عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: وقفة مع سلّم افلاطون في الحب

في حوار (الندوة) وهو من أشهر حوارات افلاطون، يقترح افلاطون ان الحب ليس البحث عن نصفك الآخر، وانما أفضل ما يوصف كسلّم للجمال والخير. لو سألتك يوما لماذا أحببت شخصا ما، ماذا ستقول؟ كيف ستعرّف الشعور بالحب؟ هذه هي مهمة الفيلسوف افلاطون في أحد حواراته السقراطية الأكثر حيوية وشعبية والذي كُتب حوالي 385 ق.م.

حوار الندوة يجمع بين الفيلسوف سقراط ومجموعة من الاثنيين البارزين في حفلة شرب يناقشون الايروس او الحب الرومانسي. النجم الرئيسي في الحوار، بالطبع، كان سقراط، لكن واحدا من بين العروض التي لا تُنسى جاء من الكاتب المسرحي الكوميدي ارستوفان الذي عرض رؤية سخيفة حول أصل الحب.

يعلن ارستوفان ان البشرية بدأت ككائنات ذات نبض مزدوج لها أربعة اذرع وأربعة سيقان ووجهان، ولكن في يوم ما تمادت الشرية في حريتها المفرطة وحاولت تسلّق جبل اولمبوس. الاله زيوس عاقبها بفصلها الى نصفين. بذلك نحن أصبحنا ضعفاء، ونتأثر بسرعة، وغير كاملين. يستنتج ارستوفان ان الحب يسعى للم شملنا مع نصفنا الآخر:

طبيعة الانسان كانت في الأصل واحدة وكنا كلا متكاملا، وان الرغبة والسعي نحو الكل تسمى الحب.

سقراط يواصل سرد ما تعلّمه حول الحب من المرأة الحكيمة ديوتيما Diotima في الحب والعديد من الأنواع الأخرى للمعرفة. تقول ديوتيما ان ارستيفون كان صائبا جزئيا: الحب يبحث بالفعل عن شيء ما. لكننا لا نبحث عن "نصف آخر". لا يوجد هناك رفيق او توأم روح يستكملنا، وهي استعارة شعرية تؤكد على التصورات الحديثة للحب الرومانسي.

بدلا من ذلك، وطبقا لديوتيما الحب يبحث عن حيازة الخير والجميل. نحن لا نرغب "الكمال" من خلال الحب حسب ديوتيما، وانما نسعى للتغلب على فنائنا. هذا هو الدافع اللاواعي خلف الحب: نحن نريد إطالة أعمارنا الفانية من خلال الخلق المستمر بعد رحيلنا.

المثال الواضح هنا هو الأطفال: من خلال الحب نحن ننجب وننتج حياة تستمر بعد رحيلنا. لكن ليس فقط من خلال الأطفال نحن ننقل جزءا من أنفسنا الى المستقبل، انما أيضا من خلال المساهمة في التاريخ والفن والشعر والعلم والاعمال العظيمة، مستلهمين الجمال والحب الذي يتردد صداه عبر العصور. نحن قد نتساءل ما علاقة الحب الرومانسي بالفن؟ والعلوم والحكمة وبتراكم المعرفة.

لهذا، لكي توسّع رؤيتنا، تعرض ديتوما مقياسها الشهير او سلّم الحب. من خلال تسلّق هذا السلّم، نحن ننطلق من فهم محدود في البداية لمفهوم الحب والجمال الى فهم معقد – بأمل تعميق وإثراء حياتنا الرومانسية.

سلّم الحب

تقول ديوتيما ان الحب في أول درجاته يبدأ برغبة ايروسية للفرد: نحن ننجذب الى جمال شخص ما. بعدها ننطلق الى نوع أوسع لجسم نجده جذابا فيزيقيا. لكننا يجب ان ندرك حالا، حسب ديوتيما، انه حتى عندما ننضج لتقييم كل أنواع الجمال الفيزيقي، فان الحب المرتكز فقط على جمال جسدي، والذي هو لا حصري ولا ابدي – محكوم عليه بان يكون سطحيا وعابرا.

وهكذا سيتطور فهمنا للحب. نحن نحرر أنفسنا من الانشغال المفرط بمظهر الأجساد الفردية، ونتسلق الى الدرجة القادمة على السلّم: تقدير الجمال في شخصية شخص ما او "روحه". هنا نحن ننجذب الى افراد ليس لأننا نجدهم جذابين جسديا، وانما لأننا نقيّم منْ هم. نحن نحب ليس فقط أجسامهم وتصرفاتهم وانما قيمهم وأهدافهم وطريقتهم في النظر الى العالم، واتجاههم في الحياة.

بالنسبة للعديد من الناس، هذه المرحلة من الصعود ربما تمثل إيذانا باكتمال قصة الحب. لو وجدنا شخصا ما ننجذب له جسديا وسايكولوجيا وعاطفيا، فما الذي نريده من الحب اكثر من هذا؟ يبدو هناك الكثير. ما يثير القلق، ان ديوتيما تشير الى اننا لم نصل بعد حتى الى منتصف الطريق. لأن الصفات الروحية ليست فريدة هي الأخرى: اذا كنا نقيّم الشفقة او الشجاعة او حس الدعابة الرائع، هذه الصفات يمكن العثور عليها في العديد من الناس. المحب المتميز يدرك انه لو أحببنا هذه الصفات، يجب ان نحب قوى اجتماعية أوسع مسؤولة عن غرس هذه الصفات في الثقافة. وهكذا نحن نصعد الى الدرجة القادمة: نوجّه أنظارنا من حب شخصيات معينة الى حب القوانين الفاضلة والمؤسسات.

