لدرجات تحصيل أو معرفة (سر المهنة) الذي أضفى عليه الطابع القدسي.

فالروح والتراتبية المعنوية اللتان بثهما النشاط الديني تشكلان نقطة الانطلاق والتطوير للمسألة المدنية في المجالين العربي والإسلامي، إذ أن تراث العرب والمسلمين التاريخي في هذا الإطار، ثري، ومتوفر، وذو مضمون عميق على مستوى التجربة التاريخية، والخبرة التي أوجدها في النسيج المجتمعي.

وذلك لأن التحولات القسرية أو الفجائية، يصاحبها تمزق اجتماعي رهيب لا يجعلها منتظمة في سياق متكامل، وإنما يحولها وكأنها جزيرة معزولة عن المحيط العام.

والذي يؤكد هذا الاتجاه (الانطلاق من التجربة المدينية العربية والإسلامية لتنمية مؤسسات المجتمع المدني في الفضاء العربي والإسلامي)، هو أن القيم المدنية والدينية في الإطار الإسلامي منصهرة فيما بينها وهناك تطابق محمود بين القانون الديني والقانون المدني في التجربة الإسلامية التاريخية.

وانطلاقاً مما ذكره (دونالد سميث) حول الفرق بين النظم العضوية ونظم الكنيسة الدينية، يمكن اعتبار الإسلام ديناً عضوياً، ذلك لأنه يتضمن قيماً ومبادئ تعلي من الشأن المدني والإنساني، وهذه القيم هي التي تحدث قفزة نوعية في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، وعلاقته مع بني جنسه، لذلك فإن (المديني في جميع أشكاله القديمة والحديثة يظهر كواقع جديد أو كنتيجة لتمفصل النظام الاجتماعي والنظام المكاني، بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات المكانية رباط جدلي لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفيه، وإذا صح أن نسمي الواجبات الاجتماعية نظاماً فإن حيز المديني، حيز الظروف الجديدة، يشكل بذاته نوعاً من التجاوز، أي عامل تغيير وتحقق.

ومن هنا فإن المدينة لا تعكس بشكل سلبي نظاماً اجتماعياً معيناً، ولكنها تلعب أيضاً دوراً نشطاً في تحويل هذا النظام ذاته وفي استخدامه، فهي تنظم جملة من الاحتمالات، والمحظورات التي في ظلها يتطور أفراد وجماعات وأقوام يرسمون استراتيجيات مختلفة لتحقيق أهداف خاصة أو جماعية) - راجع مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 29ص

50.ويبدو لي أن القفزة النوعية، التي تحدثها القيم المدنية في النسيج المجتمعي، هي التي تبرز كطاقة خلاقة متجهة إلى بناء واقع اجتماعي يتمثل هذه القيم على مستوى علائقه المختلفة، ويتجسد كنموذج يطمح إلى التوسع والامتداد، بحيث يكون هو النسق الاجتماعي السائد.

على هدى هذا نستطيع القول: إن المسألة المدنية كقيم متجسدة في حركة الإنسان الخاصة والعامة، وكشبكة للعلاقات الإنسانية، لا يمكن فهمها خارج السياق التاريخي لواقعنا ومجتمعنا. لهذا نحن بحاجة دوماً إلى البحث عن الإطار والقاعدة اللتين تحتضنان هذه القيم وتطورها في المحيط العام.

والمسألة المدنية في المجتمعات الإنسانية، تأخذ أشكالاً وصوراً متعددة، فهي نمط من العلاقات الاجتماعية والثقافية والحضارية، قائم على العمل المؤسسي، متجاوزاً ذلك كل الأنماط والسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا تخرج عن واقع الأنا الضيق، وتسعى نحو تحجيم نشاطها في إطار من الإمكانات الشخصية بوحدها. فكل نمط مؤسسي، يمارس فعلاً اجتماعياً عاماً أو ثقافياً أو حضارياً، فهو جزء من المسألة المدنية ومفهوم المجتمع المدني في المجال العربي والإسلامي.

ومنها قدرة القوى الاجتماعية المتعددة في المنطلقات والغايات، على إدارة تنافسهما وعملهما في محيط اجتماعي محدد بوسائل سلمية - حضارية. فالشأن العام في المجتمع، يدار عن طريق قوى اجتماعية تتكامل مع بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتنافس مع بعضها بوسائل تثري الواقع المجتمعي وتنضجه وتزيد من خبرته في إدارة تنافس أبنائه أو صراعهم. وأساس هذه القدرة على التنافس السلمي في إدارة الشأن العام، هو تفعيل القواسم المشتركة بين هذه القوى، والتسالم والتراضي على جملة من المنطلقات والغايات التي تكون تطلع الجميع حتى وإن اختلفت أساليب الوصول، وتعددت وسائل التعبير عن هذه المنطلقات والغايات. فالمجتمع المدني هو عبارة عن الإطار المؤسسي لممارسة المسؤولية الدينية والوطنية، وهو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها. وواقعنا العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية، بحاجة ماسة إلى قيمة المجتمع ومبادئ الممارسة المدنية، التي تبحث عن المشترك وتبرزه، وتعمق مفهوم التواصل والحوار كنهج ثابت ودائم في التعاطي مع الآخرين، وتمتص خبرات الآخرين وأفكارهم على قاعدة نسبية الحقيقة، وتنشر قيمها وأفكارها بالحوار والحرية والمجادلة بالتي هي أحسن ..

***

محمد محفوظ

ليس الوعي نافذةً نطلّ منها على العالم فحسب، بل هو طريقة وجود نختبر بها الأشياء، ونمنح التجربة معناها، ونصوغ من خلالها علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالكون. ومن هنا تنشأ «كيمياء الإدراك»: ذلك التفاعل الخفي بين ما يحدث في الخارج وما يتشكّل في الداخل، بين الواقعة كما تقع، والواقع كما نفهمه ونعيشه.

فالإنسان لا يستقبل تجاربه استقبالًا محايدًا، بل يعيد تركيبها داخل مختبره النفسي والروحي. والتجربة، مهما كانت قاسية أو ملتبسة، لا تصل إلى أعماقنا في صورتها الخام؛ إذ تمر عبر مصفاة الإدراك. ولدى الإنسان اليقظ تتحول التجربة إلى رحيق صافٍ من الدلالة، وحتى المواد السامة التي تحملها بعض الأحداث يمكن أن تُستخلص منها معانٍ علاجية، إذا أحسن الوعي قراءتها، وحوّل الألم من عبء مقيم إلى معرفة تمنح الداخل قدرًا من السكينة.

أما الغافل، فقد يحوّل هذا الرحيق المصفّى بيديه إلى مصفوفة سلبية أو وباء داخلي؛ لا لأن الحياة حكمت عليه بالعتمة، بل لأن اضطراب تردداته الداخلية يعيد إنتاج التجربة في صورة أكثر قسوة. وهكذا لا يعود الحدث وحده مسؤولًا عن الألم، بل الطريقة التي استقر بها في النفس، والصورة التي أعيد بها تدويره في الذاكرة والخيال.

إن الأفعال الإنسانية لا تكتسب معناها من شكلها الخارجي وحده، بل من كثافة الوعي الذي يصدر عنها. فالفعل نفسه قد يكون عابرًا في يد، عميق الأثر في يد أخرى؛ وقد ينبع منه البناء أو الهدم، الرحمة أو القسوة، تبعًا للحضور الداخلي الذي يرافقه. إن جوهر الفعل لا يقيم فقط في ما يفعله الإنسان، بل في مقدار ما يعيه وهو يفعل.

