عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قراءة أنثروبولوجية في جدلية الانتماء والولاء

في قلب كل مجتمع، تتصارع الهويات بين الانتماء الطائفي والهوية الوطنية، وكأنها خيوط متشابكة في نسيج واحد يصعب فكه. من منظور أنثروبولوجي، لا تُفهم الهوية باعتبارها مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي منظومة معقدة من الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية التي تحدد كيف يرى الفرد نفسه وكيف يراه الآخرون. الطائفة تمنح الإنسان شعورًا بالدفء والانتماء إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الوطن يفتح أمامه أفقًا أوسع للانتماء إلى جماعة سياسية وثقافية أكبر. لكن هذا التداخل ليس دائمًا متناغمًا؛ ففي كثير من الأحيان يتحول إلى توتر وصراع، حيث يشعر الفرد أنه ممزق بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية.

الأنثروبولوجيا، كعلم يدرس الإنسان في سياقاته الثقافية والاجتماعية، تكشف لنا أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من التفاوض وإعادة البناء. في المجتمعات المتعددة الطوائف، يصبح سؤال الهوية سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة أم كمواطن في دولة؟ وكيف تؤثر الدولة في إعادة تشكيل هذا التوازن عبر سياسات الدمج أو الإقصاء؟ إن دراسة هذه العلاقة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى البلقان، إفريقيا، وحتى أوروبا، حيث لعبت الانقسامات الطائفية دورًا في إعادة رسم الخرائط السياسية والاجتماعية.

في زمن العولمة، تتضاعف التحديات؛ فوسائل الإعلام والهجرة والاقتصاد العالمي تعيد صياغة الانتماءات وتفتح الباب أمام هويات هجينة، لا هي طائفية خالصة ولا وطنية صافية. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جذوره الطائفية دون أن يفقد انتماءه الوطني؟ وكيف يمكن للوطن أن يستوعب تعددية الطوائف دون أن يتفتت؟

هذه المقدمة تضعنا أمام إشكالية معقدة، لكنها ضرورية لفهم ديناميات المجتمعات الحديثة: الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية، ويؤثر في استقرار الدول ومستقبلها.

مفهوم الهوية

حين نتأمل الهوية من منظور أنثروبولوجي، ندرك أنها ليست مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي عملية معقدة تتشكل باستمرار عبر الثقافة واللغة والدين والانتماء الاجتماعي. الهوية هنا ليست ثابتة، بل هي كيان حي يتغير مع الزمن، يتأثر بالذاكرة الجمعية، ويعيد إنتاج نفسه عبر الطقوس اليومية والرموز التي يتداولها الناس في حياتهم.

الأنثروبولوجيا تكشف أن الهوية هي في جوهرها سردية؛ قصة يرويها الفرد عن نفسه، وقصة ترويها الجماعة عنه، وقصة يفرضها الوطن عليه. الثقافة تمنح هذه السردية إطارها الرمزي: الأغاني الشعبية، الأمثال، العادات، وحتى الطعام، كلها عناصر تُعيد إنتاج الانتماء وتُرسّخ شعورًا بالخصوصية. اللغة بدورها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لتحديد من ينتمي ومن لا ينتمي، فهي تحمل في طياتها ذاكرة جماعية وتاريخًا مشتركًا. أما الدين، فيُعيد تشكيل الهوية عبر الطقوس والرموز المقدسة، ويمنح الفرد شعورًا بالانتماء الروحي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا.

لكن الهوية لا تُبنى فقط عبر الثقافة والدين، بل أيضًا عبر الانتماء الاجتماعي. الفرد يتعلم منذ طفولته أن يرى نفسه جزءًا من جماعة، سواء كانت طائفة صغيرة أو وطنًا كبيرًا. هذا الانتماء يُحدد موقعه في العالم، ويمنحه شعورًا بالمعنى والهدف. ومع ذلك، فإن هذا الانتماء ليس دائمًا متناغمًا؛ فقد يجد الفرد نفسه ممزقًا بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية، بين جذوره الثقافية وأفقه العالمي.

من هنا، يصبح مفهوم الهوية في الأنثروبولوجيا أداة لفهم ديناميات المجتمعات: كيف يُعاد إنتاج الجماعة عبر أفرادها، وكيف يُعاد تشكيل الفرد عبر جماعته. الهوية ليست سؤالًا عن "من نحن؟" فقط، بل أيضًا عن "كيف نصبح ما نحن عليه؟"، وهي في النهاية عملية تفاوض مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الطائفة والوطن، وبين الخصوصية والانفتاح.

الهوية الطائفية

حين نتناول الهوية الطائفية من منظور أنثروبولوجي، فإننا ندخل إلى عالم شديد التعقيد، حيث تتداخل الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية لتشكيل شعور عميق بالانتماء. الطائفة ليست مجرد جماعة دينية أو اجتماعية، بل هي فضاء رمزي يحدد للفرد من هو، ويمنحه إطارًا يفسر من خلاله العالم من حوله.

الرموز هنا تلعب دورًا محوريًا؛ فهي ليست مجرد علامات بصرية أو لغوية، بل أدوات لإعادة إنتاج الهوية عبر الأجيال. شعار الطائفة، أماكن العبادة، وحتى الألوان والملابس، كلها تتحول إلى علامات فارقة تُرسّخ شعورًا بالخصوصية والتميّز. هذه الرموز تُعيد إنتاج نفسها في الوعي الجمعي، وتصبح جزءًا من ذاكرة مشتركة تُغذي الانتماء وتُرسّخ التضامن الداخلي.

أما الطقوس، فهي المسرح الذي تُعرض فيه الهوية الطائفية بشكل حيّ. الاحتفالات الدينية، المناسبات الاجتماعية، وحتى طقوس العبور مثل الزواج أو الجنائز، كلها لحظات تُعيد فيها الطائفة تأكيد وجودها وتماسكها. الطقوس ليست مجرد ممارسة دينية، بل هي فعل اجتماعي يُعيد إنتاج الجماعة ويُرسّخ شعور الفرد بأنه جزء من كيان أكبر منه.

الذاكرة الجمعية بدورها تُشكّل العمود الفقري للهوية الطائفية. فهي تحفظ قصص الأجداد، لحظات الاضطهاد أو الانتصار، وتُعيد سردها في كل جيل لتُرسّخ شعورًا بالاستمرارية. هذه الذاكرة ليست مجرد تاريخ، بل هي سردية تُستخدم لتفسير الحاضر وتوجيه المستقبل، وتُعطي الطائفة إحساسًا بأنها ليست مجرد جماعة عابرة، بل كيان ممتد عبر الزمن.

من خلال هذا التداخل بين الرموز والطقوس والذاكرة، تُبنى الهوية الطائفية كجدار صلب يعزز التضامن الداخلي. الفرد يجد في الطائفة دفئًا وانتماءً، والجماعة تجد في الفرد استمرارًا لوجودها. لكن هذا التضامن، رغم قوته، قد يتحول إلى انغلاق، حيث يصبح الانتماء الطائفي أحيانًا أقوى من الانتماء الوطني، ويُعيد إنتاج حدود غير مرئية بين "نحن" و"هم".

بهذا المعنى، الهوية الطائفية ليست مجرد شعور داخلي، بل هي منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، وتُشكّل أحد أهم عناصر التوازن أو التوتر في علاقة الفرد بالوطن.

الهوية الوطنية

الهوية الوطنية، كما يراها علم الأنثروبولوجيا، ليست مجرد شعور بالانتماء إلى أرض أو دولة، بل هي مشروع حديث نشأ مع ظهور الدولة القومية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم انتقل إلى بقية العالم عبر الاستعمار وحركات التحرر. هذه الهوية لم تكن موجودة بالشكل الذي نعرفه اليوم في المجتمعات التقليدية، حيث كان الانتماء يُعرّف أساسًا عبر القبيلة أو الطائفة أو القرية. لكن مع نشوء الدولة الحديثة، أصبح الوطن هو الإطار الجامع الذي يُعيد تعريف الفرد باعتباره مواطنًا أولًا، قبل أي انتماء آخر.

الهوية الوطنية تُبنى عبر السرديات الكبرى التي تصوغها الدولة: تاريخ مشترك يُدرّس في المدارس، لغة رسمية تُستخدم في الإعلام والإدارة، رموز وطنية مثل العلم والنشيد، وأحداث تأسيسية تُروى كقصص بطولية. هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل أدوات لإنتاج شعور بالوحدة بين مواطنين يختلفون في خلفياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية. الدولة القومية هنا تعمل على تحويل التنوع إلى وحدة، وعلى جعل الفرد يرى نفسه جزءًا من جماعة سياسية أكبر من طائفته أو قبيلته.

لكن هذا المشروع ليس دائمًا سلسًا؛ ففي كثير من الحالات، تواجه الهوية الوطنية تحديات حين تكون الطوائف أو الجماعات المحلية أكثر رسوخًا في وجدان الناس من فكرة الوطن. هنا يظهر التوتر بين الانتماء الخاص والانتماء العام: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة، أم كمواطن في دولة؟ الأنثروبولوجيا تكشف أن هذا السؤال ليس نظريًا، بل هو واقع يومي ينعكس في الانتخابات، في السياسات العامة، وحتى في الحياة الاجتماعية.

الهوية الوطنية إذن ليست مجرد شعور داخلي، بل هي بناء اجتماعي وسياسي يُستخدم لتوحيد الجماعة، لكنه قد يُستخدم أيضًا كأداة للسيطرة أو الإقصاء. فهي تمنح الفرد حقوقًا وواجبات، لكنها في الوقت نفسه تُعيد رسم حدود الانتماء وتُحدد من هو "داخل" الجماعة الوطنية ومن هو "خارجها". بهذا المعنى، الهوية الوطنية هي مشروع دائم التفاوض، يتأرجح بين الوحدة والتعددية، بين الشمول والإقصاء، وبين الماضي الذي يُروى كذاكرة مشتركة والمستقبل الذي يُصاغ كحلم جماعي.

التوتر بين الطائفة والوطن

حين نقترب أنثروبولوجيًا من العلاقة بين الطائفة والوطن، نجد أنفسنا أمام أحد أكثر التوترات تعقيدًا في المجتمعات الحديثة. فالانتماء الطائفي يمنح الفرد شعورًا بالدفء والخصوصية، ويُعيد إنتاج ذاكرة جمعية تُرسّخ التضامن الداخلي، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق حدودًا غير مرئية تفصل بين "نحن" و"هم". أما الانتماء الوطني، فيسعى إلى تجاوز هذه الحدود عبر بناء هوية جامعة، لكنه كثيرًا ما يصطدم بصلابة الهويات الطائفية التي تسبق الدولة في الوجدان والتاريخ.

هذا التداخل بين الطائفة والوطن يمكن أن يظهر في شكل صراع مباشر، كما في حالات الحروب الأهلية حيث تتحول الطوائف إلى كيانات سياسية تنافس الدولة على الشرعية والسلطة. وقد يظهر أيضًا في شكل توتر صامت، حيث يعيش الفرد ازدواجية الانتماء: فهو مواطن في دولة، لكنه في الوقت نفسه عضو في طائفة تُحدد له أولوياته وقيمه. هذه الازدواجية تُلقي بظلالها على الاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ قد تُضعف الولاء الوطني وتُعزز الانقسامات الداخلية.

من منظور أنثروبولوجي، الهوية هنا ليست مجرد شعور داخلي، بل هي أداة تُستخدم في الصراع على السلطة. الطائفة قد تُوظف رموزها وذاكرتها لتأكيد استقلاليتها، بينما الدولة تُعيد إنتاج سردياتها الوطنية لتأكيد وحدتها. هذا الصراع الرمزي يُترجم في الواقع إلى سياسات، انتخابات، وحتى نزاعات مسلحة. وفي المقابل، هناك مجتمعات استطاعت أن تُحوّل هذا التوتر إلى تداخل إيجابي، حيث تُدمج الطوائف داخل الهوية الوطنية كجزء من التعددية، فيصبح الانتماء الطائفي عنصرًا يُغني الهوية الوطنية بدل أن يُقوّضها.

إن التوتر بين الطائفة والوطن ليس مجرد إشكالية نظرية، بل هو واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية. فهو يقرر مدى قدرة الدولة على الاستقرار، ومدى قدرة المجتمع على التعايش. ومن هنا، يصبح فهم هذا التوتر ضرورة لفهم ديناميات الهوية في العالم المعاصر، حيث لا يمكن الفصل بين الطائفة والوطن إلا عبر معالجة عميقة تُوازن بين الخصوصية والانتماء المشترك.

أمثلة أنثروبولوجية مقارنة

حين ننظر إلى تجارب المجتمعات المختلفة، ندرك أن الهوية الطائفية لعبت أدوارًا متباينة في تشكيل أو تقويض الهوية الوطنية. هذه الأمثلة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي شواهد أنثروبولوجية على كيفية تفاعل الطائفة والوطن في ظروف اجتماعية وسياسية متغيرة.

في الشرق الأوسط، يظهر التوتر بين الطائفة والوطن بشكل صارخ. في لبنان مثلًا، الهوية الوطنية لم تستطع أن تتجاوز الانقسامات الطائفية، حيث تحولت الطوائف إلى كيانات سياسية لها حصصها في السلطة، مما جعل الدولة نفسها انعكاسًا للتوازن الطائفي أكثر من كونها إطارًا جامعًا للمواطنة. في العراق، بعد سقوط النظام المركزي، برزت الطوائف كفاعلين رئيسيين، وأصبح الانتماء الطائفي في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء الوطني، وهو ما انعكس في الصراعات الداخلية وأضعف مشروع الدولة الحديثة.

في البلقان، لعبت الهويات الدينية والعرقية دورًا محوريًا في تفكيك يوغوسلافيا. هنا، الهوية الطائفية لم تكن مجرد انتماء ثقافي، بل تحولت إلى أداة سياسية لتبرير الانفصال والحروب الأهلية. السرديات الطائفية أعادت إنتاج ذاكرة جماعية مليئة بالاضطهاد والتمييز، مما جعل من الصعب بناء هوية وطنية جامعة. النتيجة كانت دولًا جديدة، لكن على أنقاض وحدة وطنية لم تستطع الصمود أمام قوة الانتماءات الطائفية.

أما في إفريقيا، فقد واجهت الدول الحديثة تحديًا مختلفًا، حيث تداخلت الهويات القبلية مع الهوية الوطنية. في رواندا مثلًا، الانقسام بين الهوتو والتوتسي لم يكن مجرد اختلاف اجتماعي، بل تحول إلى صراع دموي أودى بحياة مئات الآلاف، وأثبت أن الهوية الوطنية الوليدة لم تستطع أن تحتوي الانتماءات القبلية العميقة. في نيجيريا، التعددية الدينية والعرقية خلقت توترات مستمرة بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، مما جعل الهوية الوطنية دائمًا في حالة تفاوض هش.

هذه الأمثلة تكشف أن الهوية الطائفية ليست مجرد عنصر ثقافي، بل هي قوة اجتماعية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل الدول أو تفكيكها. الأنثروبولوجيا هنا تُظهر أن التوازن بين الطائفة والوطن ليس أمرًا بديهيًا، بل هو مشروع دائم التفاوض، يتأرجح بين الوحدة والانقسام، بين التضامن الداخلي والولاء الوطني.

دور الدولة في إدارة الهويات

الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري أو إطار قانوني، بل هي فاعل رئيسي في تشكيل الهوية الوطنية وإعادة تعريف علاقة الفرد بجماعته. من منظور أنثروبولوجي، الدولة تُمارس سلطتها عبر أدوات رمزية وسياسية، فهي التي تُقرر من هو المواطن، وما هي حقوقه وواجباته، وكيف يُعاد إنتاج الانتماء الوطني في مواجهة الانتماءات الطائفية أو القبلية.

في كثير من المجتمعات، تعمل الدولة على دمج الطوائف داخل الهوية الوطنية عبر سياسات الاعتراف والتعددية، فتُقرّ بحقوق الجماعات الدينية أو الثقافية، وتُتيح لها التعبير عن خصوصيتها ضمن إطار المواطنة. هذا النموذج يُحوّل الطائفة إلى عنصر يُغني الهوية الوطنية بدل أن يُقوّضها، ويُعيد إنتاج الانتماء الوطني كفسيفساء متعددة الألوان.

لكن في حالات أخرى، تلجأ الدولة إلى الإقصاء أو التهميش، حيث تُحاول فرض هوية وطنية أحادية تُقصي الطوائف أو تُضعف حضورها. هنا تتحول الهوية الوطنية إلى أداة للسيطرة، وتُصبح الطائفة في موقع مقاومة أو رفض، مما يُعمّق التوتر بين الانتماء الطائفي والانتماء الوطني. هذا النموذج كثيرًا ما يؤدي إلى صراعات داخلية، إذ يشعر الأفراد أن الدولة لا تمثلهم، بل تُحاول محو خصوصياتهم.

الأنثروبولوجيا تكشف أن الدولة ليست محايدة في إدارة الهويات، بل هي طرف فاعل يُعيد إنتاجها عبر التعليم، الإعلام، القوانين، وحتى الرموز الوطنية. فهي التي تُقرر أي سردية تُدرّس في المدارس، وأي لغة تُستخدم في الإعلام، وأي طقوس تُعترف بها رسميًا. بهذا المعنى، الدولة تُعيد تشكيل الهوية باستمرار، وتُحدد حدود الانتماء الوطني، وتُقرر من هو "داخل" الجماعة الوطنية ومن هو "خارجها".

إن دور الدولة في إدارة الهويات هو إذن دور مزدوج: فهي قادرة على أن تكون جسرًا للتعددية، أو أداة للإقصاء. نجاحها في هذا التوازن يحدد مدى استقرار المجتمع، ومدى قدرة الهوية الوطنية على الصمود أمام قوة الانتماءات الطائفية. ومن هنا، يصبح فهم سياسات الدولة في التعامل مع الهويات ضرورة لفهم مستقبل العلاقة بين الطائفة والوطن.

الهوية في عصر العولمة

مع دخول العالم عصر العولمة، لم تعد الهوية محصورة في حدود الطائفة أو الوطن، بل أصبحت فضاءً مفتوحًا يتأثر بالهجرة والإعلام والاقتصاد العالمي. الأنثروبولوجيا تكشف أن هذه التحولات لم تُضعف الهويات التقليدية بقدر ما أعادت صياغتها في أشكال جديدة، هجينة ومتداخلة، تجمع بين المحلي والعالمي في آن واحد.

الهجرة، على سبيل المثال، تُعيد تشكيل الانتماءات بشكل جذري. الفرد الذي يغادر طائفته أو وطنه يجد نفسه أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على جذوره الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه الاندماج في مجتمع جديد. هنا تظهر هويات مركبة، حيث يصبح الإنسان مواطنًا عالميًا يحمل في داخله ذاكرة طائفية ووطنية، لكنه يعيش واقعًا متعدد الثقافات. هذه التجربة تُعيد تعريف معنى الانتماء، وتجعل الهوية أكثر سيولة وأقل صلابة.

أما الإعلام، فقد لعب دورًا ثوريًا في إعادة إنتاج الهوية. القنوات الفضائية، وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية جعلت الطائفة قادرة على التواصل عبر الحدود، والوطن قادرًا على بث سردياته إلى الخارج. لكن الإعلام أيضًا فتح الباب أمام منافسة سردياتية: الطائفة تُعيد إنتاج خطابها الخاص، والوطن يُحاول فرض روايته الجامعة، بينما الفرد يتنقل بينهما في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية.

الاقتصاد العالمي بدوره أعاد رسم خريطة الانتماء. الشركات متعددة الجنسيات، الأسواق المفتوحة، وحركة رأس المال جعلت الفرد يشعر أنه جزء من شبكة اقتصادية عالمية تتجاوز الطائفة والوطن. هذا الانتماء الاقتصادي الجديد يُعيد تشكيل الهوية، حيث يصبح الاستهلاك والوظائف العابرة للحدود جزءًا من تعريف الذات، إلى جانب الانتماءات التقليدية.

في زمن العولمة، إذن، لم تعد الهوية مجرد علاقة بين الطائفة والوطن، بل أصبحت علاقة ثلاثية يدخل فيها العالم كفاعل جديد. الفرد اليوم يعيش في فضاء متعدد الانتماءات، حيث الطائفة تمنحه جذورًا، والوطن يمنحه إطارًا سياسيًا، والعالم يمنحه أفقًا اقتصاديًا وثقافيًا. هذا التداخل يُعيد طرح السؤال الأنثروبولوجي الأساسي: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الطائفية والوطنية، وهو في الوقت نفسه جزء من مجتمع عالمي لا يعترف بالحدود؟

مستقبل الهوية بين الطائفة والوطن

حين ننظر إلى مسار الهوية عبر الطائفة والوطن، ندرك أن هذه العلاقة ليست ثابتة ولا نهائية، بل هي مشروع دائم التفاوض يعكس ديناميات المجتمعات الحديثة. الهوية الطائفية تمنح الإنسان جذورًا ودفئًا وانتماءً إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الهوية الوطنية تسعى إلى بناء إطار جامع يتجاوز الانقسامات ويُعيد إنتاج الانتماء المشترك. لكن التوتر بينهما ظل حاضرًا، يتجلى أحيانًا في صراعات دامية، وأحيانًا في توازن هش، وأحيانًا أخرى في اندماج إيجابي يُغني الهوية الوطنية بتعددية الطوائف.

الأنثروبولوجيا تكشف أن المستقبل لن يكون حسمًا لصالح أحد الطرفين، بل هو إعادة صياغة مستمرة للعلاقة بينهما. في زمن العولمة، حيث الهجرة والإعلام والاقتصاد العالمي يعيدون تشكيل الانتماءات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن الحفاظ على الخصوصية الطائفية دون أن تتحول إلى انقسام، وكيف يمكن للوطن أن يستوعب التعددية دون أن يفقد وحدته؟

الاستشراف هنا يقودنا إلى رؤية مزدوجة: من جهة، ضرورة الاعتراف بالتعددية كجزء من الهوية الوطنية، ومن جهة أخرى، ضرورة بناء سرديات وطنية قادرة على احتواء هذه التعددية دون إقصاء. فالمستقبل لن يكون لطائفة منعزلة ولا لوطن أحادي، بل لهوية هجينة، مرنة، قادرة على التكيف مع التحولات العالمية، وفي الوقت نفسه متجذرة في خصوصياتها المحلية.

بهذا المعنى، الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي سؤال وجودي يحدد شكل المجتمعات واستقرارها. والجواب عليه لن يكون في اختيار أحد الطرفين، بل في القدرة على صياغة توازن جديد يُعيد تعريف معنى الانتماء في عالم يتغير بسرعة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

من التراجيديا القديمة إلى الخوارزميات الرقمية    

 لم تكن الكراهية يوماً شعوراً عابراً، بل هي جزء من البنية الوجودية للبشر؛ فمنذ فجر التاريخ، تشكلت المجتمعات غالباً على أساس التمييز بين "نحن" و"هم"، ولعل أبرز نماذج الكراهية في التاريخ القديم تظهر في الصراعات بين الممالك والقبائل حيث كانت "كراهية الآخر" تُوظف لتبرير الغزو أو تعزيز الهوية الوطنية، كما حدث في الحروب بين المدن اليونانية المتنافسة، حيث كان الآخر دائماً هو "البربري" الذي يجب إقصاؤه. وفي الأدب العالمي، وجدنا أن الكراهية لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت موضوعاً تشريحياً لدى فيودور دوستويفسكي الذي استعرض أبعادها في رواياته رواية "الشياطين" (The Devils / Demons): تُعد هذه الرواية المختبر الأكبر لتشريح الكراهية السياسية والأيديولوجية؛ حيث يصور دوستويفسكي كيف تتحول الكراهية تجاه المجتمع، والقيم، والآخر المختلف إلى أداة تدميرية تغذيها الأفكار العدمية. الشخصيات هنا تكره العالم لدرجة الرغبة في تحطيمه بالكامل، مما يجسد كيف يمكن أن تصبح الكراهية "عقيدة" جماعية   رواية "الإخوة كارامازوف" (The Brothers Karamazov): في هذه الرواية، نجد كراهية من نوع آخر؛ كراهية أسرية وشخصية عميقة. العلاقة بين "فيودور كارامازوف" وأبنائه، وخاصة "ديمتري"، مشحونة بكراهية وجودية متبادلة، حيث تمثل الكراهية هنا صراعاً بين الروح والمادة، وبين الغريزة والضمير. كما أن شخصية "سميردياكوف" تجسد كراهية "العبد" تجاه "السيد"، وهي كراهية باردة ومنظمة تهدف إلى الانتقام  وفي رواية "رسائل من تحت الأرض" (Notes from Underground): يغوص بطل الرواية "الإنسان الصرصار" في تحليل نفسي مذهل لكراهيته للآخرين ولنفسه في آن واحد. كراهيته تنبع من شعور بالدونية الممزوج بالتعالي، وهي حالة من "الاستثمار العاطفي السلبي" حيث يتلذذ البطل بكراهيته للعالم كنوع من التمرد على قوانين الطبيعة والمجتمع التي يراها جائرة. وفي رواية "الجريمة والعقاب" (Crime and Punishment): رغم أن "راسكولنيكوف" يرتكب جريمته بناءً على نظرية فكرية، إلا أن جوهر صراعه النفسي يقوم على كراهية عميقة للطبقية والظلم الاجتماعي، وهي كراهية تبرر له في البداية نفي وجود "الآخر" (المرابية) كخطوة أولى نحو إثبات ذاته "كإنسان متفوق  بينما قدم "ألبير كامو" الكراهية كنوع من العبث والقنوط تجاه العالم، في حين قدم "إلياس كانيتي" في "الكتلة والسلطة" صورة للكراهية كوقود للجماهير يغذيها الطغاة للبقاء في السلطة، مما يجعل الأدب مرآة تعكس كيف تتحول الكراهية إلى حالة وجودية متأصلة  مما يجعل هذه الروايات مدرسة أدبية تتقاطع مع الرؤى الفلسفية. تظل الكراهية، من منظور فلسفي، حالة وجودية ومعرفية معقدة تتجاوز كونها مجرد شعور عابر؛ فهي تمثل محاولة لنفي حرية الآخر ووجوده كذات، كما تعد فشلاً في الاعتراف المتبادل الذي يُعد أساساً للوعي الذاتي، و"استثماراً عاطفياً سلبياً" يستنزف طاقة الفرد ويجعله أسيراً لمن يكره. ورغم أن الكراهية تاريخياً قد تُستخدم كأداة لحشد الجماهير، إلا أن الفلسفة تحذر من كونها "عائقاً أمام الحكمة"؛ إذ تحجب الحقيقة وتستبدلها بأوهام تجعل التغيير مهدداً بالتحول إلى دوامة من العنف والظلم. وفي سياق هذه المناقشة، يمكن تصنيف الكراهية فلسفياً إلى ثلاثة أبعاد أساسية: أولاً، المنظور الوجودي، حيث يرى سارتر أن الكراهية هي رغبة في تحطيم "حرية" الآخر ونفي وجوده. ثانياً، المنظور الاجتماعي، حيث يرى هيغل أنها قطيعة نهائية لـ "الاعتراف المتبادل"، مما يغلق باب التفاهم ويحول الآخر إلى عدو. ثالثاً، المنظور الأخلاقي، حيث يصفها سبينوزا بكونها انفعالاً يقلل من قدرة الإنسان على الوجود ويجعله أسيراً لإرادة خارجية. وفي العصر الرقمي، تطور مفهوم الكراهية ليصبح أكثر تعقيداً وخطورة؛ فقد تحولت من فعل إنساني مباشر إلى "صناعة" خوارزمية تخدم أجندات سياسية واقتصادية، وتفاقم الأمر بفضل "فقاعات الفلتر" التي تعزز الانغلاق الذاتي وتمنع الاعتراف بالآخر المختلف. ومع أن التكنولوجيا ليست "الفاعل" الأساسي في هذا الشعور الإنساني، إلا أنها تعمل "كمضخم" يوفر بيئة خصبة لتضخم النوازع البشرية. من هنا، تبرز ضرورة ملحة للتدخل القانوني؛ حيث يمثل الربط بين اللوائح الصارمة والمواثيق الأخلاقية المسار الأكثر واقعية لضبط هذه المعضلة. إن هدف هذا التنظيم ليس إلغاء شعور الكراهية بحد ذاته، فهو نابع من الذات البشرية، بل منع تحويل هذا الشعور إلى هيكل تقني منظم يهدد الاستقرار الاجتماعي ويحرم الآخر من حقه في الوجود والحوار.

***

ئاريان علي  

يوم توفّي المفكّر المجري جورج لوكاش في العام 1971، لم أكن قد قرأت له أي شيء، سوى بعض النُتف السلبية التي وردت في المطبوعات السوفيتية، لكن ما لفت انتباهي لاحقًا هو كتاب "ثلاث وجوه للثورة" للمؤلف الفرنسي – البرازيلي ميشيل لوي، الذي ترجمه جورج طرابيشي في العام 1980.

استعدت في ذاكرتي ما كُتب عنه باعتباره تحريفيًا، وانحاز إلى الثورة المضادة في العام 1956، وأصبح وزيرًا للثقافة في ظلّ الحركة التي قادها إمري ناج، والتي سحقتها الدبابات السوفيتية، وأُعدم عدد من قادتها. واضطر لوكاش للهرب إلى يوغوسلافيا، وبعد فترة قضاها في المنفى، عاد بصدور عفو عنه مراعاة لمكانته الفكرية، ولكنه التزم الصمت حتى وفاته، واستمرّ خارج دائرة الضوء.

لاقت محاولات تجديد الماركسية وتحديثها وعصرنتها موقفًا معارضًا من التيّار السائد بحجّة الحفاظ على نقاوتها وتقديس نصوصها، وكان ستالين قد أوقفها على تعليماته التي يصدرها باسم الكومنترن "المركز الأممي"، الذي انحلّ في العام 1943، لكن ذلك لم يمنع من وجود إرهاصات أولية ومحاولات أولى للتجديد، ومن تلك المحاولات كانت تنظيرات جورج لوكاش.

حاول لوكاش منذ وقت مبكّر، أن يُقدّم قراءات توليدية تأويلية للماركسية، خارج سياق التيّار الحزبوي؛ وقد ظلّ كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" الذي صدر في العام 1923 شبه مفقود أو غير معروف لنا عربيًا، على أقل تقدير، حتى ترجمه د. حنّا الشاعر في العام 1979 بعد ترجمة أولى سبقته.

تناول لوكاش ما أسماه "الماركسية الأصيلة"، أي "زبدة" المنهج الماركسي وقوانينه الأساسية، كما بحث استنادًا إلى ماركس الترابط بين الوعي والواقع، وبين النظرية والممارسة، إذْ لا يكفي أن يتّجه الفكر نحو الحقيقة، بل إن الحقيقة ينبغي أن تتجه إلى الفكر أيضًا.

ومن مساهمات لوكاش الأساسية دراساته النقدية الخاصة ﺑ "علم الجمال الماركسي"، كما قدّم مساهمات جليلة لدراسة الواقعية والواقعية المعاصرة، والعلاقة بين الوجودية والماركسية، مبتعدًا عن تنظيرات جدانوف والجدانوفية الأوامرية البيروقراطية، تلك التي قامت على ما سمّى ﺑ "الواقعية الاشتراكية"، والتي سادت في الفترة الستالينية بشكل خاص والتي ظلّت تُبسط ظلالها على الكثير من النتاجات الفكريّة والثقافية.

وقد ترجم لنا الياس مرقص كتابه "تحطيم العقل" في العام 1980 – 1981، كما ترجم لنا بديع عمر نظمي كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" في العام 1984، وقام جورج طرابيشي بترجمة كتابه "ماركسية أم وجودية" في العام 1998، وبذلك اكتملت، إلى حدّ ما، صورة لوكاش المفكّر، بعيدًا عن الأغراض الحزبوي.

وفي كتابه "أنطولوجيا الكائن الاجتماعي" أعاد تركيب المفاهيم الماركسية، حيث مثّل جهدًا لإضفاء نزعة إنسانية وجمالية عليها من خلال الأدب السياسي والفلسفي الكلاسيكي، ولاسيّما في ميدان الثقافة والفن والأدب.

وحاول لوكاش أن ينفض الغبار الذي علق بالفكر الماركسي في روسيا، التي شهدت تخبطات فكرية بعد وفاة لينين، حيث أطلق ستالين على اللينينية، وهي نظرية الثورة الروسية "ماركسية عصرنا" في محاولة لتعميم النموذج، في حين كان لوكاش يُشدّد على الخصوصية والتنوّع وعدم وجود موديل واحد، ففي الاختلاف تنبجس الحقيقة. وانطلاقًا من ذلك ابتدع فكرة "الماركسية الأوروبية"، بتأكيده أن المعرفة لا تنضب، مثلما هو الواقع لا ينتهي، وإنّ الأمر يحتاج إلى ملاءمة.

ويبدو أن مصطلح الماركسية الأوروبية الذي نحته لوكاش وجد صداه لاحقًا، خصوصًا في فترة احتدام الخلافات بين الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية التي برزت في ستينيات القرن المنصرم، تلك التي رفضت البراديغم السوفيتي، وقد سبقها انتفاضة المجر العام 1956، التي تشبّثت بالخصوصية، وانتفاضة تشيكوسلوفاكيا العام 1968، التي عُرفت بربيع براغ، والتي دعت إلى اشتراكية ذات وجه إنساني بقيادة ألكسندر دوبشيك.

لقد طوّرت الأحزاب الشيوعية الأوروبية نظرية التحوّل الاجتماعي الأكثر مناسبة لأوروبا الغربية، والأساس النظري لها كتابات أنطونيو غرامشي، التي انتقدت فئوية اليسار وشجّعته على تشكيل تحالفات اجتماعية لتحقيق إصلاحات من خلال التدرّج والطريق السلمي عبر المؤسسات الديمقراطية القائمة، أي رفض الطريق العُنفي للوصول إلى الاشتراكية، وذلك في نزوع استقلالي عن المركز الأممي السوفيتي، ولم يكن ذلك بعيدًا عن أفكار لوكاش.

كما تأثّرت مدرسة فرانكفورت بلوكاش، ولاسيّما كتابه المهم "التاريخ والوعي الطبقي"، حيث لقيتْ مناظراته مع جان بول سارتر اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا إزاء النزعة الإنسانية، وأضفت تلك المناظرات بشأن الوجودية نزعة انفتاحية على آرائه.

ولعلّ من المستحيل حسب جورج لوكاش معالجة معضلة المادية التاريخية دون دراسة مؤسس الديالكتيك، ويعني به هيغل وعلاقة ماركس بفلسفته، وبهذا المعنى لا يمكن  وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعني إيقاف نقد التاريخ أو نقده بأدوات تجاوزها الزمن، وهو ما كان ماركس شديد الانتباه له، لاسيّما بتخالقاته التي جعلت الجدل أساسًا للتطوّر، فما بالك اليوم ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، ذلك أن مهمة التنظير تقتضي نقد الفكر السائد والكشف عن عيوبه ومثالبه في إطار فهم حيوي، فلم يعد الاستشهاد بماركس أو إنجلز وفيما بعد لينين كافيًا، خصوصًا حين يُساق لأهداف أخرى وفي مجال غير مجاله في أحيان ثانية.

تلك هي محنة لوكاش... تلك هي محنة المفكّر

***

عبد الحسين شعبان

مقدمة: يُعدّ الخذلان أحد أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، إذ لا يقتصر أثره على لحظة الانكسار الآني، بل يمتد ليُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. وفي سياق تتكاثر فيه الأقنعة الاجتماعية وتتآكل القيم العاطفية، يغدو الوجع ذاته مرجعًا وجوديًّا، ويصبح اليقين حالة نادرة يُلجأ إليها لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة نفسية ومعرفية. ومن هنا تتبدّى جغرافيا الخذلان بوصفها فضاءً داخليًّا يتشكّل من الانكسارات المتراكمة، ويُعاد رسم حدوده مع كل تجربة فقدٍ أو خيبة.

أولًا: الخذلان كخبرة وجودية

لا يمكن مقاربة الخذلان بوصفه حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هو تجربة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر. فالخذلان لا ينشأ من العدم، بل من التعلّق، ومن توقّع الحماية أو الاحتواء، وحين ينكسر هذا التوقّع، يتحوّل الألم إلى وعيٍ حادٍّ بالهشاشة الإنسانية. عند هذه النقطة، يصبح الوجع لغة داخلية، ومرجعًا يُقاس به صدق العلاقات وعمقها.

ثانيًا: العزلة بوصفها استجابة نفسية

أمام ضجيج البشر وتكاثر أقنعتهم، يلجأ الفرد إلى العزلة لا بدافع التعالي أو الرفض، بل كآلية دفاعية تحمي ما تبقّى من سلامه الداخلي. هذه العزلة ليست انسحابًا سلبيًّا، بل إعادة تموضع نفسي، حيث يعيد الإنسان ترتيب أولوياته العاطفية، ويُقلّص دوائر الثقة، ويبحث عن معنى أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. وهنا، تتحوّل الوحدة من فراغ مؤلم إلى مساحة تأمّل ونجاة.

ثالثًا: الهروب إلى الآخر بوصفه يقينًا

في خضم هذا الانسحاب غير الإرادي من العالم، قد يجد الإنسان نفسه يهرب إلى شخصٍ بعينه، لا لأنه الأقرب جغرافيًّا، بل لأنه الأكثر طمأنينة. هذا الهروب ليس ضعفًا، بل اختيار فطري لليقين في عالم متقلّب. فحين تُمسك يدٌ ما بضعف الأصابع بدل أن تتركها تسقط، يتشكّل معنى جديد للاحتواء، ويتحوّل الآخر إلى ملاذ نفسي، لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق والثبات.

رابعًا: الاصطفاء العاطفي ومعناه

إن اصطفاء القلب لشخصٍ واحد من بين العالمين ليس فعلًا عبثيًّا، بل نتيجة تراكمية لتجارب الخذلان السابقة. فالقلب، بعد أن يرهقه الفقد، لا يعود كريمًا في اختياراته، بل دقيقًا وحذرًا. ومن هنا، يصبح الاصطفاء العاطفي تعبيرًا عن نضج وجداني، لا عن انغلاق؛ إذ يختار الإنسان من يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يستغله، وأن يحتوي ألمه دون أن يُنكره.

خاتمة

إن جغرافيا الخذلان ليست خريطة للانكسار بقدر ما هي سجلّ للتحوّل الإنساني. ففيها يتعلّم الفرد أن الوجع قد يكون معلّمًا، وأن اليقين لا يُمنح للجميع، وأن النجاة أحيانًا تكمن في يدٍ واحدة تُمسك بنا حين يفلت العالم. وبهذا المعنى، لا يصبح الخذلان نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر صدقًا نحو فهم الذات واختيار الآخر.

***

بقلمي: ربى رباعي/ الاردن

كنتُ سألتُ (ذا القُروح) في المساق السابق:

ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرُّوا في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هم عليه؟!

ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ

حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!

تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. فيروسها الأوَّل: الاستسلام للتآمر العالمي على العقل، وأوَّل رايات هذا الاستسلام تبعيَّة العقل- الفردي والجماعي- للآخَر، إنْ صحَّ وصف ما في الرأس، وهو بتلك الصِّفة، بـ«العقل»، «وبعضُ العَقْلِ عُقَّالُ»!

ـ ولعلَّ من أسباب نقص المناعة الثقافيَّة الذاتيَّة، بصفةٍ عامَّة، التي تفتح النوافذ والأبواب لذلك الاستسلام، أنَّ ثقافتنا ظلت ثقافة كلاميَّة مِرائيَّة.

ـ هي كذلك. انظر- على سبيل النموذج- إلى معظم فعاليَّاتنا الثقافيَّة، في وطننا العَرَبي، ستجدها نظريَّة غير منتجة حضاريًّا.

ـ وهي مسيَّسة غالبًا.

ـ تمامًا. التنوير، العلمانيَّة، الأصوليَّة، السلفيَّة، الفلسفة، ضد الفلسفة، قصيدة النثر، الشِّعر «العمودي»، الحداثة، التُّراث... وكلُّها خطابات استهلاكيَّة، يتلهَّى بها العُربان منذ مئة عام!

ـ بل قل منذ ألف عام.

ـ منذ مئة عام ازداد السُّعار، وما شهِدنا إلَّا بما علِمنا. يُناكِف أتباع تلك الأحزاب بعضهم بعضًا، مستهلكين الطاقات في ما لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، ولا يُغيِّر من الواقع قيد أنملة! على حين أنَّ الثَّورة الصناعيَّة هي التي أنتجت الحضارة الحقيقيَّة في الغرب. وهو ما أدركتْه بعض الأُمم الآسيويَّة، وعلى رأسها (اليابان)، فلم تنشغل بالمؤتمرات التي لا أوَّل لها ولا آخِر حول التنوير، والعلمانيَّة، والأصوليَّة، والسلفيَّة، والفلسفة... إلخ؛ لتعيد صناعة العجلات من جديد. بل بدأت من حيث انتهى الآخرون، مع المحافظة على مكتسبات التُّراث؛ فكانت تلك الأُمم كما أرادت، وأثبتت التحدِّي على مسرح العصر.

ـ بل أكثر من ذلك، لقد بقيت معظم النُّظُم الفكريَّة والاجتماعيَّة هناك على حالها القديم، ومهما بدت بدائيَّة.

ـ على حين يبدو أنَّ العَرَب سيرتعون في اجترار مؤتمراتهم السالف ذكرها إلى أبد الآبدين؛ فلا هُم أنتجوا تنويرًا ولا هم صنعوا صناعة.

ـ أمَّا في شأن اللُّغة والثقافة تحديدًا، فحدِّث ولا حرج!

ـ وفي مقابل الحال الآنف وصفها، وأمام أولئك الممسوخين المستلَبين المستعبَدين للآخَر، لغةً وثقافة، جماعاتٌ أخرى من المتشدِّدين، الذين لا يقلُّون إضرارًا بالعَرَبيَّة؛ بتحويلهم إيَّاها إلى جنادل من الحجارة، أو عجين هجين، لا هو عَرَبي ولا أعجمي. ليس بتجميدها في الماضي فحسب، بل أيضًا بتخريط مولَّدها، ومصطلحها، ودخيلها، في خريطةٍ واحدة، ظاهرها عَرَبي، وباطنها بلا هوية.

ـ مثلًا.

ـ خذ مثالًا من إصرار بعضهم على إلباس الكلمات الأجنبيَّة، بل التي هي من قبيل المصطلحات العلميَّة عباءة (أبي جهل) و(أبي لهب)!

ـ مع أنها عباءة قديمة لا تليق بها!

ـ وليست على مقاساتها، مضحِّين بالكلمة العَرَبيَّة قبل الكلمة الأجنبيَّة. مثال هذا كلمة (خارطة)، التي ليست بكلمة عربيَّة الأرومة، بل أصلها باللَّاتينيَّة (خارتا Charta). وتعني رُقعة وَرَقيَّة أو نحوها، مرسومة عليها صورة الأرض، أو صورة جغرافية ما. جمعها: خارطات.(1) فماذا فعل العُربان المحدَثون، لله دَرُّهم؟ سَمَّوها، لله دَرُّهم: (خريطة). مع أنَّ الخريطة معروفة عند العَرَب، ولها معنى آخَر، لا علاقة له بالموضوع، من قريب ولا بعيد، بل الخريطة كيس، أو وعاءٌ من جلد، أو من قماش. ارتبطَ في المجتمعات العَرَبيَّة إمَّا بالطَّحين، أو بالمتسوِّلين، الذين يحملون خرائطهم لملئها بما يجدون، أو يجود عليهم به الناس. ولن تجد كلمة (خريطة) في الشِّعر الجاهلي ولا في صدر الإسلام. وفي العصر الأموي، قال (الفرزدق)(2)، مشيرًا إلى متسوِّلٍ يتلقَّط في خريطته ما قسمه الله:

أُسَيِّدُ ذُو خُرَيِّطَةٍ نَهَارًا

مِنَ المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُسَامِ

حتَّى إنَّ (أبا بكر محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن سهل الخرائطي)، المتوفَّى 327هـ، إنما لُقِّب بـ(الخرائطي)، لا لعلاقته بالجغرافيا ورسم خارطاتها، كما قد يتبادر إلى الذِّهن الملتاث بتعريب المعرِّبين، بل لصناعة الخرائط أو بيعها، وهي الأكياس المعروفة. فخلطَ معرِّبونا، لله دَرُّهم، هذا المعنى العتيق بعِلم الجغرافيا. كلُّ هذا هروبًا من الأحرف اللَّاتينيَّة. ولم يكتفوا بهذا، بل أدانوا، «بأشدِّ العبارات»، من يستعمل كلمة (خارطة) في المعنى الجغرافي، قائلين: قل: خريطة، ولا تقل: خارطة! حتَّى إنَّ (نزار قباني) قمعوه لُغويًّا، فصار يحمل خريطته ويمشي خائفًا، وهو يقول:

أمشـي على ورقِ الخريطةِ خائفًا

فعَـلَـى الخـريطـةِ كُلُّنا أغـرابُ

وخريطةُ الوطنِ الكبيرِ فضيحةٌ

فحَـواجـزٌ ومـخـافـرٌ وكِـلابُ

والصواب العكس، للأسباب الآتية.

1- العَرَب لم يعرفوا قطُّ كلمة (خريطة) بالمعنى الجغرافي.

2- كلمة (خارطة)، بوصفها مصطلحًا جغرافيًّا، ليست عَرَبيَّة أصلًا. بل أصلها لاتيني، كما أوضحنا.

3- ليس من الحكمة الاصطلاحيَّة، في كلِّ حال، مزاحمة كلمةٍ عريقةٍ مستقرَّةٍ بأخرى مولَّدة، وإنْ كانتا عربيَّتين كلتاهما.

ـ ولكن ما أكثر ما يرتكب المعرِّبون من هذه الحماقات، فيخلطون الحابل بالنابل، مخترعين للكلمة معاني شتَّى، ما عرفها العَرَب.

ـ والبركة في مجامع اللُّغة العَرَبيَّة غالبًا، وفحولها من اللُّغويِّين الأخيار! وفي هذا إفساد معجمي، وعبثٌ لُغوي، وتضخيمٌ مرضي في دلالات الألفاظ. فكيف إذا كانت الكلمة المولَّدة مصطلحًا، وقد قيل قديمًا لا مشاحَّة في المصطلح؟! من حيث إنَّ المصطلح تعبيرٌ رمزي أو مجازي، وليس بكلمةٍ موروثة عن العَرَب بالضرورة، لا العاربة ولا المستعربة.

ـ بل كيف إذا كان المصطلح غير عَرَبي أصلًا؟!

ـ وإنَّما الصواب هنا ما قاله الشاعر (عبدالكريم معتوق)، مثلًا:

واعرفْ عَدُوَّكَ من صديقِكَ ربَّما

غيَّرتَ خارطةَ الصداقةِ والعداوةْ

وهذا النموذج من «التخريط»- أي إدخال مصطلحٍ عِلميٍّ أجنبيٍّ في خريطة (الفرزدق) القديمة، وإلزام ألسنة الناس بدخول تلك الخريطة، إنْ تحدَّثوا أو كتبوا، وإلَّا أُقيم عليهم الحَدُّ، تحت مقصلة (قُل ولا تقُل)- ليس بالنموذج الفريد، بل ستجد معجماتٍ كاملةً منه في العصر الحديث، تدلُّ على الجهل المركَّب، بالعَرَبيَّة، وبالمصطلح، فضلًا عن تاريخ الألفاظ وتطوُّر الدلالات، وعلاقة العَرَبيِّ بالمُعَرَّب والدخيل.

 مرفأ:

وإِنَّ الصَّبْرَ، إنْ تَصْبِرْ، فُـوَاقٌ،

وإِنْ تَجْزَعْ، تَـمُتْ جُرَعًا طِوَالا

فلا تَجْزَعْ لِصائـلَـةٍ ضَرُوْسٍ؛

فكُـلُّ ضُرُوْسِها عَجَمَتْ زَوَالا

ولا ظَفَـرٌ مَعَ البَاغِـيْ يُرَجَّـى

ولا رَجُـلٌ إِذا رُمْـتَ الرِّجَـالا

وأَعْـدَى مَنْ تُعادِيْـهِ صَدِيْـقٌ

بِسَيْفِكَ يَمْتَرِيْكَ دَمًا سِـجَالا

وما كُلُّ امْرِئٍ مَارَى يُـعَادَى

ولا كُلُّ امْرِئٍ جَـارَى يُـوَالَـى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  وقد نبه إلى هذا الأصل (بطرس البستاني)، في معجمه (محيط المحيط، (خرط)).

(2)  يُنظَر: (1983)، ديوان الفرزدق، عناية: إيليا الحاوي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني- مكتبة المدرسة)، 2: 530/ 6.

في زمن العمل عن بعد: التواصل حين يفقد الجسد حضوره

مقدمة: حين انتقل المكتب إلى الشاشة

لعقودٍ، كانت المهارات الناعمة تُقاس بمعايير حضورية بحتة: نبرة الصوت، ولغة الجسد، والمصافحة، القدرة على "قراءة الغرفة" أثناء اجتماع. لكن التحول المتسارع نحو العمل عن بعد والعمل الهجين غيّر قواعد اللعبة جذريًا: أصبح جزء كبير من التفاعل المهني يمر عبر شاشة، ونص مكتوب، وصوت مضغوط في مكالمة فيديو. والنتيجة أن "التواصل الفعّال" -وهو ركيزة المهارات الناعمة- لم يعد يعني الشيء نفسه الذي كان يعنيه قبل عقد من الزمن، بل صار يتطلب مجموعة كفاءات جديدة لم تكن الجامعات ولا حتى أغلب برامج التكوين المهني قد أدرجتها بعد ضمن مناهجها.

1. مهارات لم تكن مطلوبة من قبل:

تشير عدة أدبيات حديثة حول متطلبات سوق الشغل إلى أن الاحترافية في استخدام منصات الاجتماعات الافتراضية مثل Zoom وMicrosoft Teams وGoogle Meet أصبحت مهارة قائمة بذاتها، لا مجرد إلمام تقني عابر، فهي تشمل معرفة آداب الحضور الرقمي: توقيت الدخول، وإدارة الكاميرا والصوت، والتفاعل من دون مقاطعة في بيئة تفتقر لإشارات لغة الجسد المعتادة. كما برزت الحاجة إلى إتقان التواصل المقتضب والفعّال عبر منصات الدردشة المهنية كـ"سلاك"، حيث يُقاس المهني بقدرته على إيصال فكرته في سطرين واضحين بدل عشر دقائق من الحديث الشفوي.

والأهم من ذلك، برزت مهارة جديدة كليًا لم تكن موجودة بالشكل نفسه في بيئة العمل التقليدية: التواصل غير المتزامن (Asynchronous Communication)، أي القدرة على إيصال الأفكار وتحديثات العمل بشكل مكتوب أو مسجَّل بوضوح تام، بما يُغني عن اجتماعات مطوّلة ويرفع الإنتاجية. هذه المهارة تتطلب مستوى أعلى من التنظيم الذهني والدقة اللغوية، لأن الكاتب لا يملك فرصة التصحيح الفوري لسوء الفهم كما في الحوار المباشر.

2. لماذا يصعب نقل المهارات الناعمة التقليدية إلى الفضاء الرقمي؟

المهارات الناعمة الكلاسيكية -كالذكاء العاطفي والإقناع- بُنيت أصلًا على قراءة إشارات غير لفظية: تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، والصمت الدال، والتواصل البصري. وحين ينتقل التفاعل إلى شاشة صغيرة أو رسالة مكتوبة، تختفي أغلب هذه الإشارات أو تتشوّه، مما يجعل سوء الفهم أكثر ورودًا وأصعب تداركًا. من هنا، فإن الموظف أو الطالب الذي أتقن "القراءة الاجتماعية" في الفضاء الفعلي قد يجد نفسه فجأة أقل كفاءة في بيئة رقمية، ليس لأنه فقد ذكاءه العاطفي، بل لأن أدواته التقليدية لم تعد كافية وحدها.

هذا يفسر لماذا تُلاحظ أدبيات التوظيف الحديثة أن المهارات الشخصية وحدها -مهما كانت قوية- لا تكفي للنجاح في العمل عن بعد، بل يحتاج الفرد إلى مزيج مركّب من المهارات الشخصية والرقمية والتنظيمية معًا، وهو ما يجعل هذا العصر أكثر تطلبًا لا أقل، خلافًا لتصور شائع يرى أن العمل عن بعد "أسهل" لأنه يُعفي الفرد من ضغط الحضور الاجتماعي المباشر.

3. مهارات إضافية يفرضها العمل الموزَّع:

- مع انتشار فرق العمل الموزَّعة عبر قارات ومناطق زمنية مختلفة، برزت حاجات جديدة تتجاوز حسن التواصل إلى:

- إدارة الذات من دون إشراف مباشر: الانضباط الذاتي وتنظيم الوقت أصبحا مهارة حاسمة حين يغيب المشرف عن الأنظار.

- التعاون بين ثقافات متعددة: العمل ضمن فرق دولية يتطلب حساسية ثقافية إضافية، إذ قد تُفسَّر نبرة معينة أو تعليق مباشر بشكل مختلف تمامًا حسب خلفية المحاور.

- حل المشكلات التقنية الأساس بشكل مستقل: العطل التقني أثناء اجتماع مهم يتطلب من الموظف مرونة سريعة لحل المشكلة بنفسه قبل اللجوء للدعم الفني، وهي مهارة تجمع بين الكفاءة التقنية والهدوء النفسي تحت الضغط.

إتقان بيئات العمل التعاونية الرقمية: أدوات كـ"Trello" و"Asana" لم تعد اختيارية، بل جزءًا من "اللغة" التي يتواصل بها الفريق حول تقدّم المهام.

4. الفجوة التكوينية لدى الطلبة العرب:

تكمن المفارقة في أن أغلب برامج التكوين الجامعي في العالم العربي ما تزال تُعِد الطالب لبيئة عمل حضورية تقليدية، بينما يجد نفسه بعد التخرج مباشرة أمام سوق شغل يتوقع منه إتقان آداب الاجتماع الافتراضي والتواصل الكتابي المهني منذ اليوم الأول. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تلجأ بعض المؤسسات والمراكز التدريبية المتخصصة إلى إطلاق شهادات وبرامج قصيرة مخصصة حصرًا لمهارات العمل عن بعد وأدواته، لسدّ فجوة لم تعد الجامعة التقليدية تغطيها بالسرعة الكافية.

خاتمة:

لم تعد المهارة الناعمة تقاس فقط بقدرة الفرد على التعامل وجهًا لوجه، بل بقدرته على إعادة بناء الحضور والتعاطف والوضوح داخل فضاء افتراضي مجرّد من كثير من الإشارات الإنسانية المعتادة. والطالب الذي يستثمر اليوم في تعلّم هذه المهارات الرقمية-الناعمة المركّبة -الكتابة المهنية الموجزة، آداب الاجتماع الافتراضي، الانضباط الذاتي عن بعد- لا يواكب مستحدات عابرة، بل يستعد لواقع مهني بات هو القاعدة لا الاستثناء.

تبسيط بعض المفهومات:

1.  سلاك (Slack): هو تطبيق للتواصل والمراسلة داخل فرق العمل والشركات، يُستخدم كبديل حديث للبريد الإلكتروني في التواصل اليومي.

أهم مميزاته:

- القنوات (Channels): مجموعات محادثة منظمة حسب المشروع أو الفريق أو الموضوع (مثلاً تسويق، مبيعات)

- الرسائل المباشرة: محادثات فردية أو جماعية خاصة.

- مشاركة الملفات: رفع ومشاركة المستندات والصور بسهولة.

- التكامل مع أدوات أخرى: يمكن ربطه بتطبيقات مثل جوجل درايف، تريلو، أسانا، وغيرها.

- البحث: يتيح البحث في كل المحادثات والملفات القديمة.

- المكالمات الصوتية والمرئية: مكالمات مباشرة داخل التطبيق.

- الفرق بينه وبين البريد الإلكتروني:

- سلاك مصمم للتواصل السريع وغير الرسمي، بينما البريد الإلكتروني أنسب للمراسلات الرسمية أو الطويلة. كثير من الشركات تستخدم سلاك للنقاشات اليومية السريعة بين الزملاء.

- له نسخة مجانية بميزات محدودة (مثل عدد رسائل محدود يمكن البحث فيها)، ونسخ مدفوعة للفرق الأكبر.

2.  تريلو (Trello) وأسانا (Asana) هما أداتان لإدارة المشاريع والمهام، يُستخدمان لتنظيم العمل الفردي أو الجماعي.

* تريلو (Trello):

- يعتمد على نظام "اللوحات" (Boards) و"البطاقات" (Cards).

- أسلوبه بصري بسيط، يشبه نظام كانبان (Kanban)، حيث تنقل البطاقات بين أعمدة مثل "قيد التنفيذ" و"مكتمل".

- مناسب أكثر للمشاريع الصغيرة والفرق التي تفضل البساطة.

* أسانا (Asana):

- أداة أكثر تفصيلاً وشمولية لإدارة المشاريع

- تدعم قوائم المهام، الجداول الزمنية (Timeline/Gantt)، وتوزيع المهام على أعضاء الفريق مع مواعيد نهائية.

- تحتوي على تقارير وتتبع تقدم أكثر تعقيداً، مناسبة للفرق والمشاريع الأكبر.

- الفرق الأساس بينهما:

- تريلو أبسط وأسهل تعلماً، لكنه أقل تعقيداً في الميزات.

- أسانا توفر مرونة أكبر وميزات متقدمة (مثل تتبع الاعتماديات بين المهام) لكنها قد تحتاج وقتاً أطول لإتقانها.

- كلاهما يقدم إصدارات مجانية بميزات محدودة، وخططاً مدفوعة للفرق الكبيرة.

***

آمال بن الطاهر - باحثة من المغرب

في قصور النسيان وضرورة التجاوز المعرفي

"النسيانُ طورٌ وجوديٌّ خالقٌ للذاتِ الإنسانيةِ وبصمتها إلى جانب الذاكرة" (أحمد عويّز، إرادة الوعي الإنساني)

لكلّ كائن في هذه الحياة بصمة تميّزه بين الموجودات، ويتجلّى هذا التميّز في الأثر المتحقّق في الوجود، كذلك الأزمات الوجوديّة، لها بصمة وأثر في الكائن المنفعل، ويختلف هذا الأثر باختلاف الأزمة والظرف، فبعض الأزمات تشوّه بصمة الكائن في الوجود، فتنحدر به أو تسمو به، وبين هاتين الثنائيتين (الانحدار والسمو) يبرز الأثر الفاعل لثنائية (الذاكرة والنسيان) سواء بكونهما إراديين أو لا إراديين.

الخلق فعلٌ وجوديٌّ مستمر، وهو جوهر الحياة، ونقيضه الموت تمامًا، ويجدر بي أن أبيّن مقصدي من الخلق والحياة والموت هنا، فأنا لا أعني بهذه الكلمات فعلها البايولوجيّ، إنّما الإبستملوجيّ، والحياة بصورتها الكليّة تتجلّى في الحركة، انطلاقًا من حركة الدّم في جوف الإنسان إلى حركة الأفلاك في السماء، والموت هو التوقّف، كذلك لو أخذنا هذه المعاني في جانبها الإبستملوجيّ، فالإنسان كائن منفعل بطبيعته، وهذا الانفعال القائم على الحركة الشعوريّة الداخليّة بغض النظر عن مسببه النفسي أو الحسّي، إنّما يكون باعثًا على الموت أو الحياة، عبر الحركة أو الركود.

الإنسان بصفته كائنًا حيًّا يتردد بين وجوديّته البشريّة ووجوديّته الإنسانيّة، وأعني بالبشريّة هنا الوجود البايولوجيّ، بينما الإنسانيّة تعني الوجود المعرفي، والوجود الأول محدود بالتمدد المادي، والذي ينصهر في الوجود بعد توقف حركة الدم فيه، بينما الوجود الثاني فله الأثر الدائم بحسب حركة أثره، وأعني بحركة الأثر هنا هو التأثير المستمر في البصمات الأخرى، أي يكون سببًا في ولادة بصمات جديدة كما سيتضح لاحقًا.

إنّ الأزمات الوجوديّة تمثّل مرحلة توقف وصدمة للكائن الإنسانيّ، وهذه الصدمة إمّا أن تكون قاتلة أو باعثة، ويتجلى أثرها القاتل – سواء كانت قاتلة أو باعثة - في جانبين، الأوّل: الركود والتوقف عند أثرها السام، وهو عجز الكائن الإنسانيّ على التجاوز، والثّاني: يتمثّل في تجاوزها القهري، فالأثر الباعث على الحياة قد يسبب ركودا في انقضائه، بينما يتجلّى أثرها في الباعث في جانبين كذلك، الأوّل: القدرة على التجاوز السلبيّ (النسيان)، والثّاني: التجاوز الإيجابيّ (الذاكرة)، وهو تقبّل هذا التجاوز ليكون استحضاره لاحقًا باعثًا على الحياة.

إنّ البصمة الإنسانيّة الفريدة للكائن البشري يمكن أن تتلوث تلوثًا خطيرًا بالأزمات الوجوديّة، مما تصيّر الكائن البشري بشريًّا ميتًا، أو متوحشًا، فاقدًا لكلّ معاني الإنسانيّة، وليستعيد هذا الكائن الحياة، لا بدّ له من التجاوز (بالنسيان) سواء كان هذا النسيان بإرادته أو بطبعه، كذلك النقيض لهذه الأزمات، تلك المواقف التي تبعث في الإنسان حياة سامية عند استحضارها (بالذاكرة)، فهذه الثنائية (النسيان، الذاكرة) تخلق بصمة جديدة، أو تسهم في تطويرها، أو استمراريتها في الوجود، بشقيه البشري والإنساني، ولكن قد تبدو هذه النظرة نظرةً مثاليّة للوجود، فالإنسان مهما تناسى لا بدّ أن تمارس الذاكرة عليه فعلًا مضادًّا، فتبعث الأزمة من جديد، بصرف النظر عن السبب وراء هذا البعث، سواء كان إراديًّا أو العكس، فقد تُبعث الأزمات بأزمات لاحقة، وحتّى النسيان ولا سيما ذلك المتحقق بالطبع، قد يُبعث بأزمات لاحقة، فهي كامنة في اللاوعي الإنسانيّ، ولا يمكن قهرها بأيّ شكل من الأشكال.

إنّ النسيان رغم تحقّقه بصوره المتعددة، لا يمكن أن يخلق بصمة مستقرّة في الوجود، وأعني من جهة الكائن الفرد، فالأثر المنسي للأزمات الوجوديّة يجد المنفذ دائمًا ليظهر، بالباعث الوجودي المستمر في الحياة، لذلك لا بد للإنسان أن يتجاوز النسيان نفسه - وربما أعارض أستاذي (أحمد عويّز) في هذه القضيّة – إلى تقبّل هذا الأثر المتجدّد، بضبط انفعالاته الناتجة.

إنّ ضبط الانفعالات الناتجة عن آثار الأزمات يضع الكائن الإنسانيّ أمام خطر وجوديّ، وربّما هو عين التوحّش الذي يشير إليه الأستاذ الدكتور أحمد عويّز، مما أفضى به الحال إلى ضرورة النسيان أو التناسي، ولكنني أرى ثمَّة حلّ أنجع، وهو التجاوز المستمر، فأوّلًا تجاوز الأزمة فأثرها ثمّ ثانيًا: تجاوز التقبّل نفسه، ويكون ذلك بإعادة خلق الأثر للأزمة، فالأزمات الوجوديّة مهما بلغ سمّها في الكائن البشري (أو الإنساني) يمكن بانضباطه المعرفي أن يعيد خلق هذا الأثر ليكون باعثًا للحياة، وفي هذه الحال، تبدو الأزمات الوجودية صورة حقيقية للحياة، على العكس من نقيضتها، فهذه الأزمات لا تخلق وهمًا بل تخلق شعورًا عميقًا بالوجود.

***

حيدر مجيد اليعقوبي - كليّة الآداب / جامعة الكوفة

ما نشهده اليوم في المشهد الثقافي العربي ليس مجرد تراجع عابر، بل هو انقلاب كامل في المعايير، حيث صعد "المتنمر" ليتربع على عرش النقد، مغيبا بذلك دور الناقد الحقيقي. إن هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة تعيشها مجتمعاتنا، حيث تركت الأنظمة الشمولية خلفها إرثا من الاستبداد، فتسربت آليات القمع السياسي إلى ذائقة المتلقي وطريقة تفكيره. لقد تحول النقد، الذي كان في جوهره فعلا معرفيا يغوص في أعماق النص، إلى عملية إعدام علنية لكل قيمة فكرية رصينة، وكأننا أمام استنساخ مشوه لأساليب القمع التي خبرناها في السياسة، ولكن هذه المرة بأدوات ثقافية.

في هذا الفضاء الذي تضيق فيه مساحات الحرية وجد المتنمر ضالته في فوضى العالم الرقمي. إنه كائن لا يملك عدته المعرفية ولا يتقن فن المساءلة، بل يتسلح بغريزة التسقيط التي تشربها من سياق سياسي لا يؤمن بالاختلاف، بل يرى في الآخر خصما تجب تصفيته. هنا، صار النقد مجرد تصفية حسابات شخصية، ومسرحا لسيركا والضجيج يفتقر لأدنى مستويات الحوار الواعي. والنتيجة هي غزو مريع للرداءة التي تجد من يرفعها، ويغيب فيها الناقد القادر على قول "لا" في وجه جوقة المصفقين.

إن موت الناقد ككيان اعتباري وولادة الناقد المتنمر هو الذي أفرغ الثقافة من جوهرها. هذا المتنمر لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليحطم، متخذا من الانطباعية السطحية قناعا يغطي به جهله المطبق بالمنهج. إنه يمارس نوعا من الجبن المعرفي تحت غطاء الحرية، مستغلا صخب المنصات الرقمية لفرض سطوته، حيث بات الصراخ والشتائم هما المعيار للحضور، لا عمق الفكرة أو قوة الحجة. لقد تحولت اللغة من وسيلة للارتقاء بالجمال والحقيقة إلى أداة استئصالية هدفها اغتيال الشخصية بدلا من نقد النص.

نحن عالقون في مأزق تنميط الوعي فالمتنمر يقود القطيع ويحوله إلى سجن مفتوح تسوده قيم الغوغاء. لقد صار المشهد الثقافي حلبة يغيب عنها التنوير، ويحضر فيها تسليع وتسطيح الأدب. الخطر الحقيقي أن هذا السلوك تحول إلى معيار، فحين يسود منطق القوة وتختفي الرصانة خلف ضجيج المدعين، يضيع صوت المثقف الحقيقي في زحمة التشهير. إن الثقافة تحولت إلى مجرد استعراض للعضلات اللغوية، حيث يظن البعض أن مجرد القدرة على الهجوم تعني التفوق الفكري.

استعادة النقد اليوم ليست مجرد دعوة للنظام أو للتنظيم، بل هي ثورة أخلاقية ضرورية. نحن لا ننتظر إصلاحا من سلطة ترفض النقد، بل علينا أن ننتزع فضاءنا المعرفي من براثن أولئك الذين يلوثون ذائقتنا. إن معركتنا ضد "اللاشيء" هي معركة من أجل الحقيقة، ضد عقلية الإلغاء التي تريد مصادرة وجداننا. إننا مدعوون لرفع الحرمة عن النص الأدبي وحمايته من عبث الجاهلين، وإعادة الاعتبار للنقد كفعل تواضع أمام المعرفة، لا كأداة للتسلط.

في نهاية المطاف، نحن أمام خيار لا يحتمل المراوغة: إما أن نسترد النقد كضمير لهذا المجتمع يفكك كل أوهام السلطة والغوغاء، أو أن نترك أدبنا يغرق في وحل التفاهة، حيث لا يتبقى لنا سوى صدى صرخات أولئك الذين يظنون أن التسقيط هو قمة الإبداع. التاريخ لن ينصف أحدا من هؤلاء، بل سيحفظ أسماء أولئك الذين ظلوا أوفياء للفكرة، ورفضوا أن ينحنوا لعاصفة الغوغاء، مفضلين عناء السؤال على راحة الجهل الذي يغلف يومنا.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

(يجب على الرجل أن يكون مجنونًا بعض الشيء إذا كان لا يريد أن يصبح أكثر غباءً)... ميشيل دي مونتاني

في تاريخ الآداب الغربية، ثمّة أسماءٌ اخترعتْ أشكالاً للكتابة، وثمّة أسماءٌ احترقت واخترقتْ أرواحا سكنتها ً، وميشيل دي مونتين (1533-1592)، الذي استقرّ في المخيال الثقافي الغربي بوصفه "أبا للمقالة الحديثة"، ينتمي ولا شك إلى الفئة الثانية.

صحيح أن النثر التأملي القصير لم يولد معه؛ فقبله بألف عام، كان الفيلسوف الرواقي سينيكا يمسك بقلمه ويكتب: "كُنْ فاضلاً"، وسيطر على أهوائك" خطاب تعليمي من مُعلّمٍ وفيلسوف يبحث عن الحقيقة، إلى تلميذٍ يبحث عن شغف المعرفة وينتظر الهداية.

في مقابل ذلك ميشيل دي مونتين لم يكتب ليُجيب، بل سأل: “ ماذا أعرف؟"  كتب بالفرنسية آنذاك، لغة السوق والبيت والشارع، التي كانت لا تزال فتيةً تنتظر من يمنحها مادتها ونخاعها. في تلك اللحظة، لم تكن المقالة تُطوَّر بصفتها قالباً أدبياً فحسب، بل كانت تولد من جديد بصفتها ثورة مزدوجة: ثورة في الوعي، وثورة في اللغة. لقد حوّل مونتين الكتابة من منبر للوعظ إلى مختبر للتجريب، وأعلن، في عبارته الشهيرة: "أنا نفسي موضوع كتابي"، لا عن نرجسية، بل عن منهج. فالذات عنده لم تعد وسيلة لإيصال الحكمة، بل غدت الأداة والموضوع معاً، والشك لم يعد مرحلة عابرة نحو اليقين، بل صار فضيلة دائمة، والجسد بأحاسيسه الملموسة صار مصدراً للحقيقة يضاهي نصوص أرسطو واشعار المتصوفة.

ولكن، هل تكفي شجاعة البوح والارتياب لصنع أثر خالد؟ هنا، يفتح لنا التاريخ الأدبي نافذةً شرقية استثنائية، تُلقي على مشروع مونتين ضوءاً مختلفاً. ففي القرن الرابع الهجري، جلس فيلسوف عربي، هو أبو حيان التوحيدي (1023م)، على حافة التجربة نفسها. في "الإمتاع والمؤانسة" و"الصداقة والصديق"، جعل من ذاته مادة للكتابة، وسجّل قلقه وفقره وشكوكه وخيباته، ومزج الحكمة بالتفاصيل اليومية، تماماً كما فعل مونتين. غير أن النهاية كانت مختلفة فبينما تحولت "مقالات" مونتين إلى نهر جارف غيّر مجرى الأدب الأوروبي، أحرق التوحيدي كتبه قبل موته، يائساً من زمن لم يفهمه، وبقي صوته فردياً معزولاً، لم يؤسس تياراً ولم يخلق نوعاً. في هذه المفارقة القاسية يكمن سؤالنا المحوري: ما السرّ الكامن في كتابة مونتين، الذي جعلها قادرة على النجاة والتأثير، بينما انطفأت شعلة التوحيدي في رماد الصمت؟

في هذا المقال، سنجادل بأن عبقرية مونتين لم تكن في اختراع قالب، بل في تأسيس علاقة جديدة كلياً بين الكاتب وقارئه، وبين الذات والعالم. لقد نقل الكتابة من طور التعليم إلى طور الاستكشاف، فخلق قارئاً هو رفيق بحث، لا تلميذاً. ومن داخل معمله الخاص، حيث شكّ في كل شيء، خرج بأعمق يقين إنساني: يقين التسامح، الذي جعله، في فرنسا التي مزقتها حروب الدين، صوتاً للتعايش وإعلاناً جديداً للإنسانية المشتركة.

حياة مونتين

في 28 فيفري 1533، ولد الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين كان أحد أهم الفلاسفة في عصر النهضة الاوربية، والمعروف بكتابته للمقال كنوع أدبي. اشتهر عمله بدمج الحكايات العفوية والسيرة الذاتية مع البصيرة الفكرية.

وُلِد مونتاني باسم ميشيل إيكيم في قلعة مونتاني، وكان الأكبر بين أربعة أطفال لوالده بيير إيكيم، وهو رجل فرنسي كاثوليكي روماني رافق الملك فرانسيس الأول في حملته على إيطاليا، وكان على تماس بأفكار عصر النهضة والإنسانية. وشغل الأب عدة مناصب عليا في مدينة بوردو. وكانت والدة مونتاني أنطوانيت دي لوب دي فيلنوف (1514-1603) من تولوز. وبعد ولادته، وُلد مونتاني لدى ممرضة تعيش في ظروف بسيطة في قرية بابيسوس القريبة من مونتبيروكس. وعندما عاد إلى أسرته في سن الثالثة تقريبًا، استأجر والده طبيبًا من ألمانيا يُدعى هورستانوس كمعلم، ولم يكن يجيد التحدث بالفرنسية، وكان يتحدث اللاتينية فقط مع الطفل. ولأن الوالدين حاولا أيضًا القيام بذلك، وحتى الخدم اضطروا إلى المحاولة، فقد أصبحت اللاتينية تقريبًا لغة مونتاني الأم. من عام 1539 إلى عام 1546 التحق مونتين بكلية جوين في بوردو، حيث كان أساتذته يخشونه أحيانًا لأنه كان يتحدث اللاتينية بشكل أفضل منهم. لا يُعرف أي شيء تقريبًا عن الأعوام من 1546 إلى 1554. ربما أكمل مونتين أولاً دراسات تمهيدية في كلية الفنانين في بوردو، ثم دراسات في القانون.

مستشار العدل والعمل السياسي

في عام 1554، وفي سن الحادية والعشرين، عُيِّن مونتاني في منصب مستشار قضائي في محكمة الضرائب، Cour des aides، في بيريجو. وفي نفس العام، رافق والده، الذي انتُخِب للتو عمدة، إلى باريس للتفاوض مع الملك. ومنحه عم مونتاني، بيير إيكيم سينيور دي جوجاك، مقعده كقاضي في بيريجو في عام 1556. وعندما حُلت محكمة الضرائب في بيريجو في عام 1557، مُنح مونتاني منصب مستشار قضائي في برلمان بوردو، المحكمة العليا لمقاطعة غوين. وفي بوردو، كان مسؤولاً بشكل أساسي عن غرفة الاستئناف، Chambre des Enquêtes. وهناك حقق في القضايا القانونية وحكم فيها. وبصفته قاضي استئناف، لم يصدر حكمًا بنفسه، بل قدم تقييمه المكتوب لزملائه القضاة الذين كانوا ينظرون في القضية. بالإضافة إلى ذلك، ترأس أيضًا الإجراءات المدنية. سافر إلى باريس في الأعوام 1559 و1560 و1562 بصفته مستشاراً للعدل.

الالتزام بالكاثوليكية والكتابات الأولى

خلال إقامته الأخيرة في باريس، والتي طغت عليها بداية الحروب الهوغونوتية ومذبحة واسي، أعلن مونتين، مع قضاة آخرين من البرلمانات الفرنسية المختلفة، التزامه رسميًا بالكاثوليكية. وعند وفاة والده، بيير إيكيم دي مونتين، في عام 1568، ورث الجزء الأكبر من ممتلكاته، وفقًا لقواعد تقسيم التركة بين النبلاء. في عام 1569، أكمل ترجمة مشروحة لكتاب " لاهوت المخلوقات الحرة " (1434-1436) لعالم اللاهوت والطبيب الكاتالوني ريموند سيبوند، وهو من مواليد تولوز. كان قد بدأها بناءً على طلب والده. وفي نفس الوقت الذي تمت فيه هذه الترجمة من اللاتينية إلى الفرنسية، قدم مونتين في باريس مجموعة من القصائد الفرنسية واللاتينية لصديقه لا بويتي مطبوعة.

في عام 1571، وفي سن الثامنة والثلاثين، استقال مونتاني من منصبه كقاضي وتقاعد في قصره. "لقد عشنا ما يكفي من أجل الآخرين - دعونا على الأقل نعيش هذا الجزء الأخير من الحياة لأنفسنا" هو تصريحه الخاص عن هذا الخلوة.

سينيكا ومونتين ونهاية عصر المعلم

لكي نفهم عمق الثورة التي أحدثها مونتين، لا بد من أن نضعه وجهاً لوجه أمام أبرز من سبقه في تقاليد النثر التأملي الغربي: الفيلسوف الرواقي لوكيوس أنايوس سينيكا (ت. 65م). للوهلة الأولى، قد يبدو الرجلان متشابهين: كلاهما كتب نثراً تأملياً قصيراً، وكلاهما انشغل بأسئلة الأخلاق والحياة والموت. لكن هذا التشابه السطحي يخفي قطيعة تأسيسية هي، في جوهرها، إعلان عن نهاية عصر كامل من الكتابة وبداية عصر جديد. إن الفارق بين سينيكا ومونتين ليس فارقاً في الدرجة أو في الأسلوب فحسب، بل هو فارق في الموقع الذي يقف فيه الكاتب من ذاته، ومن قارئه، ومن الحقيقة نفسها. إنه فارق بين من يكتب لأنه يملك الإجابة، ومن يكتب لأنه يجرؤ على طرح السؤال.

سينيكا كتب من موقع المعلم الذي يمسك بالحقيقة. إنه وريث لفلسفة رواقية مكتملة، يملك مفاتيحها ويعرف غاياتها. حين يكتب لصديقه لوسيليوس، فهو لا يستكشف معه الحكمة، بل يمنحه إياها. جمله القصيرة الحازمة مثل "كن فاضلاً" و"سيطر على أهوائك" ليست دعوات للحوار، بل هي أوامر للتهذيب. إنها كتابة تنطلق من يقين مكتمل، وتستهدف بناء ذات أخلاقية وفق مخطط مسبق. المعرفة هنا سلطة، والكتابة ممارسة لهذه السلطة.

أما مونتين فيكتب من موقع السائل الذي لا يملك شيئاً على وجه اليقين. إنه لا ينتمي إلى مدرسة فلسفية، ولا يدافع عن مذهب، ولا يبشر ببرنامج أخلاقي. شعاره "ماذا أعرف؟" ليس تواضعاً فارغاً، بل هو إعلان منهجي. إنه يحول الشك من محطة عبور نحو اليقين (كما هو الحال في الشك المنهجي الديكارتي لاحقاً) إلى مقام دائم وفضيلة في حد ذاتها. إنه لا يكتب ليقول لنا ماذا يجب أن نكون، بل ليرينا كيف يحاول هو أن يكون. الفارق هائل: سينيكا يكتب ليُعلّم، ومونتين يكتب ليفهم. الأول يكتب بعد أن وصل، والثاني يكتب كي يصل، وهو يعلم أنه لن يصل أبداً.

عند سينيكا، الذات حاضرة بلا شك. لكنها حاضرة بصفتها شاهداً على صحة المذهب، ووسيلة لإيصال الحكمة. إنه يستخدم تجاربه وحياته كأمثلة تعليمية، لكنه لا يجعل من ذاته موضوعاً للفحص والتشريح. الذات عنده وسيلة لا غاية.

أما مونتين فيفعل العكس تماماً. إعلانه الشهير "أنا نفسي موضوع كتابي" ليس اعترافاً عابراً، بل هو إعلان تأسيسي لمنهج جديد. إنه ينزل عن منبر الحكمة ويجلس على طاولة التشريح، ويجعل من ذاته المختبر والأداة والموضوع معاً. هو لا يسأل: "ماذا تقول الفلسفة عن الصداقة؟" بل يسأل: "ماذا حدث لي، أنا ميشيل دي مونتين، حين فقدت صديقي لابويسي؟". هذا التحويل لموقع الذات هو الذي سيخلق، لاحقاً، أدب الاعتراف والمذكرات والمقال الشخصي كله.

سينيكا سيد بلاغي لا يُشق له غبار. جمله قصيرة، متناظرة، محسوبة كضربات السيف. أسلوبه مصقول، لأنه يكتب ليقنع. كل جملة عنده تؤدي غرضاً تعليمياً، وكل صورة بلاغية تخدم حجة أخلاقية. إنها كتابة تعرف وجهتها مسبقاً، وتسير نحوها بخطى ثابتة.

أما مونتين فيكتب بطريقة مختلفة جذرياً. أسلوبه متعرج، حواري، مليء بالاستطرادات والتناقضات والتحولات المفاجئة. إنه يحاكي الفكر الحي وهو يعمل، لا الفكر بعد أن اكتمل. هو نفسه يقول: "إذا لم يكن هناك جمال على اليمين، فاذهب إلى اليسار... لا أخطط لخط مسبقاً، لا الخط المستقيم ولا الخط الملتوي". هذا الاستطراد ليس عيباً أدبياً، بل هو جزء من الحجة: إنه يقول لنا، بأسلوبه قبل كلماته، إن التفكير الحقيقي لا يسير في خط مستقيم، وإن المعرفة الحية لا تشبه بناءً هندسياً بقدر ما تشبه نهراً يبحث عن مجراه. سينيكا يكتب ليقنع، ومونتين يكتب ليفكر. وهذان فعلان مختلفان تماماً.

وهنا نصل إلى الفارق الأعمق والأكثر تأثيراً. سينيكا يخاطب قارئاً هو تلميذ. العلاقة بينهما عمودية، تنحدر من الأعلى إلى الأسفل، من العليم إلى الجاهل، من المعلم إلى المتعلم. القارئ هنا متلقٍ سلبي، وظيفته أن يسمع ويطيع. الكتابة عند سينيكا، بهذا المعنى، ممارسة للسلطة الأبوية على القارئ.

مونتين يخلق قارئاً جديداً تماماً. إنه لا يخاطب تلميذاً، بل يخاطب رفيق بحث. العلاقة هنا أفقية، بين ندّين يبحثان معاً. القارئ ليس متلقياً سلبياً، بل هو مشارك في عملية التفكير. وهذا بالضبط ما يفسر الشعور الغريب الذي ينتاب كل من يقرأ مونتين: إنه يشعر أن الرجل صديقه، أن الصفحة مرآة، أن الحوار لا يجري على الورق بل في أعماق الذات. مونتين لم يكتب لنا، بل كتب معنا، أو بالأحرى، كتبنا نحن من خلاله

الصداقة مونتين والتوحيدي وجهاً لوجه

يتفق التوحيدي ومونتين، للوهلة الأولى، في رفضهما القاطع للصداقة النفعية، تلك التي تقوم على المنفعة أو المتعة العابرة، ويعتبرانها علاقة ناقصة لا تستحق اسم الصداقة. لكن هذا الاتفاق الظاهري يخفي اختلافاً جوهرياً في المنهج، ويكشف عن مسارين مختلفين تماماً في التفكير.

