ذكرنا في اللقاء السابق أن مفهوم الإرهاب لم يظهر فجأة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، وأنه مر بتحولات تاريخية ودلالية حاسمة؛ إذ كان الجذر اللغوي (رهب) يدل أساسًا على الخوف والخشية، وجاء في القرآن الكريم أيضًا في سياق الردع المشروع وإعداد القوة، بعيدًا كل البعد عن دلالات العنف العبثي الحديثة. كما أن التراث الإسلامي لم يعرِّف "الإرهاب" كمفهوم اصطلاحي مستقل، بل عالج الأفعال المهددة لأمن الجماعة والوعي الجمعي من خلال مفاهيم شرعية محددة كـ (الحرابة والبغي والفتنة والخروج)، وجعل لكل منها دلالته الشرعية وحدوده الفقهية.
غير أن الاحتكاك الشديد بالأغيار في العصر الحديث أدى إلى انتقال مفهوم الإرهاب (Terror) إلى المجال التداولي العربي والإسلامي؛ ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الترجمة، والتأويل، والتوظيف الأيديولوجي، وما صاحب ذلك من خلط شائن بين المقاومة المشروعة والعنف المنفلت، ناهيك عما أحدثه المتأولون والمجتزئون من تشويه للمفاهيم. الأمر الذي يجعل إعادة قراءة مفهوم الإرهاب وتحولاته الناشئة ضرورة لفهم حضوره في حاضرنا المعيش.
وإذا ما حاولنا، بعد هذا التأصيل المنهجي، أن نقيم تحقيبًا علميًا دقيقًا للمفهوم داخل الفكر العربي والإسلامي المعاصر، فإنه لا يسوغ لنا بحال أن نقف عند حدود التقسيم الزمني الصلب، وكأن التاريخ الفكري مجرد تعاقب آلي للمراحل؛ بل يتعين علينا أن ننظر مليًا في التحولات الجذرية التي أصابت المفهوم في ذاته، وفي بنيته الدلالية، وفي نسقيته وموقعه الحقلي، وفي الوظائف التي أُنيطت به، وفي انتقاله السلس أو المتوتر من سياق إلى سياق، ومن أفق تداولي إلى أفق آخر.
وقد جاء اختيارنا للامتداد الزمني الممتد من (1850 إلى 2026)، لا باعتباره إطارًا تاريخيًّا محايدًا، بل لأنه يمثل المدى الزمني الذي تشكلت في أثنائه أبرز الانزياحات الدلالية للمفهوم في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ حيث تبدأ إرهاصات النهضة الاحتكاكية بالأغيار، وفي أثنائها تتكون مشاريع الإصلاح والاستجابة لموجات الحداثة، ثم تتوالى تحولات الدولة الوطنية والأيديولوجيا والمجتمع، إلى أن نصل إلى حاضرنا المعيش والوقت المعيش الذي أعادت فيه الوسائط الرقمية إنتاج المفاهيم وصياغتها، لا في معانيها فحسب، بل في وظائفها وأدوات تداولها بين الجماهير وشبيبة الأمة.
وبناءً على ذلك، قسمنا مسار مفهوم الإرهاب في نسق الفكر العربي والإسلامي المعاصر إلى ست مراحل كبرى، تمثل كل منها بنية تاريخية ودلالية مخصوصة في سيرورته وتحولاته:
أولًا: مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918).
ثانيًا: مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918 1950).
ثالثًا: مرحلة الفلسفة العربية المعاصرة والدولة الوطنية الجديدة (1950 1967).
رابعًا: مرحلة من الانكسار إلى الإعداد للانكسار (1967 2010).
خامسًا: مرحلة المنطق المائي (1990 2011).
سادسًا: مرحلة الثورات والإعلام الرقمي (2010 2025).
تُشكّل المرحلة الأولى والمتمثلة في مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918) نقطة الانطلاق الأساسية في نهجنا؛ إذ يتجلّى فيها مفهوم الإرهاب عبر مضامينه الدلالية وأبعاده التاريخية، حتى وإن توارى عن التداول الاصطلاحي الصريح، وابتعد عن ألسنة قادة الرأي والمثاقفين في الخطاب السائد آنذاك. وإذا ما حاولنا - عبر غرابيل التحليل، وبمنهجٍ لا يسقط المفاهيم اللاحقة على سياقات سابقة - أن نحدد موضع المفهوم في هاتيك المرحلة، فإننا نصطدم بحقيقة تأسيسية واضحة؛ تتمثل في أن المصطلح بصيغته الحديثة لم يكن حاضرًا داخل الحقل الفكري العربي والإسلامي، لا بوصفه مفهومًا قائمًا، ولا بوصفه قضية مستقلة؛ الأمر الذي يجعلنا أمام غياب اصطلاحي كامل، لا مجرد ضعف عابر في التداول، فالإرهاب هنا لا يُناقش أصلًا، بل لا يُعرَف كمفهوم مستقل.