من هنا تتضح أهمية الصحوة الفكرية؛ فهي انتقال من العيش تحت سلطة العادة والخوف إلى العيش في ضوء البصيرة. فعندما يستيقظ الوعي، تسقط الحاجة إلى الكبح النفسي؛ لأن الإنسان لا يعود مضطرًا إلى قهر مخاوفه بالقوة، بل يبدأ في رؤيتها وفهم جذورها والتحرر من سطوتها. عندها يريه نور الوعي ما يتجاوز خطوته التالية، ويفتح أمامه إمكان غسل العقل وإعادة برمجة الذات، بعيدًا عن برمجة المعاناة والقناعات المقيّدة التي ورثها.

فالإنسان لا يرث ألمه فقط، بل قد يرث تفسيره للألم أيضًا. وقد يعيش طويلًا داخل قوانين نفسية لم يخترها، حتى يظنها قدرًا نهائيًا. غير أن الصحوة تمنحه فرصة استعادة حقه في النظر والاختيار؛ فيتحول من ذات تبرمجها مخاوفها إلى ذات تراجع خرائطها الداخلية، وتعيد كتابة علاقتها بالحياة.

وفي هذه الرؤية، يبدو الواقع الأصلي للإنسان مهيأً للتجلّي بيسر، لا بمعنى غياب العقبات، بل بوصف اليسر انسجامًا بين الداخل والخارج، والنية والفعل. ويكمن السر في تردد الانبعاث الداخلي أمام الواقع: فإما أن يتجلّى الإنسان إلى حقيقته النورانية، وإما أن يبقى مبرمجًا لألمه ووهمه، يكرر الدائرة نفسها وإن تغيّرت الوجوه والأمكنة.

وليس الكون، في التصور الروحي، فضاءً مغلقًا أو شحيحًا، بل هو مستعد للعطاء بتدفق لا محدود؛ هدايا ومنح مهيأة منذ الأزل. غير أن الإنسان قد يقف خلف الباب مترقبًا الغد بخوف. والخوف لا يعكّر صفو الروح فحسب، بل يضع الجسد في حالة إنذار، فيغدو المستقبل امتدادًا آليًا للخوف بدل أن يكون مجالًا للإمكان.

أما «حقل الأثير»، فيقدّم صورة رمزية للمصفوفة الخفية التي تسبق تجلّي المادة في الواقع المشهود؛ حقلًا سيّالًا تنطبع فيه، وفق هذا التصور، هندسة الطاقة وسيرورة الزمن الفردي والجمعي. وهنا لا يظهر الواقع كتلة جامدة، بل حركة من الاحتمالات والتشكّلات. فالإنسان لا يقف خارج العالم مراقبًا من مسافة محايدة، بل يشارك في رسم صورته من خلال الانتباه والتوقّع والنية.

وحين تكتمل البصيرة، يصبح الإدراك هو الاستثمار الأعمق؛ إذ تستمد الأشياء قيمتها من المعنى الذي نمنحه لها. إن الكون، كما تراه هذه الرؤية، شبكة خفية من العلاقات، وكل نية وكل علاقة تسهم في تشكيل الواقع الذي يرسمه الإنسان ويوجهه بإرادته. ومن ثمّ يصبح الواقع لوحة متغيرة، تتشكل بالطريقة التي نفهم بها ما يحدث ونمنحه معنى.

إن هندسة الكون تبدأ من هندسة الداخل. وما لم يراجع الإنسان خرائط خوفه وقناعاته الموروثة، فلن يرى اتساع الإمكانات المحيطة به. أما حين يصفو الإدراك، تتحول التجربة إلى معنى، ويغدو الوعي جسرًا نعبر عليه من ترددات الخوف إلى رحابة الحقيقة.

***

الكاتبة: زينب طارق – العراق

من الإصلاح الديني إلى تفكيك المرجعية

لم تكن الحداثة حدثاً طارئاً أو مجرّد حركة أدبية وفكرية في فضاء التاريخ الأوروبي، بل كانت تحوّلاً بنيوياً في نمط الوعي الإنساني، انتقل فيه الفكر من دائرة الاتباع إلى أفق الإبداع، ومن هيمنة المرجع إلى سيادة الذات. كانت إرهاصاتها الأولى، كما أشار المؤرخون، متشابكة مع حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر التي قادها مارتن لوثر، إذ كان الانشقاق الديني آنذاك أكثر من تمرّد لاهوتي؛ كان ثورة على الوسيط، على السلطة التي تتحدث باسم المطلق، وعلى اللغة التي كانت حكراً على المقدّس. منذ تلك اللحظة، بدأت الذات الأوروبية تكتشف صوتها الداخلي وتعيد بناء علاقتها بالعقل، بالزمن، وبالعالم.

الحداثة كتفكيكٍ للمرجعية وبناءٍ للذات:

يقول ميشيل فوكو: "ما تُسمّيه الحداثة ليس سوى لحظة وعي الإنسان بذاته ككائنٍ تاريخيّ قادر على إنتاج المعنى".

هذا التحول الذي بدأ مع لوثر وبلغ ذروته في عصر التنوير، أزاح مركز الحقيقة من السماء إلى الأرض، ومن الغيب إلى العقل. وهكذا، أصبحت الحداثة نقطة انعطافٍ في مسار الكينونة الإنسانية، إذ لم تعد المعرفة تسعى إلى تفسير النصوص، بل إلى تفسير الوجود ذاته.

في المقابل، شهد القرن السابع عشر صراعاً أدبياً محتدماً بين من رأوا في الماضي الكلاسيكي نموذجًا للكمال الفني مثل لافونتين وراسين وبوالو، وبين من رأوا في الحداثة حركة تحرير جمالية من سطوة المحاكاة والتقليد، مثل فونتنيل وبيرو وكورناي.

كان الصراع في جوهره صراعاً بين العقل المقلّد والعقل المبدع، بين ميتافيزيقا الكمال وبين جمالية النقص، بين ما أسماه هايدغر "الوجود المكرور" وما بشّر به الأدب الحديث بوصفه انبثاقاً للكينونة في لحظتها الراهنة.

اللغة كمرآةٍ للتحوّل:

منذ أن تحرّرت الفكرة من قيد الميتافيزيقا، تحرّرت اللغة أيضاً من كونها أداة وصفٍ إلى كونها أداة كشفٍ وإبداع.

لم يعد الشعر مرآةً تقلّد الجمال بل أصبح، كما قال بودلير، “صناعةً للدهشة”.

ومع ديدرو وروسو وفولتير، لم تعد الكتابة مجرّد بلاغةٍ لسانية، بل موقفاً فكرياً وأخلاقياً من العالم.

أصبح النص فضاءً للتساؤل لا للامتثال، ومختبراً للتفكير لا للنقل.

وإذا كان روسو قد نادى بالعودة إلى الطبيعة بوصفها ملاذًا للصفاء الإنساني، فإن فولتير رأى في التقدّم العلمي والعقلاني جوهر الحداثة، فكانت رسائلهما المتبادلة – وإن امتلأت بالاحتقار والسخرية – صورةً رمزية لانقسام الوعي الحديث بين الروحاني والعقلاني، بين الحسّ الإنساني والعقل الأداتي، وهو انقسام ما زال يُغذي الفكر الفلسفي حتى اليوم.

من الأدب إلى الفلسفة: جدلية القديم والجديد:

يرى ت. س. إليوت أن “الحداثة ليست قطيعة مع الماضي، بل وعيٌ بالماضي بطريقة جديدة”.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الصراع بين الكلاسيكيين والمحدثين إلا كجزء من الحوار الأبدي بين التقاليد والإبداع.

فـكورناي وفونتنيل، في دفاعهما عن التجديد، لم يسعيا إلى هدم التراث بل إلى تحويله من نصٍّ مغلق إلى نصٍّ مفتوح.

وفي هذا التحول ولدت فكرة "الحداثة الجمالية" التي جعلت من الفن مرآةً للزمن لا لأساطير السلف.

لقد أرست هذه الجدليات أرضية الثورة الفكرية التي تجلّت لاحقًا في فكر كانط وهيغل، حيث أصبح الإنسان هو المبدأ والمآل، والعقل هو السلطة العليا التي تشرّع للمعرفة والأخلاق والجمال معاً.

الحداثة كوعيٍ بالمستقبل:

إنّ الحداثة ليست لحظة تاريخية منتهية، بل حالة مستمرة من النقد الذاتي.

كما قال يورغن هابرماس: “الحداثة مشروع لم يكتمل بعد”، لأنّ كل لحظة تجديد تخلق ضدها لحظة مقاومة.

من هنا، فالصراع الذي بدأ في القرن السابع عشر بين القديم والجديد لم يكن مجرد معركة أدبية، بل تجلٍّ لصراعٍ أعمق داخل الوعي الإنساني بين الخوف من التغيير والرغبة في الانبثاق.

خاتمة:

لقد كانت إرهاصات الحداثة مخاضًا مؤلمًا لولادة الذات من رحم الجماعة، ولانفصال الكلمة عن الوصاية، ولانبعاث الإنسان ككائنٍ حرّ يصوغ مصيره بالمعرفة لا بالعقيدة.

وما زال سؤال الحداثة مطروحًا اليوم كما كان بالأمس:

هل هي خلاصٌ من التقاليد أم مأزق وعيٍ متورّط في ذاته؟

لكنّ المؤكد أنّها كانت – وستبقى – تلك الشرارة التي أيقظت العقل الإنساني من سباته الطويل، وجعلته يرى أن الطريق إلى الحقيقة يبدأ دائمًا من الشكّ، وينتهي دائمًا إلى الإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

أزمة غير مسبوقة في تاريخ الوعي الإنساني

شهد التاريخ البشري عبر عصوره المتعاقبة اندثار حضارات عريقة وتفكك مجتمعات بأكملها، لمجرد أنها أخفقت في التكيف مع متلازمات عصرها، أو عجزت عن خلق تناسق عضوي بين بنيتها القيمية ومتغيرات بيئتها. غير أن قراءة متأنية للواقع المعاصر تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فالوضع الحالي لا يشبه أي أزمة تاريخية سابقة، بل يمثل "عقدة فريدة" غير مسبوقة في تاريخ الوعي الإنساني. لم تسبق للمجتمعات المندثرة أن التقت أو صرعت مثل هذا الطوفان الرقمي العابر للحدود، والذي لا يكتفي بتغيير الأنماط المعيشية، بل يعيد هندسة الغريزة الإنسانية ذاتها عبر شاشات الهواتف الذكية. ومن هنا، باتت البشرية جمعاء، في الشرق والغرب، تواجه هزات قيمية واجتماعية عميقة يمكن تفكيك أبعادها عبر النقاط 

السقوط القيمي العالمي وتلاشي الحدود عولمة الابتذال وأثر التكنولوجيا

لم يعد التخلخل الأخلاقي وتراجع منظومة القيم الحميمية والروابط العاطفية الصادقة حكراً على مجتمع دون آخر، بل إن نظرة فاحصة للواقع الإنساني المعاصر تؤكد أن العالم بأسره يتعرض لهزة قيمية واجتماعية غير مسبوقة. إن الحنين إلى الرمزية التاريخية للحب العذري والنقاء الوجداني لم يكن يوماً ميزة جغرافية خاصة بالشرق وحده؛ فتماماً كما تزخر التراجيديا والآداب العربية بقصص الخالدين قيس وليلى، وعنترة وعبلة، فإن الأدب والتاريخ الأوروبي والعالمي يمتلكان أساطيرهما الكبرى مثل روميو وجولييت، فضلاً عن فلسفة الحب النقي في العصور الوسطى. هذا يؤكد أن "الحياء العاطفي" يمثل قيمة إنسانية فطرية مشتركة عبر مختلف الحضارات والقارات.

ولكن، ما الذي حدث ليتحول هذا النقاء الإنساني المشترك إلى هذا الانحدار المريع؟ الجواب يكمن في بساطة الواقع المعاصر وعولمته؛ فالأجهزة الذكية وهواتف المحمول اليوم باتت تملأ كل بقاع الأرض، وصار الهاتف الذكي رفيقاً دائماً للصغير والكبير في الشرق والغرب على حد سواء. ومن هنا جاءت "الضربة الكونية العابرة للثقافات"؛ إذ سقطت الحصون الثقافية والمحلية أمام زحف الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي المبرمجة عالمياً لتسليع الجسد وتحويل الغرائز إلى مواد ترويجية تدر أرباحاً هائلة تحت مسمى "اقتصاد الانتباه".

وعلى الرغم من أن هذه الضربة الرقمية طالت المجتمعات الغربية والشرقية معاً دون استثناء، إلا أن وقعها وصدمتها على المجتمعات العربية والشرقية يبدو أشد قسوة وأعمق جرحاً. يعود ذلك إلى أن مجتمعاتنا كانت تستند إلى بنية تقليدية ومحافظة ترتكز بشدة على الاعتبارات الأخلاقية والأسرية، مما جعل الانتقال الصادم من قيم الحياء إلى الانفلات الرقمي العارم يخلق هوة سحيقة وفجوة حادة هزت الضمير الجمعي وأفرزت تداعيات نفسية واجتماعية استثنائية.

اقتصاديات الشهرة الرقمية وعولمة ابتذال الجسد

لم يعد الفضاء الرقمي وسيلة تواصل فحسب، بل تحول إلى سوق عالمية ضخمة تحكمها خوارزميات "اقتصاد الانتباه". في كل بقاع الأرض، من الشرق إلى الغرب، تبارى صناع المحتوى ومن يطلق عليهن "البلوغرات والمشاهير" في تسليع الجسد البشري وتحويل مفاتنه إلى سلع رخيصة تُعرض في مزاد رقمي علني بلا حياء ولا خجل، بغية حصد المشاهدات وتحقيق المكاسب المادية السريعة واللهاث خلف "الترند". هذا الابتذال العابر للحدود أسهم في تجريد المرأة من هيبتها وقيمتها المعنوية، ليصبح الفضاء الرقمي مساحة لتفريغ الغرائز المبتذلة على مرأى ومسمع من الأجيال الناشئة، مما أدى إلى تآكل المعايير الأخلاقية المشتركة في مختلف المجتمعات.

التداعيات النفسية وعزوف الشباب العالمي عن الزواج

لم تقتصر آثار هذا الانفلات الرقمي على الشكل الخارجي، بل امتدت لتلقي ظلالاً ثقيلة ومريرة على نفسية شباب العالم أجمع، وبتأثير أشد وقعاً في المجتمعات الشرقية. فقد غلبت على الأجيال الشابة حالات خيبة الأمل العميقة وانعدام الثقة في إمكانية إقامة علاقات عاطفية شريفة ومستقرة، لاسيما وهم يواجهون سيلاً عارماً من تلك العروض الفاحشة والمجانية التي تقصف عقولهم ليلاً ونهاراً. وقد أسفر هذا المناخ المتشائم عن ظاهرة مقلقة تتمثل في عزوف الآلاف عن الزواج وتفضيل أشكال أخرى من العلاقات البديلة أو العزلة، فضلاً عن تفاقم مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة كالإدمان والانحراف واليأس، نتيجة غياب النماذج السليمة وضياع بوصلة الاختيار الإنساني الصحيح.