عند التوحيدي، الصداقة الحقة مشروطة بـ"المشاكلة العقلية" و"التماثل الروحي الخالص". إنها، في تصوره، تنبثق من انسجام قبلي في الطبائع والسجايا، من "مواتاة خُلقية" تسبق حتى اتفاق الأقوال والأفعال. يقول، ناقلاً عن أستاذه أبي سليمان السجستاني، واصفاً العلاقة المثلى بين صديقين: "اختلطت ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكوناً... ومع ذلك فبيننا بالطالع، ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة، حتى أنا نلتقي كثيراً في الإرادات، والاختيارات، والشهوات، والطلبات". إنه هنا يبحث عن شرط قبلي يجعل الصداقة ممكنة، عن سبب موجود سلفاً في الطبائع أو حتى في النجوم، يسبق اللقاء ويُفسره. المنهج هنا عقلي-أخلاقي، يبحث عن العلة والسبب.

أما مونتين، فيفعل شيئاً مختلفاً تماماً. الصداقة عنده لا تُشترط بشيء سوى الحرية المطلقة للاختيار. إنها "فعل إرادي حر" ينبع من الذات وحدها، لا من انسجام قبلي في الطبائع. هو لا يبحث عن سبب، بل يقف بخشوع أمام الحدث الوجودي الفريد. وحين يريد أن يفسر صداقته العميقة مع إتيان دو لا بويسي، ذلك الشاب الذي تعرّف عليه ومات بعد أربع سنوات فقط، لا يجد أي تفسير عقلي أو خلقي أو فلكي. فيكتب جملته الشهيرة التي لا تفسر شيئاً وتقول كل شيء: "لأنه هو، ولأني أنا". إنه يرفض أي تفسير قبلي، ويقف عند التجربة الخالصة كحدث وجودي متفرد، لا يُعلل ولا يُختزل إلى شروط. هذا هو المنهج المونتاني في أقصى تجلياته: رفض التفسير، وقبول الغموض، والوقوف عند شهادة الذات الحية.

هذا الفارق المنهجي يتعمق أكثر حين ننظر إلى كيفية تصور كل منهما لوحدة الصديقين. كلاهما يطمح إلى الوحدة، لكن طبيعة هذه الوحدة تختلف اختلافاً جذرياً.

التوحيدي يتحدث عن "ممازجة نفسية" و"مشاكلة عجيبة" تجعل الصديقين يلتقيان في الإرادات والاختيارات. الوحدة هنا تماثل قبلي يُكتشف، لا يُصنع. الصديق هو "أنا" أخرى بمعنى أنه يطابقني في الجوهر، أننا كنا متشابهين قبل أن نلتقي، ثم اكتشفنا هذا التشابه.

مونتين يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. الصديق عنده ليس من يطابقني، بل من يصير "أنا أخرى". الوحدة هنا ذوبان لاحق للإرادتين، حدث فريد لا يمكن تفسيره بأي سبب. في رحاب هذه العلاقة، تتلاشى الحدود بين الساكن والمسكون، فلا يعود الصديق "آخراً" يُضاف إلى الذات، بل يصير امتداداً لها. إنه "مسرح الإيمان الأنثروبولوجي والروحي بالآخر"، وهو الذي يمنح الذات إمكانية التماسك. وإذا كان التوحيدي يبحث عن سبب للوحدة، فإن مونتين يقف مذهولاً أمام معجزتها، ويكتفي بشهادته الحية عليها.

الاختلاف المنهجي يبلغ ذروته حين ننظر إلى تشخيص كل منهما للعوائق التي تحول دون الصداقة. هنا، ينكشف الفارق بين المنهجين بأوضح صورة ممكنة.

التوحيدي يُرجع استحالة الصداقة إلى عوامل خارجية واجتماعية. إنه ينظر حوله فيرى فساد الزمن وانحلال النسيج الأخلاقي، فيُطلق صرخته المدوية: "سوق الوفاء قد كسدت". ثم يُخضع الفئات الاجتماعية الرئيسية لتحليل نقدي لاذع: الملوك لا يصلحون للصداقة لأن سلطتهم تجري على القهر والهوى، والتجار لا يصلحون لأنهم أهل مصلحة ومقايضة، وحتى العلماء يفسدهم الحسد والتنافس على المكانة. العائق، إذن، في المحيط الاجتماعي، في الزمن الفاسد، في المجتمع المنحل.

مونتين يفعل العكس تماماً. إنه لا ينظر إلى الخارج، بل إلى الداخل؛ لا إلى المجتمع، بل إلى طبيعة العلاقة نفسها. إنه يستبعد الأب وابنه من دائرة الصداقة، لا لفساد الزمن، بل لثقل اللامساواة المفرطة التي تحول دون قيام شراكة حرة بين ندّين. ويستبعد الإخوة، لأن رباط الدم يسبق الإرادة ويقيدها، فيحل "الواجب المفروض" محل "الاختيار الطوعي". ويستبعد العلاقة القائمة على العاطفة، لأنها طائشة متقلبة. العائق عنده ليس في فساد المحيط، بل في افتقاد الحرية الإرادية الخالصة، في أن العديد من العلاقات الإنسانية تُفرض علينا أو تنشأ عن حاجة، لا عن اختيار حر. إنها نظرة وجودية تتجه إلى صميم الكينونة، لا إلى ظروفها الاجتماعية.

من الذات إلى العالم

لكي نفهم قيمة ما فعله مونتين، يجب أن نتذكر العالم الذي كان يعيش فيه. فرنسا القرن السادس عشر لم تكن مجرد بلد يشهد صراعاً سياسياً، بل كانت مسرحاً لواحدة من أبشع الحروب الأهلية في التاريخ الأوروبي: حروب الدين بين الكاثوليك والبروتستانت (الهوغونوت). ليلة القديس بارثولوميو (1572) وحدها، التي شهدها مونتين بنفسه، أغرقت شوارع باريس بالدماء. لقد كان الناس يقتلون بعضهم بعضاً، ليس من أجل أرض أو مال، بل من أجل أفكار. من أجل يقينيات. كل طرف كان على ثقة مطلقة بأنه يمتلك الحقيقة، وأن الطرف الآخر ليس مخطئاً فحسب، بل هو عدو لله يجب إبادته.

في هذا السياق، لم يكن الشك ترفاً فلسفياً. كان فعلاً أخلاقياً جذرياً. حين كان الجميع يصرخون: "نحن على حق!"، كان هناك رجل واحد، في برجه الريفي، يهمس لنفسه: "ماذا أعرف؟". وحين كان الجميع على استعداد للموت والقتل من أجل يقينياتهم، كان هذا الرجل نفسه يحفر على ميداليته: "أضبط نفسي". لم يكن هذا انسحاباً من العالم، بل كان تأسيساً لموقف أخلاقي جديد، ينبع من الداخل لا من الخارج، ومن الشك لا من اليقين، ومن ضبط الذات لا من إدانة الآخر.

هنا تكمن عبقرية مونتين الأخلاقية، وهي معادلة بسيطة وعميقة في آن: إذا كنت لا أملك الحقيقة المطلقة، فبأي حق أقتل جاري الذي يختلف معي؟

إنها معادلة تنبع مباشرة من منهجه. لأنه بدأ بتشريح ذاته، ولأنه اكتشف كم هي هشة ومتغيرة ومليئة بالتناقضات، ولأنه اعترف لنفسه بأنه لا يعرف شيئاً على وجه اليقين، فقد أصبح من المستحيل عليه أن يدين الآخرين. كيف تدين غيرك وأنت لا تفهم نفسك؟ كيف تقتل غيرك من أجل فكرة وأنت لا تثق بأفكارك الخاصة ثقة كاملة؟ إن الشك، في يد مونتين، لا يؤدي إلى العدمية أو اللامبالاة، بل يؤدي إلى التسامح. إنه يخلق مسافة بين الذات وعقائدها، مسافة تجعل الحوار ممكناً، وتجعل القتل مستحيلاً.

هذا هو بالضبط ما جعل مونتين، الكاثوليكي الملتزم ظاهرياً، قادراً على أن يكون صديقاً للبروتستانت، وعلى أن يتفاوض مع هنري نافار (الزعيم البروتستانتي الذي أصبح لاحقاً ملكاً)، وعلى أن يدعو، في خطابه أمام برلمان بوردو عام 1574، إلى المصالحة بين الطوائف. لم يكن يفعل ذلك من منطلق لامبالاة دينية، بل من منطلق يقين أخلاقي واحد: أن اليقين الديني لا يبرر القتل أبداً.

هناك بعد آخر لهذا التسامح، ينبع مباشرة من رؤية مونتين للذات. إذا كان الإنسان، كما اكتشف مونتين في مختبره الذاتي، كائناً متغيراً، متناقضاً، غير ثابت على حال، فكيف يمكن أن ندينه إدانة نهائية؟

في مقاله "في التوبة"، يكتب مونتين: "أنا لا أصور الكائن، بل أصور المرور". إنه لا يرسم جوهراً ثابتاً، بل يرسم حركة. وإذا كان الإنسان حركة، لا جواهر، فإن الحكم عليه يجب أن يكون حركة أيضاً. لا أحد يستحق الإدانة المطلقة، كما لا أحد يستحق التمجيد المطلق. هذا ليس تردداً أخلاقياً، بل هو فهم عميق للطبيعة البشرية: نحن ما نحن عليه الآن، وقد نكون شيئاً مختلفاً غداً. والتسامح، بهذا المعنى، ليس فضيلة فحسب، بل هو الموقف الوحيد المناسب لكائنات مثلنا، لا تملك ثباتاً ولا تملك يقيناً.

وهكذا، تكتمل الدائرة. مونتين لم يخرج من برجه لكي يغير العالم. إنه خرج من برجه لأنه كان مضطراً: كعمدة لمدينة بوردو (1581-1585)، وكمفاوض بين الأطراف المتصارعة، وكشاهد على الطاعون الذي اجتاح المدينة. لكنه حين خرج، كان يحمل معه ذلك المنهج الذي طوره في عزلته: الشك، والتواضع المعرفي، وفهم الذات، وقبول التناقض.

وحين طُبق هذا المنهج على السياسة، أنتج شيئاً نادراً في ذلك الزمن، وفي كل زمن: صوتاً يدعو إلى التعايش لا إلى الانتصار، وإلى الحوار لا إلى الإبادة، وإلى الفهم لا إلى الإدانة. لم يكن مونتين ثورياً سياسياً، ولم يدعُ إلى تغيير النظام. لكنه فعل ما هو أعمق من ذلك بكثير: لقد أسس لأخلاق مدنية جديدة، تقوم على فكرة أن الاعتراف بضعفنا البشري هو أقوى أساس للتعايش معاً.

الخلاصة

إن عبقرية مونتين، كما جادلنا، لم تكن في اختراع قالب أدبي جديد، بل في تأسيس علاقة جديدة كلياً بين الكاتب وقارئه، وبين الذات والعالم. لقد نقل الكتابة من طور التعليم إلى طور الاستكشاف، فخلق قارئاً هو رفيق بحث، لا تلميذاً. وجعل من الشك فضيلة دائمة، لا محطة عابرة، فحوّل التواضع المعرفي إلى أساس للتسامح المدني. وجعل من الذات مختبراً للتجريب، لا منبراً للوعظ، فمنح الأدب الأوروبي مادته الأكثر خصوبة: الإنسان بكل هشاشته وتناقضه وجسده وآلامه. وجعل من الفرنسية، تلك اللغة الفتية، لساناً للفلسفة والحياة معاً، فأثبت أن الحكمة لا تسكن في أبراج اللاتينية وحدها.

وهنا، في هذا المنعطف الأخير، نجد الإجابة عن سؤال المفارقة الذي طاردنا منذ البداية: لماذا نجح مونتين حيث فشل التوحيدي؟ ليس لأن مونتين كان أعمق تفكيراً أو أصدق بوحاً، بل لأنه، وببساطة مدهشة، كتب لقارئ لم يوجد بعد، ثم خلقه بكتابته. لقد اخترع قارئه مع كل صفحة. أما التوحيدي، فرغم عبقريته الموازية، كتب لقارئ كان ينبغي أن يوجد، فلم يجده. لقد احترق وحده.

***

عمرون علي

بين الفلسفة اليونانية والفلسفات المشرقية

مقدمة: يمتد عصر ازدهار الفلسفة العربية الإسلامية بين القرن الثامن والثاني عشر الميلادي، ويُعدّ من أخصب الفترات في تاريخ الفكر الإنساني. نشأ هذا العصر في ظل الدولة العباسية، خاصة في بغداد مركز الحضارة الإسلامية، حيث اجتمعت عوامل سياسية واقتصادية وثقافية لتفتح أبواب الحوار بين التراث اليوناني القديم والفلسفات المشرقية (فارسية وهندية وسورية ومصرية قديمة) وبين الرؤية الإسلامية للكون والإنسان. لم تكن هذه الفلسفة مجرد نقل أو ترجمة، بل كانت عملية إبداعية استرجاعية: استرجاع للمعارف القديمة، إعادة صياغتها في سياق إسلامي، وتجاوز لها نحو تأسيس تقليد فلسفي أصيل. استرجع الفلاسفة المسلمون التراث اليوناني (أرسطو وأفلاطون وأفلاطونية محدثة) كأداة لفهم الوحي والطبيعة، بينما استلهموا من الفلسفات المشرقية أبعاداً روحية وكونية عميقة. هذه المقاربة الاسترجاعية تكشف عن حضارة واثقة من نفسها، قادرة على استيعاب الآخر وتحويله إلى جزء من هويتها. فكيف امتد تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية من التأسيس والازدهار الى فترة التعثر والانحطاط ولحظات الاسترجاع؟

حركة الترجمة: الجسر بين اليونان والمشرق

بدأت النهضة الفلسفية بحركة ترجمة واسعة النطاق في عهد الخلفاء العباسيين، خاصة المأمون (813-833م). أُسست "بيت الحكمة" في بغداد كمركز للترجمة والنسخ والمناقشة، حيث عمل مترجمون من مختلف الأعراق (عرب، سريان، فارسيون، يهود). ترجمت أعمال أرسطو (المنطق، الطبيعيات، ما بعد الطبيعة)، أفلاطون (الجمهورية، طيماوس)، وأفلاطونيين محدثين مثل أفلوطين، بالإضافة إلى مؤلفات جالينوس في الطب، وبطليموس في الفلك، وإقليدس في الهندسة.

لم تقتصر الترجمة على اليونانية؛ فقد دخلت مصادر مشرقية هامة. من فارس جاءت أفكار زرادشتية حول الثنائية الكونية (النور والظلام) وأسطورة الملكية العادلة، ومن الهند نقلت أعمال في الرياضيات (الأرقام الهندية، الجبر) والطب (الأيورفيدا) والمنطق. كما ساهمت الترجمات السريانية للتراث اليوناني (التي حفظها المسيحيون النساطرة) في نقل معارف دقيقة. هكذا، أصبحت بغداد ملتقى حضارات: اليوناني التحليلي يلتقي بالمشرقي الروحي، تحت سقف التوحيد الإسلامي الذي يؤكد وحدة الحقيقة.

المرحلة التأسيسية: الكندي والتوفيق الأول

يُشكل أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (801-873م)، "فيلسوف العرب"، الرائد الأول. عاش في بغداد ودرس التراث اليوناني بعمق، محاولاً التوفيق بينه وبين الإسلام. اعتمد على أرسطو في المنطق والطبيعيات، وعلى أفلاطون في الأخلاق، لكنه أدخل مفهوم "الفيض" الأفلوطيني ليشرح كيف ينبثق العالم من الله دون أن يناقض الخلق الإسلامي. ركز الكندي على وحدة الفلسفة والدين: كلاهما يصلان إلى الحقيقة، لكن الفلسفة بالعقل والدين بالوحي. درس النفس وخلودها، وألف في الموسيقى والرياضيات مستلهماً المصادر الهندية واليونانية. كانت فلسفته استرجاعاً إبداعياً: يستعيد اليوناني ليخدم فهماً إسلامياً للوجود.

الذروة الفارابية والأفلوطونية المحدثة

بلغت الفلسفة ذروتها مع أبي نصر الفارابي (870-950م)، "المعلم الثاني" بعد أرسطو. جمع بين أرسطو وأفلاطون في مشروعه "المدينة الفاضلة"، مستلهماً "الجمهورية" الأفلاطونية لكنه أسلمها بجعل الحاكم فيلسوفاً-نبياً يجمع بين الحكمة والشريعة. طور نظاماً كونياً فيضياً: الله في قمة السلسلة، ثم العقول السماوية، فالعالم المادي. استفاد الفارابي من التراث الفارسي في فكرة الحكم العادل، ومن اليوناني في المنطق الذي جعله أداة لكل معرفة. ألف تعليقات عميقة على أرسطو، وميز بين الفلسفة النظرية والعملية، مؤكداً أن السعادة تتحقق في المجتمع الفاضل. كان استرجاعه لأفلاطون يهدف إلى بناء مجتمع إسلامي مثالي يتجاوز الواقع السياسي المضطرب.

ابن سينا: الذروة الشاملة والتوليف

يُعتبر أبو علي الحسين بن سينا (980-1037م) قمة هذا العصر. في "الشفاء" و"النجاة" و"الإشارات والتنبيهات"، قدم موسوعة فلسفية شملت المنطق، الطبيعيات، ما بعد الطبيعة، والأخلاق. جمع بين أرسطو (الذي صححه ووسعه) وأفلاطونية محدثة، مضيفاً لمسات مشرقية في علم النفس والتصوف. ابتكر ابن سينا تمييزاً حاسماً بين الوجود الضروري (الله) والوجود الممكن (العالم)، الذي يحتاج إلى علة خارجية. أثرت خبرته الطبية (مستلهمة جالينوس والتراث الهندي-فارسي) في فهمه للنفس كقوة حيوية. رأى في الفلسفة طريقاً للكمال الروحي، وأثرى علم الفلك والموسيقى. كان توليفه استرجاعاً شاملاً: اليوناني يُعاد صياغته داخل رؤية توحيدية مشرقية، حيث يصبح العقل باباً للقرب من الله.

الفلسفات المشرقية: البعد الروحي والكوني

لم تكن الفلسفة العربية الإسلامية يونانية فقط. أثرت الفلسفة الفارسية القديمة (مانوية، زرادشتية) في مفاهيم النور والظلام والعدالة الكونية، كما نرى عند شهاب الدين السهروردي (مؤسس "الحكمة الإشراقية") الذي جمع بين اليوناني والمشرقي في رؤية إشراقية تعتمد على البصيرة لا العقل الجاف فقط. من الهند جاءت أفكار في الرياضيات (الصفر، الجبر عند الخوارزمي) والتأمل الروحي. ساهمت التراثات المصرية والسريانية في علم التنجيم والكيمياء (الجابر بن حيان). هذا الحوار المشرقي أضفى على الفلسفة الإسلامية بعداً روحياً عميقاً، يتجاوز التحليل الأرسطي نحو الاتحاد الصوفي.

التوتر والنقد: الغزالي وابن رشد

لم يكن العصر خالياً من التوتر. قدم أبو حامد الغزالي (1058-1111م) في "تهافت الفلاسفة" نقداً حاداً لابن سينا والفارابي، متهماً إياهم بالتناقض مع الشرع في مسائل الخلود والقدم. لم يرفض الغزالي الفلسفة كلها، بل المنطق والطبيعيات، محتفظاً بها كأدوات بينما يؤكد أولوية الكشف الصوفي. كان نقده استرجاعاً للتوازن الإسلامي أمام تغول العقل. في المغرب والأندلس، رد ابن رشد (1126-1198م) في "تهافت التهافت" مدافعاً عن أرسطو، مميزاً بين الحقيقة الفلسفية والدينية (نظرية التأويل المزدوج). رأى أن الفلسفة لا تناقض الشريعة إذا فُهمت فهماً صحيحاً. كان ابن رشد يمثل قمة الاسترجاع الأرسطي النقي، الذي أثر لاحقاً في أوروبا أكثر من تأثيره في الشرق.

خاتمة

بدأ التراجع تدريجياً بعد القرن الثاني عشر بسبب الاضطرابات السياسية (الغزو المغولي)، صعود التيارات الحرفية والصوفية، وانغلاق بعض الأبواب على الاجتهاد. لم تمت الفلسفة، بل تحولت إلى حكمة إشراقية (السهروردي، الملا صدرا لاحقاً) تجمع بين العقل والكشف. في الاسترجاع اليوم، تكشف هذه التجربة عن حضارة قادرة على الاستيعاب والإبداع. استرجعت اليوناني لتتجاوزه، واستوعبت المشرقي لتثريه بالتوحيد. تظل دروسها قائمة: الحوار بين العقل والوحي، التوفيق بين الثقافات، والثقة في قدرة العقل البشري على الاقتراب من الحقيقة. هذا الإرث ليس ماضياً فقط، بل أساس لأي نهضة فكرية معاصرة تبني على التعددية والعمق الحضاري. في عصرنا الذي يعاني من انقسامات ثقافية، يذكرنا تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية بأن الحوار والاسترجاع الإبداعي هما طريق الحضارة الحقيقية. فكيف ننتقل من التراجع والإرث الخالد الى الاسترجاع والاستفاقة من جديد؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في إمكان ألاَّ نغرق في الافتراضي

للسعادة منحيان؛ منحى قصير الأمد، وآخر طويل الأمد، وكلاهما رهينان ظروف ذات الفرد، وأخرى خارج ذاته، وأحيانا يلتقيان بإرادة الفرد ذاته. كل من المنحيين يرفع في أدمغتنا هرمون الدوبامين(Dopamin)؛ الناقل العصبي الذي كلما زاد نشاطه في الدماغ البشري زاد شعور البهجة فينا؛ ونشاطه يعتمد على الضخ الدائم لمسببات السعادة، أو لنَقُل الإدمان المفرط على الاستهلاك القهري لإشباع رغبات النفس لتحقيق السعادة بنوعيها اللحظية، والبطيئة.

السعادة ذات الأمد القصير تتمثل بمثيرات ومؤثرات خارجية، نقدّمها لأنفسنا، أو يقدمها لنا أفراد، أو شركات، أو مؤسسات. فوضى البحث عن السعادة السريعة لها مصاديقها الكثيرة غير المحدودة؛ مثل تصفح الهاتف المستمر، مشاهدة الأفلام، والبرامج، والفيديوات، والاستماع للموسيقى والغناء، وإدمان المخدرات أو المسكرات، والغوص في العالم الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومحادثات عبر الجات، والتواصل مع برامج الذكاء الاصطناعي.... وغيرها الكثير من مسببات السعادة المصنوعة.

منصات التواصل الاجتماعي اليوم هي إحدى مصادر السعادة اللحظية التي يكتسبها أي فرد منا؛ ويبرع المتنفذون فيها بتقديم المزيد من الخوارزميات المُبرمجة حسب اهتمام الفرد لإبقائه على الشاشة لفترات طويلة. فضلا عن ذلك أصبحت منصات التواصل أيضا مثل ساحة كرة القدم، الكل يريد تسديد أهدافه ليفوز، أو ليستفز إرادة الآخرين لتحقيق أهدافهم كذلك. كما يمكن القول: إن الساحة الرقمية ركّزت النرجسية والتمركز حول الذات عبر كسب المزيد من الإعجابات والتعليقات، لذلك يسعى الكثيرون للبقاء على الشاشة لاسترسال اللعبة، وكسب المزيد من الأهداف.

أما السعادة ذات الأمد الطويل فهي التي نسعى نحن لتحقيقها، وتتطلب جهودنا الشخصية، ووقتا طويلا؛ مثلا قراءة كتاب، جلسة تأمل مع النفس، الذهاب للتسوّق، إعداد وجبات غذائية في المنزل، التنزّه في الطبيعة والجلوس فيها بذكر وتسبيح الله، الجلوس مع العائلة وتبادل الأحاديث الشيقة، زيارة الأقارب والأصدقاء، ممارسة شتى أنواع الرياضة..وغيرها من مسببات السعادة البطيئة.

إطلاق كميات هائلة من الدوبامين في الدماغ، هو العامل الأساس الذي يوقد في نفوسنا شعلة السعي نحو كسب المزيد من مسببات السعادة السريعة، أو البطيئة، فنشعر بالفرح. والدماغ يسعى لكسب المزيد من مسببات المتعة، وكسبها يعني استمرار عملية الاستهلاك، سيما عالمنا اليوم هو عالم الوفرة الفوضوية الصاخبة. التماهي مع حالة الاستهلاك هذه تجعلنا ندور في حلقة مفرغة من السعي وراء الرغبات المستمرة لنحقق السعادة، وهذا الإفراط في الكسب القهري للسعادة يؤدي إلى الملل، والضجر، والتوتر، والتشتت الذهني، والقلق، وفقدان الشعور بأي فرح، أو لذة لكل المتع في أبسط الأشياء؛ لأن الدماغ يختزن كميات هائلة من الدوبامين. الدوبامين لا يأتي من خارج الدماغ إنما يزداد إفرازه في الدماغ كلما زاد الإدمان القهري على الملذات ف(كل شيء يتجاوز حده يصير ضده)- كما يقولون. الدوبامين حامي/حرامي، يمتّع الناس، ويتركهم في حالة الألم بسبب الضجر، والملل، والقلق، والتشتت، وعدم الراحة لفقدان الإحساس بمتعة الأشياء، وحالة الألم هذه تجعل الدماغ يميل إلى التوازن، ويقف على نقطة الارتكاز الوسطى.

حقيقة عمل الدماغ مع مسببات اللذة والألم تكشفها لنا الدكتورة "ليمبكي" طبيبة النفس، حيث تصرّح إن اللذة والألم يعملان في مناطق متداخلة من الدماغ، ويعملان كالميزان مع نقطة ارتكاز في الوسط. عندما لا يكون شيء في الميزان يكون في حالة توازن مستوٍ؛ لكن حين الشعور باللذة يتم إطلاق الدوبامين في مسار المكافأة الخاص بنا فيميل التوازن إلى جانب اللذة، وكلما مال الميزان زاد فينا شعور اللذة، لكن ما يهم الميزان هو أن يكون مستويا -أي في حالة توازن-، وفي كل مرة تتجه كفة الميزان نحو اللذة تبدأ آليات التنظيم الذاتي القوية في العمل لإعادة مستوى الميزان مرة أخرى، ولا تتطلب آليات التنظيم الذاتي هذه التفكير الواعي بل تحدث فقط كرد فعل انعكاسي، فيميل الميزان إلى كمية معاكسة ومتساوية من الألم لمواجهة الثقل على جانب اللذة ليحقق التوازن لذاته، والشعور المفرط بالبهجة هو المسبب للألم لأن التعرض المفرط لمصادر اللذة يفقد المتعة، ويقود إلى الألم المتسبب من السعي الدؤوب وراء اللذة[1].

وتطرح الدكتورة "ليمبكي" حلولا لنا في كيفية السيطرة على هوس الاستهلاك المستمر لكل مسببات السعادة الفورية عبر تجارب سريرية خاضتها مع مرضاها في حالاتهم المختلفة. تقودنا "ليمبكي" إلى نتيجة مفادها إن بإمكاننا الحد من الإدمان الدوباميني بصيام الدوبامين؛ يعني الابتعاد عن كل ما يمنحنا متعة فورية. حيث أن التعافي يبدأ بالامتناع عن السلوك الإدماني، وهو ما يضبط مسار مكافأة الدماغ الذي يؤدي إلى استعادة القدرة على الاستمتاع بالملذات البسيطة. وتشكيل العلاقات الإيجابية التي تمنح الحياة معنى، بدلا عن الاستهلاك المستمر، معتبرة أن السعادة الحقيقية ليست في المتع السريعة بل في بناء حياة ذات مغزى عندما نبتعد عن السلوكيات التي تستهلك الطاقة العقلية والنفسية، ونكتشف جمال الحياة في التفاصيل الصغيرة مثل قراءة كتاب، قضاء وقت ممتع مع العائلة، التأمل، التنزه في الطبيعة لساعات طويلة مع التنفس العميق، أو حتى الجلوس بهدوء دون كلام بصمت مع النفس. والصيام الدوباميني يعني الجهاد مع النفس ونوازعها، وهو ما يتطلب الصبر والتحمل لأنه يقود إلى خلق مساحة واقعية ومعرفية بين الرغبة والاستهلاك؛ وهي ضرورة حديثة في عالمنا المثقل بالدوبامين[2].

وسائل مسببات السعادة اللحظية نموذجها الأجهزة الذكية، وأسلوبنا في استخدامها يحدد الشعور بالرضا والمعنى، أو الملل والضياع في عالم يموج بتدفق المعلومات وصخب الوفرة. معنى هذا أن اللجوء إلى التكنولوجيا لتحقيق المعاني التي نرغبها في أعماق وجودنا هو أسلوب سيء، إلاّ إذا كان مكمّلا لتحقيق المعاني فهذا أمر جيد. هذه الحقيقة أيضا أثبتها الأستاذ "آرثر بروكس" أستاذ ممارسة القيادة العامة في كلية هارفارد كينيدي، وأستاذ ممارسة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال في كتابه الجديد "معنى حياتك: إيجاد الغاية في عصر الفراغ"، يستكشف، أن الناس باتوا يلجأون إلى أجهزتهم لتقليل المشقة في مختلف جوانب حياتهم، ما قد يُبعدهم تدريجيًا عن الإحساس بالمعنى والغاية، وشدد على أن الحل ليس بالتخلّص من الهاتف أو الجهاز الذكي بل ينبغي أن يكون الهاتف مجرد أداة لتحقيق بعض ما نتوق إليه وليس كله[3].

تجربتي مع الانقطاع المؤقت عن العالم الرقمي

لستُ من المدمنين على التواجد الدائم في قنوات التواصل الاجتماعي، استخدم وسائل الاتصال بأوقات خاصة ومقننة إلى بعدٍ لا بأس به، لا أتابع كل شاردة وواردة، أو أكرر النظر في هاتفي طوال اليوم. وقد وضعت لنفسي برنامجا بموازاة ذلك عبر ممارسة الأنشطة المختلفة، وهي مهمة لراحة النفس والعقل. انفصلت لفترة قصيرة عن كل قنوات الاتصال. في الأيام الأولى اعترتني أعراض جسدية؛ منها الشعور بدَويٍّ صاخب في رأسي، فوضى ذهنية، عدم التركيز، والميل إلى النوم والاسترخاء فقط، كأني خرجتُ للتو من أعماق محيط متلاطم الأمواج. حينما كنت متماهية مع العالم المجازي لم أشعر بهذه الأعراض؛ لأن التواصل المستمر يحدث حالة إدمان قهرية ناتجة عن التماهي مع هذا العالم، بالضبط مثل الإدمان على المنبهات أو المواد المخدرة. استمرت بي هذه الحالة لأسبوعين، بعدها شعرتُ بهدوء، وصفاء ذهني، وسكينة نفسية خاصة لم أشعر بها إلاّ في سنوات ما قبل دخولنا عصر الانترنت، وكنت أمارس بعض الهوايات مثل المشي والجلوس تحت الشمس في أول النهار، والمطالعة، فمتعة القراءة في الكتاب الورقي لا تضاهيها متعة القراءة في الكتاب الإلكتروني، وممارسة أنشطتي اليومية في المنزل، وزيارة بعض من صديقاتي. انتابني شعوران متضاربان؛ الأول بودي الانقطاع التام الدائم عن العالم الرقمي وما فيه؛ حيث أسترجع الصفاء والسكينة الجسدية والنفسية والعقلية؛ فلدي الكثير مما يشغلني عنه، لكن في ذات الوقت أفقدُ ضرورة مهمة من ضرورات الحياة الحديثة؛ والانقطاع يعني الأمية؛ فأمية اليوم غير أمية الأمس؛ أمية القرن العشرين هي جهل القراءة والكتابة، وأمية القرن الواحد والعشرين هي جهل العالم الرقمي، والتخلف بكل صوره عن العالم المتقدم الذي يتسابق بتقديم منجزاته العلمية المتدفقة كالسيل العارم كل يوم؛ ليس آخرها روبوتات الذكاء الاصطناعي في كل حقول المعرفة، التي صيّرت الحوار البشري روبوتيا أكثر من كونه بشريا؛ حيث الناس يتحاورون مع الروبوتات أكثر من حوارهم مع نظرائهم البشريين. اما الشعور الثاني فهو التواصل مع العالم الرقمي لكن بترشيد واتزان وقطع مبرمج بين الحين والآخر، وهو ما يعيد للدماغ توازنه، وللنفس سكينتها، وللعقل صفاءه.

وحينما عدت مجددا إلى التواصل الرقمي وجدتُ رسائل واتصالات تتطلب مني الجواب، وحينما شرعتُ ألفيتُ نفسي أغوص مرة أخرى في المحيط، وبدأ الدوار تدريجيا يدب في رأسي، مع إني لم أعد بشكل مكثف، وفي كل يوم أجيب على مجموعة من الرسائل.

تجربتي القصيرة هذه في الانقطاع عن التواصل الرقمي قدحت في ذهني أفكارا، سدّدتْها حقائق انتقيتها من بعض متخصصي التكنولوجيا الرقمية؛ هي:

أولها: الإدمان على التواصل الدائم في العالم الرقمي له تداعياته على الصعيد الشخصي والاجتماعي. على الصعيد الشخصي حينما يلج أي أحد منا العالم المجازي هو بالأحرى ينفصل عن ذاته ليندمج في الذات العامة سواء كانت بشرية أم غيرها عبر التواصل، وبالنتيجة الاندماج يتسبب في إجهاد الجسد والنفس، ليس على صعيد الحاضر بل على المستقبل؛ فالأشعة التي تطلقها الأجهزة الذكية مضرة بالجسد، وتسبب التعب والإرهاق، فضلا عن إرهاق البصر، خدر الأصابع للاستخدام المفرط لها على الجهاز، النسيان، قلة الحركة، بروز السمنة المضرة خاصة لكبار السن، تشتت الوقت، وخطر التعرض لسكتات الدماغ والقلب. وعلى الصعيد النفسي فإنها تتسبب بنشوء حالة من الكآبة والضجر؛ وهي حالة منها يشكو أكثر الناس، فاستقبال الإشعارات والمحفزات بإفراط لكسب السعادة اللحظية يفضي إلى إرهاق الدماغ. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الإدمان في العالم الرقمي ساهم في تقويض العلاقات الاجتماعية، وصار التواصل بين الناس رقميا في المناسبات وغيرها.

حسب ما ورد عن الأستاذ "آرثر بروكس" في كتابه(معنى حياتك إيجاد الغاية في عصر الفراغ) أن وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بتخفيف الشعور بالوحدة عن طريق ربط الناس ببعضهم أضعفت العلاقات الاجتماعية، وزادت من شعور العزلة لدى الأشخاص، كذلك أسهمت بقطع الاتصال بالعالم الداخلي للإنسان، لأنه حينما ينفصل عن ذاته يندمج بذوات بشرية ومجازية في العالم الافتراضي، وهو ما يؤدي في الواقع إلى شعور أكبر بالملل على مستوى الحياة عمومًا.[4] ويقول "إنّ الملل يمنح الدماغ فرصة للدخول في ما يُعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي"، وهي حالة راحة يقظة وغير مركّزة تسمح للعقل بالتجول. وهذا التجول الذهني يفتح الباب أمام أحلام اليقظة أو التفكير في الأسئلة الكبرى حول الحياة"[5].

ثانيها: تقنين التواصل الرقمي، أو القطع المؤقت له لأيام معدودة يفضي إلى عملية فرمتة الدماغ أو تشذيبه من كل مسببات الفوضى والصخب، وهي أشبه بفيروسات مرضية، وتشذيب الدماغ يحقق الهدوء والنقاء العقلي، فالدماغ مُصمّم على التوازن (لا إفراط ولا تفريط) هذا ما أثبتته تجارب مشتركة لدى قادة قطاع التكنولوجيا. وتتقاطع تلك الآراء التي أبدوْها عند نقطة واحدة؛ هي الحرص على عدم ترك التكنولوجيا دون ضوابط داخل المنزل، وإن التوازن بين استخدام وسائل التواصل، والانقطاع المقنن هو المفتاح لتنشئة جيل قادر على التعامل مع عالم رقمي متسارع دون أن يقع تحت سيطرته.[6] ومن هؤلاء المتنفذين؛ "مارك زوكربيرغ" مؤسس شركة"ميتا" وزوجته "بريسيلا تشان" يفرضان مسؤوليات منزلية على أطفالهما، ويصطحبانهما أحيانا إلى مقر العمل لتعريفهم بطبيعة المساهمة المجتمعية، مع فرض قيود واضحة على وقت الشاشات. و"ساتيا ناديلا" الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت يتبنى نهجا مرنا يتيح للأطفال تحديد مسارهم الخاص مع مراقبة نشاطهم الرقمي والحد من المحتوى المسموح به. و"سوندار بيتشاي" الرئيس التنفيذي لغوغل يعترف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة أبنائه في الواجبات المدرسية؛ لكنه في الوقت نفسه يفرض قيودا صارمة على استخدام الهواتف ومشاهدة التلفاز. و"بيل غيتس" مؤسس مايكروسوفت اعتمد "فلسفة الحب والمنطق" في التربية، ومنع الهواتف على مائدة الطعام، ولم يمنح أبناءه هواتف ذكية قبل سن 14 عاما[7].

ثالثها: الكتابة عملية ليست يدوية فحسب بل هي عقلية أولا، ونفسية ثانيا، وجسدية ثالثا؛ تستنزف العقل والنفس والجسد؛ ثم أخيرا يأتي دور اليد لتدون الفكرة. اليوم اليد تدوّن أولا، والعقل معطَّل ما دام العقل الإلكتروني يفكر نيابة عن الكاتب. الذكاء الاصطناعي يأخذ النصوص جاهزة من مواقع الانترنت، ويشكلها كيفما شاء، وبعدها كيفما شاء الكاتب- حسب تفكيره وتعبيره وأسلوبه- ويقدمها له دون بذل الجهد؛ معنى هذا إن العقل البشري يتوقف عن التفكير؛ فالروبوتات اليوم بديل عن العقل في البحث عن المعلومات، بمجرد التفكير بأي موضوع ما يحضر الموضوع تلقائيا من دون حاجة للتصفح بل بمحادثة مع الروبوت بأي حقل من الحقول المعرفية. نستنتج من هذا أن التفكير حاضر ليس في عقول الناس بل بين أياديهم بأي حقل يريدون. وظيفة العقل التفكير، ومركز التفكير هو الرأس، ووظيفة اليد التدوين؛ فكيف يكون العقل باليد؟!

للتفكير آلياته التي هي العقل أولا، ودوره في تحليل الفكرة وتدويرها وتشذيبها، والكتابة أيضا لها آلياتها التي هي اليد، ودورها في التنقيح والتصحيح، ومن ثم تثبيت النص، وتصديره إلى القارئ.

"سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركةBusiness Insider، يؤكد على أنه لا يريد لابنه أن يكوّن علاقة شبيهة بالصداقة مع روبوتات الذكاء الاصطناعي مؤكدا على أن الإنسان لابد أن يظل أكثر قدرة حتى لو لم يكن أذكى من الآلة"[8]. أن ينتج العقل الفكرة أفضل من أن يُستعان بعقل إلكتروني لينتجها. ففعالية العقل بالتفكير، وابتكار الأفكار، وتدويرها، والتعمق فيها، وتحليلها. وفعالية اليد بتدوين النصوص.

ورابعها: التماهي مع الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص يؤقلم العقل البشري تدريجيا معه، ويحدث تغييرات في خلايا الدماغ مكونة أشبه بالخلايا الإلكترونية كما للعقل الإلكتروني. وبينت الدراسات الدماغية "أن القيام بعمليات متعددة يعني أن الدماغ يتكيف مع التعدد الذي تسمح به الشبكة العنكبوتية لذلك لا يجب التفريق بين الواقعي والافتراضي"[9]، أو قد يتعذّر بسبب اندماج العقل مع الخيال. وبسبب التداخل بين الواقعي والافتراضي فإن بمجرد التفكير بشيء ما بدون المحاكاة مع الجات، أو النقر على محرك البحث فإن الموضوع يحضر تلقائيا "توقع العديد من المستقبليين وكتاب الخيال العلمي أن البشر والآلات ستندمج في المستقبل وتصبح سايبورغ (أي نظام يمزج بين صفات طبيعية وصفات اصطناعية فيكون بذلك أكثر قدرة وقوة من كليهما، تسمى هذه الفكرة (ما فوق الإنسانية)[10]. بالضبط الحالة شبيهة بالشريحة الإلكترونية التي توضع في الدماغ؛ وهي بمثابة عقل إلكتروني يفكر نيابة عن الفرد. حينما يفكر بأي موضوع فإن الشريحة تحضرها له بثوانٍ معدودة، وهذه الشريحة مناسبة أكثر للصم والبكم، لكن الإنجازات العلمية اليوم تجاوزت الشريحة، بسبب تداخل العقل البشري مع الإلكتروني؛ فإن بمجرد التفكير بأي شيء يريده الفرد بدون أي واسطة يحضر الشيء إلكترونيا بمجرد فتح الجهاز وتشغيل محرك البحث. إن لم تفكر العقول فسوف تتبلّد، وتُصاب بالهزال، والكسل، ومن ثم الضمور، والزهايمر المبكر. ما نرجوه لعقولنا أن يكون لها حق الأولوية بالتفكير لتبقى فعالة حيوية في توليد الأفكار، ويأتي دور اليد لتدوينها وتصديرها إلى القارئ.

ويرى الأستاذ "آرثر بروكس" أن "الذكاء الاصطناعي شديد التعقيد يمكنه إزالة الكثير من المشاكل المعقدة من حياتك ويمنحك وقتًا إضافيًا. لكن كيف ستقضي هذا الوقت؟ إذا استثمرته في التجارب الإنسانية العميقة المرتبطة بالقلب البشري، وفي جوانب الحياة التي تتعلّق بالمحبة والإيمان والأمور الغامضة التي تمنح الحياة معناها الحقيقي، فستكون الرابح. أما إذا حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي لحل مشاكلك المركبة، بأن تجعله صديقك أو شريكك العاطفي أو معالجك النفسي، فستجعل حياتك أسوأ بكثير. وأكّد أنّ التجارب الرقمية ليست بديلًا عن الواقع، ولن تتمكّن أبدًا من تقديم كل التفاصيل الدقيقة التي تشكل التجربة الإنسانية، ولن تتمكن أبدًا من محاكاة المعنى الحقيقي لحياتك. وقد تشمل هذه الأولويات العلاقات الإنسانية، والمساعي الإبداعية، والتأمل في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة. لكن المشكلة، إن على الإنسان مواصلة التأمّل بالمشاكل المركبة كي يكتسب فهمًا أعمق من دون أن يصل إلى محطة أخيرة، مشيرًا إلى أنّ هذا النوع من الأسئلة ينبغي للناس تخصيص مزيد من الوقت له إذا أرادوا تعزيز شعورهم بالمعنى. لكنه أيضًا النوع الذي توهم التكنولوجيا بأنها تقدم له اختصارات سريعة لا تنجح في الواقع"[11].

بالنتيجة الإفراط في الإدمان القهري يرهق الدماغ، وهو يحتاج إلى متنفَّس للهدوء ليستعيد توازنه الداخلي، شرط ألاَّ يتخلّل متَنَفَّس الهدوء هذا الضجر وقلق العودة إلى مطاردة كل ما هو جديد. وإذا صار شعور القلق فلا بأس به؛ فهو قلق صحي يعيد للدماغ عافيته، ويسترجع إيقاعه الداخلي لتحقيق حالة التوازن، فاحتضان القلق طريق إلى كسب المعنى.

تقنين التواصل مع العالم الرقمي يعيد التعافي للجسد والنفس من كل مسببات القلق حتى لو كنا منغمسين فيه؛ فإن ما يجعلنا نوقف الإدمان هو التغاضي عن كسب المزيد من المتع اللحظية التي تثقل الدماغ، وتتركه في حالة الألم، وبرمجة الدماغ على انتقاء القليل النافع. إن خلق السعادة يأتي بعد صبر، وتأمل، وتحمّل، واستخدام القوى العقلية والنفسية والجسدية بوقت ليس بالقصير، بدلا عن خلقها بلمسة إصبع لتضع العالم كله بين أيدينا بلمح البصر، وذلك رهن إرادة كل فرد منا.

***

إنتزال الجبوري

.......................

[1] أنظر: ليمبكي، آنا. أمة الدوبامين. ترجمة: علياء العمري. بدون مكان النشر: دار مدارك، 2004، ص78-81.

[2] أنظر: نفس المصدر، ص305-307.

[3] أنظر: ثلاث عادات يومية بسيطة تمنح حياتك معنى دون التخلي عن هاتفك موقع Arabic. Cnn

4 حزيران ٢٠٢٦ يونيو) عن كتابه (معنى حياتك إيجاد الغاية في عصر الفراغ).

[4] أنظر: ثلاث عادات يومية. مصدر مذكور.

[5] نفس المصدر.

[6] أنظر: أبو العينين، رضا. موقع البيان(5/1/2026)(حقل مال).

[7] نفس المصدر.

[8] نفس المصدر.

[9] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المملكة المغربية. التكنولوجيات والقيم(تقرير). ص30.

[10] موقع ويكيبديا.

[11] ثلاث عادات يومية. مصدر مذكور.

 

أخطر ما يفعله الزمن بنا، أنه لا يسرق أعمارنا فقط، بل يسرق دهشتنا. يبدل العيون التي كانت ترى الجمال في قطرة مطر، بعيون تمر على الكون كله دون أن ترتجف. ويحول العقل الذي كان يطارد المستحيل، إلى عقل يكتفي بتكرار الممكن.

لذلك الفلسفة هي محاولة مستمرة لإنقاذ الطفل الذي يوشك أن يموت في داخل كل واحد منا. ذلك الطفل الذي لم يكن يبحث عن يقين يطمئنه، بل عن حقيقة تستحق أن يعيش من أجلها.

انتبهوا إلى أسئلة الصغار...

فهي ليست ثرثرة عابرة، ولا فضولا ساذجا كما يظن كثير من الكبار، بل هي أنقى أشكال التفكير الإنساني، لأنها أسئلة لم تتلوث بعد بحسابات الخوف، ولم تخضع لسطوة السلطة، ولم تستسلم لوهم اليقين.

فلا تستهينوا بسؤال يخرج من فم طفل؛ فقد يكون في براءته من الحكمة ما لا تحتمله عقول الكبار، وقد يكون في كلمة. لماذا؟ التي ينطقها، بذرة الفيلسوف، والعالم، والمبدع، وكل مشروع نهضة يبدأ بسؤال، لا بإجابة.

لماذا.. ليست كلمة عابرة، بل أول إعلان لاستقلال العقل، وأول تمرد على الاستسلام للمألوف.

الطفل لا يخشى الاقتراب من المناطق التي نفر منها نحن. يسأل عن الله، والموت، والروح، والعدم، والزمن، لأن عقله لم يتعلم بعد أن يضع حول المجهول أسوارا من المحرمات، ولم يقتنع بأن بعض الأسئلة ينبغي أن تموت قبل أن تولد.

وحين نطلب منه أن يكف عن السؤال، فإننا لا نعلمه الأدب، بل نبدأ أول درس في ترويض العقل، وأول خطوة في تحويل الدهشة إلى طاعة، والبحث إلى تكرار، والإنسان الحر إلى حافظ لما قاله الآخرون

انتبهوا أيها السادة إلى أسئلة الصغار... فإنكم إن أحسنتم الإصغاء إليها، سمعتم نبض الفلسفة في أنقى صورها. لا تمروا على تلك الأسئلة العابرة وكأنها كلمات بريئة لا وزن لها؛ ففي داخل كل "لماذا؟" يختبئ عقل يحاول أن يولد، وروح ترفض أن ترث العالم كما هو دون أن تفهمه.

تذكروا أن أعظم العقول في تاريخ الإنسانية بدأت بطفل رفض أن يصمت، وبسؤال صغير أربك يقينا كبيرا. فلا تقتلوا في أطفالكم ذلك الفيلسوف الذي لم يتعلم بعد كيف يخاف، ولم يخضع بعد لسلطة المألوف،

وكل نهضة حقيقية هي، في جوهرها، دفاع عن حق هذا السؤال في أن يظل حيا، لأن السؤال الذي نقتله في طفل اليوم، قد يكون الفكرة التي كانت ستغير العالم غدا

فلا تخافوا من السؤال، لأن الأمم لا تهلك حين تكثر أسئلتها، بل حين تتوقف عن طرحها. ولا تخشوا الحيرة، فإنها ليست نقيض الحقيقة، بل الطريق الوحيد إليها

لا تخافوا ما دام في القلب طفل يندهش، وفي العقل سؤال يقلق، وفي الروح شغف لا يهدأ، فإن الإنسان لم يهزم بعد، وما زالت الفلسفة قادرة على أن تولد من جديد، مع كل طفل يرفع رأسه إلى السماء، ويظن ـ في براءته الجميلة ـ أن الكون خلق خصيصا ليجيب عن سؤاله.

فلنحرس ذلك الطفل من قسوة الاعتياد، ومن ضجيج المسلمات، ومن الذين يوزعون الإجابات قبل أن يسمحوا للناس بطرح الأسئلة. ففي أعماقه يقيم الفيلسوف الأول، وفي عينيه يختبئ المعنى الأول للحرية.

وربما سيأتي يوم ندرك فيه أن أعظم خسائرنا لم تكن ما فقدناه من سنوات، ولا ما تبدد من أحلام، بل ذلك الطفل الذي دفناه تحت أنقاض ما سميناه نضجا.

وحينئذ فقط... سنفهم أن الإنسان لا يبلغ الحكمة عندما يعرف كل شيء، بل عندما يستعيد دهشته الأولى، ويسير في هذا الكون بخطى طفل، وعقل فيلسوف... مدركا أن السؤال ليس طريقا إلى الحقيقة فحسب، بل هو الحقيقة نفسها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

المعرفة الإنسانية بحكم طبيعتها التراكمية تقتضي البناء على ما سبق، واحترامه وفق مرحلته الإنسانية بالأدوات المعرفية آنذاك، بلا تقديس ولا إزاحة عن طبيعته النسبية، وأيّ جمود على حدود معرفية معينة تعني انتحار السؤال، وإذا توقف تدفق السؤال انتصب اليقين؛ ومن هنا كان المنهج الشكّي والعقلية النسبية تأخذ المعرفة إلى آفاق رحبة مما لم يُتخَيّل يوما وصول البشرية إليه، في حين تتكلّس المعرفة اليقينية على ضفاف الماضي؛ لأن العقلية النسبية تمنح السؤال مساحة مطلقة لينتضي سيفه في ميدان التحقق.

غنيٌ عن القول إن العقل البشري محدود، ونتاج المحدود محدود، وهذه طبيعة حتمية ينبغي لنا أن نتصالح معها ليس من حيث المبدأ فحسب، بل وحتى من حيث الإسقاطات والتطبيقات العملية لهذه الآلة الفكرية، فما كان محدودا كالأفكار التي ينتجها العقل فهو قابل -للأبد - للأخذ والرد، والاعتراض والتفنيد، وبالتالي فأيُّ نتيجة عقلية فهي مؤقتة وإن بدَت عظيمة؛ ولذلك للزمان كلمته الصارمة في هذا الشأن؛ لأنه لا توجد فكرة وُجدت متأهّلة للخلود، وما كان ممجّدا بالأمس أمسى ممجوجا اليوم.

كما أن العقل البشري منحاز لا محالة، فأحكامه غير موضوعية، وما كان منحازا فلا يُرتَجى منه رأيٌ منيع من الزيغ، وإنّ تَفهُّم هذه الطبيعة يغرس فينا التواضع المعرفي، ويجعلنا ندرك مدى رقعة الجهل والمجهول الآخذة في الاتّساع؛ ولذا نكون أكثر سماحة للتعرّض للأفكار المضادّة، كما أن ذلك يدفعنا للتعاطي مع الآخر بصدر رحب بحكم حقه الطبيعي لتبنّي الآراء الشخصية مهما كانت، وهذا ما لا تستسيغه عقلية اليقين حيث العزوف عن الانفتاح على الآخر، وعدم احتمال التعرّض لمختلف الأفكار؛ لسبب وجيه جدا وهو أنّ عقلية اليقين تجعل ما نعتنقه ونتبنّاه جزءًا من هويّتنا، وأي مساس بذلك فهو تهديد يطال ذواتنا! وهذا هو أُسُّ التعصب الفكري.

إنّ عقلية اليقين تجثم على صدر العقل النقدي، فلا يستطيع أن ينتشل نفسه من براثن الفكرة المهووس بها، إذ يراها آخِرَهُ وحَدَّه، ومُنتهاه وأقصاه، فإذا استولى هذا الشعور، انقطع عن السؤال وقوده الذي هو الفضول والشك وشراسة المساءلة التي لا يُشبِع غرورَها إلا إجابات رصينة خالية من الثغرات، وحيث إن هذه الثغرات موجودة على الدوام فسهام العقل النقدي تلاحقها على الدوام.

من المعلوم أنّ كل واحد منا يُولد في بيئة تشكّل تصوّراته الكبرى حول نفسه والكون، ثم ننقسم إلى تيارين عريضين، تيّار يمضي على خطى جماعته التي نشأ فيها، مبلورا حياته وفقها، وتيّار يقضي حياته بعد لحظة الإدراك ينفض عنه ما علِق بطيّات ذهنه من معتقدات قومه وأسلوب حياتهم.

إن خطورة عقلية اليقين أنها تتناسل بواباتٍ تحكّمية تنتشر في مناطق معرفية مختلفة، تبارك الأفكار التي من شيعتها وتمتحُ من نبعها، وتتمسّح بسِنْخها، وترفض بصلافة ما لا يتساوَق معها؛ ولهذا فإن أصحاب عقلية اليقين يعيشون في حلقة متكررة من الاستجابة لأحداث الحياة، ويحرمون أنفسهم من الاطلاع على الحيوات الأخرى الموجودة وكأنها في عوالم متوازية.

إننا نشيّد مواقفنا الفكرية بناءً على تصوّراتنا الكبرى التي نتشبّث بها، وما إن يلحق هذه التصوّرات انزياح جزئي أو انقلاب كلّي تتبدّل تلك المواقف بحسب مدى تغيّر تصوّراتنا؛ ولذا كانت النسبية مسلكا قويما في تبنّي الأفكار مهما عظُمت دلائلها وقويت حججها، إذْ تبقى قابلة للتجاوز متى ما نهضت أدلة تدعم غيرها، فالعقلية النسبية - بخلاف عقلية اليقين - لا تساوي بين الفكرة والهُويّة، فأي نقد للفكرة لا ينطوي على أي تهديد شخصي، بل على العكس تماما، فعدم تغيير الفكرة في حال الاقتناع بأخرى نراه ضربا من الخيانة لأنفسنا التي تتوق للانعتاق من الخطأ والجهل وتشرئبّ أعناقها لحرية المعرفة ولذّتها، وفيما تعيش عقلية اليقين استرواحًا وهميًا يقطع احتمالات نموّها، يسكن العقلية النقدية قلقٌ صحيٌ يدفعها للمراجعة الدائمة والتطوير المستدام.

***

محمـــد سيـــف

تتجسد فلسفة الوجود في أعمق تجلياتها حين تلتحم القيم بالآفاق الروحية للإنسان، وهي تجربة لم تعد بالنسبة لي مجرد ترف فكري، بل هي الرسالة الأسمى التي نذرت لها القلم والجهد؛ رسالة تسعى لاستعادة أصالة الكينونة وسط عالم يموج بالماديات. وفي قلب هذا الوجود الروحي، يتجلى التوحيد ليس فقط كعقيدة مًجردة، بل كحالة روحية ممتدة تنعكس على النفس طمأنينة واتساقاً، وقيمة معرفيّة عليا تمنح العقل ميزاناً مطلقاً لتفسير الوجود والغاية منه.

غير أن السير في هذا الطريق يكشف عن فجوات حادة استشعرتُ وطأتها في واقعنِا المعاصر؛ من حيث نقف اليوم أمام قيمٍ من اللغة ساقطة، تبدلت دلالاتها واغتربت ألفاظها الشريفة في سياقات التشويه.

ولعل أخطر مظاهر هذا الاغتراب الروحي هو غياب قيمة الصدق، الذي لم يعد مجرد فضيلة أخلاقية مفقودة، بل أصبح غيابه حجاباً كثيفاً يحول بين الإنسان ومعرفة حقيقته الأصليّة، حقيقة نفسه وحقيقة خالقه.

وأمام هذا الشتات الممزق، تبرز الحاجة الملحة إلى إحياء فلسفة المثل الأعلى، ذلك النموذج المتسامي الذي يحرك الوجدان ويوجه السلوك؛ ليكون المنار الذي يربط الأرض بالسماء، ويعيد للقيم مركزيتها في صياغة الوجود الروحي للإنسان على التعميم:

وتتضمن المقالة العناصر الآتية:

(1) الرسالة

(2) التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية

(3) قيم من اللغة ساقطة

(4) غياب قيمة الصدق

(5) فلسفة المثل الأعلى

ــ الرسالة:

في أواخر سنة 1995م، وبعد حصولي على الدكتوراة، قضيت بعدها مباشرة سنوات مشغولاً بالفكرة العلويّة وبقيم الوجود الروحي، وكتبت إذْ ذاك أكداساً لا حصر لها من الأوراق، ونشرت كثيراً من المقالات في المحروسة، بالأهرام المسائي والوفد ومجلة التصوف الإسلامي بالقاهرة، وكل ما هو كان متاحاً أمامي للنشر، لا أفرغ من فكرة إلا ويعقبها الشروع في أخرى.

كنت أقرأ كثيراً وأكتب ولا أتعب لا من ناحية الجسد ولا من ناحية النظر. كانت الكتابة بالنسبة لي متعة لا تدانيها متعة ونشاطاً يوقظ النفس من سُباتها العميق ويشعل العقل بنور المعرفة. إذ ذاك نشرت كثيراً من المقالات المطولة والدراسات المعمقة منها ما هو  نشر كاملاً فاحتفظت به بعد نشره، ومنها ما نشر بسبب المساحة مبتوراً، ومع ذلك كنت أحتفظ بالأصول وأحياناً بالمسودات.

كان الشغل الشاغل عندي هو فكرة الدفاع عن "القيم"، وكانت هي الفكرة الجامعة الشائعة في كل ما أردت أن أقوله مضمراً وغير مضمر، وبخاصّةِ تلك القيم التي يفرضها علينا الوجود الروحي. هذا الوجود الذي نلمسه عن قرب في ميادين الحياة الروحيّة، ولا يعني إيماننا بقيم الوجود الروحي أننا ننكر العالم المادي بما فيه ومن فيه، أو أننا لا نؤمن به؛ فذلك فضلاً عن كونه سذاجة ظاهرة هو أيضاً ممّا لم يخطر لنا على بال؛ إذ ليس في الأمر ثمة تناقض بين ضرورات العالم المادي ومطالب العالم الروحي، ولكنهما في سياق الوجود عالمان متكاملان ولا يعني تكاملهما إنهما يوجدان فرائض التناقض كأنهما عالمان منفصلان في فضاءين منعزلين.

العالم المادي ممّا لا شك فيه مظهر من مظاهر الحياة الروحيّة، وكل إيغال في مطالبه يؤكد وجود هذه الحقيقة على وجه من الوجوه، لكن الإقبال عليه والانصراف كل الانصراف له، بغير إدراك هذا الوجه هو المرفوض؛ فالإيغال الأجوف في ضرورات المادة يعوق النظر حتماً إلى مطالب الروح ولا يتيح الفرصة سانحة أمام العقل والضمير والبصيرة الهادية إلى إدراك الوجه الأمثل في البقاء على مثل هذا التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي؛ فلا بدّ ممّا ليس منه بُد: من تكامل يؤدي إلى تعادل في موازين الحقائق، وفي إدراك الحقائق، وفي فهم حقائق الأشياء.

سيجد القاري في اصطلاح الوجود الروحي مناط القيم فكرة ضخمة مطروقة من جانبنا عمداً وقصداً في ثقافتنا الروحيّة.

ولعل السبب في هذا هو: أن كل ما كتبته من قضايا وآراء ومحاور ومباحث إنّما هو في سبيل هذه القضية الكبرى، أعني الوجود الروحي، فمن الوجود الروحي نبدأ وإلى الوجود الروحي نعود. وليس علينا من غضاضة ما دامت لنا قضيتنا الكبرى ننطلق منها وإليها نعود، ونراها من قبل ومن بعد، خير تعبير عن إصلاح الإنسان: إصلاحه الفكري والثقافي، وإصلاحه العقلي والوجداني، وإصلاحه الواقعي والحياتي على السواء.

لماذا نشكو أحر الشكوى في كتاباتنا ومؤلفاتنا، وفي صحفنا ومجلاتنا من فساد جربناه؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من أقلامنا الضعيفة، وثقافتنا المترهلة، ولغتنا المبتذلة، ومستوياتنا العلمية الركيكة، وواقعنا العملي والأخلاقي المتردي؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل القهر والتسلط والتخلف، ولسنا نجد في نفوسنا استنفاراً للهمم العالية تقاوم كل قهر، وتتصدى لكل تسلط، وترهب أسباب التخلف بقيم الحضارة والتقدم؟

لماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل التشتت وأسباب التشرذم وقلة الإدراك للوحدة والتوحيد والاتحاد في ضمائرنا وقلوبنا قبل واقعاتنا وأمتنا وأوطاننا؟ لماذا نشكو أحر الشكوى من اهتزاز القيم وفقدان المبادئ وقلة الاكتراث لفعل الإرادة فينا وضوابط الأخلاق؟ لماذا نشكو أمر الشكوى من.. من... من... إلى كثير ممّا لو تعقبناه لاسودت أمامنا صفحات وصفحات؟!

لأننا ببساطة شديدة فقدنا أو كدنا قيم الوجود الروحي الذي من شأنه أن يمدنا بالطلاقة الروحيّة، فتمدنا بدورها بالتحرر من سطحية العلائق والأغيار، وتزيدنا فهماً للحرية التي تتكبر على الضرورة الماديّة، يعلو بمقتضاها الفرد الفذ في معارج الوعي والإدراك لكل القيم العلويّة التي ينتج عنها الآداب والفنون بمقدار ما ينتج عنها كل فضيلة روحية وعقليّة وفكريّة، تصدق بمقدار صدق الفضائل في ضمير الإنسان.

ــ التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية:

نعم.. ! إنما نشكو أمرّ الشكوى من بقاء التشتت والتشرذم فينا وفقداننا لتفعيل التوحيد في حياتنا المعرفيّة، بسبب أن قلة افتقار العربي المسلم إلى فهم غريزة التوحيد، لم تجعله يتمكن في ذاته من أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي ولا على المستوي العملي التطبيقي، غير أنه ينتكص على عقبيه، ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري؛ لأن يجري عليه ممارسته العمليّة والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعملي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصل ومباعدة لا ربط فيها ولا توحُّد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى "الوحدة" التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها. لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاها كانت تكون فطرة الوحدانيّة؟

لكأنه لم يستطع بعدُ، لأجل تدينه الساذج البسيط، أن يكوِّن لديه رؤية مُوحَّدة، يجريها على الواقع الفكري والنظري، تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي، كما هى مُقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل، إذْ إن فكرة الرؤية الموحدة تلك، إنما هى فكرة دينية بالأساس، وليس للعقل فضل فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

ثم ما معنى أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه معرفياً: واقعاً فكريّاً وثقافياً ومعنوياً وروحيّاً؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟

إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهراً جليّاً في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفرقة والخلاف والتشتت الدائم والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هى العاملة في واقع أسود مُغرق في المحدوديّة النظريّة والعمليّة؛ الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيراً في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل، والحال كما ترى، أمة تدين بالتوحيد عقيدة وعلماً ونظراً وسلوكاً وممارسة وتطبيقاً؟!

وهى إذا كانت تدين بالتوحيد فعلاً وتقريراً وواقعاً وتفصيلاً، لماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية، فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساساً لمنطلقاتها النظريّة، وعزلته عن الواقع الفعلي، فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني، فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلاً ينقصه المضمون؛ أنتج أصناماً وأوثاناً تُعْبَد من دون الله في أشكال جديدة، وقدَّست المخلوقين بدلاً من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير، وارتضت بالمذلة والهوان وقلة القيمة في واقعها الأسود لا تملك فيه سوى شعارات الغضب.

ولم لا.. لم يكن هنالك من عجب؟! فإذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي، الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملي، وهو الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنية وعلماً وفناً وحضارة، ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة.

ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إنّ هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد، الأمر الذي أطمع الأغيار فينا حتى دهسونا بأقدم النعال.

ــ قيم من اللغة ساقطة:

وإذا كانت قيمة التوحيد، وهي تُعَد أعلى هرم القيم، تبدو هزيلة في الفعل العربي غير منظور إليها بعين الاعتبار، فما بالك بسائر القيم الأخرى التي تترتب عليها بالضرورة؟

كيف يستطيع شبابنا أن يستلهم قيم الحق والخير والعدالة والجمال في سلوكه وعمله بعد اعتقاده في معطياتها، واستيعابه نظريّاً لمنطلقاتها؟ وماذا عساه يكون الحال في قيم مثل: الدّين والوطن، واللغة، والهويّة؟

خذ على ذلك مثلاً هناك من قريب: ثلاث قيم كبرى سقطت بين شبابنا اليوم، وكلما مرّ بهم الزمن نحو المستقبل يزداد إصرارهم على سقوطها: الوطنيّة، والدين، واللغة.

بالطبع، لن أتكلم هنا لا عن الدين ولا عن الوطنيّة، فالكلام عنهما طويل جداً، ولكن عن اللغة باعتبار مساسها مباشرة بالكتابة والتأليف.

كلما قرأت للأجيال الجديدة وجدت فقدان أهم خاصّة تستند عليها الكتابة التي تؤهل صاحبها لممارسة التأليف والعمل الإبداعي، وهى افتقارهم "لقوة الهضم" والصبر عليها وتربيتها سلفاً في طواياهم الباطنة، فبمقدار "قوة الهضم" يجئ الابتكار مرهوناً بقدرة العقل الهاضمة للأفكار والآراء، وللمباحث ووجهات النظر المختلفة. لا يتأتى الإبداع هكذا ضربة لازب أشبه ما يكون بطفرة عرضيّة لا جهد فيها ولا عناء.

القدرة على الإبداع في الذهن المبدع الخَلاّق موصولة بنسب عريق بقوة الهضم لأفكار السابقين؛ فلا إبداع من فراغ مطلقاً؛ بل إن المبدعين من فراغ لا مكان لهم إلا في مستشفى الأمراض العقلية على حد قول "ول ديورانت" في قصة الحضارة؛ لأنهم حين يبدعون، يبدعون من لا شئ، وبدون خميرة معرفيّة، فيجئ إبداعهم مرضاً عقلياً فيما لو جاز إطلاق وصف الإبداع على إنتاجهم. وما داموا يدركون من ذواتهم أنها تبدع، فهو إدراك موهوم، وهم مع ذلك يفتقرون إلى قوة تحصيلية لآراء الفكر وتوجّهات الرأي من أزمنة الماضي السحيق.

وهكذا؛ يكون شأن الإبداع كله لديهم: من فراغ ليس فيه تحصيل..!

وممّا يسترعي الانتباه حقاً أن الكاتب الفرنسي "بول فاليري" (1871م - 1945م) في كتابه "أشياء مسكوتٌ عنها"، كان قد وقف على هذه الحقيقة التي يعز وجودها ويندر في كتابات الشباب، عندما قال: "لا يوجد شئ أكثر ابتكاراً، ولا أشدّ شخصيّة من أن يتغذى الإنسان من الآخرين، ولكن ينبغي هضم هذا الغذاء والاستفادة منه. فالحق أن الأسد مكوّن من كباش مهضومة، ومتحوّلة إلى أسديّة". والمعنى واضح، وهو أن النحت الكثير في أعمال الآخرين، قبولاً ورفضاً أو عرضاً ونقداً، أو مقارنة وتحليلاً، أو ممّا يُتاح أمام العقل إعمالاً للفكر، يُصقل الشخصية العلميّة بموروث الملكات، ويحفظ لها استقلالها الفكري بعد الصقل والتكوين.

وليس غريباً على "بول فاليري" أن يذكر هذا، وهو يُعد من أبرز الشعراء والكتاب والمفكرين الفرنسيين في القرن العشرين؛ إذ تميزت كتاباته بالعمق الفلسفي والتركيز الشديد على آليات عمل العقل البشري، والوعي، والجماليات. وإذا كان كتابه "أشياء مسكوت عنها" عبارة عن شذرات قِصار وخواطر وتأملات مكثفة من دفاتر مذاكراته اليوميّة الدقيقة؛ فإنه ليدور حول آليات عمل الفكر والوعي، وكيفية عمل العقل البشري والعلاقة المركبة بين الوعي واللا وعي، وفلسفة اللغة والأدب من حيث يتناول قصور الكلمات عن التعبير التام عما عساه يدور في النفس ولا يحتمله مكنون الطرس، والفرق بين الصوت والمعنى في الشعر، وكذلك الفن والجمال وتأملات في طبيعة الإبداع الفني، وجهد الفنان الهادي لإنتاج الأثر الإبداعي، والحياة السياسة والمجتمع، ومفارقات حول اهتمامات النفس البشريّة مع التركيز على الأخلاق والسياسة. ومن أشهر مقولاته التي تبدو كمفارقات: الأمور التي تهمنا نتحدث عنها نادراً؛ فكل ما هو حاضر دائما في الذهن يندر حضوره على الشفاه"!.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

تنعكس اللغة في كلّ تصرفاتنا، وحواراتنا، وفي كلّ اللقاءات التي نتمتع بها، إن كان في المنزل أو المكتب أو في الشارع، أو في وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأجناسها.

وبمقدار احترامنا لهذه اللغة تكون فاعلين للسمو بأنفسنا وبمكانتنا، وبغير ذلك نكون بمثابة من يستهزئ بنفسه وبلغته أمام نفسه وأمام الآخرين، ويُعبّر عن ضحالته وحالته المتردّية

ولكي نصل إلى حالةِ الإبداع في اللغة علينا أن نمزج اللغة مع التفكير الذهني النشط، ليتكوّن لدينا نسيج لغةٍ غنيّة وواسعة.

ومع انتشار مواقع الأدباء المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمّ فسح المجال أمام الجميع كي يطفو كلّ فردٍ كيفما يشاء ويروم، وأن يتواصل مع الآخرين في أي زمانٍ ومكان، متغاضياً عن أمرٍ مهم يتلخّص في أن هذا التواصل يحتاج في المقام الأول إلى اللغة.

و لعلّ إنتشار هذه المواقع ساهم بشكلٍ كبير في كشف عورات الآخرين اللغوية، وطفت على السطح الفجوة العريضة والواضحة بين مكوّنات المجتمع في التعبير اللغوي والإملائي والنحوي والكتابي، وتدنّى مستوى التعبير وتوضّحت ضآلته.

وبذلك تشكّلت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة واضحة المعالم من التلوّث اللغوي، حيث اتّسمت بعض النصوص بلغةٍ غير واضحةٍ، ولا تحكمها قواعد لغوية، أو نحوية أو صرفية وإملائية. والأمثلة بين أيدينا كثيرةٌ جداً.

و كثيرون لا يفقهون أو لا ينتبهون أو يتجاهلون الكلمات المنقوصة، أو الأفعال المعتلّة، أو التنوين، أو الشدّة، أو جمع المذكر السالم، أو الأفعال الخمسة، أو الأسماء الستة، أو الفعل المعتلّ. أيضاً هناك نماذج كثيرة حول هذه الأخطاء بين أيدينا.

كما إنتشرت في هذه المواقع الأدبية منها وفي وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام، عمليات السطو الأدبي، وتم فضح الأسماء التي تُمارس هكذا سطو، بل تمّ إنشاء مواقع متخصصة بفضح الذين يُمارسون السطو الأدبي وبالأسماء.

ولأن هذه المواقع انتشرت فيها الأخطاء اللغوية، لذا أسهمت بشكلٍ عفوي من خلال تكرار هذه الأخطاء إلى ترسيخها لدى الكثيرين الذين يستخدمون هذه المواقع، ممّا أدّى إلى إنتشار كتابات مشوّهة في حالاتٍ كثيرة، ومع الأسف هذه الكتابات المشوّهة تُقابل من أُدباء آخرين بنفس الموقع بتعليقات:

" رائع، قمة الإبداع، الله... روعة، بوحٌ رائع، يسلم اليراع، قلمكم نقش حرير المعاني ". وما إلى ذلك من عباراتٍ لا نستطيع أن نقول عنها إلاّ أنها نموذج واضح للدجل وللنفاق الثقافي والأدبي والاجتماعي، وخذلان لنقاء اللغة، ومساهمة واضحة في نشر التلوّث اللغوي وتوسيع مساحته.

كلّ هذه الأمور تختصر تاريخ طويل من الهزيمة الفعلية المُعاشة في المنطقة العربية بسبب ذاتي، وبسببٍ آخر يتمثّل بالغزو الثقافي المشبوه والشرير.

كما أن هناك كثير من الشباب الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة ممزوجة بين العربية والاجنبية والأرقام يسمونها " فرانكو "، وإذا استخدموا اللغة العربية بمفردها لا يستطيعون بسبب الجهل باللغة العربية وبسبب الأخطاء الجسيمة التي يقعون بها. تُرى هل هذا بسبب التخبّط التربوي المعمول به في الإقليم، وترسيخ الإزدواجية اللغوية ؟.

بكل تأكيد إن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى ليست مسؤولة عن هذا التردي، ولكن هذه المواقع بمجملها تعكس بشكلٍ واضحٍ ودقيق مدى التخلّف والجهل من خلال اللغة المستخدمة في هكذا مواقع.

وبنفس الوقت هناك مواقع تحترم نفسها، ولا تسمح بنشر أي مادة إذا لم تك سليمة لغوياً ونحوياً، لذا نرى أن عدد المواد المرفوضة عندها هي كثيرة.

وكلٌ منّا يُلا حظ في هذه الأيام أن معظم المدرسين لا يجيدون اللغة العربية، حتّى ولا يجيدون نطق الأحرف، ولا يهتمون بإخلاص في تدريس اللغة العربية لأجيال هذه الأمّة.

وإذا أحببنا أن نُعالج هذا الواقع، لا بُدّ من إعادة الإعتبار بشكلٍ جدّي للّغة العربية في كافة مراحل الدراسة بدءً من المرحلة الإبتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية، وبهذه الحالة يتخرّج الطالب وهو مُلمّ بشكلٍ كامل بلغته الأم، حتّى ولو درس بعض العلوم باللغة الأجنبية، سيبقى ملمّاً ومتفوقاً في لغته لأن ذخيرته اللغوية فيها واسعة ويستوعبها بشكلٍ كامل.

أمّا الكتّاب الذين يطمحون نحو الإبداع، عليهم أن يدمجوا إسلوب قلمهم مع البلاغة، أي مع النحو والصرف، وبإسلوب أعلى لغوياً، حينها سنحصل على لغة واضحة وسليمة وبليغة، وتلج بسلاسة قلب المتلقي، الذي سيدرك تلقائياً قدرة الكاتب على تكوين كلام بليغ، وقدرته على اختيار الحرف المناسب.

نحن ندرك ونؤمن بدون أي شك، بأن لغتنا العربية عريقة وباقية، لكن مع الأسف إن سياسات مؤسساتنا الاعلامية والتربوية والثقافية قاصرة بكل معنى الكلمة لحماية لغتنا السامية على الدوام.

***

د. أنور ساطع أصفري

زمن الثورة الرقمية.. هل هذا الإقبال بفعل وجود حلقة مفقودة في الذكاء الاصطناعي؟

مقدمة: في عصر الثورة الرقمية، حيث أصبحت الخوارزميات والنماذج اللغوية الكبيرة تُسيطر على جوانب واسعة من الحياة، يلاحظ مراقبو سوق العمل ظاهرة لافتة: شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل، ميتا، أوبن إيه آي، مايكروسوفت تتهافت على توظيف خريجي الفلسفة والعلوم الإنسانية. هذا الإقبال ليس صدفة ولا مجرد تنويع في التوظيف، بل يعكس وعيًا عميقًا بأن التقدم التقني يواجه حدودًا معرفية وأخلاقية لا يستطيع المهندسون والمبرمجون وحدهم تجاوزها. الفلسفة، التي طالما اعتبرت "غير عملية" في عصر الصناعة، أصبحت اليوم مطلوبة لأنها تقدم أدوات تفكير نقدي، أخلاقي، ووجودي لا غنى عنها في بناء الذكاء الاصطناعي وإدارة آثاره الاجتماعية. فماذا ترتب عن التحول الذي حدث بعد ثورة الذكاء الاصطناعي في سوق العمل الرقمي؟

أولاً: الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي الحالي يتفوق في معالجة البيانات، التنبؤ، والتعرف على الأنماط، لكنه يعاني من حلقة مفقودة أساسية: الفهم الحقيقي والـحكمة. النماذج اللغوية تولد نصوصًا تبدو ذكية، لكنها تفتقر إلى الوعي الذاتي، الإدراك الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع الغموض والتناقضات الإنسانية. هنا يأتي دور الفيلسوف: نقد المفاهيم: الفيلسوف مدرب على تفكيك المفاهيم الأساسية مثل "الذكاء"، "الوعي"، "الإرادة"، و"القيمة". يسأل أسئلة جوهرية: هل الذكاء الاصطناعي يفهم فعلاً، أم يقلد فقط؟ ما معنى "الإبداع" عند آلة لا تملك تجربة ذاتية؟

الأخلاقيات والقيم: الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات تؤثر في الحياة (التوظيف، التشخيص الطبي، الحروب الآلية). الفيلسوف يساعد في صياغة إطارات أخلاقية تتجاوز "التوافق مع البيانات" إلى مبادئ عالمية مثل العدالة، الشفافية، والكرامة الإنسانية.

السياق الإنساني: التقنية تُغير طبيعة العمل، العلاقات، والذات. الفيلسوف يقدم رؤية وجودية تساعد في فهم كيف يغير الذكاء الاصطناعي هويتنا وعلاقتنا بالزمن والمعنى.

ثانياً: المهارات الفلسفية كميزة تنافسية

عمالقة التقنية لا يبحثون عن "فيلسوف" يقرأ أفلاطون فحسب، بل عن شخص يتقن:

التفكير النقدي العميق — القدرة على اكتشاف التحيزات المخفية في النماذج.

المنطق والبرهان — بناء حجج متماسكة حول سلامة الأنظمة.

الأنطولوجيا والإبستمولوجيا — فهم طبيعة الوجود والمعرفة في عالم يختلط فيه البشري بالآلي.

التواصل المعقد — ترجمة المفاهيم التقنية إلى لغة أخلاقية وسياسية مفهومة لصانعي السياسات والجمهور.

هذه المهارات تسمح للفيلسوف بأن يكون "جسرًا" بين المهندسين والمجتمع، مما يقلل من مخاطر "التقنية غير المنضبطة" التي تهدد الديمقراطية، الخصوصية، والاستقرار الاجتماعي.

ثالثاً: مواكبة السياق التاريخي والحضاري

تاريخيًا، كانت الثورات الصناعية السابقة تتطلب مهندسين وفيزيائيين. أما الثورة الرقمية فهي ثورة معرفية ووجودية. الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة الإنتاج، بل يغير طبيعة الإنسان نفسه. هنا تظهر الحاجة إلى الفلسفة كـ"طب أخلاقي" للتقنية. بدونها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السيطرة، التحيز، والاستغلال. الفيلسوف يساعد في طرح الأسئلة الكبرى: ما هي الحدود التي يجب ألا تتجاوزها الآلة؟ كيف نحمي الإنسانية في عالم الذكاء الاصطناعي العام؟

تحليل خوارزميات التحيز الأخلاقي

يتم التعامل مع التحيز كبنية أساسية في الذكاء الاصطناعي. الخوارزميات لا تُنتج قرارات محايدة. كل نموذج ذكاء اصطناعي يحمل تحيزًا أخلاقيًا مدمجًا في بنيته، سواء كان ذلك واعيًا أو غير واعٍ. هذا التحيز ليس خطأ فنيًا بسيطًا، بل مشكلة فلسفية عميقة تنبع من كيفية تصميم البيانات، الدوال الهدف ، والهندسة المعمارية للنموذج.

أنواع التحيز الأخلاقي في الخوارزميات

التحيز في البيانات

أغلب النماذج تُدرَّب على بيانات تاريخية تحمل تحيزات المجتمع البشري (عنصرية، جنسية، طبقية). مثال: أنظمة التوظيف التي تفضل السير الذاتية من جامعات معينة أو أجناس معينة لأن البيانات التاريخية كانت كذلك. الخوارزمية لا "تكتشف" الحقيقة، بل تعيد إنتاج الأنماط التاريخية.

التحيز في التصميم

اختيار المهندسين للدوال الهدف يعكس قيمهم. إذا كانت الدالة تهدف فقط إلى "الدقة" أو "الربح"، فإن النموذج يتجاهل العدالة أو الكرامة. مثال: نماذج التوصية التي تعزز المحتوى الاستقطابي لأنها تُكافأ على وقت المشاهدة.

التحيز في التقييم

المقاييس المستخدمة غالبًا ما تتجاهل التأثيرات الاجتماعية غير المتكافئة. نموذج يحقق دقة 95% قد يكون كارثيًا على مجموعات مهمشة.

التحيز الوجودي

النماذج تفترض عالمًا يمكن اختزاله إلى بيانات قابلة للقياس. هذا يهمش الجوانب غير القابلة للقياس: الشعور، المعنى، الغموض الأخلاقي، والقيم غير المنفعية.

الآليات التقنية للتحيز

الانحياز في التعلم المعزز بالتفضيل البشري: حتى عندما يُستخدم بشر لتصحيح النموذج، ينقلون تحيزاتهم الثقافية.

التدريب على بيانات الإنترنت: الإنترنت يعكس عدم المساواة العالمية، فيصبح النموذج "ذكيًا" بطريقة غربية، ذكورية، أو طبقية.

التعميم غير المتكافئ: النماذج تتعلم أفضل على المجموعات المهيمنة وتفشل مع الأقليات (مثل اللهجات العربية أو اللغات منخفضة الموارد).

التحديات الفلسفية

مشكلة "القيم": من يقرر ما هي "القيم الصحيحة" التي يجب أن تُدمج في النموذج؟ هل هي القيم الليبرالية الغربية؟ أم قيم متعددة ثقافيًا؟

الوعي مقابل المحاكاة: الذكاء الاصطناعي يحاكي اللغة الأخلاقية دون أن يمتلك وعيًا أخلاقيًا. هذا يخلق خطر "النفاق الآلي" — آلة تقول الشيء الصحيح وتفعل العكس.

السلطة: من يملك القدرة على تعديل التحيزات؟ الشركات؟ الحكومات؟ المجتمع؟

حلول ممكنة (مع حدودها)

التدريب الدستوري: جعل النموذج يتبع "دستورًا" أخلاقيًا مكتوبًا.

التنوع في فرق التطوير: إدخال فيلسوف، عالم اجتماع، وممثلين عن ثقافات مختلفة.

الشفافية والتدقيق: جعل الخوارزميات قابلة للتفسير والمراجعة.

الحدود: كل هذه الحلول تبقى داخل إطار الشركات الرأسمالية، فلا تحل المشكلة الجذرية: السلطة المركزية على الذكاء الاصطناعي.

العدالة التفسيرية في التعلم الآلي

العدالة التفسيرية مفهوم فلسفي-تقني يتجاوز مجرد "العدالة الخوارزمية" التي تركز على النتائج الإحصائية. إنها تطالب بأن تكون عمليات التفسير نفسها عادلة: كيف يُفسر النموذج قراراته؟ لمن يُفسرها؟ وهل يُعطي تفسيرًا صادقًا ومتساويًا لجميع الأطراف المتأثرة؟

في التعلم الآلي، معظم النماذج "صندوق أسود". حتى عندما نستخدم تقنيات مثل شاب أو ليمون لتفسير القرارات، فإن هذه التفسيرات غالبًا ما تكون غير عادلة تفسيريًا.

أشكال عدم العدالة التفسيرية

التحيز في التفسير

النماذج تميل إلى تقديم تفسيرات أبسط وأكثر إقناعًا للمجموعات المهيمنة، بينما تقدم تفسيرات معقدة أو غامضة للمجموعات المهمشة. مثال: نظام يرفض قرضًا لشخص من أقلية، فيقدم تفسيرًا "موضوعيًا" (تاريخ الائتمان)، بينما يخفي التحيزات الهيكلية.

عدم المساواة في الوصول إلى التفسير

الشركات والحكومات تمتلك أدوات تفسير متقدمة، بينما المواطن العادي يحصل على تفسير سطحي أو مضلل ("بسبب سياساتنا"). هذا يخلق فجوة معرفية بين من يملكون القدرة على فهم الآلة وبين من يتأثرون بها.

التفسير الزائف

النماذج تُنتج تفسيرات تبدو معقولة لكنها لا تعكس السبب الحقيقي للقرار. هذا "نفاق تفسيري" يُستخدم لتهدئة الرأي العام دون إصلاح حقيقي.

التحيز الثقافي واللغوي

معظم أدوات التفسير مصممة بمنطق غربي، فتفشل في تفسير السياقات الثقافية المتنوعة (مثل اللهجات العربية أو القيم الجماعية في المجتمعات الشرقية).

التحديات الفلسفية

مشكلة "الحقيقة": ما هو التفسير "الصحيح"؟ هل هو التفسير الذي يعكس الرياضيات الداخلية للنموذج، أم الذي يفهمه البشر ويحترم كرامتهم؟

السلطة المعرفية: من يقرر ما هو "تفسير عادل"؟ المهندس؟ الفيلسوف؟ المتضرر؟ أم المجتمع؟

العدالة مقابل الكفاءة: التفسيرات العادلة غالبًا ما تكون أقل كفاءة تقنيًا، مما يخلق توترًا بين الربح والعدالة.

حلول ممكنة وحدودها

التفسير المضاد للتحيز: "لو تغير هذا العامل، لتغير القرار". فعال لكن محدود.

التفسير الجماعي: إشراك المتضررين في عملية التفسير.

النماذج القابلة للتفسير بطبيعتها مثل نماذج الشجرة أو المنطقية.

الحدود: كل هذه الحلول تبقى داخل إطار الشركات الخاصة، فلا تحل المشكلة الهيكلية لتركيز السلطة على الذكاء الاصطناعي. فكيف نسير نحو عدالة تفسيرية حقيقية؟

خاتمة:

الإقبال على طلبة الفلسفة ليس موضة عابرة، بل اعتراف بأن التقنية بدون فلسفة تُنتج ذكاءً بدون حكمة. الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي هي القدرة على التساؤل عن الغايات، لا فقط تحسين الوسائل. الفيلسوف في عصر الثورة الرقمية ليس "مفكرًا في برج عاجي"، بل شريكًا أساسيًا في تصميم مستقبل يبقي فيه الإنسان مركزًا. هذا الإقبال يعكس وعيًا متزايدًا بأن أكبر التحديات التقنية هي، في النهاية، تحديات فلسفية. من المعلوم أن التحيز الأخلاقي ليس خطأ يُصلح، بل سمة بنيوية للذكاء الاصطناعي الحالي. الخوارزميات لا تُنتج حيادًا؛ هي مرآة مُشوَّهة لقيم صانعيها ولبيانات مجتمعاتهم. الحل الحقيقي يتطلب فلسفة تقنية جريئة: إعادة التفكير في طبيعة الذكاء نفسه، ووضع الإنسان (بكل تنوعه وقيمه) في مركز التصميم. بدون ذلك، سيظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السلطة القائمة بدلاً من تحرير الإمكانيات الإنسانية. الفلسفة ليست رفاهية في عصر الذكاء الاصطناعي، بل شرط وجودي لكي لا نصبح عبيدًا لآلات تعكس أسوأ ما فينا. في المجمل العدالة التفسيرية تتطلب أكثر من تقنيات؛ إنها تتطلب فلسفة تقنية تُعيد النظر في من يملك الحق في تفسير العالم. الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون "صندوقًا أسود" يحكم حياتنا دون أن نفهم كيف أو لماذا. العدالة التفسيرية تعني أن كل إنسان متأثر بالآلة له الحق في تفسير صادق ومفهوم ومتساوٍ. بدونها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة لتعزيز عدم المساواة المعرفية والاجتماعية. الفلسفة ليست رفاهية هنا، بل شرط أساسي لكي لا نصبح عبيدًا لخوارزميات لا نفهمها ولا نستطيع مساءلتها.  فما مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على الفلسفة؟ وكيف يجب أن نسير نحو فلسفة تقنية؟

***

د. زهير الخويلدي كاتب فلسفي

 

على الدوام يرى الفرد أن الزمن يسير في اتجاه مستقيم؛ ماضٍ انتهى، وواقع نعيشه، ومستقبل مرتقب. غير أن التطورات المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم اليوم تطرح تساؤلا جديداً: هل ما زلنا نعيش داخل الحاضر فقط، أم أننا أصبحنا ننتقل داخل "زمكان معرفي" يتجاوز حدود الزمن والمكان التقليديين؟

في الفيزياء، يجسد الزمكان الإطار الذي تحصل داخله كل مظاهر الوجود المادي. أما في حقل المعرفة والعقل، فقد أصبح من الممكن الحديث عن "زمكان المعرفة والوعي"، وهو الحقل الذي تتفاعل فيه كل من الذاكرة والإدراك والخيال والتوقع، لتكوين المعنى واعادة بناء ادراكنا للعالم.

فالوعي الإنساني لا يعيش في الزمن الحاضر وحده، وعندما يتذكر الفرد طفولته، فإنه يعود إلى الماضي. وعندما يخطط لمشروع أو يتخيل مستقبلاً أفضل، فإنه ينتقل ذهنياً إلى ما لم يحصل بعد. وهكذا يصبح الذهن البشري كائناً يواصل رحلته عبر الزمن، ويجوب فضاء معرفيا يمتد من الذاكرة إلى الخيال، ومن المعرفة إلى الاحتمال.

لكن المعرفة ذاتها لم تعد محجوزة داخل الجمجمة، فالكتاب والخريطة والحاسوب والهاتف الذكي وشبكة الانترنيت وادوات الذكاء الاصطناعي، غدت جميعها امتدادات او مظاهر خارجية للوعي البشري ومكونات لعالم معرفي جديد. وبذلك لم يعد فضاء المعرفة هو الدماغ فقط، بل أصبح شبكة ممتدة تجمع الإنسان والتقنية والثقافة والمجتمع.

وفي هذا الافق، يظهر مصطلح أكثر إلهاما، هو "زمكان المستقبل"، فالمستقبل لم يعد مجرد زمن لم يصل بعد، بل أصبح ميدان من القدرات والمسارات الممكنة التي يمكن للعقل البشري الكشف عنها وتمثيلها قبل أن تطبق على ارض الواقع.

فالعالم الذي يضع تمثيلا لاكتشاف جديد، والمهندس الذي يصمم مدناً ذكية لعام 2050، والمعلم الذي يبني نماذج تعليمية للأجيال القادمة، جميعهم يعيشون جزءاً من وعيهم داخل المستقبل، إنهم لا ينتظرون المستقبل، بل يصنعونه معرفياً.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أخذ هذا التحول افقا جديدا. فقد غدت الآلات قادرة على المشاركة في بناء التصورات المستقبلية، وتطبيق الاحتمالات، وخلق المعرفة بصورة تشاركية مع الإنسان. وهكذا انبثق فضاء معرفي جديد تتفاعل فيه عقول البشر مع النظام الذكي، وتتوسع فيه المعرفة من مجرد استذكار للماضي إلى مسار دائم لانتاج الممكن وصناعة المستقبل.

وقد يصبح السؤال الأهم الذي يواجه عملية التعليم في القرن الحالي هو: هل ما زلنا ندرب العقول على اكتساب معارف الماضي فقط، أم أننا نؤهلهم للتنقل داخل زمكان المعرفة والمستقبل؟

لقد كان جوهر التعليم التقليدي يتجسد في نقل المعرفة المتراكمة من الأجيال السابقة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح الرهان الحقيقي هو صقل القدرة على إنتاج المعنى، وتخيل البدائل، واعداد ورسم السيناريوهات، وصناعة المستقبل قبل أن يأتي.

إن الانتقال الأهم الذي نعيشه اليوم لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بإعادة تعريف المعرفة ذاتها. فالمستقبل لم يعد نقطة زمنية ننتظر الوصول إليها، بل أصبح فضاءً معرفياً نعيش فيه، ونفكر من خلاله، ونشارك في بنائه.

وربما سيكتشف مؤلفي المستقبل أن اكبر قفزات القرن الحالي لم تكن طفرات صناعية أو رقمية فقط، بل كانت قفزة في الفرد لموقعه داخل "زمكان المعرفة والمستقبل"، حين أدرك للمرة الأولى أنه ليس مجرد شاهد على الزمن، بل شريك في انتاجه.

***

علاء جواد كاظم

على الرغم من أن الدين يعتبر من القضايا المهمة التي شغلت ولم تزل تشغل الوعي البشري عبر تاريخ المجتمعات البشريّة بشكل عام، إلا أن أهميته القصوى تأتي هنا في الشرق، كونه يشغل في الواقع مساحة أكثر اتساعاّ في وعي شعوبه عموما، ومنها الشعوب الإسلاميّة والعربيّة على وجه الخصوص، وذلك لاعتبارات عدة ياتي في مقدمتها:

أولاً: غياب التعامل مع العلم الوضعي بمعظم تجلياته عبر فترات زمنيّة طويلة من تاريخ الشعوب العربيّة والإسلاميّة، إن كان على مستوى النظريات الفلسفيّة الوضعيّة التي تبحث في الكون والوجود الإنساني، أم على مستوى التكنولوجيا من حيث إنتاجها أو إنتاج المعرفة المتعلقة بها، فنحن شعوب بقيت مستهلكة أكثر مما هي منتجة، بل وصل القول عند بعض الفقها المحدثين بأن الله خلقنا فقط نحن العرب والمسلمين كي نهدي الناس للدين والخير في هذه الحياة للحصول على الجنة الموعودة، بينما خلق الله بقية خلقه لخدمتنا، وبالتالي هم وحدهم المكلفين بالاختراعات العلميّةّ وتقديمها لنا كي نستفيد من ثمارها.

ثانياً: كون الإسلام هو آخر الديانات السماويّة، ومن خلال هذا المعطى استطاع الكثير من المفكرين ورجال الدين الإسلاميين ترسيخ فكرة أساسيّة في وعي المواطن العربي والإسلامي عموما مفادها، أن الإسلام (دين ودنيا) وقد جب كل ما قبله وما بعده، فأصبح بذلك هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما يهم حياة الإنسان حاضرا ومستقبلا، وبالتالي ظل الدين يشكل المنطلق الأساس في تفسير ووضع الحلول للمشاكل المتعلقة بحياة الإنسان عموما والمسلم على وجه الخصوص.

ثالثاً: إن قيام أول دولة في العالم العربي عل المشروع الإسلامي استمرت مئات السنين بفضل هذا المشروع، ولم يستطع العرب بوجه خاص أو المسلمون بوجه عام بعد انهيارها إعادة تشكيل دولة قويّة تواجه التحديات المصيريّة التي راحوا يتعرضون لها بشكل جدي منذ انهيار هذه الدولة حتى تاريخه، الأمر الذي جعل من الإسلام (الفردوس المفقود) بعد أن لمس العرب خاصة حالة ضعفهم وتراجعهم أمام تقدم الغرب من جهة، وتراجع المشروعان اليساري والقومي بكل اتجاهاتهما بسبب عدم اكتمال الظروف الموضوعيّة والذاتيّة القابلة لتطبيقهما على ارض الواقع من جهة ثانية.

رابعاً: سيطرة الأعاجم على الدولة العربيّة والإسلاميّة لفترات زمنيّة طويلة باسم الدين نفسه، لذلك غالبا ماكانت هذه القوى الأعجميّة الغازية تلجأ إلى تفسير النص الديني وفقا لمصالحها ورغباتها لاخضاع العرب بشكل خاص لسلطتها، هذه السلطة التي لايمكن أن تتحقق في صيغتها تلك إلا عبر إشهار الدين الذي سيضفي على هذه السلطة المشروعيّة، وهذا ما دفع القوى الحاكمة لهذه الدول على تغليب الرؤى والأفكار الدينيّة اللاهوتيّة والامتثاليّة وتجذيرها في وعي المواطن بدل الرؤى والاتجاهات العقلانيّة في الدين نفسه، كونها – أي القوى الحاكمة - كانت تشعر أن الاتكاء على الرؤى والمفاهيم العقلانيّة في الدين لتسيير أمور المسلمين ستفتح عليها أبواب قوى المعارضة، وتفضح حقيقة أمرها كقوى استعمارية غريبّة أو موالية للغرب لا يهمها إلا مصالحها واستمرار وجودها في الحكم، وكان من نتائج هذه السياسة على حياة العرب والمسلمين انتشار الصوفيّة بصيغتها الطرقيّة، التي ترافق مع انتشارها الإقطاع العسكري والفقر والجهل والتخلف، والتي لم يزل العرب والمسلمون يدفعون ثمنها حتى تاريخه.

خامساً: غزو الثقافات الغربيّة للعالمين العربي والإسلامي مع فترة الاستعمار، وردود الفعل الثقافيّة من قبل العرب والمسلمين لمواجهة هذه الثقافات الغربية الغازيّة، حيث كانت مسألة (العودة إلى التراث) هي السبيل الوحيد للمواجهة في ظل تخلف اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، علما أن هذا التراث تجسد عموما في الدين وتفسيراته وتشريعاته، وأبعد عنه منذ زمن طويل كل ما هو عقلاني، وما يعبر عن هذه العقلانيّة من فقهاء وفلاسفة ومفكرين، من (ابن رشد وصولا إلى عبد الرحمن الكواكبي، وعلي عبد الرازق، وحامد أبو زيد) وما بينهما.

سادساً: لقد سيطر الاستعمار الغربي على العالمين العربي والإسلامي، وسعي هذا المستعمر بشكل مستمر ولم يزل على إبعاد المعرفة العلميّة بكل مستوياتها وحتى المرتبطة منها بالدين نفسه، عن وعي المواطن العربي والمسلم، وتشجيع هذه الشعوب المستعَمرة على إنشاء الطرق الدينيّة الداعيّة إلى تغييب العقل والمنطق وزرع الفتن الطائفيّة والمذهبيّة، في الوقت الذي كان فيه هذا المستعمر يحارب التيارات الدينيّة الداعية إلى مقاومة المستعمر ووحدة العرب والمسلمين، وهذا ما لمسناه في مواقف فرنسا وايطاليا وبريطانيا حيث كانت تحارب وبكل قوة التيارات الدينيّة الداعية إلى المقاومة في ليبيا والجزائر ومصر وسوريا الكبرى وتونس. وهذه المسالة بالذات تعتبر برأيي من المسائل الهامة التي حالت بين العرب والمسلمين عموما من جهة، والمعرفة العلميّة والعقلانيّة من جهة ثانية، لفترات زمنية طويلة من تاريخ حياة هذه الشعوب في ظل المستعمر الأوربي.

ولتوضيح هذه المسالة بالذات، دعونا نقف قليلا عند بعض الحقائق التي تؤكد ذاك الدور التخريبي الذي مورس على وعي شعوب الشرق عموما التي خضعت للمستعمر منذ بدء المشروع الاستعماري، والذي تمثل في غرس القيم الدينيّة المشجعة على الامتثال والظلاميّة والتفرقة الطائفيّة والمذهبيّة في وعي وممارسات الأفراد والجماعات المسلمة وغير المسلمة على حساب الاتجاهات العقلانيّة في الدين التي تدعوا إلى التطور والمحبة وسعادة الإنسان.

تذكر المصادر التاريخيّة أنه، في إحدى التقارير التي قدمها موظف في الإدارة البريطانية إلى الحاكم العام في الهند عام / 1789/،- أي فجر الاستعمار البريطاني على الهند – يشير هذا الموظف ناصحا رئيسه إلى ضرورة (تشجيع طقوس الديانة الهندوسيّة وتعاليمها العقائديّة.). وحول السياسة البريطانية في هذا الاتجاه أيضا يذكر موظف روسي يدعى " مينا يف " قائلا: (إن العمل المستقل الوحيد الذي يمكن للساكن الأصلي - في البلاد المستعمرة من قبل بريطانية - أن يقوم به، هو أن يصبح مؤسساً لطائفة دينيّة جديدة، فالحكام الانكليز لا يعارضون ولا يمنعون أحدا من أن يترأس حركة دينيّة. أما ما تبقى من مجالات النشاط فكلها يجب أن تغلق إمامهم). وفي مطلع القرن العشرين يكتب احد الدبلوماسيين الروس أيضا في هذا الاتجاه قائلا: (إن الصراع بين المسلمين والهندوس أمر مرغوب فيه بالنسبة للإنكليز، فهو بمثابة صواعق تحوّل الحقد الشعبي ضد النير الأجنبي إلى جهة لاتعود على هذا الأخير بأي ضرر.). هذا إضافة إلى وجود الكثير من هذه المواقف التي تصب في الاتجاه نفسه عبر عالمنا العربي يعرفها الكثير منا، والتي كانت تشير إلى اللعبة الطائفيّة التي مارسها الغرب في بلادنا ليس على المستوى الإسلامي فحسب، بل والمسيحي أيضاً، والتي لم تزل آثارها قائمة حتى الآن في سوريا ولبنان والعراق ومصر والسودان وغيرها. (1).

في تاريخنا الحديث والمعاصر، هناك أمثلة كثيرة تشير إلى الدور الاستعماري في اللعب على الورقة الدينيّة / الطائفيّة. فأثناء الحرب الباردة على سبيل المثال لاالحصر، يعلم الكثير منا كيف شجعت الولايات المتحدة التيار الأصولي السلفي الوهابي (طالبان) في أفغانستان، لمواجهة المد السوفياتي آنذاك، ناعته رجالاته بالمجاهدين، ثم كيف راحت تنقلب على هذا التيار بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تحول المجاهدون إلى إرهابيين وقتلة وظلاميين، وكيف أن الكثير من الحكومات العربيّة التي كانت تحتضن هذا التيار راحت تتخلى عنه وتقف إلى جانب السياسة الامريكيّة في مواجهته، بل ومواجهة كل من يتعاطف معه. هذا وتتكرر هذه المواقف من قبل أمريكا وحلفائها قبل اجتياح العراق وبعد اجتياحه تجاه الطوائف الدينيّة في العراق، ففي الوقت الذي وقفت فيه أمريكا وحلفاؤها على سبيل المثال إلى جانب الشيعة ضد السنة أثناء الاجتياح مّدعية حمايتهم من ظلم واضطهاد نظام صدام في العراق، نراها اليوم تقف ضدهم مدعية بأنهم أدوات بيد إيران، وأنهم إرهابيون ومجرمون وقتله يمارسون الطائفيّة ضد السنة. بل راحت تشتغل على مسالة التحريض الطائفي من خلال أدواتها في المنطقة، الذين راحوا بدورهم يدفعون في هذا الاتجاه عبر بعض رجال الدين المرتزقة من خلال إصدار الفتاوى الطائفيّة التكفيريّة بحق هذه الطائفة أو تلك، لالشيىء إلا لكونهم يتبنون مشروع المقاومة ضد إسرائيل وأمريكا وكل أشكال الاستعمار في العالمين العربي والإسلامي.

ملاك القول: هكذا يستغل الدين عموما من قبل القوى المستعمرة ومن يواليها من الحكام العرب في دولنا العربيّة بشكل خاص، ومحاولة تحويله إلى إيديولوجيا جامدة، يعمل حملتها على نشر الفكر الظلامي الامتثالي الهادف إلى محاربة العقل والمواطنة ودولة القانون والمؤسسات، والدعوة إلى الفرقة الناجية بغية تفتيت المجتمع على أسس طائفيّة ومذهبيّة تعود مرجعياتها إلى مصالح أنانيّة ضيقة. هذا في الوقت الذي يظل الدين في جوهره ونصه العقلاني المفتوح على سعادة الإنسان، يشكل إذا ما استثمر بشكل عقلاني مشروعاً إنسانيّاً يحمل في جوهره الأسس العقلانيّة التي تساعد على التأسيس لخلق مجتمع المحبة والمساواة والانفتاح على الآخر فكرا وممارسة، وبالتالي القدرة على استيعاب قضايا العصر والاندماج في قضاياه المعاصرة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.....................

1- لمعرفة المزيد عن دور المستعمر الغربي في اللعب على البعد الديني وتفتيت المجتمع، يراجع كتابنا (التبشير بين الأصولية الدينيّة وسلطة التغريب) وهو عنوان الكتاب ذاته. إصدار دار المدى – دمشق – 2000. وخاصة البحث الأول من الكتاب وهو عنوان الكتاب ذاته.

دعنا نؤكد مرة بعد مرة أن المجتمعات العربية، تحتاج قطعاً إلى توفير ما يكفي من الوظائف للشباب الذين أنهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضاً أن توليد وظائف حقيقية، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج، وليس مجرد توفر أموال إضافية، أو مبانٍ نملأها بكل من يحتاج إلى وظيفة.

بعبارة أخرى، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية أو وهمية، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها، ويتسلمون رواتبهم منها. وهذا ممكن دائماً طالما توفر المال. أما الطريقة الأخرى، فهي التنمية الشاملة والمستدامة، أي زيادة حجم الاقتصاد، لا سيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيماً اقتصادية، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد إنتاجي واقتصاد خدمي، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر، من دون إضافة ملموسة.

إن ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال، يرجع في المقام الأول إلى صناعتها الضخمة، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم، فتضيف قوة جديدة إلى دورتها الاقتصادية، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات، حين سعت الحكومة لخلق وظائف، بعضها وهمي، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين إلى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة، ليس لحل مشكلة التوظيف، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول، حيث بات الناتج القومي الإجمالي للهند هو الأسرع نمواً بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول أرقام رسمية إن مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني، تحتضن 14000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار. ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا، التي تقع فيها بنغالور إن هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في إنجاز وظائف عالية القيمة، وفيها حالياً 875 مركزاً لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع أن ترتفع قيمة هذا القطاع إلى 110 مليارات دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.

- حسناً، ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين، بذلت الحكومات العربية جهوداً جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام، أي كون هدفه الأول إعداد موظفين لسوق العمل. تخرّج الجامعات العربية عشرات الآلاف من الشباب سنوياً. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين من العمل؛ لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل إذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني، مع أنها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل، ليخدم هدفاً واحداً، هو إعداد الطالب ليقيم عمله الخاص، وليس العمل موظفاً عند غيره. ويجب التركيز على الأعمال الإنتاجية، من الزراعة إلى الصناعات البسيطة، إلى تطوير الحلول الرقمية للأعمال، وصولاً إلى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيلياً. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم أكثر تقدماً وتعقيداً، كي يهيئ أبناءنا لحياة أكثر تعقيداً وتقدماً، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها أو استهلاكها؟

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب للتطلع إلى الآفاق البعيدة والمغامرة، والحساب الدقيق للعواقب، ونقد الواقع، والتمرد على المألوف، وإدارة الحياة والأعمال. هذا خير من إنفاق الوقت في علوم مفيدة، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

في لحظة تاريخية يتداعى فيها العقل النقدي العربي تحت ضربات "ثقافة السوق" المتوحشة، نجد أنفسنا أمام ظاهرةٍ مرضية بامتياز، وهي ما يمكن تسميته بـ "صناعة اللاشيء". لم يعد الأدب في راهننا، كما كان في زمنِ التنوير المتعثر، تعبيراً عن تناقضات الواقع أو محاولةً لاستشراف أفق التحرر؛ بل استحال إلى "سلعةٍ استهلاكية" خاضعة لقوانين العرض والطلب، تُنتج في معامل "العلاقات العامة" وتسوق بادوات "البروباغندا" الرقمية.

إن "اللاشيء" الذي نراه اليوم في رفوف المكتبات، وفي قوائم الجوائز، وفي أروقة المهرجانات الاحتفائية، ليس سوى انعكاسٍ بنيوي لأزمة المثقف الذي استقال من وظيفته التاريخية. لقد تحول الكاتب من "ضميرٍ للمجتمع" إلى "رجل مبيعات" يتملق ذائقة الجمهور التي جرى تسطيحها عمداً، أو يغازل لجان التحكيم التي تبحث عن نصٍ يرضي المركزية الغربية في نمطيتها السطحية. نحن أمام "أدبٍ بلا كاتب"، نص خاو من الجرح، مفرغ من الأسئلة الوجودية، ومصمم بعناية لكي لا يزعج أحداً، ولكي يمر برداً وسلاماً على وعي القارئ المستلب.

إن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن "اقتصاد الأدب". ففي ظل غياب مؤسسات نقدية مستقلة، وحلول "السوق" محل "الناقد"، أصبحت القيمة الأدبية تُقاس بعدد النسخ المباعة، وبعدد المتابعين على منصات التواصل، وبمدى "الترند" الذي تحققه الرواية أو الديوان. هنا، يغدو "النقد" مجرد إكسسوارٍ تجميلي، وظيفةٌ موكلة لموظفين في دور النشر، يغلفون الرداءة بأوراق السلوفان اللامع، ويسمون "التفاهة" حداثةً، و"الثرثرة" تجريباً.

نعم ان خطر "صناعة اللاشيء" يتجاوز مجرد الكتابة الرديئة؛ إنه اغتيل ممنهج للمخيال الجمعي. عندما يقتنع القارئ أن هذا "اللاشيء" هو الادب العظيم، فإننا نكون قد أفرغنا اللغة من طاقتها التحررية وحولناها إلى أداةٍ للاغتراب. المثقف، بالمعنى الغرامشي، هو من يفكك هذه البنى، ومن يرفض أن يكون صوتاً في جوقة "الاستهلاك الثقافي". إن مهمتنا اليوم ليست في الإنتاج الغزير للنصوص، بل في "مقاومة المعنى" ضد التميع، وفي استعادة شجاعة قول الحقيقة تجاه نصٍ يبيع الوهم.

إننا ندعو إلى "مقصلة المعنى"؛ إلى نقدٍ لا يعرف المجاملة، نقدٍ يدرك أن الأدب الذي لا يزعزع الثوابت، والذي لا يمتلك صلةً عضويةً بوجعِ الواقع وتناقضاتِ الممارسة الاجتماعية، هو أدبٌ ميت، حتى وإن طبعته أفخم المطابع أو توجته أضخم الجوائز. إننا أمام خيارٍ حاسم: إما أن نستعيد الأدب بوصفه فاعليةً نقديةً للمجتمع، أو أن نترك الحبل على الغارب لباعةِ الوهم ليصنعوا لنا "لاشيئاً" يملأ فراغ حياتنا، ويقبر ذكاءنا تحت ركام من الكلمات البراقة، الفارغة، والقاتلة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

مقدمة: على المستوى التاريخي لم يكن التعدد الفقهي والمذهبي في التجربة التاريخية الإسلامية مظهرا من مظاهر الانقسام والتشظي في الدائرة الإسلامية، بل دليل حيوية عقلية وفكرية ومناخ اجتماعي حر ومنفتح أدى إلى تطوير عملية الاجتهاد ونشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية في الدائرة الإسلامية.

و "علماء المسلمين يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهرا الانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيرا عن حيوية عقلية وعملية أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه". السيد محمد حسن الأمين، الاجتماع العربي الإسلامي، مراجعات في التعددية والنهضة والتنوير، ص 85، بيروت، 2003م.

لذلك فإن احترام هذا التعدد المذهبي فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد المذهبي في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءا فقهيا وفكريا وعلميا في التجربة التاريخية الإسلامية. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجودا ورأيا، وتوفر المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيدا عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ.

و هذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية.

تقارب أم تعارف:

وفي تقديرنا أن مقولة التقريب من المقولات التي تجاوزها الزمن. وذلك لأنه على الصعيد الفكري والعملي تبلورت خيارات ومفاهيم، أخذت كل إيجابيات مقولة التقريب، وأضافت إليها أبعادا عملية واجتماعية.. فالتعارف كمفهوم ثقافي وممارسة اجتماعية، من المقولات والمفاهيم، التي تحتضن مضامين وحمولة عقدية وفكرية واجتماعية أرقى من مقولة التقريب. لهذا فإننا نعتقد أن الواقع المذهبي المتعدد، بحاجة إلى مشروع فكري وقانوني وسياسي، يضبط نزعات الاختلاف والتباين، ويوظف عملية التعدد والتنوع في إثراء الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.. والتعددية المذهبية كغيرها من التعدديات، إذا لم تضبط بقانون عادل ومساواة سياسية وثقافية واجتماعية، فإنها تتحول إلى عبء على الواقع الاجتماعي على أكثر من صعيد ومستوى. فالتقريب كوعاء نظري أضحى لا يفي بحاجات ومتطلبات واقع التعددية المذهبية في المجالين العربي والإسلامي. فالتعددية المذهبية حقيقة قائمة في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية، ولا يمكن التغافل عن هذه الحقيقة أو متوالياتها ومتطلباتها، وإنما نحن بحاجة إلى نظام اجتماعي ـ ثقافي ـ سياسي، يحمي هذه الحقيقة ويحترم خصوصياتها، ويوفر للجميع على حد سواء الحماية والحرية.. ونحن نرى أن المقولة التي نطرحها على الصعيد الثقافي والاجتماعي كبديل عن مقولة التقريب، هي مقولة التعارف وهي من المقولات القرآنية والتي تحمل مدلولات ومضامين واسعة على صعيد تشكيل العلاقة الايجابية بين مختلف المكونات المذهبية في الأمة. وهذه المقولة (التعارف) على صعيد العلاقة المذهبية تعني:

1- توفر الاستعداد النفسي والاجتماعي والأخلاقي لبناء علاقة تعارف متواصلة مع الآخرين. فالنص القرآني الذي يحث على نسج تعارف وعلاقات بين القبائل والشعوب يوفر لنا إمكانية القول، أن التعارف مع الآخرين هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الإنسانية النبيلة، والتي تتغذى باستمرار مع وجود استعداد نفسي وأخلاقي واجتماعي عند جميع الأطراف لبناء علاقة تواصل مستديمة تفسح المجال لبناء علاقة سوية وسليمة بين جميع الأطراف والمكونات.

2- الاعتراف بالآخر، حيث أنه لا يمكن أن تنطلق في مشروع التعارف مع الآخرين بدون الاعتراف بوجودهم وآرائهم وأفكارهم. فالتعارف يقتضي الاعتراف أن في الوجود أو المجتمع أو الوطن آخرين. وهذا الاعتراف هو الذي يقود إلى مشروع التعارف على أسس واضحة ومثمرة.

3- إن التعارف في مضمونه وآفاقه، ينطوي على دعوة عميقة وجوهرية لمعرفة الآخر من خلال استكشافه وولوج منظوماته وقراءته كما هو، بعيدا عن الذاتية التي تسقط على هذا الآخر عصبيتها الاجتماعية والفكرية. وهذا يقتضي الحوار المتواصل والمستديم بين جميع الأطراف والمكونات، حتى يتسنى للجميع المعرفة المتبادلة واكتشاف الآخر بعيدا عن المسبقات والقناعات الجاهزة.

فالتعددية المذهبية في مجتمعنا وأوطاننا، ليست عيبا يجب إخفاؤه، ولا عبئا ينبغي التخلص منه، وإنما هي حقيقة تاريخية - اجتماعية ينبغي التعامل معها بحكمة وروية وبعد نظر، حتى ترتفع كل العناصر السيئة التي تشوب العلاقة بين المكونات المذهبية في المجالين العربي والإسلامي.. ومقولة التعارف هي أولى الخطوات في مشروع صياغة العلاقة الايجابية بين أهل المذاهب الإسلامية.

نقد الطائفية:

لعلنا لا نأتي بجديد حين القول ابتداءً، أن التعدد المذهبي لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن. فإذا كان منتميا إلى المذهب الرسمي فإن أبواب الوظائف والمناصب في كل الحقول والميادين تكون مفتوحة أمامه.

أما إذا كان المواطن ينتمي إلى مذهب آخر، فإن العديد من دوائر الحياة تغلق في وجهه ولا يسمح له خدمة الوطن في بعض المواقع والحقول. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع إعادة صوغ العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في الفضاء الوطني، هو رفض الطائفية بكل مسوغاتها وتبريراتها، التي هي في المحصلة النهائية تساهم في تمزيق المجتمع وتفتيت الوطن. فبدون محاربة الطائفية ونقد أسسها الثقافية والسياسية ومرتكزاتها العقدية والفكرية، لن نتمكن من بناء العلاقة بين مكونات الوطن المذهبية والسياسية على أسس العدالة والاعتراف والاحترام المتبادلين.

وإن تقسيم أبناء الوطن على أسس طائفية لا يضر حاضر الوطن فقط بل يهدد مستقبله. وذلك لأن هذا التقسيم هو مقدمة التفتيت والانهيار.

لذلك فإننا جميعا ومن مختلف مواقعنا، ينبغي أن نقف ضد كل مظاهر التمييز الطائفي، وذلك لأن هذا التمييز لا يضر فقط الطرف الموجهة ضده، بل تضر وحدة الوطن والمواطنين، وتزيد من فرص الاحتراب الداخلي. فنقد الطائفية وفضح ورفض كل مظاهرها ووقائعها، هو الخطوة الأولى في مشروع بناء الوحدة الوطنية الصلبة وتطوير مستوى الانسجام والاندماج الاجتماعي.

إن الممارسات الطائفية البغيضة، هي التي تدق إسفينا عميقا في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد.

لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة ماسة وملحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التمييز وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

إننا مع التعايش والوحدة بكل مستوياتها. الوحدة التي لا تبنى بتهميش مكونات المجتمع، وإنما بالاعتراف بها وتوفير كل موجبات الاحتضان والاحترام.

والتعايش لا ينجز بدحر التعدد المذهبي، بل بتوفير الفضاء السياسي والحضاري المناسب، لكي يمارس هذا التعدد دوره في بناء الوطن وتعزيز جبهته الداخلية.

والوقوف بحزم ضد كل حالات وأشكال التمييز الطائفي، يقتضي الالتزام بالآتي:

1. الاعتراف القانوني والسياسي بالمذاهب الإسلامية المتوفرة في الوطن، وإعطاءها المجال والفرصة لكي تمارس بحرية كل أعمالها وأنشطتها الثقافية والدينية والاجتماعية.

2. سن القوانين التي تجرم وتعاقب كل مواطن، يمارس التمييز الطائفي. فلا يمكننا أن ننهي التمييز الطائفي من فضائنا الاجتماعي والوطني، إلا بوجود منظومة قانونية متكاملة، تتعامل مع كل أشكال التمييز الطائفي باعتبارها جرما يعاقب عليه القانون.

3. تنقية المناهج التعليمية والتربوية والمنابر الإعلامية، من كل العناصر والقضايا التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية. فلا يمكننا أن ننهي المشكلة الطائفية من واقعنا، إلا بإنهاء المصادر الثقافية والإعلامية التي تغذي هذه المشكلة وتمدها بالأسباب والمبررات. لذلك نحن بحاجة إلى جهد وطني حقيقي لتنقية كل المناهج الدراسية من كل المفردات التي تطعن في المذاهب الإسلامية الأخرى، أو تطعن في عقائدها ورموزها التاريخية. فتنقية مناهجنا التربوية ووسائل إعلامنا من كل المفردات الطائفية، هي خطوة ضرورية لإنهاء المشكلة الطائفية من فضائنا الاجتماعي والوطني.

فلا يمكن أن يسود الأمن فضائنا الوطني، ونحن نبث أو نسمح ببث ثقافة تدعو وتشجع على المفاصلة العملية والاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.

4. بناء ثقافة وطنية جديدة، قوامها الوحدة واحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته وصيانة حقوق الإنسان. إذ إننا لا يمكن إنهاء المشكل الطائفي من فضائنا ومحيطنا، بدون إرساء ثقافة اجتماعية ووطنية جديدة، تعيد الاعتبار إلى الوحدة على أساس احترام التنوع، وتتعامل مع تعدد الاجتهادات الفقهية والفكرية باعتبارها من الحقائق التي تثري المجتمع والوطن. فنقد الطائفية بكل مستوياتها، يقتضي العمل على تطوير ثقافة الوحدة والحوار والتعدد في الفضاء الاجتماعي. فلا يمكننا أن ننهي الواقع الطائفي بالشعارات المجردة والمقولات الجاهزة، بل بالبناء الثقافي الجديد، الذي يرفض العقلية الأحادية والثقافة الإقصائية والمناهج الاستبدادية. وذلك لأن المشكل الطائفي يستمد حيويته وفعاليته، من تلك العقلية الإقصائية والمناهج التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها. لذلك فإن مواجهة المسألة الطائفية في وطننا، تقتضي العمل على تفتيت جذور الثقافة الإقصائية والعقلية الآحادية المتخشبة التي لا تقبل التعدد وتحارب مقتضيات الحوار الحر والموضوعي.

التعددية المذهبية والحماية القانونية:

لعلنا لا نحتاج لكلام كثير لإثبات أن العلاقة القائمة بين مكونات الأمة المذهبية، علاقة مليئة بالكثير من الصعوبات والمشاكل والالتباس والهواجس المتبادلة. وإزالة هذه العناصر السلبية، لا يمكن أن يتم بالخطاب الثقافي العام، الذي يؤكد على الوحدة وضرورتها، وأهمية أن تستعيد الأمة الإسلامية وحدتها وتضامنها، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة قانونية متكاملة، تحمي حقيقة التعددية المذهبية وكل متوالياتها ومتطلباتها.

وفي تقديرنا أن غياب الأطر والإجراءات القانونية، التي تحمي التعددية المذهبية، وتوفر مناخ حضورها الايجابي في الحياة العامة، هو الذي يؤدي في أحد أبعاده إلى دخول المواد السامة وعناصر التوتر في العلاقات المذهبية الإسلامية. ولا يمكن أن تضبط نزعات التوتر المذهبي، بدون المنظومة القانونية الحامية والرادعة في آن. وإن الاختلافات المذهبية بكل متوالياتها، ليست مدعاة أو سببا لسلب الحقوق أو نقصانها. فكما أن للإنسان حق الاختلاف مع أخيه الإنسان، فله في ذات الوقت حق ممارسة حقوقه بعيدا عن السلب أو التمييز.

فالعلاقة في الدائرة الإسلامية بين مختلف التعبيرات المذهبية، هي علاقة اختلاف ومساواة في آن واحد، فلا يمكن أن نلغي حالة التعددية المذهبية في الفضاء الاسلامي، كما أنه لا يمكننا صياغة واقعنا الاسلامي العام على أسس التهميش والإقصاء بدعوى التنوع والتباين في المرجعيات والأفكار. وإنما اعترافنا بهذا التنوع الأصيل، ينبغي أن يقودنا جميعا إلى بناء أنظمتنا السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية على قاعدة الاعتراف بحق الاختلاف المذهبي والمساواة في الحقوق والواجبات.

والدولة هنا تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية، لإيجاد البيئة المناسبة للتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع والوطن. فالتعدد المذهبي لا يشرع بناء الكانتونات الاجتماعية المتحاجزة والبعيدة عن بعضها البعض، وإنما لا بد أن يقودنا واقع التعددية المذهبية إلى بناء وطني جديد على أسس لا تحارب التعدد ومقتضياته، ولا ترذل التنوع وحاجاته، بل تتعامل بوعي وحكمة مع هذه التعددية. الوعي الذي يؤسس لحالة حضارية من التعايش السلمي على أسس الفهم والتفاهم والحوار والتلاقي وتنمية الجوامع المشتركة وصيانة حقوق الإنسان. والحكمة التي تمنع اندفاع أي طرف للقيام بأي تصرف يضر بمفهوم المواطنة أو يؤسس لخيارات اجتماعية لا تنسجم ومقتضيات الوحدة. والخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية، بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي التي تعمل على تفتيت المجتمع على أسس طائفية مقيتة.

 لذلك فإننا مع الاعتراف التام القانوني والسياسي بالتعددية المذهبية، ولكننا في الوقت نفسه ضد كل السياسات الطائفية التي تحول حقيقة التعدد من نعمة إلى نقمة، ومن عامل إثراء للسياسة والثقافة والاجتماع إلى مدخل للصراعات الطاحنة التي تدمر كل المكاسب والمنجزات. والآخر المذهبي ليس مشروعا للنفي والإقصاء المتبادل، وإنما هو مجال مفتوح وحيوي للتعارف والتفاعل والاغتناء.

إننا بحاجة إلى مواطنة مبنية على انتماء متكافئ بين متطلبات الخصوصيات المذهبية وضرورات العيش والانتماء الوطني المشترك. فالحرية المذهبية هي شرط المواطنة المتساوية، ولا يمكن أن ننجز هذا المفهوم في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي بعيدا عن شرط الحرية لكل التعدديات والتعبيرات.

***

محمد محفوظ

 

حرية التعبير كضرورة حضارية

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس اختلاف الآراء، وإنما تحويل الاختلاف إلى تهمة، والرأي إلى جريمة، والمخالف إلى عدو.

رأي الشريعة الإسلامية:

تعتبر شريعتنا الغراء إن السخرية، والتنابز بالألقاب، والتخوين، ورمي الناس بأوصاف جاهزة لمجرد أنهم خالفوا رأيًا أو اجتهدوا في فهم قضية، ليست من أخلاق الإسلام، بل نهى عنها القرآن الكريم صراحةً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ … وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.

انعدام الشرعية القانونية:

أن هذه الممارسات هي في الواقع وريثة العهود الدكتاتورية وأزمنة الإنحطاط والتخلف، وتتعارض مع الدستور، ومع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي كفلت حرية الرأي والتعبير، ما دام الرأي لا يدعو إلى العنف أو الكراهية ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

نطاق حرية التعبير:

ليس المقصود بحرية التعبير مجرد إبداء الرأي في القضايا العامة، وإنما تمتد لتشمل حرية البحث العلمي، والإبداع الأدبي، والاجتهاد الفقهي، والفكر السياسي، والنقد البنّاء في مختلف الميادين.

فالتقدم العلمي لا يتحقق إلا بحرية الباحث في طرح الفرضيات ومناقشتها، والأدب لا يزدهر إلا بإطلاق الخيال والإبداع،

والفقه الإسلامي نفسه قام عبر تاريخه على تعدد الاجتهادات واختلاف الآراء بين العلماء من غير تخوين ولا تكفير، كما أن الحياة السياسية الرشيدة لا تستقيم إلا بوجود رأي ورأي آخر، ومعارضةٍ مسؤولة، وحوارٍ يحكمه الدليل والاحترام المتبادل.

مدى حرية التعبير:

ليست حرية التعبير مطلقة، بل تخضع لقيود تفرضها القوانين لحماية الأمن القومي، النظام العام والآداب العامة،

حيث يُمنع قانوناً استخدام حرية التعبير للتحريض على الكراهية، العنف، التمييزالعنصري، أو التشهير.

صفة حرية التعبير:

وفي ضوء ماتقدم، فإن حماية حرية التعبير ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة حضارية، وضمانة لتطور المعرفة، وإصلاح المجتمع، وترسيخ دولة القانون.

رأي الفلسفة:

فولتير

يُنسب إلى الفيلسوف Voltaire قوله: «قد أختلف مع رأيك، ولكني أدافع حتى آخر لحظة عن حقك في التعبير عنه.» ورغم أن هذه العبارة ليست نصاً حرفياً من كلامه، فإنها أصبحت عنواناً لمبدأ عظيم، هو أن قوة الأفكار تُقاس بقدرتها على مواجهة النقد، لا بإسكات أصحاب الرأي الآخر.

ابن خلدون

لم يناقش ابن خلدون "حرية التعبير" بمفهومها الحديث، بل عبر مؤلفه الشهير "العمران البشري" مؤكداً أن غيابها يعجل بانهيار الدولة

ويرى ان الاستبداد يقتل الإبداع بينما يكسر القهر النفس البشرية ويقضي على دوافع العمل والابتكار.

وإن تكميم الأفواه يورث النفاق ويشيع الخوف والكذب، مما يضعف تماسك المجتمع.

وابتدع المبدأ التاريخي الآتي "المشورة أساس الحكم"

ويلتقي فكر ابن خلدون مع أطروحات التنوير الإسلامي في أن القمع وإقصاء الآخر مناهج تُنافي استقامة الأمة وتطورها.

سارتر

يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أن حرية التعبير هي أداة جوهرية لتحرير الإنسان، وليست مجرد حق سياسي. وباعتبار أن "الإنسان محكوم عليه بالحرية"، فإنالتعبير عن الرأي وتحمل مسؤوليته هو جزء لا يتجزأ من وجوده ومسؤوليته الأخلاقية تجاه الآخرين والمجتمع.

ففي نظريته عن "الأدب الملتزم"، يعتبر أن الكلمة هي فعل وتدخل مباشر في صلب الواقع؛ لذا يجب أن يُسخّر الكاتب والمفكر حرية تعبيره لفضح الظلم والدعوة إلى التحرر، والدفاع عن قضايا الإنسان بدلاً من الكتابة المنفصلة عن الواقع.

الروائي گابريل گارسيا ماركيز

يرى ماركيز ان تقييد حرية التعبير وحظر الكتب والأعمال الفكرية إجراءٌ عبثي لا يحقق غايته، لأن الأفكار لا تُهزم بالمنع، وإنما تُناقش بالحجة.

وكان يعتقد أن أي نظام أو ثورة واثقة من نفسها يجب أن تمتلك من النضج والقوة ما يكفي لـ "هضم" هذه الأعمال الأدبية المعارضة، بدلاً من اللجوء إلى سياسات القمع والحظر.

الانطلاق نحو زمن النهضة:

إن النهضة لا تُبنى بالتصفيق، ولا بتقديس الأشخاص، ولا بتخوين المخالفين، وإنما تُبنى بحرية الفكر، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، والاحتكام إلى الحجة والدليل.

أما حين يصبح التخوين بديلًا عن البرهان، والشتيمة بديلًا عن الحوار، فإن ذلك لا يكشف قوة الفكرة، بل يكشف عجز أصحابها عن الدفاع عنها.

وظيفة حرية التعبير:

إن حرية التعبير ليست حقًا فرديًا فحسب، بل هي وسيلة المجتمع لاكتشاف الحقيقة، فالحقيقة لا تتجلى باحتكار الرأي، وإنما بتلاقح الأفكار، واختبارها بالنقد والبرهان؛ لذلك كانت حرية التعبير من أهم ضمانات تطور القانون والعلم والحضارة.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026/7/7

الكثير من الأدوات الإجرائية التحليلية في الخطاب النقدي السردي في مرجعياته اللسانية والسيميائية والسايكونصية يمكن توظيفها في نقد الدراما التلفزيونية لما بين الاثنين من وشائج قوية وقريبة ومتينة. فالرواية وبإحالتها للعوالم الواقعية والمتخيلة تنصهر في رؤيتها السردية المعالجات الاجتماعية والنفسية والفلسفية. والدراما التلفزيونية الجادة والهادفة لا تبتعد عن تلك المعالجات الثلاث في بناء الحبكة وسيرورة الأحداث إلى جنب أن كثيراً من الأعمال الدرامية تأسست نصوصها على أعمال روائية مهمة، على الرغم من تغير وتحول النص عن الأصل لإرغامات الحركة والحوار والصورة والمكان ضمن مقتضيات الإخراج في الدراما لكنه بقي يحمل بعض ملامح صورته الروائية الأصل، فالمعادل البصري والمعادل الموضوعي والتقابل السيميائي في المشاهد، والدلالة اللونية للأزياء والأثاث والمكان، والتكثيف ومفهوم الإزاحة نحو ما هو هامشي في المشاهد، ودلالة أسماء الأعلام داخل العمل ومفهوم الصورة المجازية الكلية في البنية العميقة المسؤولة عن انسجام النص في علاقاته الخفية وكذلك الاستعارات الإدراكية في حبكة العمل الدرامي كل تلك الأدوات هي من أصول نقدية سردية في مرجعياتها اللسانية والسيميائية وتحضر كمجسات مؤثرة وفاعلة في سبر البنية الموضوعية والبنية الفنية للعمل الدرامي، وهذه المجسات سوف يتخذها هذا المقال منطلقاً لتحليل أحد الأعمال الدرامية المصرية التي تتناول واحدة من أهم القضايا الحيوية والحساسة في المجتمع المصري وهي المشكلة البنيوية في تردي التعليم الجامعي في مصر. فمن قبل قد اقتربت الدراما المصرية من ملفات خطيرة ترتبط بالجريمة المنظمة كالاتجار بالسلاح والآثار والتهريب والاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال وبيع الأعضاء البشرية وإرهاب الجماعات المتشددة إلى جنب إرهاب الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة واستبداد أجهزتها الأمنية القمعية، وجسدت هموم المهمشين والتحديات الاجتماعية التي تواجههم كالبطالة وأزمة السكن وجسدت الأمراض الاجتماعية التي تفتك بجسد المجتمع بسبب اتساع الفقر وغياب حقوق المواطنة مما أنتج شخصيات انتهازية وصولية متلونة تحترف الفهلوة والنفاق والتسلق وركوب الموجة بما يضمن لها منافعها ويجعلها بمأمن من الانسحاق وإنْ كان ذلك على حساب قيمها، ومن بين تلك الموضوعات كان موضوع التعليم وتصوير اهتزاز هيبة العلم باهتزاز منزلة الأستاذ الاجتماعية والاقتصادية وبربط قيمة العلم بالحصول على الشهادة والتوظيف في وقت تتسع فيه البطالة بين أصحاب الشهادات، وجسدت الصراع السياسي داخل أسوار الجامعة بين الإسلام السياسي المتشدد واليسار وأحزاب السلطة، ولكن كان ثمة أمر(مسكوت عنه) لفترة طويلة وبدأت في وقت قريب أعمال درامية مصرية تتناوله بجرأة غير مسبوقة، يتمثل هذا الأمر بالاقتراب من أزمة نظام التعليم ومشكلته البنيوية في الجامعة وفقدان الجامعة لمركزيتها الريادية التنويرية النقدية واكتفائها بالتلقين ونكوصها عن تعزيز المعرفة النقدية لدى الطلبة وتراجع الأستاذ بأن يكون فاعلاً ملهماً في حقل المعرفة وفي ميدان الحياة الاجتماعية وانكفائه على تسليع محاضراته وتبسيطها بنحو مخل لتنسجم مع عزوف الطلبة عن التعلم وانشغالهم بالمختصرات والملخصات، فتصبح الشهادة الجامعية حاجة شكلية ترتبط بالقبول الاجتماعي . يتضح ذلك في مسلسل (بين السرايات)، فهذا المسلسل المصري يجسد الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمكان المحيط بالجامعة (بين السرايات) إذ يفتح نوافذ كثيرة على الحياة العلمية والعلاقات الإنسانية ويسلط الضوء على الكثير من أزمات التعليم الجامعي وتحدياته في مصر بنحو غير مسبوق، واسم المسلسل (بين السرايات) الذي عرض أول مرة عام 2015 وبإخراج (سامح عبد العزيز) يشير في رسالة ضمنية إلى اضمحلال الطبقتين البرجوازية والوسطى التي كانت تقطن المكان وتنامي الطبقات الفقيرة، فهذه الظاهرة من أبرز مظاهر المجتمع العربي وواحدة من أهم أسباب تدني الحياة المدنية وتراجع المجتمع وانحسار الديمقراطية وأفول المعرفة، والمفارقة الكبيرة أن المكان الهامشي بثقافته الشعبية وصراعه المحموم بين أصحاب المكتبات في تسويق الملازم هو من يتسلل إلى مفاصل الجامعة ويتحكم بأنماط التلقي العلمي للطلبة ويسهم في تسطيح المعلومات، فاقتصاد المنطقة ودخل أفرادها المعاشي يرتكز على تهيئة احتياجات الطلبة من توفير السكن لمن هم خارج القاهرة أو توفير حيوانات مختبرية كبيع القوارض والفئران لطلبة كلية العلوم، أو تهيئة أشخاص في أقبية سرية مغلقة يقومون بمعاونة الطلبة في الغش الالكتروني الرقمي وتلقين الطلبة بالأجوبة أثناء خوضهم للامتحانات، ويوفر المكان أشخاصاً يقومون بكتابة بحوث التخرج ورسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه للطلبة الفاشلين، ويهيئ الحي أمكنة مناسبة لتقديم محاضرات خصوصية يقدمها بعض أساتذة الجامعة ممن يسعون وراء الكسب المادي. فالمكان تاريخياً مثل منطقة مرموقة تقطنها معظم أسرة الخديوي محمد علي واشتملت على سراياهم وقصورهم الفارهة، ولرقي هذا الحي فقد وقع عليه الاختيار في بناء الجامعة حينما شيدت، ولكن المكان في الأحداث الراهنة التي يقدمها المسلسل يمثل انحسار التمدن المتحضر وزحف الرثاثة على العمران بسبب فشل مشاريع الدولة الوطنية في التنمية ولاتساع الفقر.

وشارة المسلسل ومقدمته تبدأ بموسيقى كلاسيكية جميلة وبظهور قبة الجامعة المصرية وساعتها في صور قديمة من زوايا مرتفعة وتظهر المساحات الخضراء والساحات العامة وحي السرايات في طرازه المعماري الفخم، وتضمنت تلك المشاهد صوراً أرشيفية لأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم من رموز التنوير وأيقونات التعليم الجامعي وصوراً للخريجين القدماء، ثم تتحول شارة المسلسل من تلك الذاكرة الأكاديمية الزاهية المهيبة إلى مشاهد من الحي كما يجسده المسلسل في واقعه الراهن البائس، ويطل أبطاله وأولهم الممثل (باسم سمرة) الذي يجسد دور (مخلص) بضحكته الصفراء المخادعة وبمشاهد تتضمن الرثاثة العمرانية التي تحيط ببيئة الجامعة وغياب الفخامة العمرانية وتردي الذوق، يظهر كل هذا مع أغنية شعبية بإيقاع صاخب. فالتقابل الصوري في المشاهد يتضمن سيميائية قصدية تعلي من شأن الآباء المؤسسين للحداثة وللنهضة التعليمية المتمثلة برموز الجامعة وتحقق تقابلاً متضاداً مع هيمنة حقبة طويلة من الاستبداد والقهر في الجمهوريات العسكرية، فهذه الشارة ترسم إشكالية ومأساة التحول من التنوير إلى التجهيل المنظم.

كما أن مشهد تطاير الأوراق في مكتبات الاستنساخ في الحي ضمن شارة المسلسل الاستهلالية يمثل عتبة درامية مهمة تجسد معادلاً بصرياً للترميز عن معادل موضوعي يستنتجه المشاهد من خلال تتبع حلقات المسلسل وتتمثل بسطحية التحصيل والتلقي غير الراسخ الذي لا يبني الشخصية العلمية الرصينة للطالب الجامعي، فما يتلقاه عرضة للنسيان وعدم الرسوخ الذهني لأنه مرتبط بهدف النجاح والحصول على الشهادة، فتتحول تلك الملخصات الجامعية إلى نفايات لا قيمة لها فتذروها الرياح بعد نهاية الامتحان . وثمة تداع رمزي لتطاير أوراق المحاضرات مع تطاير ونثر النقود في حلقات كثيرة تصور الملهى الليلي الذي يواظب مخلص على قضاء لياليه الحمراء فيه، يحضر ذلك في مقاربة تشبيهية مع تطاير الورق للترميز على الظهور بمظهر السخاء وتتضمن احتقار المال والتفاخر بتبديده من أجل ليالي حمراء زائلة تماماً مثلما هي مشاهد أوراق الملخصات والملازم التي تتطاير ترميزاً لانتهاء قيمتها بانتهاء الامتحان للإيحاء بأن المعرفة تنتهي بتأدية الطالب للامتحان، فالمال يجنى ويتم تبديده في متع عابثة وزائلة، فهو وسيلة وليس غاية، كذلك التعليم الجامعي فهو لا يطلب لأجل العلم نفسه بل لأجل الحصول على الشهادة بأي وسيلة كانت . وواحدة من المشاهد ذات الدلالات الرمزية الصادمة في أول اطلالة (مخلص) وفي أول حركة له في شارة المسلسل هو عدم اكتراثه وقيامه بدفع صندوق الورق بسرعة بقدم رجله تحت المنضدة كناية عن عدم توقير العلم والاستخفاف به.

ويجسد بطل المسلسل (مخلص) شخصية الإنسان الفهلوي الذي يمتلك مكتبة كبيرة للاستنساخ، ويحرص على أن يحصل على ثلاث شهادات وفي كل شهادة يقضي سبع سنوات كي يبقى في داخل الجامعة لفترة أطول كي يحظى بالصفة الرسمية في تواجده مزاولاً مهنته في تسويق الملخصات الدراسية وقرصنة الكتب والمصادر وبيعها للطلبة، وتنمو طموحاته وأطماعه ليهمن على سوق الورق في حي (بين السرايات) ويصبح (المعلم الكبير).

وتجسد الممثلة (سيمون) دور (صباح) بنت البلد المثابرة والمكافحة في تربية ابنها اليتيم، فهي تخفي عن أهل الحي وفاة زوجها كي لا تتعرض للاستغلال، وتعمل هي الأخرى بتقديم خدمات للطلبة من خلال مساعدتهم في تهيئة مكان مناسب لإيقاف سيارتهم الخاصة، وتظهر مرتدية زياً رجالياً شعبياً يناسب العمل في الدلالة على الاحتشام والكد والتعب، ولكن سرعان ما تغيرت في ملامحها وفي زيها ونزوعها نحو الطمع فانخرطت مع الموجة، فهي إذ تصارح أختها (قمراً) برغبتها بترك هذه المهنة المتعبة واللجوء لإنشاء مكتب لاستنساخ الملخصات للكسب المادي السريع في رغبة تراود معظم سكان الحي للتحول إلى تجارة الورق، ولكن الثانية تنصحها بالعدول محذرة إياها من تجار الورق: (دول "هؤلاء" مافيا ومش حيسيبوك)، وبإصرار تصبح واحدة من تجار الورق وتشق طريقها في حيل ملتوية فتقع في شراك الجشع والطمع، وتطور نشاطها من خلال تهيئة محاضرين يقدمون دروساً خصوصية في تخصصات بعيدة عن مؤهلاتهم العلمية في شكل من أشكال الزيف والخداع العلمي، وفي النهاية تقع ضحية للاحتيال والنصب فتفقد جميع مدخراتها من المال في صفقة وهمية من صفقات تجارة الورق.

ويعمد أصحاب المكتبات من سكان الحي لاختراق الحرم الجامعي والتأثير في الأساتذة وإغرائهم اقتصادياً في حثهم على وضع ملخصات تعليمية موجزة أو توزيع كتبهم وتوجيه الطلبة لاقتنائها حصراً من هذه المكتبات أو تقديم محاضرات خصوصية خارج الجامعة لمجاميع الطلبة. وإذ يأبى الكثيرون إلا أن البعض يقع فريسة للطمع فيتعامل مع (مخلص) ويخضع لأساليبه التسويقية التي تحط من السلوك المهني للأستاذ الجامعي، وأثناء ذلك يقنعهم (مخلص) بضرورة التقرب من الطلبة ومجاملتهم وخلق ألفة بينهم وينظم لهم سفرات ترفيهية تديرها مكتبته لكسر الحاجز الرسمي للتقرب من الطلبة بهدف تسويق تلك الملخصات.

ومن المعادلات البصرية السيميائية دلالة اللون الأحمر فيما يرتديه (مخلص) من ثياب وفي سيارته الحمراء وفي واجهة مكتبته وفي آثاث بيته، فهو يتضمن دلالة رمزية لإرادة الهيمنة والسيطرة والتأثير والجذب التجاري، وحينما مر بأزمة في آخر المسلسل لإحساسه بالذنب نتيجة قتل أحد المنافسين له في تزييف الكتب المقرنصة يصاب بأزمة نفسية واضطراب كبير فيرتدي اللون الأزرق في دلالة على المرونة والسلم ويظهر الممثل (صبري فواز) أخوه (محروس) الذي كان مخلص متسلطاً عليه يظهر مرتدياً للون الأحمر في مشاهد كثيرة بدلاً من مخلص في كناية رمزية لتبادل الأدوار في التسلط والهيمنة. إن دلالة أسماء الأعلام في النظام اللساني الاجتماعي هي دلالة اعتباطية، فالمسمى ممكن أن يغير اسمه أو يعبر عنه باسم غيره إلا أن التسمية في الأعمال الروائية والسردية بنحو عام والتسمية في الأعمال الدرامية تتضمن في أغلب الأحيان دلالة قصدية إيحائية غير اعتباطية، ومن خلالها يمكن النفاذ إلى رؤية المخرج وكاتب النص للوقائع الاجتماعية والتاريخية، فسيميائية الاسم في (مخلص) تتضمن لعبة التضاد والتناقض والزيف الاجتماعي في الظهور والادعاء بغير الحقيقة، فـ (مخلص) ليس مخلصاً في مهنته ونواياه.

ومن بين الوقائع التي جسدها المسلسل مشهد مكتبة الجامعة وخلوها من الطلبة، فهي قفر فارغة من القراء ولا يرتادها الطلبة الا في أوقات الامتحان للمذاكرة أو طلباً للراحة وليس لاستعارة الكتب، يظهر ذلك في حوار أمين المكتبة مع مجيء مخلص لاستعارة كتاب يريد تصويره وبيعه للطلبة والحوار عن قيمة الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني وعزوف الطلبة حتى عن الكتاب الإلكتروني واهتمامهم بالملخصات والملازم. فالمنطلق الذرائعي لدى (مخلص) أن العصر هو عصر السرعة في الحصول على الأشياء من دون كد واجهاد ذهني أو بدني فهو يلح على عبارة (كله دلفيري حتى المزاكرة). كما يلوح من المسلسل عزوف الطلبة عن حضور المحاضرات وعدم اكتراثهم بتدوينها وعن العودة الى الكتب المنهجية والمصادر المساعدة مكتفين بالملخصات، بينما يقع الممثل (محمد الشرنوبي) الذي يجسد دور (وليد) الطالب القادم من الأرياف الى العاصمة ضحية لعوزه وفقره ويستغل التزامه ومواظبته وحضوره فيضطر للتعامل مع المكتبات ويضع لهم الملخصات، فهو الوحيد الذي يحضر ويدون المحاضرات بينما لا يأبه الطلبة بتسجيل وتدوين محاضرات أساتذتهم بل يعزفون عن الحضور ويسخرون من (وليد) لمواظبته على الحضور إذ تتفشى ظاهرة الغياب بنحو مفرط وغير مسبوق، فيتهكمون في مخاطبته (هوة في حد في الزمن دنا بيحضر محاضرات).

ويجسد المسلسل في أحد المشاهد الفساد في الرقابية الحكومية لمكتبات الاستنساخ التي تتجاوز على حقوق الملكية الفكرية وتقرصن الكتب، فلا تتمكن لجان التفتيش من منع تصوير المستنسخات من الكتب والملخصات الجامعية والقبض على المتجاوزين إذ سرعان ما يتم اطلاق سراحهم من قبل بعض موظفي التفتيش وتهريبهم قبل وصولهم لمراكز الشرطة لقاء دفع الرشا.

وفي دور (قمر) تطل الممثلة (نسرين أمين) لتمثل ثقافة المظاهر السطحية التي تحاول أن تتزين بالشهادة من غير رغبة في العلم، فعلى الرغم من تخرجها وحصولها على الشهادة إلا أنها في الحلقة الأخيرة وبعد التغيير وقيام ثورة يناير في نهاية المسلسل تدرك في قرارة نفسها أنها لا تمتلك مؤهلاً علمياً حقيقياً فهي تشعر بخواء وفراغ داخلي فتقرر في نهاية المطاف التقديم إلى الجامعة مرة أخرى لتتعلم بنحو حقيقي وتنال شهادة ثانية. إن دلالة اسم (قمر) في المسلسل مثل دلالة اسم (مخلص) يتضمن إيحاء رمزياً، فالاسم على غير المسمى، فقمر لا تمتلك مسحة من الوسامة، فكان شغلها الشاغل هو التبرج وظهرت في صالونات التجميل في مشاهد كثيرة جداً ومبالغ فيها، للترميز عن قباحة الجهل الذي يموه بالغش والظهور بالمظهر العلمي المزيف دون امتلاك ناصية التحصيل العلمي الحقيقي، فقد كانت ترتدي زي النقاب طوال فترة الامتحانات رغم سفورها كي تتمكن من الغش بوساطة لاقطة الأذن. وقد تزوجها (مخلص) مضطراً بهدف الإنجاب؛ لأن زوجته الأولى التي يحبها الممثلة (روجينا) التي جسدت دور (سمر) كانت عاجزة عن الإنجاب، لكنَّ (قمراً)قد خدعته إذ تعمدت عدم الإنجاب منه في كناية إيحائية أن الحصول على الشهادة بغير استحقاق هو خداع للمجتمع، فمن يحمل الشهادة التي حصل عليها من خلال الغش لا يمتلك الأهلية في تقديم خبراته النظرية والعملية التي يفترض أن تحصلها في الجامعة. فقد استغلت ثراء (مخلص) بسبب فقرها وخدعته في تعمدها عدم الإنجاب، فكانت النهاية الطلاق بينهما. وثمة استعارة رمزية ذكية جداً وراء عدم إنجاب (مخلص) على الرغم من قدرته على الإنجاب وعلى الرغم من زواجه الثاني من (قمر)، فهذه الاستعارة لم تكن دلالة مجازية ينتظم فيها مشهد واحد أو مشاهد عدة من المسلسل بل هي استعارة مجازية كلية للعمل الدرامي بأكمله فهو مجاز ممتد، تتلخص الاستعارة بعقم وعجز الممارسات التبسيطية والتسطيحية لأفكار العلم بهدف الكسب والاستثمار في التعليم أقول عجزها عن إنتاج فكر نقدي وإضافة نوعية للمجتمع، فسبيلها الوحيد هو إنتاج خريجين يحملون شهادات جامعية ويفتقدون الأهلية العلمية في الإحاطة بتخصصاتهم، فالشهادة تصبح منالاً سهلاً لغرض الحصول على فرصة عمل والقبول الاجتماعي فحسب. وإذا جرى النظر لهذه الاستعارات من منظور اللساني (جورح لايكوف) في منطلقاته التصورية الإدراكية فإن هناك مجالاً هدفاً يتمثله الذهن (التعليم التلقيني) من خلال مجال تصوري يعد مصدراً (العقم في الإنجاب)، وهذا الأخير هو نتاج ثقافة المرء وتجاربه، وغالباً ما تكون الاستعارات التي تحضر في الخطاب استعارات تواضعية غير إبداعية يمتاحها الخطاب الدرامي من وحي ثقافة العامة في أنساقها العرفية الاجتماعية، والأمر نفسه ينطبق على استعارات (عقم الفكر) في هذا المسلسل، فهي من الاستعارات التواضعية، ففي النسق الثقافي تلوح استعارات التثاقف والتحصيل من خلال الحقل الدلالي للتزاوج الإنساني، فالمثاقفة يعبر عنها بـ (تلاقح) الأفكار، والفكر الأصيل يسمى (بنات الأفكار)، والتعليم التلقيني الذي لا ينتج إضافة معرفية يسمى بـ (الفكر العقيم)، وغالباً ما يطلق المبدعون والمؤلفون على نتاجهم وإصدارهم الأول من مؤلفاتهم بـ (الابن البكر) وبقية المؤلفات بـ (الأولاد)، فنتاجهم العلمي هو من يحمل اسمهم بعد رحيلهم، ويطلق نعت (الاب) على أصحاب النظريات والمناهج من ذوي النصوص النظرية التأسيسية، فمن يقتفي أثر المؤسس يسميه أباً روحياً. إن الاستعارة الكلية (المجاز الممتد) في النصوص وفي الأعمال الدرامية الذي ينتظم فيها العمل بأكمله تضطلع بتحقيق الانسجام في بنيته العميقة، فإذا كانت الحبكة تمثل نسيجاً سطحياً لتماسك العمل الدرامي فإن القصدية والقوانين الدلالية الخفية التي تجعل العمل بمشاهده وحلقاته المختلفة بنية دلالية واحدة ينتظم المسلسل فيها بكل حلقاته هي تلك الاستعارة الخفية الكلية في مجازها الممتد في المعادلات الموضوعية والتي لا يمكن تلخيص وظيفتها بالتشويق والحفاظ على المسلسل من أن ينزلق إلى الميليودراما وظمآن حبك الأحداث بل هي من تجسد رؤية كاتب النص والمخرج إزاء تلك الأحداث الدرامية وإحالتها الواقعية الممكنة فهي تجلٍّ للرؤية الذاتية للمخرج والكاتب.

والمسلسل يوظف فكرة الديستوبيا التي تجسد عالم الشر والفقر والفتنه والصراع والعنف والكوارث التي تحل بالأفراد في مجتمع الديستوبيا، فالفاعلون في أدوارهم يجسدون رمزية الشر والسيطرة إلى جنب سمة مهمة هو انغلاق مجتمع الديستوبيا على نفسه وتحكم رؤوس معينة في إدارة هذا العالم المغلق المليء بالشر، وهم أصحاب مكاتب الاستنساخ الكبار الذي هم في الأصل تجار الورق ويقومون بقرنصة الكتب وإعادة تصويرها بأثمان زهيدة في احتيال على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين.

وتظهر مشاهد كثيرة صادمة من العنف والقتل والتحرش والغش والشجار والخداع والنصب والاحتيال ونكران الجميل والتنكر لأصحابه وعدم الوفاء، فتغيب مسحة الخير بين الحي من أبطال المسلسل، فالاحتيال والجشع والخديعة والاستغلال والطمع تعم حتى بين العلاقات الأسرية الواحدة وبين تجار الورق وجيران الحي.

ولحظة اندلاع ثورة يناير يصابون بصدمة كبيرة بسبب إضراب الطلبة عن الدوام وانخراطهم بالتظاهر وما ألحق ذلك من كساد في استنساخ الملخصات والملازم واقتناء الكتب، فلم يبدوا أي تعاطف مع الحراك الوطني واكتفوا بحراسة وحماية مكتباتهم وحيهم المغلق. وفي كثير من الأعمال الدرامية المصرية الأخيرة احتل ميدان التحرير اهتماماً كبيراً إلى حد المبالغة في تجسيد الروح الوطنية وحركة الشخوص الفاعلين وانخراطهم في الثورة وتعرضهم للعنف غير أن مسلسل بين السرايات يكتفي فيه أهل هذا الحي بمشاهدة أحداث الثورة من شاشات التلفزيون، فهم من المتوجسين من التغيير أما خوفاَ من المجهول لجهلهم أو أن كثيراً منهم من أصحاب مكتبات وتجار ورق كان يخشى من رياح التغيير ومآلات الكساد الاقتصادي من أن تضرر تجارتهم. وفي الإخراج الفني لهذا العمل يمكن ملاحظة الرسالة الضمنية لضيق أفقهم الفكري وجهلهم المطبق في المعادل البصري إذ إن حركة الأشخاص والكاميرا تحصل في زقاق ضيق جداً ولا ينتهي إلى شوارع رئيسية إلى جنب شيء مهم جداً هو أن إطلالة نوافذ البيوت يمتد فيها الإسقاط البصري في نظر الأشخاص إلى بعضهم البعض في مراقبة الأحداث ويغيب أفق المدينة وسماؤها وشمس نهارها تماماً، والاستثناء الوحيد يبرز في ذروة احتدام الصراع بين أهل الحي إذ يظهر القمر بصورة البدر بنحو مخيف في مظهر شبيه لظهوره في أوقات الخسوف في ضوء باهت غير ساطع مثلما يظهر في أفلام الرعب كناية وترميزاً إلى أنَّ ثمة لعنة كونية هي المسؤولة عن دستيوبيا هذا المكان، بينما ينتهي المسلسل بعد انتصار ثورة يناير بأطلاله أهل الحي إلى أفق السماء بنحو مضيء ورحب. أما نهاية العمل فقد بدت مرتبكة جداً وسعيدة أكثر من ممكنات الواقع بنحو لا ينسجم مع فكرة الديستوبيا التي لا يمكن أن تنتهي نهاية سعيدة مما أودى بفنية العمل لصالح الأيديولوجيا، فمنطق الديستوبيا يقتضي نهاية سوداوية وانهيار صادم ودامٍ يؤرق المشاهد ويسلبه جنبة التسلية والإمتاع، ولكن يمكنه من أن يشرع نوافذه لمراجعة أسئلة إشكالية يرزح تحتها الواقع الاجتماعي بهدف المعالجة والإجابة مثل مسلسل (دهشة) ليحيى الفخراني في نهايته المأساوية في مكانه المغلق قرية (دهشة) والصراع من أجل الذهب والمال بين القرابة الواحدة، وربما دائرة المسموح والممكن من الحرية المتاحة للمخرج هي التي اقتضت أن ينتهي المسلسل بهذه النهاية المؤدلجة غير الفنية، وعلى الرغم من ذلك إلا أن ثمة رسائل مشفرة حرصت المشاهد الأخيرة أن تتضمنها، فقد ظهر أهالي الحي لأول مرة في الفضاء الأخضر الطلق في الحدائق القريبة من جامعة القاهرة. ومن بين المشاهد الأخيرة ظهور عمال الخدمات في حملة تنظيفية في غسل أروقة الجامعة وكنس باحاتها من الأتربة وبنشاط وهمم دؤوبة في الترميز إلى التطهير الإداري للعناصر غير المؤهلة في التعليم وإزالة عوائق التفكير العلمي النقدي المؤمن بالتغيير، ويصادف هذا المشهد مرور مجموعة من الأساتذة من بينهم أستاذة تبادر مسرعة للانحناء لالتقاط مكنسة تنظيف سقطت من يد أحد عمال النظافة، فالمغزى من المشهد الذي يبدو هامشياً أن التطهير وتغيير مناهج التعليم وفلسفته برؤيا سياسية مهما نجحت إلا أنها متعثرة بدون بصيرة وقادة من داخل الجامعة نفسها تستشرف التغيير وتصنعه برؤية ومنهجية علمية، فواحدة من نوافذ التعبير عن المكبوت وغير المصرح به من المنظور الفرويدي هو إسقاط المعنى على شيء عارض وهامشي ليتجلى في الوعي الظاهر عابراً حدود اللاشعور والمكبوت من خلال التكثيف والإزاحة إلى ماهو عارض وهامشي وهذا ما حصل في مشهد التقاط المكنسة. كما يظهر مشهد الجامعة ولاسيما مشهد القبة بنحو مهيمن وتظهر مساحاتها الخضراء في حملة تنظيفية تتضمن إزالة الأتربة والأوساخ وجمع النفايات وطلاء الجدران باللون الأبيض كما يظهر الحي مبتهجاً بنشر الأعلام المصرية وطلاء الجدران باللون الأبيض في دلالة رمزية في البدء بصفحة جديدة.

إن النهاية المؤدلجة للمسلسل وتصوير أحداث ثورة يناير لم تضحِ بفكرة الديستوبيا فقط، فهي أسهمت بإطالة غير مسوغة لحلقات المسلسل، فقد تضمنت مشاهد متشابهة في الفكرة وحوارات لا تصب في السيرورة الدرامية بل لمقتضيات إنتاجية لإطالة المسلسل وتوفير 30 حلقة تعرض على مدار شهر رمضان الموسم التسويقي للأعمال الدرامية .

ولكن هل تصدق فنياً فكرة الديستوبيا على أحداث المسلسل على الرغم من واقعية معظمها أحداثه ؟ فإذا كانت (اليوتوبيا) المفردة اليونانية تعني المدن الافتراضية المتخيلة وغير الواقعية التي حلم بها الفلاسفة والتي يسود فيها الخير المطلق والسعادة والهناء بين البشر في تسامحهم وتصالحهم فان (الديستوبيا) وهي مفردة يونانية أيضاً على النقيض منها، فهي مدن مغلقة متخيلة وغير واقعية أيضاً ويسود فيها الشر المحض ويغيب فيها الخير، ويسيطر عليها مجموعة من الأشرار يديرون العنف والشر في أمكنة ضيقة تمثل عالم الديستوبيا، ويقعون تحت تأثير لعنة كونية تمثل شؤماً يلحق بهم الكوارث. وقد استلهمت الديستوبيا فنياً في أعمال مسرحية وروائية وبعض الأعمال الدرامية، كان من أبرزها في الدراما العربية المصرية مسلسل (أفراح القبة)، وهو في الأصل رواية لنجيب محفوظ، وكذلك مسلسل (دهشة) ليحيى الفخراني المستوحى من مسرحية (الملك لير) للكاتب الإنكليزي وليم شكسبير فالديستوبيا تهدف لمعالجة فكرة الشر فلسفياً من خلال أعمال أدبية وفنية، فهل تصدق الديستوبيا على أحداث المسلسل المذكور التي تمثل في معظمها أحداثاً واقعية تفتك في التعليم ويلمسها الجميع مع وجود أيضاً أحداث من الشر غير واقعية في وصف تردي التعليم في سوداوية طاغية ومفرطة ومبالغ فيها ؟ نرى من منظور درامي فني أنها (الديستوبيا) تصدق على أحداث المسلسل على الرغم من واقعية بعض أحادثها. فالمزج بين الواقعية والديستوبيا يتضمن رسالة ضمنية مشفرة تؤشر إلى التردي المذهل للواقع وتحذر من أن عدم معالجة الفساد وأسبابه من الفقر والجهل وتردي التعليم وتفاقم أزماته سوف تنتهي بنتائج كارثية مستقبلاً وغير متوقعة من انهيار منظومة القيم وسيطرة مسوخ الشر من البشر وزحفها لهدم معقل التنوير المتمثل بالجامعة من خلال تكريس التلقين وغياب المعرفة النقدية الحرة والمنتجة.

إن اختيار (بين السرايات) بؤرة للأحداث لا يصب في تحقيق فكرة المكان المنعزل في الديستوبيا فحسب بل هو اختيار فني يحقق التكثيف في السرد في اختصار الأحداث والشخصيات الكثيرة التي تسهم وتضطلع في تردي التعليم وانهيار جودته ورصانته، فالأمر لا ينحصر بتجار الورق وصانعي الملخصات من أصحاب المكتبات بل هناك تدنٍ في مستوى التعليم داخل أسوار الجامعة يسهم فيه أشخاص كثيرون، كما يسهم في هذا الانهيار العلمي غياب سياسية تعليمية حكومية، فالتكثيف السردي الدرامي يوحي فنياً بذلك، فشخصية (مخلص) في تقنية التكثيف تختصر العشرات من شخصيات الجامعة ومن شخصيات الحكومة ومن يمثل فساد الأجهزة الرقابية، وهي حيلة ذكية في الإسقاط لتحاشي تبعات البوح الصريح وتفادي الرقابة الفنية وتفادي حظر الأعمال الدرامية من قبل الرقيب الحكومي، ويمكن استنتاج ذلك من خلال النهاية السعيدة التي لا تنسجم مع منطق الديستوبيا، فالعمل يبقى حذراً من تبعات البوح الصريح ولكنه يرسل رسائل ضمنية، ففي المشاهد الأخيرة وعلى الرغم من حملات التنظيف ورمزيتها إلإ أن مخلصاً يبقى مرتدياً للون الأحمر في إشارة لونية لبقاء الجشع والاختراق وفي دلالة إلى أن الخطر الحقيقي يبقى جاثماً على الرغم من التغيير، ويتلخص هذا الخطر في الاستثمار في التعليم الذي يجد مقوماته وأسباب بقائه في الفساد الحكومي وهو تحد كبير يواجه أي تغيير في إصلاح التعليم.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

مفتتح: لم يكن التعليم يوما مجرد مؤسسة تُوزَّع فيها الشهادات أو تُلقَّن فيها المعارف إلا لدى الشعوب المستغرقة في الماضي والذاكرة والتاريخ، بل هو الروح الخفية التي تُشغِّل الحضارة من الداخل، فعندما يكون التعليم قادرًا على إنتاج المعنى، وصياغة الكفاءة، وفتح أفق الابتكار، يصبح القوة التي تُعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والدولة في آن واحد، أما حين يُختزل في الحفظ والتكرار والوظيفة، فإنه يفقد قدراته التنويرية والتغييرية الإصلاحية، ويصبح جزءًا من الأزمة بدل أن يكون أداةً لحلها وتجاوزها. هنا محل اعراب أهمية المقارنة بين التجارب التعليمية الملهمة في العالم المعاصر؛ كونها لا تقدم وصفات جاهزة، بل تزيل الستار عن شروط النهضة: وضوح الرؤية، مركزية المعلم، استقلال المؤسسة، وربط التعليم بالمشروع الحضاري الشامل. ضمن هذا الأفق، تبرز إسبانيا، والغرب ككل، والصين، ثم فنلندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وماليزيا، وإيران، وتركيا بوصفها تجارب مختلفة في الشكل، متقاربة في الجوهر، لأنها نجحت أو حاولت أن تجعل التعليم ركيزةً من ركائز النهوض التنموي الوطني.

التعليم وفلسفة الحضارة

من المتعارف لدى خبراء التربية والتعليم أن للتعليم ثلاث وظائف لا غنى عنها: تنشئة الإنسان، بناء المجتمع، ابتكار المستقبل، أي ان التعليم هو من يصوغ الذهن، ويهذب السلوك، ويُنشئ العلاقة بين الفرد والعالم على قاعدة من الفهم والمسؤولية، وإذا صارت هذه الوظائف متكاملة، يصبح التعليم أكثر من سياسة عامة؛ بل يصبح فلسفة حضارية تتجسد في المدرسة والجامعة والمختبر، وفي طريقة النظر إلى الزمن والعمل والمعرفة والتاريخ والمستقبل والحياة ككل.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة نملك؟ بل: أي إنسان نريد أن ننشئ؟ وأي حضارة نروم؟ هذا السؤال هو ما يفسر اختلاف النماذج، ويجعل المقارنة بينها ضرورية لفهم موقعنا نحن، في العالم العربي والإسلامي، من حركة التاريخ الراهنة.