اذا كنا نتبع ديوتيما صعودا في السلم حتى الان، هذا هو المكان الذي نبدأ فيه بحب القوانين والمؤسسات، لكن ديوتيما تدعونا ان نتسلق مرة اخرى من القوانين الفاضلة والمؤسسات الى حب العلوم وتأمّل "البحر الواسع للجمال" الذي هو الوجود، لنستمتع بعد ذلك "بحب الحكمة الذي لا حدود له"، حتى نصل في النهاية الى الآفاق المذهلة في الدرجة العليا من السلّم.

هذا ما يقودنا له سلم الحب الرومانسي حيث نجد النموذج الافلاطوني المتعالي للجمال ذاته. الجمال المطلق والابدي المنفصل، البسيط، والمستمر، الذي يُمنح - دون نقصان او زيادة او أي تغيير- الى الجمال المتنامي والمتلاشي لجميع الاشياء الأخرى.

نحن نرتقي من الرغبة الجنسية في الجمال الدنيوي الى الأعلى لكي نكون على اتصال بالأبدي: الجمال ذاته. وعندما لا نتصور "رموز" الجمال وانما الجمال ذاته، سوف نفهم جيدا ماذا يعني ان تكون جيدا. وهكذا، الحب هو سلّم للجمال والخير. نحن قد نظن ان رؤية ديوتيما للحب الرومانسي تقودنا في النهاية بعيدا عن العلاقات الفردية. الشخص المحب هو مجرد خطوة على طريق صعودنا نحو الأعلى للحب وحتى التكاثر من خلال مفاهيم مجردة مثل الحكمة. حسب ديوتيما، نحن نرغب "الولادة في جمال سواء كان جسم او روح" . كلما ارتقينا الى أعلى، كلما تخلصنا اكثر من ملوثات الاخلاق ومن كل ألوان الحياة البشرية وزخارفها الزائفة.

بعض الباحثين يقترح ان السلّم يعمّق ويثري حبنا للفرد. ديوتيما لم تطلب منا في أي لحظة ان نرفض أحباءنا، صعود السلم ببساطة يطوّر ما نقيّمه فيهم. ان درجات الجمال الحقيقي العليا الأكثر ثباتا تساعدنا على رؤية الشخص المحبوب وتقديره بشكل أفضل، فهو التجسيد الدنيوي لشكل متعال.

أين يتركنا سلم الحب؟ 

مهما كان التفسير الذي نقبل به لسلّم الحب، فان حوار الندوة يبقى حوارا رائعا يستحق التقدير. انه أشبه بقصة مغامرة سقراطية مليئة بالفكاهة والتشويق والعمق، ويقدم معنى حقيقيا للحياة والفكر في أثينا القديمة. ربما نعجب بتوسيع افلاطون لمفهوم الحب الى ما وراء الرغبة الجنسية الفردية. قد نجد أيضا  من المثير فكريا ربط افلاطون بين الحب الرومانسي وحبنا للفن والكتابة والموسيقا والنحت او المعرفة من أي نوع: الفعل هو ابداعي، ينقل أجزاء من أنفسنا الى المستقبل.

(فرويد استغل الى أقصى حد إشارة افلاطون الى هذه الدوافع اللاواعية التي تدفعنا بعيدا عن الموت. هذه الرغبة الحسية في الحياة والتكاثر في علاقاتنا الرومانسية واعمالنا الإبداعية).

ولكن قد نشكك أيضا في هذا الابتعاد المجرد عن الحب الجسدي الايروتيكي وكأنه شيء دنيء، وهذا التسلسل الهرمي الذي يفتقر بشكل متزايد الى الحيوية، والذي يفرضه افلاطون وديوتيما على الحب. بالنسبة لمفهوم الحب الرومانسي، هذه النظرة ليست بالضبط الأكثر حسنا ورومانسية. انظر، بالمقابل المنظور الذي قدمه ارسطو في نقاشه عن الصداقة. احد أعظم وأهم الإنجازات هي المشاركة في علاقات محبة. هناك قيمة هائلة في العلاقات ليس للدور الذي تلعبه في مخطط أسمى للتنوير الشخصي، وانما بسبب العلاقة نفسها، بكل ما فيها من إخفاقات وقيم فانية هنا على الأرض.

تلخيص

سلّم افلاطون في الحب هو استعارة فلسفية توضح كيف تتطور عواطف الشخص من انجذاب فيزيقي الى حب عميق للحكمة والحقيقة الأبدية. العرّافة ديوتيما توضح ان الحب يبدأ بالجسدي ثم يتسلق خطوة بعد أخرى صعودا الى الروحي والفكري. هذا الصعود يتم في ست مراحل:

1- الحب لجسم معين: انت تشعر بالانجذاب لشخص معين.

2- الحب لجمال جسدي عام: انت تدرك ان الجمال موجود في العديد من الاجسام، وليس فقط في جسم واحد.

3- الحب للروح والشخصية: تقدّر ما في قلب الشخص وقيمه اكثر من مظهره الخارجي.

4- الحب للقوانين والمؤسسات: تقدّر الجمال الموجود بالقواعد البشرية والمجتمعات والهياكل المشتركة.

5- الحب للمعرفة والعلوم: انت ترغب بالافكار المجردة، والتعلّم والفلسفة.

6- الحب لشكل الجمال ذاته: هنا تصل الى القمة وتشعر بالحكمة والجمال الخالص والابدي والغير متغير.

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم