عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مفارقة السلوك الإمبراطوري

تطرح السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط معضلة فلسفية وسياسية بالغة التعقيد؛ حيث يتأرجح السلوك الإمبراطوري لواشنطن بين نزعة الهيمنة المطلقة وبين الانكفاء الحذر الذي يتبدى في شكل توجّس إستراتيجي وتردد بنيوي. إن هذا التوجّس لا يمكن تفكيكه بوصفه أداءً تكتيكياً عابراً أو تراجعاً ظرفياً، بل هو تجلٍّ أصيل لمقاربة فلسفية سياسية تنطلق من إدارة المخاطر وحسابات المصالح المتغيرة في بيئة إقليمية شديدة السيولة والاضطراب.

في هذا السياق المعرفي، تبرز إشكالية العلاقة الجدلية بين هذا التوجّس الأمريكي والأزمات الهيكلية التي تعصف بالدولة الوطنية في المنطقة. ويثور هنا التساؤل الجوهري: هل يشكل هذا السلوك الإمبراطوري المتردد استثماراً نظامياً وعقلياً في مأزق "عجز الوطنية المحلية المعاصرة"، أم أنه يمثل تصالحاً نفعياً براغماتياً مع المنظومات التقليدية السائدة من قبلية وطائفية بهدف إدارة الفوضى وتدويرها بأقل التكاليف الحمائية؟

من الهيمنة المباشرة إلى التوازن المتردد

تأسست السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، من الناحية التاريخية، على إدارة مصالح واضحة المعالم إبّان الحرب الباردة، تمثلت حصراً في محاصرة النفوذ الشيوعي وتأمين التدفق الحر لمصادر الطاقة الحيوية. وقد أُديرت هذه المصالح بكفاءة نسبية عبر إستراتيجية "التوازن من وراء البحار"، بالاعتماد على ركائز إقليمية وثيقة كـ "العمودين التوأمين"، ثم الانحياز الوظيفي للعراق إبّان حربه مع إيران. بيد أن تحول النظام الدولي نحو الأحادية القطبية الفظة بعد حرب الخليج الثانية دشن مرحلة التخلي الفعلي عن هذا التوازن الحذر لصالح سياسة "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران، وهي سياسة افتقرت في جوهرها للمسوغات الإستراتيجية العميقة، نظراً لحالة الإنهاك الشامل التي أصابت الدولتين جراء الحروب المستمرة.

أدى هذا التحول لاحقاً، وتحديداً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى تبني عقيدة "الهيمنة العالمية الشاملة"، التي أعادت تعريف الإرهاب بوصفه تهديداً وجودياً يبرر التدخل العسكري المباشر، وتغيير الأنظمة الحاكمة، وإعادة هندسة المجتمعات المحلية قسرياً وفقاً للنموذج الغربي. غير أن هذا التورط العسكري المباشر سرعان ما اصطدم بحقيقة صلبة: وهي قصور القوة التكنولوجية الفائقة والآلة العسكرية الضخمة عن قهر الجغرافيا الطبيعية المعقدة، والتركيبات البشرية الثقافية المتجذرة للمجتمعات المحلية في المنطقة.

أنتج هذا الإخفاق المدوي نقاشاً فكرياً وسياسياً محتدماً داخل النخب الأكاديمية الأمريكية؛ حيث دعت مدرسة "الواقعية السياسية" إلى ضرورة الانكفاء الفوري والعودة لإستراتيجية التوازن من وراء البحار. يجادل دعاة هذا التوجه بأن تقليص الوجود العسكري المباشر كفيل بخفض النفقات الدفاعية الهائلة التي تستنزف الخزينة الأمريكية، فضلاً عن تحفيز القوى الإقليمية على تحمل مسؤولية أمنها الذاتي، والحد من الارتدادات العنيفة والعمليات الانتحارية التي يذكيها الوجود العسكري الأجنبي، كما حدث تاريخياً بعد التمركز الأمريكي في الجزيرة العربية عام .1990

في المقابل، يحذر نقاد هذا التراجع من كونه يخلق فراغاً إستراتيجياً مفاجئاً يفضي إلى مضاعفة عدم الاستقرار، وتآكل الهيبة الإمبراطورية الأمريكية، وتهديد المصالح الحيوية المتعلقة بأمن الطاقة، وحظر الانتشار النووي، وحماية الحلفاء التقليديين. يعود التوجّس الأمريكي البنيوي في جوهره إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تُصنف في أدبيات العلاقات الدولية كـ "موازن متردد"؛ ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى ما يُعرف بـ "قوة مياه البحار الكابحة". فهذه الحصانة الجغرافية الفريدة تجعل التدخل العسكري المباشر خياراً خاضعاً دائماً للتجاذبات السياسية الداخلية المعقدة وغير مضمون النتائج، مما يدفع واشنطن إلى تفضيل البقاء وراء البحار واستخدام القوى المحلية كخطوط دفاع أولى في مواجهة الأزمات.