نماذج التعليم الملهمة

1. إسبانيا نموذج الإصلاح عبر التحول السياسي

إسبانيا الحديثة تمثل نموذجًا لافتًا لكيفية إعادة بناء منظومة تعليمية بأكملها كجزء من مشروع أوسع لإعادة تعريف الهوية الوطنية والانتقال من نظام سلطوي إلى دولة ديمقراطية حديثة، فقد ظل النظام التعليمي الإسباني، حتى نهاية حقبة الملك فرانكو، محكومًا بقانون التعليم العام لعام 1970، وهو إطار يعكس منطق الدولة المركزية المحافظة أكثر مما يعكس حاجات مجتمع منفتح ومتعدد، ومع التحول السياسي الكبير الذي عرفته إسبانيا مع دستور 1978، وانتقالها إلى نظام ملكي برلماني ديمقراطي، جعل البلاد تنفتح على موجة متلاحقة من الإصلاحات التعليمية، بدأت بقانون الحق في التعليم لعام 1985، ثم القانون العام لتنظيم النظام التعليمي لعام 1990 الذي مدّد التعليم الإلزامي حتى سن السادسة عشرة، وصولًا إلى الإصلاحات الأحدث التي واكبت الاندماج الأوروبي، وقد انتقلت الصلاحيات التعليمية تدريجيًا من الإدارة المركزية إلى الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي، في مسار اكتمل بحلول سنة 2000، بما يعكس رؤية تربط بين الديمقراطية السياسية ومفهوم الديمقراطية التربوية.

لهذا الدرس الإسباني بالغ الدلالة، هذا ما اكتشفته عند مشاركتي في دارو تعليمية للغة الاسبانية واكتشاف الثقافة الاسبانية والريادة في عالم الترجمة من كل اللغات الانسانية للغة الاسبانية ضمن نشاط ترجمة مؤسساتي ضخم ورائد وواعد، حينها اكتشفت من خلال هذا النموذج أن التعليم لا يتحدث فقط عن "كيف نُعلّم؟"، بل يعيد صياغة السؤال الأعمق: "أي نوع من المواطن والدولة نريد أن نبني؟".

2. جامعات الغرب وصناعة الحضارة

بلا شك إسبانيا تمثل نموذجًا لإعادة الهيكلة الديمقراطية للتعليم، بينما التجربة الغربية الأوسع تمثل تحولًا فلسفيًا أعمق في تعريف وظيفة المعرفة ذاتها، فمنذ الثورة العلمية وفلسفة الأنوار، لم تعد الجامعة الغربية مؤسسة لسرد التراث ونقله، بل أصبحت -مع النماذج الذي صاغه فيلهلم فون هومبولت في الجامعة الألمانية الحديثة- مؤسسة تجمع بين التدريس والبحث في وحدة عضوية واحدة، حيث أصبح إنتاج المعرفة الجديدة جزءًا من صلب الوظيفة التعليمية، لا ترفًا يُضاف إليها. هذا التحول الجوهرية هو ما صنع الجامعة الحديثة بوصفها مؤسسة للبحث والإبداع، لا لحفظ الموروث فقط، حيث من رحمه خرجت الثورة الصناعية، ثم الثورة التكنولوجية، ثم اقتصاد المعرفة الذي يحكم العالم اليوم، هكذا نجح الغرب كونه جعل من الشك المنهجي والتجريب فضيلة تربوية، لا خطرًا يجب احتواؤه، وهذا بالضبط ما فرّق بين مسار تراكم معرفي مستمر ومسار آخر توقف عند لحظة معينة من تاريخه.

3. فنلندا: الثقة شرط التعليم الناجح

تعتبر فنلندا أحد أكثر النماذج احترامًا في الأدبيات التربوية المعاصرة، ليس لأنها الأكثر صرامة، بل لأنها الأكثر ثقة، حيث يمنح النظام الفنلندي المعلم مكانةً مهنية عالية، ويخفف من منطق وضغوط الامتحانات المتكررة، عبر التركيز على جودة التعلم لا على عدد الاختبارات، كما تشير التقييمات الدولية إلى أن هذا النموذج يقوم على صيغة التعليم العادل، وتقليص الفوارق، وتكريس مبدأ أن المدرسة ليست حلبة تنافس، بل فضاءً لرعاية الإنسان وتنمية قدراته الابداعية.

لعل خصوصية الدرس الفنلندي، أنه يؤكد على فكرة "التميز التعليمي لا يستلزم بالضرورة قسوة تنافسية؛ بل يمكن أن ينبثق من بيئة إنسانية متوازنة تحترم إيقاع المتعلم وتضمن للمعلم كرامته المهنية".

4. اليابان: الانضباط الأساس التعليم

كوكب اليابان، يقدم نموذجًا آخر يقوم على التوازن بين الانضباط الجماعي والحداثة التربوية، حيث استثمرت اليابان في التعليم منذ وقت مبكر بوصفه جزءًا من مشروع بناء الدولة الحديثة، كما حافظت على هذه المركزية في مختلف المراحل الاقتصادية والاجتماعية، كما تبرز في التجربة اليابانية قوة العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بحيث لا يُترك التعليم للمؤسسة وحدها، بل ينظر إليه بوصفه مسؤولية وطنية مشتركة. كما تتميز اليابان بأنها لم تجعل التعليم أداةً لقطع الصلة بالماضي، بل وسيلةً لإعادة ترتيبها على نحو يسمح بالحداثة دون انفصال عن الهوية، مما مكن المدرسة اليابانية لأن تكون مكانًا يُعلَّم فيه الانضباط، والاحترام، والجدية، والعمل الجماعي، وهي قيم شكلت بدورها إحدى قواعد التفوق الياباني في الاقتصاد والصناعة والبحث.

5. كوريا الجنوبية: التعليم روح العمران

تظل كوريا الجنوبية واحدة من أبرز نماذج التحول التعليمي في العالم الحديث، حيث انتقلت من مجتمع مثقل بآثار الحرب والفقر إلى دولة متقدمة في التكنولوجيا والصناعة، وكان التعليم في قلب هذا التحول، والنظام التعليمي الكوري من أعلى الأنظمة أداءً في الاختبارات الدولية، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في النتائج، بل في تحويل التعليم إلى مشروع وطني شديد الارتباط بالتنمية الاقتصادية.

لذلك التعليم في كوريا الجنوبية ليس خدمةً عامة فحسب، بل هو استثمار استراتيجي طويل المدى، تُبنى عليه المهارات الوطنية، وتُدار عبره المنافسة الدولية، وتُقاس به قدرة الدولة على البقاء في الصفوف الأولى من الاقتصاد المعرفي.

6. سنغافورة: قوة الدولة في التعليم

يبدو التعليم في سنغافورة وكأنه فنّ من فنون هندسة التخطيط الحضاري، كون الدولة لم تترك المدرسة لتتطور عشوائيًا، بل صاغت لها إطارًا واضحًا يربط بين المناهج، وتكوين المعلمين، والمهارات المستقبلية، والهوية الوطنية، حيث النظام السنغافوري يدمج بين التعليم الأكاديمي، والأنشطة اللامنهجية، وتربية القيم، وتنمية المسؤولية الاجتماعية، بحيث يخرج المتعلم حاملًا للمعرفة، ومتمتعًا في الوقت نفسه بالكفايات الشخصية والاجتماعية اللازمة للحياة الحديثة أي رعاية وتنشئة إنسانية راقية.

هذه التجربة تعلمنا أن التعليم حين يُدار برؤية متكاملة، يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تصميم المجتمع كله، لا مجرد مسار أكاديمي محدود.

7. ماليزيا: تعليم بين الأصالة والحداثة

نفدم ماليزيا نموذجًا مهمًا في العالم الإسلامي، لأنها حاولت منذ عقود أن تبني تعليمًا يوفق بين الهوية والتحديث. فقد جاءت Malaysian Education Blueprint 2013–2025 ، لتؤكد أن الهدف ليس مجرد التوسع في التمدرس، بل تحسين الجودة، ورفع مستوى المعلم، وتقوية اللغة والعلوم، وربط المدرسة بمستقبل اقتصادي أكثر تنافسية.

هذه التجربة الماليزية ذات دلالة خاصة للعالم العربي والإسلامي، لأنها لا تنطلق من قطيعة مع المرجعية الثقافية الاسلامية، ولا عبر الانغلاق عليها، بل من محاولة عملية لصياغة توازن بين الأصالة والكفاءة، بين القيم المحلية والانفتاح العالمي.

8. إيران: نموذج التعليم التخصصي المقيد

التجربة الإيرانية، مثال آخر على سعي مجتمع مسلم إلى بناء تعليم ذي طابع علمي وتقني ملحوظ، خصوصًا في بعض الحقول المرتبطة بالهندسة والعلوم الدقيقة. غير أن هذه التجربة، رغم ما راكمته من حضور أكاديمي وتخصصي، تظل محكومة ببنية سياسية وأيديولوجية خاصة جعلت التعليم جزءًا من مشروع الدولة الأيديولوجي بقدر ما هو جزء من مشروعها المعرفي، كما أن تجربة لا تصلح للاستنساخ في العالم العربي، لأن قوتها مرتبطة بسياقها الداخلي، وبطبيعة مركزيتها السياسية، وبمعادلة تنظيم العلاقة بين المعرفة والسلطة والهوية، حيث أن ما يصلح لإيران في هذا الإطار لا يَصلح بالضرورة لمجتمعات عربية متعددة المرجعيات والتكوينات والمؤسسات.

لكن ما تُظهره إيران يكمن في أن التعليم يمكن أن يحقق تقدمًا نسبيًا حتى في ظل الضغوط، لكن هذا التقدم لا يعني قابلية النموذج للتعميم. فالمسألة ليست في وجود جامعات أو كثافة تخصصات، بل في طبيعة الحاضنة السياسية والثقافية التي تجعل التعليم أداةً لصياغة مجتمع معين، وبالتالي فإن النقل الحرفي للتجربة الإيرانية إلى العالم العربي سيكون نقلًا لآلية خارج سياقها، وهو ما لا ينتج إصلاحًا حقيقيًا بل يخلق ازدواجية جديدة بين الشكل والمضمون.

9. تركيا: خصوصية نموذج الإصلاح التعليمي

تمثل تركيا حالة مختلفة ينبغي التعامل معها بحذر نقدي، لا بوصفها نموذجًا جاهزًا للاحتذاء، بل تجربةً ذات خصوصية تاريخية وجيوسياسية لا تتطابق مع العالم العربي، كون الإصلاحات التعليمية التركية، انبثقت حول رفع الجودة والعدالة، وتحسين الحوكمة، والاستجابة لسوق العمل، وهذا المسار ظل محكومًا بتوترات بين المركزية والهوية السياسية، وبين تحديث المناهج وتحول السياقات العامة. المؤكد أن النموذج التركي لا يصلح للعالم العربي لأنه قام داخل دولة قومية ذات بنية مؤسسية مختلفة، وبتراث من العلمانية التنظيمية المركزية، وبقدرة على توظيف التعليم في مشروع دولة موحدة نسبيًا، بينما في العالم العربي، فالمعضلة أعمق: تتعلق بتشتت البنى، وضعف الاستقلال الأكاديمي، وتعدد المرجعيات، وتباين مستويات التنمية، فضلًا عن غياب مشروع حضاري عربي جامع، لذلك استنساخ التجربة التركية قد يورثنا القشرة الإدارية دون الجوهر المؤسسي.

أي تعليم يصلح أحوالنا؟

في العالم العربي والإسلامي، لا يفتقر النقاش إلى الشعارات والأشعار حول أهمية التعليم، بل يفتقر إلى الحسم في سؤال الوظيفة: ما التعليم الذي نريده فعلًا؟ هل نريد تعليمًا للحفظ أم للفهم؟ للوظيفة أم للنهضة؟ لإنتاج الأفراد أم لبناء الإنسان؟ إن هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي مفتاح كل إصلاح جاد.

الذي يصلح أحوالنا ليس تعليمًا يكرر ما هو قائم، ولا تعليمًا يستورد القوالب الجاهزة دون فهم سياقها، بل تعليمًا يربط بين الأصالة والحداثة، وبين الهوية والانفتاح، وبين القيم والمعرفة. نحتاج إلى تعليم يعيد الاعتبار للمعلم بوصفه صانعًا للوعي، ويمنح المدرسة والجامعة استقلالًا حقيقيًا، ويجعل البحث العلمي جزءًا من الحياة الوطنية لا زينةً خطابية.

بل نحتاج إلى أن نفهم أن التعليم في عصرنا لا يُقاس بعدد السنوات الدراسية فقط، بل بقدرته على إعداد الإنسان لعالم تتصارع فيه الفلسفات، وتتزاحم فيه المرجعيات، وتتسابق فيه الأمم على قاعدة علمية وثقافية وحضارية بالغة التعقيد، فإذا لم يكن بمقدور تعليمنا تخريج عقلٍ نقدي، وروحٍ منفتحة، وكفاءةٍ منتجة، فإنه لن يخرجنا من موقع التبعية والتقليد إلى موقع الاستقلال والفعل.

من المدرسة إلى الحضارة

الأمم الحية والحرة لا تُصنع بالموارد وحدها، بل بطريقة فهمها للمعرفة وتوظيفها، فالتعليم، إذا أُحسن بناؤه، يستطيع أن يفتح طريقًا جديدًا في التاريخ، لأنه يهيئ الإنسان الذي سيبتكر، ويخطط، ويقود، ويعيد تعريف الممكن..

وعليه فإن التجارب الكبرى -من إسبانيا إلى الغرب، ومن فنلندا إلى اليابان، ومن كوريا إلى سنغافورة، ومن ماليزيا وإيران إلى تركيا- تؤكد أن الحضارة تبدأ يوم يتحول التعليم من عملية تلقين إلى فعل إبداع.

وفي عالمنا العربي والإسلامي، لن تكون النهضة ممكنة ما لم نعد طرح السؤال الجوهري بجرأة: أي تعليم نريد؟ وعندما نجيب عنه، لا بالكلام الإنشائي بل ببناء مؤسسات حية، عندها فقط سنبدأ في العبور من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

***

ا. مراد غريبي

 

جدلية التقليد والتغيير في المجتمعات المعاصرة

في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، تقف الأنثروبولوجيا كعلم يسعى إلى تفكيك جدلية معقدة بين التقليد والحداثة، بين ما هو راسخ في الذاكرة الجمعية وما يفرضه الواقع الجديد من أنماط عيش وقيم وسلوكيات. فالحداثة ليست مجرد مرحلة زمنية أو تقنية، بل هي منظومة فكرية واجتماعية تتحدى البنى التقليدية، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم من حوله. وهنا يبرز دور الأنثروبولوجيا كأداة تحليلية قادرة على قراءة هذه الجدلية في عمقها، بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال.

لقد اعتادت المجتمعات عبر التاريخ أن تواجه موجات التغيير بطرق مختلفة: بعضها قاوم بشدة حفاظًا على الهوية، وبعضها انخرط في التحديث دون شروط، فيما اختارت أخرى مسارًا وسطًا يقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. والأنثروبولوجيا، بما تمتلكه من أدوات ميدانية ونظرية، تتيح لنا فهم هذه المسارات، ليس فقط بوصفها ظواهر اجتماعية، بل باعتبارها تعبيرًا عن صراع داخلي بين الذاكرة والابتكار، بين الماضي والحاضر، بين ما يجب أن يبقى وما يجب أن يتغير.

إن الحداثة، بما تحمله من قيم عقلانية وعلمية وتكنولوجية، تطرح أسئلة جوهرية حول مصير الطقوس والعادات والرموز التي شكلت عبر قرون أساس الهوية الثقافية. فهل يمكن لهذه الرموز أن تتعايش مع عالم سريع الإيقاع، قائم على الفردانية والرقمنة والعولمة؟ أم أن الحداثة ستفرض قطيعة جذرية تجعل من التقليد مجرد أثر تاريخي؟ هنا يتدخل التحليل الأنثروبولوجي ليكشف أن العلاقة ليست بالضرورة علاقة إلغاء، بل قد تكون علاقة جدلية حيث يعاد إنتاج التقليد في أشكال جديدة، ويُعاد تأويله بما يتناسب مع متطلبات العصر.

من منظور صحفي، يمكن القول إن هذه الجدلية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل هي قضية يومية يعيشها الأفراد في تفاصيل حياتهم: في طريقة لباسهم، في لغتهم، في احتفالاتهم، في علاقتهم بالسلطة، وفي تفاعلهم مع التكنولوجيا. ومن منظور أكاديمي، فإنها تمثل مادة خصبة لدراسة كيف يعيد الإنسان صياغة ذاته في مواجهة التغيرات، وكيف تتحول الثقافة إلى ساحة صراع بين قوى المحافظة وقوى التحديث.

وبذلك، يصبح المقال محاولة لفهم هذه الجدلية من خلال عدسة الأنثروبولوجيا، التي لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تسعى إلى تحليلها وربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية، لتقدم صورة شاملة عن المجتمعات المعاصرة وهي تتأرجح بين إرثها الثقافي وضغوط الحداثة.

الأنثروبولوجيا والحداثة

حين نتحدث عن الأنثروبولوجيا، فإننا لا نقصد مجرد علم يدرس الإنسان في بعده البيولوجي أو الاجتماعي، بل نتحدث عن حقل معرفي واسع يسعى إلى فهم الإنسان في كليته: جسده، ثقافته، لغته، طقوسه، علاقاته، ورموزه. إنها علم الإنسان بامتياز، لأنها تضعه في قلب التحليل، وتتعامل معه ليس ككائن فردي معزول، بل كجزء من شبكة معقدة من المعاني والسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية. وقد نشأت الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر في سياق توسع الاستعمار الأوروبي، حيث كان المستكشفون والباحثون يسعون إلى فهم "الآخر" المختلف عنهم، لكنها سرعان ما تجاوزت تلك النظرة الاستشراقية لتصبح أداة نقدية لفهم الذات أيضًا، أي لفهم المجتمعات الغربية نفسها في علاقتها بالحداثة والتغيير. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا ليست فقط دراسة "الآخر"، بل هي أيضًا دراسة "الأنا"، أي محاولة لفهم الإنسان في كل مكان وزمان.

في هذا السياق، تبرز أهمية الأنثروبولوجيا في تحليل الثقافة باعتبارها منظومة من الرموز والمعاني التي تمنح الحياة الاجتماعية معناها. فالثقافة ليست مجرد عادات أو تقاليد، بل هي نظام معقد يحدد كيف يفكر الناس، كيف يتواصلون، وكيف يتفاعلون مع العالم. ومن خلال أدواتها الميدانية مثل الملاحظة بالمشاركة والمقابلات، تسعى الأنثروبولوجيا إلى الدخول في عمق هذه الثقافة لفهمها من الداخل. كما أنها تكشف أن ما يبدو مختلفًا أو غريبًا قد يكون في جوهره تعبيرًا عن نفس الحاجات الإنسانية: الحاجة إلى الانتماء، إلى المعنى، إلى النظام، إلى التواصل. وهكذا، تساهم الأنثروبولوجيا في بناء جسر بين الثقافات، وتساعد على تجاوز الصور النمطية والأحكام المسبقة، وتمنحنا القدرة على قراءة الظواهر اليومية بعمق أكبر، سواء كانت هجرة جماعية أو صراعًا ثقافيًا أو تحولًا اجتماعيًا.

أما الحداثة، فهي ليست مجرد مرحلة زمنية أو تطور تقني، بل منظومة فكرية واجتماعية شاملة أعادت صياغة علاقة الإنسان بالعالم. إنها مشروع يقوم على العقلانية والفردانية والعلم والتقدم، محاولة لتحرير الإنسان من قيود الماضي ومن سلطات التقليد الجامدة، لكنها في الوقت نفسه ليست قطيعة مطلقة، بل إعادة بناء على أسس جديدة حيث يُعاد تأويل الموروث بما يتناسب مع متطلبات العصر. نشأت الحداثة في أوروبا مع عصر النهضة ثم ترسخت مع الثورة الصناعية، لتصبح لاحقًا نموذجًا عالميًا بفعل العولمة، وارتبطت بمفاهيم مثل الحرية والديمقراطية والسوق والعلم، لكنها حملت أيضًا توترات عميقة بين الفرد والجماعة، بين العقل والإيمان، بين التقدم والتقاليد.

من منظور أنثروبولوجي، الحداثة ليست فقط ما يحدث في الغرب، بل هي أيضًا كيف تتفاعل المجتمعات الأخرى معها. فالمجتمعات العربية مثلًا واجهت الحداثة عبر مسارات متعددة: بعضها حاول استنساخ النموذج الغربي، وبعضها سعى إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، فيما اختارت أخرى المقاومة والرفض. وهنا تكمن أهمية الأنثروبولوجيا في تحليل كيف يُعاد إنتاج الحداثة محليًا، وكيف تُترجم قيمها إلى سياقات ثقافية مختلفة. الحداثة أيضًا أعادت تعريف الزمن والمكان؛ فبينما كان التقليد يقوم على الاستمرارية والذاكرة، جاءت الحداثة لتفرض إيقاعًا سريعًا قائمًا على المستقبل والابتكار، وهو ما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية: من طريقة العيش والعمل، إلى أنماط التواصل واللغة، إلى أشكال الفن والفكر.

وبذلك، فإن الأنثروبولوجيا والحداثة يلتقيان في نقطة جوهرية: كلاهما يسعى إلى فهم الإنسان في جدليته المستمرة بين الماضي والمستقبل، بين التقليد والتغيير، بين الفناء والخلود. الأنثروبولوجيا تمنحنا أدوات لفهم التنوع البشري في عمقه، والحداثة تضعنا أمام تحديات إعادة صياغة هذا التنوع في عالم سريع التحول. إنهما معًا يشكلان عدستين لفهم الإنسان في زمن معاصر، حيث لا يمكن قراءة الظواهر الاجتماعية والثقافية إلا عبر هذا التداخل بين العلم والحداثة، بين الرموز والتقنيات، بين الذاكرة والابتكار.

التقليد والهوية

حين نتحدث عن التقليد والهوية، فإننا ندخل إلى قلب العلاقة بين الماضي والحاضر، بين ما ورثته المجتمعات عبر قرون وما تواجهه اليوم من تحديات الحداثة. فالتقليد ليس مجرد عادات أو طقوس جامدة، بل هو منظومة رمزية ومعرفية تشكل أساس الهوية الجماعية والفردية. إنه الذاكرة الحية التي تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والاستمرارية، وتجعل الثقافة أكثر من مجرد ممارسة يومية، بل إطارًا يحدد معنى الوجود.

الهوية، في هذا السياق، ليست شيئًا ثابتًا أو مغلقًا، بل هي بناء اجتماعي يتشكل باستمرار عبر التفاعل بين التقليد والتغيير. فالإنسان يجد نفسه دائمًا أمام سؤال: من أنا؟ وإلى أي جماعة أنتمي؟ وهنا يلعب التقليد دورًا حاسمًا، لأنه يوفر الإجابة الأولى عبر الرموز والطقوس واللغة والموروثات التي تحدد ملامح الجماعة. لكن هذه الهوية لا تبقى على حالها، بل تتعرض لإعادة صياغة مع كل تحول اجتماعي أو ثقافي أو سياسي.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إن التقليد هو أداة لإعادة إنتاج الهوية، لكنه أيضًا مجال للتفاوض والتأويل. فالمجتمعات لا تكتفي بتكرار الماضي، بل تعيد تفسيره بما يتناسب مع الحاضر. وهذا ما يجعل الهوية دائمًا في حالة ديناميكية، حيث تتأرجح بين المحافظة على الأصالة والانفتاح على التغيير.

في المجتمعات العربية مثلًا، يظهر هذا التوتر بوضوح في مجالات متعددة: في اللباس، حيث يتجاور التقليدي مع العصري؛ في اللغة، حيث تتداخل الفصحى مع العامية ومع اللغات الأجنبية؛ وفي الطقوس، حيث تُعاد صياغة الاحتفالات الدينية والاجتماعية لتناسب إيقاع العصر. هذه الأمثلة تكشف أن الهوية ليست مجرد ميراث، بل هي عملية مستمرة لإعادة إنتاج الذات في مواجهة الحداثة.

من منظور صحفي، يمكن قراءة هذا التفاعل في تفاصيل الحياة اليومية: في النقاشات حول التعليم، في الجدل حول دور المرأة، في الصراع بين القيم التقليدية وقيم السوق والعولمة. ومن منظور أكاديمي، فإن الأنثروبولوجيا تمنحنا أدوات لفهم كيف تُبنى الهوية عبر هذه الجدليات، وكيف يصبح التقليد ليس عائقًا أمام التغيير، بل مادة خام لإعادة تشكيله.

وبذلك، فإن من شأن ذلك يضعنا أمام حقيقة أن الهوية ليست مجرد انعكاس للتقليد، بل هي نتاج جدلية مستمرة بين الماضي والحاضر، بين ما يُراد الحفاظ عليه وما يُراد تجاوزه. وهنا تكمن أهمية الأنثروبولوجيا في كشف هذه الجدلية وتحليلها، لتمنحنا فهمًا أعمق للإنسان في زمن التحولات.

التغيير الاجتماعي

يُعد التغيير الاجتماعي أحد أبرز مظاهر الحداثة وأكثرها تأثيرًا في حياة المجتمعات المعاصرة. فهو ليس مجرد انتقال من حالة إلى أخرى، بل عملية معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية، سياسية، ثقافية، وتكنولوجية، لتعيد تشكيل البنى الاجتماعية والأنماط الحياتية.

من منظور أنثروبولوجي، التغيير الاجتماعي هو لحظة اختبار حقيقية للثقافة والهوية. فالمجتمعات لا تواجه التغيير ككتلة واحدة، بل تتفاعل معه بطرق متعددة: بعضها يقاوم حفاظًا على الأصالة، وبعضها ينخرط فيه بحماس، فيما يسعى البعض الآخر إلى التوفيق بين الجديد والقديم. هذه التفاعلات تكشف أن التغيير ليس خطيًا أو موحدًا، بل هو جدلية مستمرة بين قوى المحافظة وقوى التحديث.

لقد فرضت التكنولوجيا والعولمة إيقاعًا سريعًا على هذا التغيير. فوسائل التواصل الاجتماعي مثلًا لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وأنماط التفكير، وحتى القيم. كما أن العولمة جعلت الثقافات أكثر انفتاحًا على بعضها، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف من فقدان الهوية المحلية. وهنا يظهر دور الأنثروبولوجيا في تحليل كيف تُعاد صياغة الثقافة في ظل هذه التحولات، وكيف يُعاد إنتاج الرموز والطقوس لتناسب العصر الرقمي.

من منظور صحفي، يمكن قراءة التغيير الاجتماعي في تفاصيل الحياة اليومية: في طريقة التعليم، في أنماط الاستهلاك، في دور المرأة، في علاقة الشباب بالعمل والسياسة. ومن منظور أكاديمي، فإن الأنثروبولوجيا تمنحنا أدوات لفهم هذه التحولات ليس فقط كظواهر سطحية، بل كجزء من ديناميات عميقة تعكس إعادة تشكيل المجتمع.

التغيير الاجتماعي أيضًا يطرح أسئلة جوهرية حول العدالة والمساواة. فبينما يفتح فرصًا جديدة، فإنه قد يعمّق الفوارق الطبقية أو يخلق أشكالًا جديدة من التهميش. وهذا ما يجعل دراسة التغيير الاجتماعي ضرورة لفهم ليس فقط كيف تتغير المجتمعات، بل أيضًا كيف يمكن أن تُدار هذه التغييرات بما يحقق التوازن بين التقدم والحفاظ على القيم الإنسانية.

وبذلك، فإن المحور الرابع يكشف أن التغيير الاجتماعي هو قلب الحداثة النابض، وهو الساحة التي تتجلى فيها جدلية التقليد والتغيير بأوضح صورها. وهنا يصبح دور الأنثروبولوجيا أساسيًا لفهم هذه الجدلية وتحليلها، لتمنحنا رؤية أعمق للإنسان وهو يعيد صياغة ذاته في مواجهة التحولات الكبرى.

الأنثروبولوجيا والحداثة

تضعنا العلاقة بين الأنثروبولوجيا والحداثة أمام جدلية معقدة، حيث يصبح علم الإنسان أداة لفهم كيف تتفاعل المجتمعات مع موجات التغيير، وكيف تُعاد صياغة الرموز والمعاني في ظل التحولات الكبرى. فالأنثروبولوجيا لا تكتفي بدراسة الماضي أو وصف الطقوس التقليدية، بل تنخرط في تحليل الحاضر، لتكشف كيف يُعاد إنتاج الثقافة في مواجهة الحداثة.

الحداثة، بما تحمله من قيم عقلانية وتكنولوجية وعولمية، تفرض على المجتمعات إعادة التفكير في أنماط عيشها وفي علاقتها بالزمن والمكان. وهنا يظهر دور الأنثروبولوجيا في رصد هذه التحولات، ليس فقط بوصفها مظاهر سطحية، بل باعتبارها عمليات عميقة تعيد تشكيل الهوية والذاكرة الجماعية. فهي تكشف أن التقليد لا يختفي بالضرورة أمام الحداثة، بل يُعاد تأويله وتوظيفه في أشكال جديدة، ليصبح جزءًا من الحاضر بدل أن يبقى أسير الماضي.

من خلال هذا المنظور، تصبح الأنثروبولوجيا جسرًا بين التقليد والحداثة، لأنها تتيح فهم كيف يتعايشان داخل المجتمع الواحد، وكيف يتحول الصراع بينهما إلى عملية إبداعية تُنتج أشكالًا جديدة من الثقافة. فهي تكشف أن الحداثة ليست قطيعة مطلقة، بل هي إعادة صياغة مستمرة، وأن التقليد ليس عائقًا أمام التغيير، بل مادة خام لإعادة البناء.

وبذلك، فإن الأنثروبولوجيا تمنحنا القدرة على قراءة المجتمعات المعاصرة في لحظة التوتر بين الماضي والمستقبل، وتساعدنا على إدراك أن الإنسان ليس مجرد متلقٍ للحداثة، بل هو فاعل يعيد تشكيلها وفقًا لخصوصياته الثقافية. هذه الجدلية هي ما يجعل الأنثروبولوجيا اليوم أكثر أهمية، لأنها تمنحنا أدوات لفهم الإنسان وهو يعيد صياغة ذاته في مواجهة التحولات الكبرى.

دراسات حالة عربية

حين نقترب من جدلية التقليد والحداثة، لا تكفي النظريات المجردة وحدها، بل يصبح من الضروري أن نقرأ الواقع عبر أمثلة ملموسة تكشف كيف تتفاعل المجتمعات مع التحولات الكبرى. هنا تتدخل الأنثروبولوجيا لتمنحنا عدسة تحليلية، نرى من خلالها كيف يُعاد إنتاج الهوية في ظل التغيير، وكيف يتجسد الصراع بين الماضي والمستقبل في تفاصيل الحياة اليومية.

في مصر، مثلًا، شكّلت التحولات الحضرية في القاهرة والإسكندرية مسرحًا لتغيرات عميقة في بنية الأسرة والعلاقات الاجتماعية. فمع توسع التعليم وانتشار عمل المرأة، ارتفعت نسب الطلاق بشكل ملحوظ منذ التسعينيات، وهو مؤشر على صراع بين القيم التقليدية التي كانت تضع الأسرة في مركز المجتمع، وبين الحداثة التي أعادت تعريف الفردانية والحرية الشخصية.

أما في الأردن، فقد لعبت سياسات التعليم دورًا محوريًا في إدماج النساء في المجال العام. ارتفعت نسبة مشاركة النساء في الجامعات بشكل كبير منذ مطلع الألفية، لكن حضورهن في مواقع القرار ظل محدودًا، ما يعكس استمرار تأثير البنى التقليدية رغم مظاهر التحديث. هنا يظهر التوتر بين خطاب المساواة الذي تطرحه الحداثة، وبين البنية الاجتماعية التي ما زالت تحتفظ بسلطتها الرمزية.

وفي لبنان، حيث التعددية الطائفية والثقافية، نجد أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لإعادة صياغة الهوية. فالشباب يستخدمون هذه المنصات للتعبير عن ذواتهم، لكنهم في الوقت نفسه يظلون مرتبطين بالانتماءات الطائفية واللغوية والدينية. هذا المزج بين الحداثة الرقمية والتقاليد العميقة يكشف أن الهوية ليست ثابتة، بل تُعاد صياغتها باستمرار في مواجهة التحولات.

هذه الحالات العربية تُظهر أن التفاعل بين التقليد والحداثة ليس خطيًا ولا موحدًا، بل يختلف باختلاف السياقات التاريخية والسياسية والثقافية. ففي مصر، يظهر التوتر في الأسرة؛ وفي الأردن، يتجلى في التعليم والعمل؛ وفي لبنان، يتجسد في الهوية الرقمية. كلها أمثلة تؤكد أن الحداثة ليست مجرد استنساخ للنموذج الغربي، بل عملية معقدة من التفاوض وإعادة التأويل داخل كل مجتمع.

التحديات المستقبلية

إن مستقبل الأنثروبولوجيا يواجه مجموعة من التحديات المعقدة التي ترتبط مباشرة بجدلية التقليد والحداثة، وبالتحولات السريعة التي يشهدها العالم المعاصر. هذه التحديات ليست نظرية فحسب، بل عملية وملموسة، لأنها تمس قدرة هذا العلم على مواكبة الواقع وفهم الإنسان في سياقات جديدة.

أول هذه التحديات يتمثل في التكنولوجيا والرقمنة. فالعالم الرقمي خلق فضاءات جديدة للهوية والتواصل، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية. هذا يفرض على الأنثروبولوجيا تطوير أدوات جديدة لدراسة الإنسان في الفضاء الافتراضي، وفهم كيف تُعاد صياغة الثقافة في بيئة غير مادية.

التحدي الثاني هو العولمة، التي جعلت الثقافات أكثر انفتاحًا على بعضها، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف من فقدان الخصوصية المحلية. هنا يصبح دور الأنثروبولوجيا أساسيًا في رصد كيف تتفاعل المجتمعات مع هذه الضغوط، وكيف تُعاد صياغة الهوية بين الانتماء المحلي والانفتاح العالمي.

التحدي الثالث يرتبط بـ الهجرة والتحولات الديموغرافية. فالهجرة الجماعية، سواء لأسباب اقتصادية أو سياسية أو بيئية، تعيد تشكيل المجتمعات وتخلق فضاءات جديدة للتنوع الثقافي. الأنثروبولوجيا مطالبة بفهم هذه التحولات، ليس فقط بوصفها حركة بشرية، بل باعتبارها إعادة إنتاج للهوية في سياقات متعددة.

التحدي الرابع هو الأزمات البيئية والمناخية. فالعلاقة بين الإنسان والطبيعة أصبحت أكثر هشاشة، والأنثروبولوجيا مطالبة بتحليل كيف تؤثر هذه الأزمات على الثقافة والطقوس والهوية، وكيف يمكن للمعرفة الأنثروبولوجية أن تساهم في بناء استجابات أكثر إنسانية واستدامة.

وأخيرًا، هناك تحدي إعادة تعريف الذات الإنسانية في ظل التطورات العلمية مثل الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي. هذه التحولات تطرح أسئلة جوهرية حول معنى أن تكون إنسانًا، وحول الحدود بين الطبيعي والمصطنع، بين البيولوجي والرقمي. وهنا يصبح دور الأنثروبولوجيا حاسمًا في تقديم قراءة نقدية لهذه التحولات، وفي الدفاع عن البعد الإنساني في مواجهة النزعات التقنية البحتة.

بهذا، يظهر أن التحديات المستقبلية ليست مجرد عقبات، بل هي أيضًا فرص لتجديد الأنثروبولوجيا وتوسيع مجالها. فهي مطالبة بأن تكون أكثر مرونة، أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على قراءة الإنسان في زمن التحولات الكبرى، لتظل علمًا حيًا قادرًا على تفسير جدلية التقليد والحداثة في كل مراحلها.

جدلية التقليد والحداثة: سؤال مفتوح

إن جدلية التقليد والحداثة ليست مجرد ثنائية متعارضة، بل هي مسار تاريخي متواصل يعكس قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج ذاتها في مواجهة التحولات. فالأنثروبولوجيا تكشف لنا أن التقليد لا يموت بالضرورة أمام الحداثة، بل يعاد تشكيله في صور جديدة، وأن الحداثة ليست قطيعة مطلقة، بل إعادة تأويل للذاكرة الجماعية في ضوء الحاضر.

من هنا، يصبح دور الأنثروبولوجيا جوهريًا في فهم هذا التفاعل، لأنها لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تحللها وتضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي. فهي تساعدنا على إدراك أن الإنسان ليس مجرد كائن يتأثر بالحداثة، بل هو فاعل يعيد صياغة الحداثة نفسها وفقًا لخصوصياته الثقافية.

وبينما تتسارع وتيرة التغيير بفعل التكنولوجيا والعولمة، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على هويتها دون أن تنغلق، وأن تنخرط في الحداثة دون أن تفقد جذورها؟ هذا السؤال هو ما يجعل الأنثروبولوجيا اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأنها تمنحنا الأدوات لفهم الإنسان في لحظة التوتر بين الماضي والمستقبل، بين الأصالة والمعاصرة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

لم يعد الحديث عن المثقف اليساري اليوم مجرد استعادة لسيرة تيار فكري كان له حضوره القوي في لحظات تاريخية سابقة، بل أصبح محاولة لفهم تحول عميق في موقع هذا المثقف ووظيفته داخل المجتمع. فالمسألة لم تعد مرتبطة بوجود أفكار يسارية أو غيابها، وإنما بكيفية اشتغال هذه الأفكار داخل الواقع، وبقدرة من يحملها على تحويلها إلى قوة تفسيرية وتغييرية في آن واحد. غير أن ما يلفت النظر في التجربة المعاصرة هو أن جزءا من هذا المثقف قد انتقل تدريجيا من موقع الفاعل النقدي إلى موقع المتلقي المنعزل، ومن أفق التغيير إلى أفق إعادة إنتاج ذاته داخل دوائر مغلقة لا تتصل بالمجتمع إلا بشكل رمزي أو خطابي.

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات فكرية وسياسية وثقافية. فقد ارتبط المثقف اليساري تاريخيا بمشروع تحرري واسع، كان يقوم على نقد البنى الاجتماعية غير العادلة، وعلى تفكيك علاقات الهيمنة، وعلى الدفاع عن الفئات المهمشة. غير أن هذا الدور، الذي اكتسب مشروعيته من اتصاله المباشر بالواقع الاجتماعي، بدأ يفقد تدريجيا فعاليته حين تحول إلى خطاب يتغذى على ذاته أكثر مما يتغذى على الواقع. فبدلا من أن تكون النظرية أداة لفهم العالم، أصبحت أحيانا معيارا جاهزا لقياس العالم، حتى عندما لا ينطبق عليه. إن الإشكال الأساسي هنا لا يكمن في صحة أو خطأ الأفكار اليسارية في ذاتها، بل في الطريقة التي يعاد إنتاجها بها داخل سياقات اجتماعية مختلفة. فحين تنقل المفاهيم من بيئاتها التاريخية الأصلية إلى مجتمعات ذات تركيبات مختلفة جذريا، دون إعادة تفكيك أو تكييف، فإنها تفقد جزءا من قدرتها التفسيرية. ومع الوقت، يتحول الخطاب إلى شبكة من المفاهيم المكررة التي تستخدم أكثر لإثبات الانتماء الفكري للنخبة، لا لفهم الواقع أو تغييره.

يمكن ملاحظة أن جزءا من المثقفين اليساريين قد انشغل بإعادة إنتاج لغة خاصة داخلية، تصبح مع مرور الزمن علامة على الانتماء أكثر من كونها أداة تحليل. هذه اللغة، رغم غناها النظري، غالبا ما تنفصل عن اللغة اليومية للمجتمع، وتخلق فجوة بين المثقف والجمهور. فبينما يعيش الناس تحولات اقتصادية واجتماعية مباشرة، ينشغل الخطاب النخبوي في مستويات تجريدية لا تجد صدى واضحا في التجربة اليومية للناس. وهنا يبدأ الانفصال الحقيقي بين الفكر والمجتمع. هذا الانفصال لا يعني غياب اليسار عن الساحة الفكرية، بل يعني تحوله إلى وجود محدود التأثير في المجال العام. فبدلا من أن يكون قوة اقتراح اجتماعي، أصبح في كثير من الحالات قوة تعليق نقدي على ما يحدث دون قدرة حقيقية على توجيهه أو التأثير فيه. وهذا التحول من الفعل إلى التعليق يمثل أحد أهم مؤشرات الأزمة. وفي موازاة ذلك، ظهرت إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة العلاقة بين المثقف اليساري والجمهور. ففي التصور الكلاسيكي، كان المثقف يفترض أن يكون وسيطا بين النظرية والواقع، بين الفكرة والمجتمع. غير أن هذا الوسيط بدأ أحيانا يتحول إلى سلطة معرفية ترى نفسها أكثر قدرة على تحديد “الوعي الصحيح مقارنة بالفاعلين الاجتماعيين أنفسهم. وهنا تتشكل نزعة أبوية غير معلنة، حتى عندما يكون الخطاب معلنا الدفاع عن الحرية والمساواة.