ذلك أن الحقل الفكري في هاتيك المرحلة كان يتحرك داخل منظومة مفاهيم ونظام نسقي مختلف، يتمحور حول الجهاد، والمقاومة، ودفع العدوان، ومواجهة الاستبداد؛ وهي مفاهيم - إذا ما حاولنا تفكيكها - تنتمي إلى نسق شرعي وأخلاقي أصيل ومستقر، لا إلى إطار قانوني-سياسي حديث يتأثر بمقولات الأغيار وضغوطهم.
وإذا ما نظرنا إلى خطاب جمال الدين الأفغاني، نجد أنه يركّز كل التركيز على مقاومة الاستعمار الغاشم والاستبداد المحلي بوصفهما السبب المباشر في تخلف الأمة والوعي الجمعي، حيث يقول: (الاستبداد أصل كل فساد، والاستعمار امتداد له)، دون أن يستخدم التوصيف المعاصر مثل (الإرهاب). كما نجد أن محمد عبده حين تناول قضايا القوة والعنف، كان يربطها بالعدل والضرورة الشرعية، لا بوصفها ظاهرة مستقلة تحتاج إلى مفهوم خاص، إذ يؤكد أن القوة إنما تُستعمل لحفظ الحق، لا للعدوان؛ وهو ما يعكس أن الموقع الفكري كان أخلاقيًا شرعيًا لا سياسيًا تأثر بمقولات الأغيار.
ومن جهة أخرى، فإن غياب الدولة الوطنية الحديثة بصيغتها الكاملة، وعدم تشكّل النظام الدولي بمؤسساته المهيمنة، قد جعل المفهوم غير مطروح أصلًا داخل الحقل؛ الأمر الذي يقودنا إلى أن البيئة الفكرية لم تكن بحاجة إلى هذا النوع من المفاهيم الوافدة.
فمفهوم الإرهاب إذا في هذه المرحلة غائبًا اصطلاحيًا وغريبًا عن الحقل الفكري والسياق العام. وإذا ما حاولنا تفكيك البنية الدلالية لما يمكن أن يُعد جذورًا بعيدة لمفهوم الإرهاب، فإننا نجد أنفسنا أمام ألفاظ معجمية مثل التخويف، والبطش، والعدوان، والحرابة؛ وهي ألفاظ إذا ما حاولنا تحليلها بمنهجية دقيقة تحمل دلالات قريبة من بعض جوانب المفهوم الحديث، لكنها لا تجتمع في بناء مفهومي واحد، الأمر الذي يجعل الدلالة موزعة لا مركبة؛ فالمعاني الدلالية موجودة في الموروث، لكن المفهوم الاصطلاحي الكلي غائب تمامًا.
ذلك أن النصوص الشرعية تناولت مسألة العنف وضبطه ضمن سياقات محددة، مثل قوله تعالى(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا...)، وهو ما يرتبط بمفهوم الحرابة الفقهي المحدد، لا بالإرهاب بمعناه الحديث المتداول عند الأغيار. كما أن قوله تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) جاء في سياق الردع المشروع وإعداد القوة المادية، لا في سياق العنف العبثي المنفلت؛ الأمر الذي يقودنا إلى ضرورة التمييز الدقيق بين الدلالة النصية والدلالة الاصطلاحية الحديثة، منعًا لزيغ المتأولين، والمجدفين، والمشككين الذين يعبثون بالدلالات.
ومن جهة أخرى، فإن المتفقهين والمثاقفين في تلك العصور تعاملوا مع هذه القضايا السلوكية ضمن أبواب فقهية محددة، مثل أحكام الجهاد والحدود والديات، دون أن يحولوها إلى مفهوم كلي يُعاد من خلاله تفسير الواقع السياسي والاجتماعي؛ وهو ما يعكس الطابع الجزئي المحكم للدلالة. كما نجد أن رفاعة الطهطاوي حين تحدث عن مسائل الأمن والنظام، ركّز أساسًا على القانون والعدالة، معتبرًا أن الأمن لا يتحقق إلا بإقامة العدل، دون أن يستدعي أو ينقل مفهومًا أجنبيًا يشبه الإرهاب بمفهومه المعاصر.
وإذا ما حاولنا قراءة ذلك بطريقة عميقة، نجد أن الدلالة كانت مندمجة كليًا في النسق الشرعي العام. مما يبرهن أن دلالة الإرهاب في هاتيك المرحلة كانت مضمرة داخل مفاهيم جزئية، دون أن تتبلور في مفهوم مستقل وشامل. وإذا ما حاولنا تحديد الوظيفية الخاصة بمفهوم الإرهاب في هذه الفترة، فإننا نصطدم بحقيقة أنه لا يؤدي أي وظيفة مفهومية أو تحليليّة، لأنه لم يُستدع أصلًا داخل الخطاب الإصلاحي أو الفقهي، الأمر الذي يجعلنا أمام حالة (لا-مفهوم) بالمعنى المنهجي الصارم.
نعم، إن مفهوم الإرهاب هنا لا يعمل ولا يُنتج آثارًا معرفية، لأنه لم يُصغ بعد في القواميس الفكرية. ذلك أن الخطاب الإصلاحي في النهضة لم يكن بحاجة إلى مفهوم جامع يدمج أشكال العنف المتنوعة تحت عنوان واحد، بل كان يفرّق بنسقية عالية بين العنف المشروع (كالجهاد والدفاع عن الأوطان) والعنف المرفوض والمنكر (كالعدوان والبغي والفساد)؛ وهو ما يقودنا إلى غياب الوظيفة الكلية للمفهوم. ناهيك عن أن هدف الرواد كشيخ الأزهر محمد عبده كان يتركز في إصلاح بنية المجتمع وبناء الوعي الجمعي وإيقاظ الأمة، لا تصنيف الأفعال وتأطيرها داخل مفاهيم سياسية وافدة من الأغيار.
كما أن غياب الصراع الأيديولوجي العالمي بصورته الحديثة، وعدم وجود خطاب دولي موحد يفرضه الأغيار حول العنف والتطرف، قد جعل استدعاء المفهوم غير ضروري ولا وظيفي. ومن جهة أخرى، فإن هذا الغياب الوظيفي يعكس طبيعة المرحلة التي كانت تبحث عن أسباب النهضة الحضارية والخروج من التخلف، لا عن أدوات التصنيف المفاهيمي والهجوم الأيديولوجي.
وإذا ما حاولنا قراءة هذا المسار، نجد أن التفكير العربي والإسلامي كان عمليًا إصلاحيًا لا تصنيفيًا وسائليًا. ولذلك فإن الإرهاب لم يؤدِّ أي وظيفة مفهومية في هذه المرحلة التاريخية، لأنه لم يكن مفهومًا مطروحًا أصلًا في حقل التداول.
وإذا ما حاولنا تحديد لحظة الانزياح المفاهيمي في هذه المرحلة التاريخية، فإننا لا نجد انزياحًا بالمعنى التقليدي للتحول الاصطلاحي، بل نجد ما يمكن تسميته - منهجيًا وبحسب نهجنا التحليلي - بـ (الغياب المؤسس)؛ أي أن هذه المرحلة تمثل الأرضية التاريخية الصلبة التي لم يظهر فيها المفهوم بصورته الحديثة، لكنها مهّدت بشكل غير مباشر لظهوره والتفاعل معه لاحقًا؛ الأمر الذي يجعل الغياب نفسه جزءًا جوهريًا من المسار التاريخي لتحولات المفاهيم. نعم، إن عدم الحضور هنا ليس فراغًا معرفيًا ، بل هو تمهيد وتأسيس لما تلاه. ذلك أن التحولات الكبرى التي بدأت في هذه المرحلة -وفي مقدمتها الاحتكاك المباشر بالأغيار، ونشوء بذور الدولة الحديثة، وبداية تشكل النظام الدولي الجديد - قد وضعت الأسئلة الكبرى والتحديات التي سيُبنى عليها المفهوم وتداعياته لاحقًا، وإن لم يُصغ بعد في صورته الاصطلاحية البحتة.
فإذا كان الخطاب الإصلاحي لرواد النهضة قد انشغل كليًا بمقاومة الاستبداد الداخلي والتصدي للاستعمار الخارجي، فإن هذا الانشغال الفكري نفسه سيؤدي لاحقًا إلى إعادة تعريف العنف وضبط حدوده داخل سياقات سياسية وأيديولوجية جديدة. وإذا ما حاولنا قراءة هذا الغياب في صيرورته التاريخية، نجد أن المفهوم كان في طور التكوّن غير الواعي خلف حجب الأحداث.
وبناء على ما تقدم يتجلى بوضوح أن الإرهاب في هذه المرحلة لم يكن مفهومًا قائمًا أو متصورًا، بل كان غيابًا دالًا ومفسرًا، مهّد الأرضية لظهوره العاصف لاحقًا حين دخلت المفاهيم في دائرة الصراع السياسي والدولي، وأُعيد تعريف العنف والمقاومة داخل أطر ونظم جديدة تشكل حاضرنا المعيش والوقت المعيش بكل تعقيداته.
ولحديثنا بقية عن مفهوم الإرهاب وتحولاته والمرحلة التالية مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918-1950).
***
بقلم: د. بدر الفيومي