آليات "فخ الاحتمالات" وتفكيك سيكولوجيا التوجّس

ينشأ "فخ الاحتمالات" الإقليمي من طبيعة التردد الأمريكي الكامن في إستراتيجية التوازن عن بُعد. فلأن واشنطن ترفض تقديم التزام أمني مطلق وثابت، وتفضل التحرك كموازن في الملاذ الأخير فقط، فإن سلوكها يصبح محكوماً بالظرفية والاحتمالية الرمادية. يتجلى هذا بوضوح في حالة التنافس الإقليمي المحموم مع إيران؛ إذ لا يمكن للقوى المحلية أن تتنبأ بيقين بمدى استعداد الولايات المتحدة لخوض مواجهة عسكرية كبرى لحمايتها، نظراً لأن هذا القرار يرتبط بتوازنات سياسية واقتصادية داخلية أمريكية متقلبة وغير مضمونة العواقب.

يؤدي هذا الغموض الإستراتيجي المتعمد إلى إنتاج سلوكيات أمنية بالغة الخطورة على مستوى الإقليم، يمكن تفكيكها عبر آليتين رئيستين:

المخاطرة الأخلاقية والاندفاع غير المحسوب: حيث تندفع بعض الأنظمة المحلية الحليفة لواشنطن إلى تبني سياسات خارجية عدوانية وتصعيدية ضد خصومها الإقليميين، مدفوعة بافتراض واهم بأن الولايات المتحدة ستتدخل حتماً لإنقاذها لحماية هيبتها إذا حانت لحظة الحقيقة والمواجهة الشاملة.

سيكولوجيا الارتياب والاعتمادية المفرطة: في المقابل، تعيش هذه الدول في هلع مستمر من احتمالية التخلي الأمريكي المفاجئ، مما يدفعها إما إلى الهرولة نحو مسارات تطبيعية وتحالفات أمنية بديلة تفتقر للحاضنة الشعبية والشرعية التاريخية، أو الاستمرار في رهن سيادتها ومواردها بالكامل للإرادة الأمريكية طلباً للحماية المؤقتة.

وبذلك، يتحول التوجّس الأمريكي من نقطة ضعف إلى أداة تضبط بها واشنطن إيقاع الصراعات الإقليمية دون حسمها، مكرسةً بيئة إقليمية قائمة على توازن الضعف المستدام واستنزاف الطاقات الذاتية لجميع الأطراف.

أزمة الدولة المشرقية وفشل الاندماج العقلاني

لا يمكن عزل فاعلية التوجّس الأمريكي عن الأزمة الهيكلية العميقة التي تعصف بالدولة الوطنية في المشرق العربي. يرى فلاسفة السياسة المؤرخون للمنطقة أن التعريف البنيوي الدقيق للدولة التاريخية لا ينطبق بالمعنى العلمي إلا على كيانات محدودة، في حين تظل بقية الكيانات المعاصرة مجرد دول وفقاً للتعريف القانوني الدولي، عاريةً من أي تماسك مؤسسي أو مجتمعي حقيقي.

تتبدى هذه الأزمة، التي يمكن وصفها بـ "مأزق الوطنية المحلية"، من خلال عدة تمظهرات بنيوية وتاريخية:

أزمة الشرعية وسلوك النخب: ترتبط الأزمة مباشرة بفشل النخب الحاكمة في تحقيق قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون. لقد تحولت الدولة الوطنية المعاصرة في كثير من الأحيان إلى أداة قهرية لنهب الموارد، وتجويف الطبقة الوسطى، وتدمير الوسائط الاجتماعية لصالح نخب تسلطية تحكم بالقوة والإقصاء.

التناقض الفلسفي بين الشكل والمضمون: يظهر هذا التناقض في تبني الشكل الخارجي للدولة الحديثة ببيروقراطيتها وقالبها القانوني القائم على سيادة الحدود، مع الاحتفاظ بباطن تقليدي يقوم على أنماط السلطة الأبوية والعصبيات الخلدونية المحدثة. وعند حدوث أي اهتزاز سياسي أو اقتصادي، يتلاشى هذا القشر الحداثي الهش ليطفو المضمون التقليدي (الطائفي والقبلي) كبديل وحيد لحماية الأفراد.