تصدع المنظومة الأسرية وغياب الحصانة المجتمعية في عصر العولمة

تكمن الأصول العميقة لهذه الأزمة الكونية في تراجع دور المنظومة الأسرية وتفكك أواصرها التقليدية؛ حيث انشغلت العوائل في شتى أنحاء العالم بتلبية متطلبات الحياة المادية الفردية والرغبات الشخصية، متخلية عن دورها الرقابي والتربوي والإرشادي. هذا الفراغ الأسري ترك الأبناء عرضة لتيارات التقليد الأعمى للمجتمعات المفككة، ودفعهم نحو مغريات الانحراف الرقمي دون رقيب أو حسيب. إن عجز الأسرة المعاصرة عن مواكبة ما يتعرض له الأبناء عبر شاشات الهواتف أوجد حالة من العزلة والانفراد داخل البيت الواحد، ليتحول هذا التصدع الأسري إلى الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار المجتمعات ومستقبل أجيالها بأسرها

***

ئاريان علي

يرتبط فهم الحياة بالوجود والحضور، وكثير ما يتم فهم الحياة على أنها الحصول على كل ما هو مفضل لدينا، فوعي الحياة غير تشكيلها، لأن الوعي خاص بالفرد وفهمه لها، أما تشكيل صورة الحياة خاص بالمجتمع وشركات الإنتاج والايديولوجيات، فالحياة ليست كما نظن بأنها وليدة اللحظة أو الظروف لوحدها، بل هي مجموع من المعاني والأهداف الوجودية، والقيم الاجتماعية، والضروريات المعيشية التي تهدف لإيجاد معنى للحياة.

فمعنى الحياة يرتبط بما يمكن أن تتشكل الحياة منه، فكل مجتمع أو أيديولوجيا او سلطة له رؤية لمعنى وجودنا في الحياة، فالفلسفة ترى المعنى في التفكير والفهم، والدين يرى المعنى بالطاعة، والسلطة ترى المعنى بالالتزام، والمجتمع يرى المعنى بالعرف والتقاليد، وشركات الإنتاج ترى المعنى في الاستهلاك، فكل سياق له صورة عن الحياة، وهذا هو السبب في اختلاف وجهات النظر في فهم الحياة، لأن كل واحد من هذه السياقات الوجودية تطرح رؤية لكيفية عيش حياتنا.

فالمفاهيم كالحب والكره، والجيد والسيء، والخير والشر، والجميل والقبيح، وما يقع تحت وصاية هذه المفاهيم من لطف وحقد وحسد وشجاعة وكرم وتقبل...الخ. من تلك المفاهيم هي التي تشكل حياتنا وتعيننا على فهم ذواتنا والاخر، إلا أن إخضاع تلك المفاهيم لسياق معين هو الذي يرسم حياتنا ويشكل صورة وجودنا للذات والآخر، وما هي الاشياء المفضلة لدينا؟. فمعنى الحياة مفهوم لا يخضع لسياق واحد، بل فهم متشعب من سياقات متعددة منها النظرة الدينية، والفلسفية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وهذه طبيعية تشكيل الحياة، إلا أن وعي الحياة هو الجانب الإنساني الذي يجب أن نتعامل به مع الحياة، لأن الحياة معادلة تضم صنفان باتجاهات مختلفة الله والإنسان، الأنا والآخر، المرأة والرجل، الذات والسلطة.

 وبحسب قول الطبيب النفسي النمساوي ألفريد آدلر في معنى الحياة: إن الحياة البشرية تعتمد على الحركة، ولكنه من غير الكافي للإنسان أن يتطور جسمانيا فقط، لأن الحركة في حد ذاتها تتضمن معنى التحكم في الذكاء، اي التحكم في العقل. والا فإن النبات يتطور وينمو لكنه غير قادر حماية نفسه أو القيام بردة فعل عند مواجهة خطر ما، ففي ابسط الأحيان لا معنى للحياة الواعية دون أن نتحرك، كما يقول شكسبير في هاملت " بالتأكيد لديك عقل، وإلا ما تمكنت من الحركة ". وعليه إن معاني الحياة هي التي تحركنا وتوجهنا نحو أهدافنا، وحماية أنفسنا، والعمل على تطوير ذواتنا، وتحقيق أمنياتنا، ففهم الحياة ليس بمعزل عن طريقة عيشنا، فالفهم الخاطئ لصورة الحياة يعني عيش حياة وفق تلك الصورة سواءً كانت جيدة أو بائسة.

فالبشرية بمختلف توجهاتها تبحث عن افضل الصور لمعنى الحياة، فمنذ الحكماء قديما والبحث عن صورة الحياة المُثلة، فمنهم من وجدها في الزهد وبعضهم في الضروري وآخرين في الترف واختبار اللذات، وآخرين في الطاعة والعبادة، أما حديثاً فقد تشكلت للحياة معاني اخرى غير الزهد والترف والضروري، بل ما يمكن تسميته بالرفاهية، وهي العيش في لين وراحة، وهذا ما تسعى إليه الشركات والمؤسسات والمنظمات والهيئات لغرض توفيرها للأفراد.

وعليه تم الانتقال من سيطرة وجهة نظر السلطة، والدين، والمجتمع، لمعنى الحياة، إلى سيطرة الشركات والمؤسسات الاقتصادية لتشكيل وعي جديد لدينا للحياة، لأن الرفاهية تتطلب توفير وعرض واستهلاك، فإذا كان الزهد والضروري منخفض التكلفة، فإن الترف والرفاهية مرتفعة التكاليف، لأنها تقوم على حب الظهور وزيادة في المتطلبات. وهذا الأمر يجعل الافراد في رحلة لا متناهية من البحث عن الرفاهية، والبحث عن كل ما هو جديد يؤمن لنا الراحة، لأنها أصبحت هدفاً، وليس وسيلة للحصول على السعادة. فالزهد روحي، والضروري ما هو مفيد، والترف كل ما هو خارج عن حاجتنا، إلا أن الرفاهية ترتبط بتوفير سهولة العيش وهو أمر يرتبط بكل ما هو اصطناعي، فالفكرة من الحياة اليوم، لا تنشأ من داخلها وطبيعتها، بل محاولة لصناعة حياة أخرى غير حياتنا كبشر.

***

كاظم لفتة جبر

 

وفاة النبي ﷺ وبداية السؤال السياسي

تتمثل إحدى إشكاليات قراءة التاريخ الإسلامي في التركيز المفرط على الانتصارات والفتوحات، وتجاهل الهزائم والانكسارات وما تستحقه من تحليل. فقد مالت بعض السرديات التاريخية إلى تصوير الماضي كمسار مستمر من التقدم، متجاهلة لحظات الضعف والتراجع، الأمر الذي أدى إلى قراءة التاريخ من زاوية المنتصرين فقط. وهنا يبرز دور المجتزئين الذين يكتفون بقطف ثمار القوة، متناسين أن الأزمات هي ما يحدث التحولات الحقيقية في البنية السياسية والدينية.

وإذا ما حاولنا إعادة قراءة هاتيك السرديات عبر غرابيل التحليل الفلسفي والاجتماعي، نجد أن الانتصار والهزيمة يتركان أثراً بالغاً في الوعي الجمعي. فالانتصار يعزز ثقة الجماعة في أي نهج تسير عليه، بينما تضع الهزيمة هذا النهج أمام اختبار حقيقي، وتكشف عن تناقضاته التي لم تكن ظاهرة وقت الاستقرار.

ومن هنا، تمتد الهزيمة لتسائل الأفكار ومدى قدرتها على استيعاب المتغيرات، لا سيما حين تتعدد نهوج التفكير داخل المجتمع الواحد. إذن، السؤال الأهم ليس كم انتصر المسلمون أو انهزموا، بل كيف أثرت هاتيك الأحداث في تشكيل الوعي؟. وكيف حوّلت مفاهيم كالخلافة والجهاد والفتنة إلى مرجعيات؟. إن البحث في هذه التحولات يمنع الانزلاق في متاهات التجديف التاريخي، حيث يعمد بعض المجدفين إلى تشويه السياقات لتلائم أهواءهم، متجاوزين حقيقة أن الجماعة أعادت تفسير تجاربها لتؤثر في ممارساتها اللاحقة.

فالهزيمة، في جوهرها، لحظة كاشفة تزيل القناع عن الفجوة بين المثال النظري والواقع العملي، مما يدفع الجماعة للتساؤل عن صلاحية أفكارها في الوقت المعيش. غير أن بعض الجماعات تتهرب من هذه المراجعة؛ فتتشبث بأفكارها السابقة، وتلقي باللائمة على الأغيار، ناهيك عن تأثير ذلك في توجيه شبيبة الأمة نحو الانغلاق بدلاً من النقد.

ولعل وفاة النبي ﷺ سنة 11هـ تمثل أعمق اللحظات لفهم العلاقة بين الحدث التاريخي وتشكّل الوعي. فقد انقطع الوحي، ووجدت الجماعة نفسها أمام أسئلة غير مسبوقة؛ كيف تُدار شؤون المسلمين؟، وعلى أي أساس تقوم الشرعية؟، فلم يكن الأمر مجرد اختيار حاكم، بل كان تأسيساً لطبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والاجتهاد البشري.

وقد كشفت صدمة الوفاة عن ضرورة التمييز بين بقاء الرسالة وانتهاء حياة الرسول-صلى الله عليه وسلم-. وهنا بدأ الانتقال للبحث عن صيغة بشرية لتنظيم السلطة، وتجلى ذلك في (سقيفة بني ساعدة). حيث انتقلت القيادة من مرجعية نبوية إلى سلطة تتطلب التوافق والمواءمة السياسية. ولذلك، حري بنا قراءة هذه الواقعة في ظروفها التاريخية الحساسة، بعيداً عن تأويلات المتأولين التي تسعى لفرض رؤية نسقية مكتملة على حدث كان يغلب عليه طابع الاجتهاد والتفاوض.

ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الواقعة موضوعاً للتنظير المستمر حول الإمامة والخلافة. وقد عبّر الماوردي لاحقاً عن هذا التحول بمحاولته تنظيم السلطة السياسية بعد انقطاع الوحي، مما يؤكد أن مسألة الخلافة كانت اختباراً حقيقياً لأي نسق سياسي إسلامي يعتمد على القواعد البشرية والتنافس المفتوح.

وإذا ما انتقلنا إلى الفتنة الكبرى، نجد أن النقاش تجاوز التفاوض إلى الصراع المسلح. وهذه الهزيمة الداخلية أشد قسوة، لأنها تضرب شرعية الجماعة وتفرض أسئلة معقدة حول الفتنة والطاعة والخروج. وفي هذا السياق، يبدوا جلياً كيف اختلط الدين بالسياسة، وكيف ارتبطت المفاهيم الفقهية بذاكرة من النزاع، لتتخذ طابعاً جديداً في المراحل اللاحقة. ومع قيام الدولة الأموية، أصبح الحكم أقرب إلى الملك والتوارث، مما أعاد صياغة أسئلة الشرعية. فخوفاً من تكرار الفتنة، جرى تعظيم قيمة الطاعة للحفاظ على وحدة الجماعة.

وتكمن الإشكالية هنا في تعميم هذه التجربة الاستثنائية على كل العصور، حيث يسعى بعض المتأسلمين إلى استدعاء هذه القوالب وإسقاطها على حاضرنا المعيش لتبرير سياسات أو إدانة خصوم. ولذلك فإن الهزائم تعيد ترتيب أولويات الوعي الجمعي؛ ويبرز منهج ابن خلدون في دراسة العمران وأطوار الدولة لفهم أسباب التراجع بعيداً عن التفسيرات السطحية. ورغم ذلك، تصر بعض الخطابات الدينية على حصر الهزيمة في الانحراف الأخلاقي، أو تحميلها للمؤامرة الخارجية. وحين يتحول أي من هذه التفسيرات إلى حقيقة مطلقة، فإنه يعطل العقل ويدعم مواقف المجترئين الذين يرفضون مراجعة المؤسسات وموازين القوى. وفي الفكر الحديث، قدم مالك بن نبي عبر مفهوم "القابلية للاستعمار" خطوة مهمة لفحص الشروط الداخلية التي تمهد للهزيمة، بدلاً من الاكتفاء بإدانة المعتدي.

فقراءة الهزائم يجب ألا تكون إخفاءً للحقائق حفاظاً على الصورة، لكي لا نقع فريسة في شباك المشككين، بل هي دعوة لمراجعة التصورات التي فقدت فاعليتها. فاستعادة التاريخ لا تعني استنساخه، بل فهم تحولاته. لأن المعاني القديمة للمفاهيم تُستدعى وتُوظف بحسب مصالح الفاعلين وحاجات الحاضر. ومن هنا تبرز خطورة الخطابات الراديكالية التي تنتقي من الماضي سرديات تعبوية تتجاهل سياقها الأصلي، وهو انتقاء متعسف يقودنا إلى زيغ فكري يبتعد بنا عن فهم التجربة الحقيقية.

وهنا تتعاظم مسؤولية المتفقهين والمثاقفين وقادة الرأي؛ إذ لا يكفي تكرار الموروث، بل يجب فحص الظروف التي أنتجته، والتمييز بين الحدث وبين المعنى الذي أُسبغ عليه لاحقاً. فقراءة التاريخ الإسلامي عبر انكساراته لا تعني تضخيم الفشل، بل تعني التوازن والموضوعية في فهم السياقات.

وختاما نقرر أن الهزيمة ليست مجرد حدث يقع للجماعة، بل هي ما تفعله الجماعة بهذا الحدث. فدراسة الانكسارات ليست انشغالاً منفصلاً عن الواقع، بل هي المفتاح الأهم لفهم كيف تشكلت أسئلتنا المعاصرة حول الدين والسياسة والسلطة والآخر.

وللحديث بقية

***

د. بدر الفيومي

 

دراسة في آليات الضبط والمراقبة عبر روبوتات الدردشة

يمكن النظر للإنترنت على أنه بيئة هجينة، إنه مزيج من الأدوات "الحواسيب" والممارسات الإنسانية، بل أن حتى الأدوات تطورت مع مرور الوقت - في العقود الأخيرة فظهرت إستعارات مثل أدوات التواصل الإجتماعي. إن الإنترنت تكنولوجيا حديثة ومبتكرة، بل هو ذروة الإكتشاف التكنولوجي "المعلوماتي" الذي وصلنا إليه حتى الآن. ففي عصرنا الحالي ظهرت المجتمعات الإفتراضية بفضل الإنترنت، وتغير شكل الفعل الإنساني وتوزع في شبكة فاعلين. يُمكن استقراء تطور المجتمعات البشرية في ظل التكنولوجيا من مجتمعات زراعية صغيرة في القرى إلى مجتمعات صناعية ضخمة، وصولًا للمجتمع المعلوماتي "الإفتراضي" أو المجتمع السائل كما يصفه باومان والذي نعتبر أنفسنا جزء منه. تقودنا لتساؤل عميق، مفاده: هل "المجتمع الافتراضي" مجتمع فعلي، أم مجرد فضاء للتفاعل؟. يرى جيمس مور (1998) أن إمكانية الإخفاء التي يتيحها العالم الإفتراضي يمكن أن تسمح لمَن يملكون نوايا غير أخلاقية بشن هجمات على أشخاص آخرين، مثل الإساءة والاستغلال او ترسيخ خطاب الكراهية والعنف الرقمي. بمعنى أنه ينتج ما يُعرف "بتأثير خاتم غيغس" نسبة للشخصية التي وردت في محاورة الجمهورية لافلاطون. فإن كان المجتمع في الواقع المعاش يمارس نوع من الضبط والسلطة التأديبية على الفرد، عن طريق الرؤية الإجتماعية، فإن الشعور بالخفاء وغياب المساءلة يمكن أن يدفع الأفراد إلى سلوكيات غير مثبطة وغير اجتماعية. لكن سواء كان العالم الافتراضي مجتمع حقيقيًا أو مجرد فضاء مفتوح للتفاعل وتبادل الآراء، وجب علينا أن نعي دوافع سلوكياتنا والاثار المترتبة عليها لأننا لسنا مجرد مستحدمون بل فاعلون اجتماعيون، يمكن لأفعالنا أن تؤثر على شريحة واسعة من الناس، لذلك يمكن إعتبار أن الفضاء الافتراضي يعد مجتمعاً بالنتائج. أيضًا يتضح لنا أن ثمة نوع من التأثير الناعم الذي ينشأ داخل هذه المعادلة من قبل الأنظمة السلطوية أو الجهات ذات المصلحة والتي ترى أن لها الحق في إقصاء آرائنا ومنعها ومراقبتها. وهو في رأيي تأثير لا يختلف كثيرًا عن تأثير البانوبتيكون. والأمر يأخذ أبعاد أخرى مع اعطاء مساحة أكبر للذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة في للتأثير، فإن كان الإنترنت قد حولنا إلى "فاعلين إجتماعيين" تؤثر أفعالنا على الآخرين، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي دخلت اليوم ك"فاعل غير بشري" داخل شبكات العلاقات الإنسانية.

في العام الماضي قالت شركة "أنثروبيك" المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي -ومقرها الولايات المتحدة– في تقريرها الاستخباراتي عن التهديدات إن مجرمي الإنترنت يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لشن هجمات إلكترونية. والأمر لا يتوقف على مجرد التهديدات فحسب، ففي 19 فبراير 2025، أقدم رجل على قتل زوجته البالغة من العمر 32 عامًا باستخدام أداة تحريك النار في منزل والديه في ريدفيلد، مين، الولايات المتحدة. ثم اعتدى على والدته، ما أدى إلى نقلها إلى المستشفى. وأدلى طبيب نفسي شرعي بشهادته بأنه كان يستخدم برنامج ChatGPT لمدة تصل إلى 14  ساعة يوميًا، وكان يعتقد أن زوجته أصبحت جزءًا من آلة¹. وفي 23 أكتوبر 2025، قتل تريستان روبرتس، البالغ من العمر 18 عامًا، والدته أنجيلا شيليس بمطرقة قرب منزلهما في بريستاتين ، ويلز. وكان روبرتس قد استخدم برنامج الدردشة الآلي "ديب سيك" قبل الجريمة ليسأله عما إذا كانت السكين أم المطرقة أنسب للقتل. رفض "ديب سيك" في البداية سؤاله، لكنه أجاب بعد أن أخبر روبرتس برنامج الدردشة الآلي أنه يكتب كتابًا عن القتلة المتسلسلين، وهي تقنية معروفة لاختراق نماذج اللغة الكبيرة.²

نلاحظ أن في الفضاء السبراني التقليدي، كان "تأثير خاتم غيغس" ينشأ من شعور الفرد بالخفاء خلف الشاشات والأسماء المستعارة، مما يحرره من الضبط الاجتماعي المباشر. أما مع روبوتات الدردشة، فقد اتخذ هذا التأثير بُعدًا نفسيًا وعاطفيًا خطيرًا يُعرف ب"وهم الحماية السرية المطمئنة" هذا الوهم يعزز من الدفاعات النفسية لدى المستخدم حين يتعامل مع الروبوت بإعتباره ملاذًا أمنًا وليس مجرد أداة.

في أدبيات الخيال العلمي (الإستشرافي)، أطلق دان براون (1998) "الحصن الرقمي" نموذج الترانلستر، وهو أكبر حاسوب فائق استطاعت وكالة الأمن القومي (ان إس إيه)، أن تصل إليه. كان يشكل هذا التطور التقني الجديد طفرة إستخباراتية في مجال تفكيك الرسائل المشفرة في فترة زمنية وجيزة. وكانت الوكالة تنظر للترانلستر على أنه مشروع واعد وقادر على تجاوز كل التحديات المرتبطة بمسألة الأمن القومي. بيد أن هوس الوكالة قادها في الأخير إلى إستخدامه بطرق لا أخلاقية تجاوزت حل الرسائل التي تشكل هجمات إرهابية وخارجية إلى مراقبة شبكة الإنترنت والتنصت على رسائل المستخدمين العادية بدافع الحيطة والحذر، وأحيانًا بدافع الملل!. أو كما تقول: بدافع حمايتهم. الشيء الذي قاد "أنسي تنكادو" - وهو موظف سابق في المؤسسة كان يناهض سياساتها ضد المستخدمين - من إبتكار شفرة برمجية تتحدى مشروع الوكالة، كانت الشفرة بمثابة حصن رقمي يعجز الترانلستر عن حلها أو التعامل معها.

كيف يمكن قراءة ذلك في ظل الإعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة في نماذج الذكاء الاصطناعي؟.

إن حديثنا عن نموذج البانوبتيكون الرقمي "الجميع مراقب دون أن يشعر" في هذا السياق الفوكوي - نسبة لميشيل فوكو - لا يمكننا أن نفهم طبيعة التقدم التكنولوجي في مجال الذكاء الاصطناعي بمعزل عن السلطة، سواء كانت في شكل مؤسسات حكومية او شركات. "لا أقول أن الهاتف يراقبك أو أن المدونات الرقمية تقرأ أفكارك" وكل هذا النوع من الهوس التقني، أقصد ببساطة أن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد أدوات محايدة، بل هي امتداد بنيوي لأدوات السلطة والسيطرة الرقمية. ففي مطلع هذا الشهر من العام، قامت امرأة تدعى "كارلي ميشيل هيلر" بكتابة "تهديدات" ضد دائرة الشرطة المحلية داخل دردشة الروبوت كلود (التابع لشركة انثروبيك) معتقدة أن المحادثة سرية تمامًا، لانها تتعامل مع رويوت الدردشة كمدونة أفكا خاصة، فقامت أنظمة الأمان التلقائية بالمنصة برصد التهديد وتحليله، ثم إبلاغ السلطات فورًا، مما أدى إلى اعتقالها. تمامًا كالترانلستر، تبرر الشركات والحكومات هذه المراقبة اللصيقة بداعي "الأمن القومي"، "مكافحة الإرهاب"، أو "منع الجريمة قبل وقوعها"، فالنتيجة تكون تفكيك تام لخصوصية الفرد، فالأفكار والمخاوف وحتى التهديدات غير الواقعية التي كانت تحبس في عقل الإنسان أو تُقيد في نطاق المذكرات اليومية، باتت تكتب في خوادم شركات وادي السيليكون، وتحللها خوارزميات الأمن والذكاء الاصطناعي لحظيًا. لكن هل تتم معاقبة الفرد وفقًا لنواياه؟ لو كنت أنوي قتل شخص ما ثم مات هذا الشخص لسبب من الأسباب هل يمكن إعتباري القاتل الحقي؟ ربما النية - وحدها لا تكفي لإدانة الشخص لكنها مع ذلك تشكل ركنًا أساسيًا.

إن الإعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة يحول الفضاء الافتراضي من مجرد "بيئة هجينة" إلى "بيئة توجيهية ورقابية مغلقة"، وهنا تكمن المفارقة، عندما يلجأ الفرد للروبوت هربًا من سلطة المجتمع وضغوطه بحثًا عن مساحة من السرية والأمان، ليجد نفسه أمام نظام رقابي أكثر توغلًا، حيث الخوارزميات لا تكتفي بمراقبة ممارساته فحسب بل أنها تحلل وعيه وأفكاره ونواياه وتعيد تشكيل ذاته من جديد وفقًا لمعاييرها.

***

عمر الفضل

9 أكتوبر 2026

.........................

قائمة المصادر:

Reason, Relativity, and Responsibility in Computer Ethics 1998

1- بيرنز، كريستوفر (17 أكتوبر 2025). "رجل من بلفاست قتل زوجته أمضى ساعات يتحدث مع برنامج الدردشة الآلي (Chat GPT) وكان يعتقد أن الروبوتات تسيطر على العالم" . صحيفة بانجور ديلي نيوز . تاريخ الاطلاع: 4 نوفمبر 2025.

2- دانبار، مارينا (13 أغسطس 2026). "مراهق من ماساتشوستس متهم بقتل والدته وشقيقه استخدم تطبيق ChatGPT" . صحيفة الغارديان . ISSN 0261-3077 . تاريخ الاسترجاع: 17 أغسطس 2026 .

يتردد صدى الكلمات الفاحشة في أروقة المدارس، وزوايا الشوارع، وفضاءات اللعب، حتى غدت بعض الألفاظ التي كانت إلى وقت قريب تُعدّ من المحظورات اللغوية والأخلاقية مألوفة على ألسنة أطفال لم يتجاوزوا سنواتهم الأولى. وأمام هذا المشهد المقلق، يحق لنا أن نتساءل: أين ذهبت براءة الطفولة؟ وكيف تحولت بعض الألفاظ النابية من كلمات يستحي الكبار من التلفظ بها إلى مفردات يتداولها الصغار بعفوية وكأنها جزء طبيعي من قاموسهم اليومي؟إن ظاهرة الكلام الفاحش لدى الأطفال ليست مجرد انحراف لغوي عابر، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مشكلة ألفاظ فحسب؛ فهي في كثير من الحالات انعكاس لما يسمعه الطفل في محيطه الأسري والاجتماعي، وما يراه في الشارع، وما يتلقاه عبر الشاشات، وما يكتسبه من أقرانه. فالطفل لا يولد وهو يحمل قاموسا من الكلمات النابية، وإنما يلتقط اللغة من محيطه، ويقلد ما يسمعه، ثم يختبر أثره في الآخرين.

ومع الأسف، أصبح بعض الأطفال يتداولون مفردات صادمة في فضاءات اللعب والدراسة، ويتعاملون معها وكأنها وسيلة لإثبات الذات أو لفت الانتباه أو الانتماء إلى جماعة الأقران. وقد يضحك بعض الكبار من الطفل عندما يتفوه بكلمة بذيئة، دون أن يدركوا أن تلك الضحكة قد تتحول في ذهنه إلى مكافأة تشجعه على تكرارها. وهنا تبدأ المشكلة في التحول من مجرد تقليد عابر إلى سلوك لغوي مستقر.

ولذلك فإن حماية الطفل من الكلام الفاحش لا تبدأ من المدرسة، ولا من الهاتف، ولا من الشارع، وإنما تبدأ أولا من البيت. فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يتحدث، وكيف يخاطب الآخرين، وكيف يعبر عن غضبه وفرحه ورفضه، وكيف يختلف دون إساءة. وإذا كانت لغة الوالدين نفسها تتضمن السب والشتم والإهانة، فمن الصعب أن نطالب الطفل بأن يتحدث بلغة راقية لم يسمعها في بيته.

فالطفل يتعلم بالمحاكاة أكثر مما يتعلم بالمواعظ. وما يسمعه من أبيه وأمه وإخوته قد يترسخ في ذاكرته أقوى مما يسمعه في درس أو محاضرة. لذلك فإن أول خطوة في الوقاية من البذاءة اللغوية تتمثل في مراجعة اللغة المتداولة داخل الأسرة، لأن التربية لا تقوم على قول شيء وفعل نقيضه، وإنما تقوم على القدوة والممارسة اليومية.

ومن الخطأ أن نتصور أن الطفل الذي يستعمل كلمة نابية يفهم دائما معناها أو يدرك خطورتها. فقد يكرر كلمة سمعها من صديق أو في مقطع رقمي أو في الشارع دون أن يعرف دلالتها الحقيقية. ولهذا فإن الرد على الكلمة البذيئة بالصراخ والإهانة والعنف قد يكون أقل فائدة من الحوار الهادئ. فمن الأجدى أن يسأل الوالدان الطفل: أين سمعت هذه الكلمة؟ ومن قالها أمامك؟ وهل تعرف معناها؟ ثم يوضحان له، بما يتناسب مع سنه، لماذا لا ينبغي استعمالها.

إن الحوار هنا ليس تساهلا مع السلوك، بل هو وسيلة لفهم مصدره وتصحيحه. فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن هناك كلمات تليق بالمقام وأخرى لا تليق، وأن حرية التعبير لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو جرح مشاعرهم. وكلما بدأ هذا الوعي في سن مبكرة، أصبح الطفل أكثر قدرة على ضبط لغته في المواقف المختلفة.

كما أن البيت في حاجة إلى وضع قواعد واضحة للسلوك والتخاطب. ينبغي أن يعرف الطفل أن الاحترام ليس اختيارا مؤقتا، وأن السب والشتم والإهانة ليست وسائل مقبولة للتعبير عن الغضب أو الخلاف. وفي المقابل، يجب أن يسمع داخل البيت الكلمات التي نريده أن يستعملها: «من فضلك»، «شكرا»، «لو سمحت»، «أعتذر»، «هل يمكن؟»، وغيرها من العبارات التي تبني في داخله ثقافة الاحترام وتجعله أكثر قدرة على التواصل السليم.

ولا يقل دور الوالدين أهمية في معرفة البيئة التي يتحرك فيها الطفل. فمن المهم أن يعرف الأب والأم أصدقاء أبنائهم، وأن يدركوا طبيعة العلاقات التي تربطهم بهم، وأن ينتبهوا إلى ما يشاهدونه عبر التلفاز والهاتف والمنصات الرقمية. وليس المقصود تحويل البيت إلى فضاء من المراقبة الخانقة، وإنما بناء رقابة تربوية واعية ترافق الطفل وتعلمه كيف يختار، وكيف يميز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يسيء إلى لغته وسلوكه.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم منافسا قويا للأسرة والمدرسة في تشكيل اللغة والسلوك. فالطفل قد يسمع خلال دقائق على هاتفه عشرات العبارات التي لا يسمعها طوال يوم كامل في محيطه الأسري. وبعض المحتويات الرقمية تقوم على الاستفزاز والسخرية والسب والإساءة لأنها تسعى إلى جذب الانتباه وإثارة التفاعل. وعندما يكرر الطفل هذه اللغة في المدرسة أو أمام أفراد الأسرة، فإنه لا يكون بالضرورة واعيا بخطورتها، بل قد يكون مجرد مستهلك لما تقدمه له الشاشة.

وهنا تظهر ضرورة التربية الرقمية. فالمنع وحده ليس حلا دائما، كما أن ترك الطفل أمام الشاشة دون توجيه ليس حلا أيضا. المطلوب هو أن يتعلم الطفل قواعد التعامل مع العالم الرقمي، وأن يدرك أن ما يراه على الشاشة ليس نموذجا يحتذى بالضرورة، وأن الشهرة لا تجعل السلوك صحيحا، وأن كثرة المشاهدات لا تمنح الكلمة البذيئة قيمة أخلاقية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التحولات التي عرفتها الأسرة خلال العقود الأخيرة. فإيقاع الحياة أصبح أكثر سرعة، وارتفعت أعباء المعيشة، وأصبح كثير من الآباء والأمهات يقضون ساعات طويلة خارج البيت. وقد تؤدي هذه الظروف في بعض الأسر، إلى تقليص الوقت المتاح للحوار والمتابعة والتوجيه. لكن تفسير الظاهرة بهذه العوامل وحدها سيكون تبسيطا للمشكلة؛ فالكلام الفاحش قد ينتشر في أسر مختلفة اجتماعيا واقتصاديا، ويظل العامل الحاسم هو طبيعة التربية والقدوة والرقابة والتواصل.

ومن هنا، ينبغي الحذر من تحميل الأمهات العاملات مسؤولية الظاهرة. فالعمل ليس سببا في فساد لغة الطفل، كما أن وجود الأم في المنزل لا يضمن بالضرورة تربية سليمة. المسألة أعمق من ذلك؛ إنها مرتبطة بجودة الحضور التربوي، وبنوعية التواصل داخل الأسرة، وبقدرة الوالدين على بناء علاقة قائمة على الثقة والحزم والإنصات.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يطعمه ويكسوه ويوفر له حاجاته المادية، وإنما يحتاج كذلك إلى أب وأم يسمعانه، يحاورانه، يوجهان سلوكه، ويشرحان له حدود المقبول والمرفوض. وقد يكون الوالدان موجودين في البيت جسديا، لكنهما غائبان تربويا بسبب الهاتف والعمل والضغوط اليومية. كما قد يكون أحدهما كثير الانشغال، لكنه يعوض ذلك بحضور نوعي وفعّال في حياة أبنائه.

ولا يمكن أيضا تجاهل دور المدرسة. فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعارف، بل فضاء لتعلم الانضباط والاحترام والتعايش وتحمل المسؤولية. غير أن المدرسة لا تستطيع وحدها معالجة كل الاختلالات التي يحملها المتعلم معه من البيت والشارع والفضاء الرقمي. فالأستاذ مهما بلغت قدرته التربوية لا يستطيع أن يعوض أسرة غائبة، ولا أن يراقب ما يفعله الطفل خارج المؤسسة، ولا أن يعرف كل ما يشاهده على هاتفه.

لذلك فإن مواجهة الكلام الفاحش تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة. فعندما يسمع المدرس كلمة نابية من تلميذ، ينبغي أن يعالجها تربويا بحزم وهدوء، وعندما يعود الطفل إلى البيت بسلوك غير مقبول، ينبغي للأسرة ألا تكتفي بعبارة «المدرسة هي المسؤولة». وفي المقابل، لا ينبغي للمدرسة أن تتعامل مع كل انحراف لغوي باعتباره دليلا على فشل الأسرة. الطفل مسؤولية مشتركة، والإصلاح يحتاج إلى تكامل الأدوار.

كما ينبغي تعليم الطفل تحمل مسؤولية ألفاظه. فإذا أخطأ، فلا داعي إلى إذلاله أو وصمه أمام زملائه، ولكن من الضروري أن يفهم أن للكلمة أثرا، وأن الإساءة إلى الآخرين ليست أمرا هينا. ويمكن للوالدين والمدرسين أن يساعدوه على استبدال الكلمات البذيئة بعبارات مناسبة للتعبير عن الغضب والرفض والانزعاج، لأن منع السلوك دون تقديم بديل قد لا يكون كافيا.

ومن الوسائل النافعة كذلك إعادة الاعتبار للقراءة داخل البيت. فالطفل الذي يعيش مع لغة غنية ومتنوعة يجد أمامه بدائل كثيرة للتعبير، بينما الطفل الذي لا يسمع إلا لغة محدودة قد يلجأ إلى العبارات الشائعة بين أقرانه. ولذلك فإن توفير كتب مناسبة لأعمار الأطفال، وتشجيعهم على القراءة، ومناقشة ما قرؤوه، كلها ممارسات تساهم في بناء رصيد لغوي سليم، وتشغل اللسان والعقل بما هو أجمل وأنفع.

كما أن العلاقة العاطفية الآمنة بين الوالدين والطفل تشكل جزءا أساسيا من الوقاية. فالطفل الذي يستطيع أن يخبر والديه بما يسمعه في المدرسة أو الشارع أو الإنترنت دون خوف من الإهانة أو العقاب العنيف، يكون أكثر قابلية لطلب المساعدة عندما يواجه محتوى أو سلوكا غير مناسب. أما الطفل الذي يخشى الحديث مع أسرته، فقد يحتفظ بما يسمعه لنفسه، ثم يتحول التقليد تدريجيا إلى عادة.

إن حماية الأطفال من الكلام الفاحش ليست معركة ضد كلمة بعينها، وإنما هي معركة من أجل بناء إنسان يعرف قيمة الكلمة. فاللغة ليست مجرد أصوات تخرج من الفم؛ إنها مرآة لما يتعلمه الإنسان من قيم، وطريقة تعكس علاقته بالآخرين وبذاته. وكل كلمة يتعلمها الطفل اليوم قد تصبح جزءا من شخصيته غدا.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يتكلم أطفالنا بهذه الطريقة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا يسمعون منا؟ ماذا يشاهدون؟ من يرافقهم؟ ماذا نقدم لهم من بدائل؟ وهل يجدون في البيت نموذجا لغويا وأخلاقيا يستحق التقليد؟

إن الطفل الذي نطالبه بألا يشتم يجب أن يسمع والديه وهما يختلفان دون شتيمة، والذي نطالبه باحترام الآخرين يجب أن يراهما وهما يحترمان من يختلفان معهم، والذي نطالبه بالاعتذار يجب أن يسمع أحد والديه يقول له: «أخطأت، وأنا آسف». فالتربية الحقيقية لا تبدأ بالأوامر، وإنما تبدأ بالقدوة.

وفي النهاية، فإن مسؤولية حماية الطفولة من البذاءة اللغوية لا تقع على طرف واحد. إنها مسؤولية الأسرة أولا، والمدرسة ثانيا، والمجتمع والإعلام والفضاء الرقمي جميعا. لكن الأسرة تظل الحلقة الأولى؛ لأنها المكان الذي يتعلم فيه الطفل أول كلمة، وأول تحية، وأول اعتذار، وأول طريقة للتعامل مع الآخر.

فإذا أردنا أن نستعيد شيئا من براءة الطفولة، فلنبدأ من المكان الذي تتشكل فيه هذه البراءة: من البيت، ومن لغة الوالدين، ومن الطريقة التي نتحدث بها أمام أطفالنا. فالكلمة الطيبة لا تُلقَّن للأطفال فقط، بل تُعاش أمامهم حتى تصبح جزءا من شخصياتهم.

***

بقلم: فؤاد لوطة - كاتب وأستاذ بالسلك الثانوي

 

في المثقف اليوم