هذه النزعة لا تظهر دائما في شكل مباشر، لكنها تتجلى في طريقة تفسير سلوك الجماهير، وفي سرعة إصدار الأحكام على اختياراتها السياسية أو الثقافية. فبدلا من تحليل هذه الاختيارات بوصفها جزءا من تعقيد اجتماعي واقتصادي وثقافي، يتم اختزالها أحيانا في مفاهيم مثل التضليل أو الوعي الزائف أو الانحراف عن المسار التاريخي. ومع أن هذه المفاهيم لها جذور نظرية معروفة، إلا أن استخدامها بشكل مطلق يحول المجتمع إلى موضوع حكم لا إلى موضوع فهم.إن هذه الإشكالية تقودنا إلى نقطة أكثر حساسية، وهي علاقة المثقف اليساري بفكرة التغيير نفسها. فالتغيير في التصور اليساري الكلاسيكي كان مرتبطا ببناء وعي طبقي، وتحولات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع. لكن في السياق المعاصر، أصبح الواقع أكثر تعقيدا وتشظيا، بحيث لم يعد ممكنا اختزاله في محور واحد فقط. ومع ذلك، لم يتم دائما تطوير أدوات تحليل قادرة على استيعاب هذا التعقيد، مما أدى إلى فجوة بين طبيعة العالم المتغير وبين أدوات تفسيره. هذه الفجوة ساهمت في تعزيز الإحساس بالعزلة داخل بعض الأوساط اليسارية. فكلما اتسعت المسافة بين النظرية والواقع، زادت الحاجة إلى إعادة تأكيد النظرية بدلا من مراجعتها. وهكذا يتحول الخطاب إلى مساحة دفاعية أكثر منه مساحة نقدية، ويصبح الهدف هو الحفاظ على تماسك الرؤية الفكرية، حتى لو كان ذلك على حساب قدرتها التفسيرية.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن جزءا من هذه الأزمة مرتبط أيضا بتغيرات بنيوية في المجال العام نفسه. فصعود الإعلام الرقمي، وتعدد مصادر المعرفة، وتراجع احتكار النخب التقليدية للخطاب العام، كلها عوامل أعادت تشكيل موقع المثقف عموما، وليس اليساري فقط. غير أن الفرق يكمن في أن بعض التيارات الفكرية نجحت نسبيا في إعادة التكيف مع هذه التحولات، بينما بقيت أخرى أسيرة نماذج تواصلية قديمة. يصبح السؤال أكثر تعقيدا: هل نحن أمام أزمة في الفكرة أم أزمة في حامل الفكرة؟ بمعنى آخر، هل المشكلة في اليسار كمنظومة فكرية، أم في الطريقة التي يمارس بها بعض المثقفين هذا اليسار في الواقع؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بشكل قاطع، لكنه يفتح المجال لإعادة التفكير في العلاقة بين النظرية والتطبيق، وبين الفكر والمجتمع، وبين المثقف ودوره الفعلي في زمن تتغير فيه أدوات التأثير بسرعة غير مسبوقة.

ما يمكن ملاحظته في كل الأحوال هو أن استمرار أي مشروع فكري لا يعتمد فقط على صلابة أطروحاته، بل على قدرته الدائمة على مراجعة نفسه، وإعادة تعريف موقعه داخل مجتمع متغير. وحين يفقد هذا المشروع القدرة على النقد الذاتي، يبدأ تدريجيا في التحول إلى خطاب مغلق، مهما كانت نواياه الأصلية مرتبطة بالتغيير والانفتاح. وتحديدا تبدأ ملامح العزلة في الظهور، ليس كقرار واع، بل كنتيجة طبيعية لتراكم الانفصال بين الفكرة وسياقها الاجتماعي.

***

زكريا - نمر

 

الهامش كمركز مقلوب

في البدء، لم يكن المركز سوى وهم أنتجه الخوف من الفراغ، فجمع الناس في دوائر مغلقة وسمّاها مجتمعا أما الهامش فكان الفضاء الحقيقي الذي تتنفس فيه الحياة بعيدا عن ضجيج المركز وصراخه، ومن قلبه برز ذوو الهمم كشهادة حية على أن الوجود لا يقاس بمدى انتمائه إلى المركز بل بمدى قدرته على خلق مراكز جديدة تتشكل من داخلها ذاتها.

إن مسألة الهامش والمركز في فلسفة الوجود ليست مسألة مكان جغرافي أو موقع اجتماعي بحت بل هي مسألة نظرة أو بالأحرى مسألة "أنظمة النظر" التي تنتج حقيقة ما نراه. فالمركز في المنظور الغربي الحديث هو ذلك الفضاء الذي تتجمع فيه القوى المنتجة والأجساد الكاملة والعقول التي تشبه بعضها البعض في سرها العميق. وهو ببساطة فضاء "الذات نفسها" التي تكرر ذاتها في مرآة الآخر. أما الهامش فهو ما يقع خارج هذه المرآة، ما لا ينعكس فيها، ما يهدد تماسك صورتها. من هنا فإن إخراج ذوي الهمم إلى الهامش لم يكن مجرد سياسة اجتماعية أو اقتصادية بل كان فعلا فلسفيا عميقا يهدف إلى حماية "الذات المركزية" من مواجهة شبح الاختلاف الذي يحمله الآخر المختلف جسديا.

لكن الفلسفة، حين تتجرأ على نفسها تكتشف أن المركز نفسه هو الهامش المقنع، ذلك أن المركز يعيش في حالة دائمة من القلق، من الخوف من أن يتبدد، من أن تتفتت حدوده ومن أن يصبح هو نفسه هامشا لمركز آخر. هذا القلق هو ما ينتج العنف الرمزي والمادي تجاه كل ما يهدد تماسكه، وفي هذا السياق يظهر ذوو الهمم كـ"الآخر المطلق" الذي يفضح زيف المركز ووهم كماله. فالجسد المغاير سوى في تكوينه أو إدراكه هو ذلك الجسد الذي يرفض أن يكون مجرد مرآة تستنسخ صورة الجسد "الطبيعي" ويقدم نموذجا آخر للوجود لا يقاس بمدى قدرته على الإنتاج أو الاستهلاك بل بمدى قدرته على خلق معان جديدة للوجود نفسه.

الهمم كفلسفة للحد

إن مصطلح "ذوي الهمم" في ذاته هو ثورة لغوية وفلسفية على لغة العجز والإعاقة، فالهمة في التراث العربي والإسلامي هي ذلك العزم الذي يصعد بالإنسان فوق حدود جسده ومادياته وهي في الوقت نفسه دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم "الحد" نفسه. ذلك الحد الذي يميز الشيء ويحدد هويته. والحدود هي التي تنتج المعنى من خلال التفريق بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر، بين الطبيعي وغير الطبيعي، أما الهمة فهي ما يذيب هذه الحدود أو على الأقل ما يظهر أنها ليست طبيعية بل هي إنتاج تاريخي وثقافي.

ذوو الهمم لا يعيشون "رغم" حدودهم بل يعيشون "بفضلها" و"من خلالها". فالحد عندهم ليس سجنا يقيّد الوجود بل هو بوابة تفتح على وجود آخر، على طريقة أخرى من طرق الوجود في العالم، فالمعنى هنا يتعلق بكيفية ارتباط الإنسان بالعالم وبالآخرين. فالأعمى لا يعيش في عالم منقوص من الحس البصري بل يعيش في عالم يتشكل من خلال حواس أخرى تتطور وتتعمق بشكل يختلف جذريا عن التجربة البصرية وهذا العالم ليس "أقل" من العالم البصري بل هو "آخر" مختلف في بنيته وفي معانيه.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الوجود واحد أم هي وجودات متعددة؟ إذا كان الوجود واحدا فإن ذوي الهمم يصبحون "منقوصين" من نصيبهم فيه أما إذا كانت الوجودات متعددة فإنهم يصبحون شهودا على تعدّد الوجود وتعدد طرق الوجود في العالم وهذا التعدد ليس ترفا فلسفيا بل هو ضرورة أخلاقية ووجودية. فالاعتراف بتعدد الوجودات يعني بأن لا طريقة واحدة صحيحة للوجود وأن لا جسدا واحدا هو "الجسد الطبيعي" وأن لا عقلا واحدا هو "العقل السليم". وهذا الاعتراف هو ما يفضي إلى إعادة تعريف "الإنسان" نفسه من كائن محدد بحدود بيولوجية وعقلية ثابتة إلى كائن مفتوح على تعدد الاحتمالات والأشكال.

المركز الهامشي والهامش المركزي

في عالم يتجه نحو التركيز والتمركز، يظهر الهامش كفضاء للمقاومة والإبداع، لكن هذه المقاومة ليست مقاومة سلبية ترفض المركز وتكتفي بالاحتجاج عليه بل هي مقاومة إيجابية تنتج مراكز جديدة تتشكل من داخل الهامش نفسه. وذوو الهمم هنا ليسوا مجرد "ضحايا" يحتاجون إلى "إدماج" في المركز بل هم "منتجون" لمراكز معرفية ووجودية جديدة. فالإدماج في جوهره هو دعوة إلى الانصهار في المركز وإلى التخلي عن الاختلاف إلى أن تصبح "مثلنا"، أما ما نحتاجه فهو "التعددية المركزية"، أي اعترافا بأن المراكز متعددة وأن كل مركز يحمل في ذاته إمكانية أن يكون هامشا لمركز آخر.

هذا يقودنا إلى فكرة "المركز الهامشي" و"الهامش المركزي". فالأول هو ذلك المركز الذي يتشكل من داخل الهامش والذي لا يحاكي المركز التقليدي بل ينتج منطقا جديدا للمركزية. فمركزية ذوي الهمم ليست مركزية "القوة" أو "الكمال" بل هي مركزية "الحاجة" و"العطاء" و"العلاقة"، فالإنسان في حاجة دائمة إلى الآخر وهذه الحاجة ليست نقصا يجب سده بل هي شرط من شروط الوجود الإنساني نفسه. وذوو الهمم يذكروننا بأن هذه الحاجة هي ما ينتج المعنى وأن العلاقة ليست مجرد رابط بين ذوات مكتملة بل هي ما ينتج هذه الذوات ويشكلها.

أما الهامش المركزي فهو ذلك الهامش الذي يتشكل من داخل المركز نفسه والذي يفضح زيف مركزته. فالمركز كما قلنا يعيش في قلق دائم من تفتته ولهذا فهو ينتج دائما هامشا داخل ذاته: هامش المرض وهامش الجنون وهامش الضعف. وذوو الهمم حين يواجهون هذا الهامش الداخلي يجبرونه على الاعتراف بأنه ليس مركزا حقيقيا بل هو تراكم للهويات المتخيلة والحدود المصطنعة وبداية انهيار وتشكل مراكز جديدة.

الهمم والزمن: وجود آخر للزمن

إن أعمق ما في تجربة ذوي الهمم هو علاقتهم بالزمن. فالزمن في المركز هو زمن الإنتاج والاستهلاك، زمن خطي يتقدم نحو هدف محدد يقاس بالإنجاز والفعالية أما الزمن في الهامش وفي تجربة ذوي الهمم خاصة، فهو زمن آخر تماما، فهو زمن "الانتظار" و"الاستسلام" و"القبول" لكنه في الوقت نفسه زمن "العمق" و"التركيز" و"الحضور". فالانتظار هنا ليس سلبية بل هو فعل وجودي يتعلق بكيفية الوجود في العالم والاستسلام ليس استسلاما للقدر بل هو قبول للحدود التي تفتح على أفق جديد.

هذا الزمن المختلف هو ما يمكن ذوي الهمم من رؤية ما لا يراه الآخرون، فهم يعيشون في "شقوق" الزمن، في الفواصل بين اللحظات، في المساحات التي يتجاهلها الآخرون في اندفاعهم نحو المستقبل. وهذه المساحات رغم أنها تبدو فارغة، هي في الحقيقة ممتلئة بالمعنى. فالصمت هنا ليس نقصا في الكلام بل هو لغة أخرى والبطء ليس عجزا عن السرعة بل هو إيقاع مختلف للحياة والتوقف ليس موتا بل هو لحظة تجديد ولادة.

وهذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم "الحياة الطيبة" نفسه. فالحياة الطيبة في المنظور الغربي الحديث هي حياة "الاختيار" و"الحرية" و"الإنجاز" أما من منظور ذوي الهمم فهي حياة "القبول" و"العلاقة" و"الحضور" وهذا لا يعني أنهم لا يختارون أو لا ينجزون بل يعني أن اختيارهم وإنجازهم يتبعان منطقا آخر لا يقاس بالكم بل بالكيف، لا بالسرعة بل بالعمق، لا بالاستقلال بل بالعلاقة.

الخاتمة: نحو فلسفة همومية

إن ما نحتاجه اليوم ليس "تسامحا" مع ذوي الهمم ولا "إدماجا" لهم في مجتمع لا يزال يحمل منطق المركز والهامش بل نحتاج إلى "فلسفة همومية" تعيد التفكير في أسس وجودنا معا. فالهمة ليست مجرد صفة تتصف بها فئة من الناس بل هي مبدأ وجودي يتعلق بكيفية تجاوز الحدود وخلق معان جديدة وذوو الهمم ليسوا "آخرين" نحتاج إلى "فهمهم" أو "مساعدتهم" بل هم "نحن" في إمكانيتنا الأخرى، في ما يمكن أن نكونه لو تجرأنا على تجاوز حدود "الطبيعي" الذي نتصوره.

إن الهامش والمركز ليسا موقعين ثابتين، بل هما علاقتان تتبدلان حسب منظور الناظر، وما يبدو هامشا من منظور ما قد يبدو مركزا من منظور آخر، وذوو الهمم يذكروننا بأن "المركزية" ليست حقيقة وجودية بل هي وهم ننتجه لنبرر وجودنا ونخفف من قلقنا أما الحقيقة فهي أننا جميعا نعيش في هامش ما وأننا جميعا نحتاج إلى الآخر لنكمل معنى وجودنا. والهمة في النهاية هي ما يمكننا من رؤية هذا ومن التجرؤ على أن نكون "آخرين" حتى نكون "أنفسنا" حقا.

***

عبد السلام مسعودي - كاتب وشاعر تونسي

 ورئيس تحرير مجلة مدارات ثقافية الألكترونية

الحداثة مفهوم حضاري مستقبلي الطبيعة لان زمنها متجه نحوه المستقبل وشمولي النطاق للوجود الانساني في مجال (التقنيات) والاقتصاد و السياسة و الإدارة و الثقافة و وهي شديدة الارتباط بالفلسفة التي انتجتها (فلسفة العلم) على انها بنية فكرية تشتمل على تحولات عديدة فلسفيا وابستمولوجيا ومن سماتها انها لا تحدث دفعة واحدة بل بالانتقال من النمط التأملي للمعرفة الى النمط التقني المتدرج وتتمسك بإعمال العقل بمعناة الحسابي كما يرى هيد جر فالمنهج يكتسب منها أهمية قصوى لإنتاج معرفة تقنية لان عقل الحداثة عقل اجرائي تجزيئي.

 وتؤمن الحداثة بان التاريخ سيرورة (processes) وصيرورة أي المسار الحتمي الذي تحكمه عوامل ملموسة، وعليه فأن التاريخ حسب (ليوشتروس) سيكون وسيطا بين الواقع والمثال، مقابل نزعة سلفية ترجع كل شيء للتاريخ وقد انتج التأمل الحداثي في اوربا النهضة الاوربية و الإصلاح الديني ونقد المعرفة التقليدية، اما هيجل فانة اول من طرح فكرة القطيعة مع التراث المعرفي التقليدي، لان عصر الحداثة هو العصر الذي اختل به التوازن بين معرفة الماضي و معرفة المستقبل ولا يستمد معياره من التراث والماضي، بل ينادي المتحمسون بقطيعة جذرية وكاملة مع التراث والفكر التقليدي، وعلى مستوى انتاج المعرفة فالحداثة ترى ان الانسان قيمة مركزية وترجع كل المعرفة الى الذات المفكرة والعقل والإرادة الحرة وسماتها الفلسفية

لانها تتمتع بالفردانية و النقدية و التأمل البرهاني و تقبل الاخر والاحتكام الى منطق النسبية المعرفية وقد تأثرت بالحداثة النزعة البروتستانتيه التي ربطت بين الايمان الديني والتفكير الشخصي، اما العقلانية المطلقة فتعني رجوع كل شيء للعقل واسموها بـ(مبدأ السببية) لكنها عقلانية أداتية صارمة، واحيانا يصل بها الحال الى غياب المعنى، ولعلها تغيّب فكرة المقاصد الوجودية ويتحول العلم فيها الى اداة اجرائية للسيطرة على الانسان والطبيعة، وينمو في ظله غياب التراحم والعطف وصولا الى تشكل عالم صارم ورقمي، خال من القيم الروحية او القيم خارج الطبيعة الحسابية.

ان المشكل مع ثقافات الشعوب والأمم ان فكر الحداثة حينما يصطدم بالمنظومة التراثية التقليدية لأي ثقافة فانه يولد تمزقات وتشوهات ذهنية وحالة فصام وجداني وذلك لصلابة المنظومتين ويلاحظ ان الدعوة الى الحداثة تكشف عن انها لا تقل عنفا عن الدعوة للسلفية فهي تمارس فرض اراداتها بقسوة فقد رافقت الاستعمار الكلاسيكي مطلع القرن الماضي وهيمنته لكنها تغلف العنف برحيق اللطف، وتداعب الخيال، وتلجا الى الاغواء والاغراء وتتميز في وسطنا العربي والإسلامي بأساليبها الناعمة والحالمة ومن التعمق فيها يظهر:

انها حداثه براتيه وليست وجدانية للاسف جاءت مع الاستعمار والأجانب المعتدين، مغموسة في غربتها واغترابها، واستلاب هويات الشعوب الحضارية وهي عنيفة في فعلها التفكيكى لتراثنا برمته الصالح منه والطالح من دون تمييز يختلط فيها التحرر من الاساطير لكن مع السيطرة على المقدرات، فهي تنقد التراث الذي تسمية بالماضي، لتكبله بالحاضر و تقدم الحداثة نفسها على انها نمطية حتمية ونهاية للتاريخ ويلاحظ انها منذ قرن لعلها تراوح بين الاندماج التلقائي وردود الفعل التراثية المتصاعدة في عنفها، ولعلها كانت سببا في تحول الإسلاميين من العقلانية الى الجهادية، والأكثر خطورة انها تتمسك بطابعها الكلي (أي انها كل لا يتجزأ) فأما ان تؤخذ كلها او تترك كلها، وانها أداة تقدم ذات سمة صراعية أي انها لا تجري في افق معرفي بل في سياق الهيمنة للغرب وكما شهد عالمنا العربي والإسلامي فشل تجارب الإسلاميين فقد عرف مؤخرا تجارب الليبرالين والحداثيين الفاشلة أيضا والتي اتسمت باختلالات في توزيع الثروة، و الاغتراب الثقافي، والسطحية الشعبوية والخطاب التحريضي والنزعة السلطوية التي اجهدت المؤسسات في فهم حقيقتها و محاولة التزاوج الهجين بين الحداثة والتقاليد ولم توفق دعوة الحداثة الى مشروع نهضوي شامل ينطلق من الواقع العربي لوضع العرب على سكة التاريخ والتمدن، ففي المجال السياسي من مشروعها انها لم تحقق (حياة سياسية برلمانية صادقة ومستقرة) انما نموذج شكلي تطبق فيه ما يحقق مصالح سدنة الحداثة وهي مثل شكليات الإسلاميين الذين ينتقون ما يحقق مصالح الجهاديين فيطرحونها على انها حقائق نهائية فتداخلت مع النصوص سلطتهم في وضع الدساتير ولوائح الحقوق، فلا يزال الاستبداد السياسي في جوهره قائما رغم اختلاف السلوكيات مثل (نموذج الحزب الواحد)، والراي الواحد، واقصاء العلماء والكفاءات.

صحيح انهم استعانوا بالتقنيات العصرية ورداء الأيديولوجيات، الا انهم حقيقة كانوا وراء نكسات عديدة في مصر ولبنان وسوريا والجزائر وتونس، وكانوا وراء عسكرة النظم السياسية وفي المجال الاقتصادي فقد فشلت دعوى الحداثة العربية في إقامة نظام اقتصادي كفوء مندمج بالأسواق العالمية انتاجا واستهلاكا ولم يحققوا تنمية متوازنة، ولا تقدم في الشأن الإنساني والتقني وقد انتشر الفساد في اروقة (النماذج الحداثية) بشكل لافت فقد اخفقوا في الحد منه ومن استغلالهم للموارد العامة كما اخفقوا في مواكبة التطور الرقابي وهم أحوج الناس اليه

اما الشق الاجتماعي فهوا الأكثر ضرارا فالبطالة، والهجرة المحمومه للغرب، والعنف الذي ظهر كرد فعل على الفكر الحداثي وتدني الشعور بالمسؤولية الاجتماعية جراء الفردانية التي هي من أسس الحداثة وانتهاك (القوانين والنظام العام) كان بسبب الفهم العقيم للحريات، وتدني المستوى الثقافي، وتدني مخرجات التعليم، وسبب ذلك لان (للحداثة الغربية) صيرورة اوربية تدرجت وخلقت وعيا تاريخيا عندهم، فجاء الحداثيون العرب فاستوردوه وطبقوها دون الاهتمام باختلاف الصيرورات، وتدرجات الوعي، ومخرجات التاريخ

وما يختلف به القهر السياسي والاجتماعي بينهم وبين التراثيين انه عند الحداثيين يجري بأساليب ناعمة بينما عند الجهاديين يتم بأسلوب متوحش، ولا بد من لفت الانتباه الى ان الحرية التي يطالبون بها لم تطبق في المجال الاكاديمي انما انشغل الحداثيون بمعركتهم مع التقليديين فغاب الابداع والابتكار وبقينا نستهلك التقنية من الغرب ثم يعيرون خصومهم بانهم يأكلون ويعيشون بمنجزات الغرب وفي نفس الوقت يشتمون الحضارة الغربية.

لنكن شجعانا ونعلن ان تجارب الحداثيين قد أخفقت في عالمنا العربي بتوفير الشروط الأساسية لاستيعاب جديد الثقافة التراثية برؤية نقدية انتقائية للصالح منها للنهوض واستيعاب نقدي لثقافة التمدن الأوربي وفصل التقني عن القيمي والأخلاقي

لقد اغفل الحداثيون تعمدا معرفيات وقيم كثيرة اشتمل على تراث المسلمين الفكرية وهي لا تتناقض في جوهرها مع مدعيات العلمانية والحداثة مثل اراء ابن رشد والفارابي وأفكار المعتزلة ووحدوا بين تقنية الغرب وثقافتها واعتبروهما شيئا واحدا لها نطاق كوني واحد، وليست القيم مقومة بشكل خصوصي للغرب، والتقنية تراث مشترك واغمضوا عيونهم عن كل العناصر السلبية للحداثة ورفضوا مفردات أساسية مثل (تاريخ المعرفة الإسلامية) وعظمته (وحضارة المسلمين) واعتبروها فقط هباء بل عدوها اس التخلف وسببه الرئيسي

ان تكريس الاستلاب لا يحقق تقدما ولا تكييفا بين التراث والحداثة الحقيقية كما حصل في (اليابان /ماليزيا) فقد مارسوا نقد للتراث، ولكن اصحابنا امتنعوا ان يمارسوه للحداثة نفسها ان منطق العالم الحديث يقتضي التميز بين الذاتي (التراث الحضاري) والموضوعي (التقدم الغربي التقني) تمييزا يتقيد باثر الصيرورات ثم انهم لم يهتموا بظاهرة خطيرة وهي ان الثقافة التقليدية ارسخ في النفوس ولم يعالجوها بادماج الحداثة في نسيجها وبدل ان ينتجوا نموذجا حضاريا يجمع قيمنا وتراثنا مع حداثه التمدن،فقد جعلوا سجالنا بين ثقافتين متعارضتين ومزقوا بوصلتنا، بل انهم اوغلوا في مهمة التذويب والاستلاب وخلق السجال بالصراع بين الامة وحاضرها، والحال ان ما يطلبه الحداثيون لحصول التلاؤم بين تراثنا ومعطيات الحداثة يستلزم ان نطالب الحداثة ان تفكر باحترام واستيعاب التراث وهذه المعادلة التاريخية هي (الرهان الصعب)

في الختام ثمة أسئلة تظهر من ثنايا هذا السجال ومنها:

- ما مدى ملائمة الحداثة الغربية للتراث الاممي للإنسانية؟ وما مدى تقبل فكر الحداثة لعموم ثقافات الأمم

- وهل تقبل الشعوب الواعية مفاهيم الحداثة التي تزيح تراثهم الثقافي والفكري ومدنيتهم وتتسبب بالمعطيات السلبية (على تاريخهم الخاص بهم)؟.

- هل تستطيع الحداثة ان تبني ذاتها بإيجابية بدل نفي الاخر وهدمه، والازدراء به وانكار إنجازاته؟

- هل تستوعب العقلانية المتطرفة الماورائيات وقيم التحسين والتقبيح القانون الفطري

- وهل تستوعب الحرية الحداثية احتراما للنظام العام والحقوق العامة والاداب

- وهل ترقى ذاتية الحداثة الى إعطاء الدولة حقها والمجتمع حقوقه والمؤسسات دورها

نموذجان من الحداثة التاريخية للمسلمين: في تاريخ المسلمين صدمتان

 أولا حداثة المعتزلة: فان تيار الاعتزال نشا كرد فعل فكري على المقولات الراديكالية للخوارج في مسالة مرتكب الكبيرة والتمرد المنفعل على السلطة، والنزعة القتالية

 وكرد على وقوع دولة الخلافة في مستنقع اتباع سياسات الظلم والجور والتمييز فاعلنوا العدل أصلا من أصول الدين، واعلنوا مقابل النزعة الجبرية حرية الإرادة وضرورة الاختيار وهم معرفيا: احترموا النص الديني وقبلوه مشفوعا بالعقل ورفضوا كل ما يناقض البرهنه العقلية فاقصوا الخرافة والرؤى الذاتية وطبقا لنظريتهم في الحسن والقبح العقليين فانهم اقاموا منظومتهم على أساس معايير عقلية ومن الطبيعي ان تصدم هذه المنظومة مع السلطة الاستبدادية فلا تقبل موجبات العقلانية والنزعة البرهانية ومقتضى الحريات والتفكير المقاصدي وتعارض أفكار الاعتزال ووجبرية الحاكم المؤسسة الاستبدادية ولم يوافقوا ان تحدد السلطة أفعال المواطنين، فالفرد خالق لأفعاله، و عندهم ان الله فرض على ذاته المقدسة ان يفعل الاصلح لعباده فيجب على مدبر المدينة(رئيس الدولة) ان يقتدي بمدير الكون الأعظم ويفعل الاصلح لمواطنيه وبذلك يسطر مفكروهم منظومة فكرية حول الفهم الكوني للعدل والمفهوم الاجتماعي له، ويؤسسون منهجا معرفيا يقرر ان للعقلانية الحق في البحث في الالهيات والانسان والتاريخ والماورائيات

لذلك هاجمهم المتوكل العباسي واستأصل وجودهم البشري و وحارب سرديات فهمهم للعالم والتاريخ، فقد اسسوا البديل المضاد الفكري للاستبداد باعتماد الحرية والاختيار ورفض جبرية السياسة وجبرية رجال الدين. ووضعوا المسؤولية على الفرد إزاء أفعاله واختياراته لكنهم قيدوا تلك الحريات بالنظام العام والقيم الأخلاقية وبالاستناد الى اسس العقلانية، ورفضوا الاساطير والخرافات وخطابات التبجيل ومنها مثلا رؤية الجن. وعلى ما تقدم يمكننا القول ان المعتزلة قدموا اول محاولة للحداثة في التجربة المبكرة لدولة الإسلام ومجتمعة

ان الذي يميز علماء الاعتزال انهم لم يستسلموا للفكر اليوناني ولم يستلبوا مواطنيهم من تراثهم ويساهمون في غربتهم واغترابهم انما: تلقوا الفلسفة اليونانية وترجموها، ودرسوها، وفصلوا بين حقائقها الثابتة وبين تاريخ صدورها عن الفلاسفة والظروف التي أسهمت في بنيتها ثم فهموا مقاصدها، ونقدوها بعد اكتشاف ثغراتها فطوروها واعادوا انتاجها من جهود واصل بن عطاء حتى ابن رشد الحفيد (595هـ)

النموذج الثاني للحداثة في تراث المسلمين: وهو نموذج الفلسفة وتطوير العرفان واكتشاف الوجود اذ بعد اعلان الغزالي حربه على الفلسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) حورب الفلاسفة في العالم الإسلامي لكن منهجه لم يتخلص من الرد النوعي لانها أصبحت في القرن العاشر والحادي عشر الهجري عنصرا مهما في الثقافة وحظيت باعتراف في المحيط الديني، رغم ما اطبق على العالم الاشعري (السني) على تحريم الفلسفة وابعادها عن الافاق المعرفية السائدة، وكانت نظريات ابن عربي هي الأخرى قد حوصرت الا ان القرن العاشر فك الحصار عنها وصارت معرفة متداولة. ودخل على التصوف مد تصحيحي قدمت فيه تعاليم نظرية لدعم الممارسات وكان جلال الدين دواني قد احيا فلسفة نصير الدين الخواجة وعلق على فلسفة السهروردي فصارت الثقافة العقلية مركبة من (المشائية ونهج ابن عربي وتنويرية السهروردي) وظهر صدر الدين الشيرازي صاحب الاسفار والحركة الجوهرية، وفلسف حيدر املي تعاليم اهل البيت ووصفها بلائمة الكمال النهائي

لقد وفر الملا صدرا ثيولوجيا امامية مندمجة مع الاطار الفلسفي، وتابعه عملاق اخر هو الشيخ البهائي العاملي (ت 1622م) الذي كان الى جانب كونه فقيها عالما بالفلسفة والتصوف ومتادبا بالشعر العرفاني ثم مهندسا معماريا لكن هذه الحداثة قوبلت كأي تجديد علمي وفكري بمعارضة، فظهر الحر العاملي (1111هـ) في كتابة (الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية)

رغم ان ذلك الإنجاز المعرفي المهم كاد يتحول الى قاعدة فكرية للانطلاق نحو افق ارحب للمعارف والعلوم والفكر الإسلامي المنطلق مع التأمل.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

منذ أن قررت بعض المجتمعات أن تجعل من التأويل جريمة، ومن التفكير خروجا على الجماعة، أصبح اي مفكر يسير إلى محاكمته منذ اللحظة التي يرفع فيها رأسه فوق يقين القطيع. صار المفكر يدان لأنه فكر، وينفى لأنه اجتهد، ويقتل معنويا لأنه رفض أن يكرر ما قاله السابقون. وهكذا تحولت معارك الأفكار إلى محاكم تفتيش، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن ضحية جديدة تقدم قربانا لسلطة الوهم..

وفي قلب هذه المأساة يقف نصر حامد أبو زيد. رجل لم يحمل سلاحا إلا العقل، ولم يرفع راية إلا السؤال، فحوكم لأنه فكر، ونفي لأنه قرأ النص بعين الباحث لا بعين المقلد، واغتيل نفسيا ومعنويا مرات لا تحصى قبل أن يرحل جسده.

قتلته في سمعته، وفي رزقه، وفي وطنه، وفي طمأنينته، حتى أصبح الموت البيولوجي آخر حلقات اغتيال طويل بدأ منذ اللحظة التي قال فيها: انا أفكر

لم يحمل الرجل سيفا ولم يدعُ إلى عنف ولم يملك سوى أدوات الباحث: العقل، واللغة، والتأويل. لكن هذه الأدوات كانت كافية لتعلن عليه حرب شرسة

 إنها ليست حكاية رجل، بل حكاية أمة ما زالت تخشى السؤال أكثر مما تخشى الجهل، وتخاف من العقل أكثر مما تخاف من الظلام.

في هذا المناخ، لم يكن نصر حامد أبو زيد يحارب الدين كما ادعى خصومه بل كان يحاول أن يحرر فهمه من احتكار التأويل وأن يعيد الاعتبار للعقل بوصفه شريكا في الفهم لا عدوا للإيمان. لكن المجتمعات التي اعتادت تقديس التفسير أكثر من تقديس الحقيقة، لا ترى في المفكر إلا خصما ينبغي إسكات صوته

إن مأساة نصر حامد أبو زيد ليست سيرة فرد، بل مرآة لمحنة العقل العربي، الذي ما زال يدفع ثمن كل محاولة لتحرير النص من سلطة القراءة الواحدة، وكل محاولة لإقناع الناس بأن الحقيقة لا تخاف السؤال، وأن الإيمان الواثق لا يرتعد أمام العقل

فكل حضارة أغلقت أبواب السؤال، وحاكمت أصحاب العقول الحرة ورفعت سيف التكفير أو التخوين فوق رقاب الباحثين، والمفكرين لم تكن تدافع عن هويتها، بل كانت تكتب شهادة انحدارها بيدها

سلسلة من الاغتيالات بدأت منذ أحرقت الكتب، ونفي الفلاسفة، وأقصي المجددون، وما زالت تتكرر كلما ولد سؤال جديد. وما دام المفكر يحاكم لأنه يفكر، ويدان لأنه يجتهد، ويغتال معنويا أو جسديا لأنه رفض أن يكون صدى للماضي فإن أمتنا ستظل تدور في الحلقة نفسها، تعيد إنتاج الهزائم وتبحث عن أسباب تخلفها في كل مكان إلا في المرآة

هم لم يقتلوا نصر حامد أبو زيد وحده، بل قتلوا معه احتمالا آخر لنهضة كان يمكن أن تولد، وأغلقوا نافذة كان يمكن أن يدخل منها الضوء.. وما نراه اليوم من تراجع حضاري. وجمود فكري، وعجز عن إنتاج المعرفة، ليس قدرا تاريخيا، بل هو الثمن الباهظ الذي تدفعه أمة اعتادت أن تقصي مفكريها وفلاسفتها

فلم نعرف من قبل أن حضارة بنيت على كراهية العقل، ولا نهضة ولدت من رحم التكفير، ولا مستقبل شيد فوق أنقاض الأسئلة..

فكم من نصر حامد أبو زيد ما زال يغتال كل يوم، لا بالرصاص بل بالتكفير والتشهير والإقصاء، ومحاصرة الفكر الحر. وكم من عقل وُئد قبل أن يزهر، وكم من مشروع تنوير أجهض قبل أن يرى النور

وسيأتي يوم تدرك فيه الأجيال أن الجريمة الكبرى لم تكن اغتيال مفكر بعينه، بل يوم جعلنا أصحاب العقول الحرة غرباء في أوطانهم، وأقمنا محاكم للضمير بدل أن نبني منصات للحوار..

فسلاما على روح نصر حامد أبو زيد. هو لم يكن نبيا ولا قديسا، بل إنسانا آمن بأن العقل هبة إلهية لا يجوز تعطيلها.

سلاما عليه يوم فكر، ويوم صبر، ويوم رحل، ويوم بقيت أفكاره حية تتحدى الزمن. ولعل أعظم وفاء له، ولكل عقل حورب لأنه أضاء، ألا نكتفي برثاء المفكرين بعد رحيلهم، بل أن نحمي حق الأحياء منهم في أن يسألوا، ويجتهدوا، ويختلفوا لأن الأمم التي تصون حرية الفكر هي وحدها التي تمتلك حق صناعة المستقبل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

هناك مقولة قديمة تقول إن أخطر أنواع الهزائم ليست تلك التي تقع في ساحات القتال، بل تلك التي تقع داخل العقول. فالجيوش قد تنهزم ثم تعود، أما الأفكار التي تفقد صدقيتها فغالبا ما تترك فراغا يصعب ملؤه. وإذا كانت النخب هي عقل المجتمع، فإن أزمة النخب ليست أزمة فئة محدودة، بل أزمة أمة بأكملها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس لماذا تتراجعة الديمقراطية في العالم العربي والإفريقي؟ بل لماذا عجز المثقف الذي جعل الديمقراطية والحرية مشروعه الأساسي عن أن يصبح قوة قادرة على تغيير الواقع؟

منذ عقود طويلة، قدم المثقف الليبرالي نفسه بوصفه ممثل العقلانية والحداثة، وحامل مشروع الدولة المدنية، والمدافع الأول عن حرية الإنسان وكرامته. كان خطابه جذابا، وشعاراته براقة، ولغته مليئة بالمفاهيم الحديثة. غير أن الحصيلة النهائية تكشف مفارقة قاسية؛ فقد بقي حضوره في الجامعات والندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام أكبر بكثير من حضوره داخل المجتمع نفسه. كان مؤثرا في صفحات الجرائد، لكنه محدود التأثير في الشارع. كان يملك اللغة، لكنه لم يملك الجمهور. وكان يحسن نقد الآخرين، لكنه لم يتقن مراجعة نفسه. ليست المشكلة أن الليبرالية فكرة فاشلة. فالليبرالية، في أصلها الفلسفي، أسهمت في بناء دول القانون، وترسيخ الحريات العامة، وتقييد سلطة الدولة، وحماية الحقوق الفردية في كثير من التجارب التاريخية. لكن الأفكار لا تنتصر بقيمتها النظرية وحدها، بل بقدرتها على التجسد في واقع الناس. وهنا تبدأ الأزمة؛ إذ تحولت الليبرالية عند كثير من مثقفي العالم العربي والإفريقي إلى خطاب نخبوي منفصل عن المجتمع، وإلى هوية ثقافية أكثر منها مشروعا سياسيا واجتماعيا قابلا للحياة.لقد اعتاد المثقف الليبرالي أن يفسر كل إخفاقاته بأن المجتمع متخلف، أو أن الثقافة السائدة معادية للحرية، أو أن الدين والقبيلة والتقاليد تمنع الناس من تبني أفكاره. لكن هذا التفسير، رغم احتوائه على جانب من الحقيقة، يخفي سؤالا أكثر إزعاجا: ماذا لو كانت المشكلة أيضا في المثقف نفسه؟ ماذا لو كان قد أخطأ في فهم المجتمع، وفي بناء خطابه، وفي ترتيب أولوياته؟ ماذا لو كان قد تحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من الأزمة التي يدعي أنه جاء لحلها؟

إن المثقف الذي يطالب الجميع بالنقد، ثم يرفض أن يكون هو نفسه موضوعا للنقد، يفقد أهم شروط الثقافة الحقيقية. فالمثقف ليس نبيا معصوما، ولا وصيا على المجتمع، ولا مالكا للحقيقة. إنه إنسان يخضع لأخطائه وتحيزاته ومصالحه مثل غيره. وعندما يتعامل مع أفكاره باعتبارها مقدسات، فإنه يعيد إنتاج العقلية التي يزعم محاربتها. أكثر ما يكشف أزمة المثقف الليبرالي هو أنه كثيرا ما تحدث عن الحرية باعتبارها القيمة العليا، لكنه نادرا ما سأل نفسه: حرية من؟ ولمن؟ وهل يمكن للإنسان الذي يعيش تحت وطأة الفقر والجوع والنزوح والبطالة أن يجعل حرية التعبير أولويته الأولى؟ وهل يكفي أن تمنح المواطن حق التصويت إذا كان عاجزا عن الحصول على تعليم جيد أو علاج كريم أو فرصة عمل تحفظ كرامته؟ لقد اختزل كثير من الليبراليين السياسة في الحقوق المدنية، واختزلوا الدولة في الدستور، واختزلوا الديمقراطية في الانتخابات، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فالديمقراطية لا تزدهر في مجتمع تسوده الأمية، ولا تحمي نفسها في اقتصاد يحتكر الثروة، ولا تستقر في دولة تنهشها المحسوبية والفساد. إن الحرية ليست جزيرة معزولة عن العدالة الاجتماعية، بل إن كل واحدة منهما تحتاج إلى الأخرى كي تكتمل. إن أزمة المثقف الليبرالي ليست أزمة خطاب فحسب، بل أزمة تصور كامل لدوره في المجتمع. لقد انشغل بمعارك الهوية أكثر من انشغاله بمعارك التنمية، وأصبح قادرا على مناقشة أحدث النظريات الفلسفية، لكنه عاجز عن تقديم إجابة عملية لسؤال بسيط يطرحه المواطن: كيف سأعيش حياة أفضل؟

لقد تحول جزء معتبر من الخطاب الليبرالي إلى خطاب استهلاكي، يكرر المصطلحات نفسها في كل مناسبة: المجتمع المدني، الحوكمة، الشفافية، المواطنة، التعددية، الإصلاح المؤسسي. وهي مفاهيم مهمة بلا شك، لكنها فقدت معناها عندما تحولت إلى شعارات جاهزة تردد أكثر مما تمارس. فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لا تغير الواقع إذا لم تتحول إلى مؤسسات وسياسات وإرادة اجتماعية. أن بعض المثقفين الليبراليين وقعوا في تناقض لا يمكن تجاهله. فهم يطالبون بحرية الرأي، لكنهم لا يتسامحون مع الرأي المخالف. يدافعون عن التعددية، لكنهم يقسمون المجتمع إلى فئتين: متنورون وجهلاء. يتحدثون عن التسامح، لكنهم يمارسون الإقصاء الفكري ضد كل من لا ينتمي إلى دائرتهم الثقافية. وهكذا تصبح الليبرالية، التي جاءت لتحرر الإنسان من الاحتكار، أداة لاحتكار جديد يرتدي لغة أكثر أناقة.

إن المقال لا يستهدف الليبرالية كفلسفة، ولا يسعى إلى هدم قيم الحرية والدولة المدنية، بل يحاول مساءلة النموذج الذي حمل هذه القيم في واقعنا العربي والإفريقي. فالأفكار العظيمة لا تسقط بسبب خصومها فقط، وإنما قد تسقط أيضا بسبب سوء من يمثلها. وحين يفشل حامل الفكرة في تجسيدها، فإن المجتمع لا يحاكمه وحده، بل يحاكم الفكرة معه. ولذلك فإن الأزمة التي سنناقشها ليست أزمة تيار سياسي بعينه، وإنما أزمة المثقف العربي والإفريقي الذي استبدل بناء المجتمع بإدارة الخطابات، واستبدل إنتاج المعرفة بإعادة تدوير الشعارات، واستبدل النزول إلى الناس بالحديث عنهم من خلف المكاتب والمنصات. وما لم يخضع هذا النموذج لمراجعة جذرية، فإن الفجوة بين النخبة والمجتمع ستتسع أكثر، وسيظل المثقف يتحدث عن الحرية في قاعات مغلقة، بينما يواصل المجتمع البحث عمن يستطيع أن يقدم له الخبز، والعمل، والأمن، والكرامة.

***

زكريا - نمر

 

في المثقف اليوم