الجذور الاستعمارية المعطلة: يمتد هذا العجز إلى سياق تاريخي عطل فيه الاستعمار والتدخل الخارجي المسار الطبيعي لتطور المجتمعات نحو دول وطنية متكاملة. لقد احتفظ الغرب بالقواعد الدولية للسيادة لنفسه، وحرم بقية العالم منها، فارضاً حدوداً وكيانات هشة تفتقر للاندماج العقلاني والشرعية الداخلية.

تستثمر السياسة الأمريكية بذكاء في هذا العجز البنيوي؛ فالضعف الذاتي وغياب التكامل الإقليمي والعقلاني للدول يجعلها هشة أمام الضغوط الخارجية، وفريسة سهلة للمشروعات الإمبراطورية المتصارعة. وفي هذا السياق، تكف برامج الإصلاح السياسي المطروحة من الخارج عن كونها أداة للتحديث، لتصبح وسيلة للتدخل وابتزاز النخب الحاكمة الفاقدة لشرعيتها الشعبية.

الاستثمار الإمبراطوري في الهويات الفرعية

تأسيساً على المقاربة النقدية الفلسفية، لا يمثل التصالح الأمريكي مع المنظومات التقليدية من قبلية وطائفية مجرد قبول بأمر واقع، بل هو إستراتيجية إمبريالية واعية لإدارة التنوع المجتمعي بما يخدم أهداف الهيمنة. لقد استخدمت القوى الكبرى التعددية العرقية والمذهبية بانتظام كآليات للحكم والسيطرة غير المباشرة.

إن الصراعات الطائفية المعاصرة ترسم حدوداً اصطناعية وتنتج جماعات متخيلة بهدف الاستئثار بالدولة أو الصراع عليها، مستغلةً عجز الدولة الوطنية وفشلها في دمج مواطنيها على أساس المواطنة المتساوية.

هذا التطييف الممنهج واختراع مسميات جغرافية طائفية لم يكن تعبيراً موضوعياً عن تنوع المجتمع، بل كان إسقاطاً وتأويلاً إمبراطورياً أُعيد إنتاجه قسرياً على أرض الواقع عبر صياغة دستور ونظام سياسي يرسخ الانقسام البنيوي.

إن تصالح واشنطن مع هذه البنى التقليدية يوفر لها أدوات مثالية لتطبيق إستراتيجية التوازن من وراء البحار. فبدلاً من تحمل كلفة الوجود البري المباشر لمواجهة قوى وطنية موحدة، تسهم مأسسة الطائفية والقبلية في توجيه طاقات المجتمعات نحو صراعات بينية وأهلية مستدامة، مما يحول دون نشوء هويات وطنية جامعة أو محاور إقليمية مستقلة قادرة على تهديد المصالح الإمبراطورية أو الإخلال بتوازن القوى الملائم لواشنطن.

تحدي الوعي والبديل الصادم

إن الحقيقة الصادمة التي يتهرب العقل السياسي الإقليمي من مواجهتها هي أن "التوجّس الأمريكي" ليس دليلاً على تراجع الإمبراطورية أو قرب أفولها، بل هو المظهر الأكثر دهاءً لذكائها الإستراتيجي؛ إنها مهندسة الفوضى التي تدير العالم بالرماد لا بالحديد. إن الرهان المستمر للأنظمة والنخب العربية على تبدّل أمزجة البيت الأبيض، أو البحث عن مظلة حماية بديلة في الشرق أو الغرب، ليس سوى استمرار صريح في العيش داخل "صومعة الغفلة التاريخية".

إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في غدر الإمبراطوريات، بل في قابلية المجتمعات لـمأسسة التجزئة، وفي هذه البنى الهشة التي تستمرئ دور الضحية وتتطوع للعب دور "فئران التجارب" في مختبرات الإستراتيجيات الدولية. إن التحدي الفلسفي والوجودي الذي يواجه المنطقة اليوم يتجاوز مجرد المطالبة بإصلاحات سياسية شكلية أو ترقيعية لكيانات سايكس بيكو الهرمة؛ إنه تحدٍّ يفرض قطعاً إبستمولوجياً ومعرفياً كاملاً مع بنية الدولة التابعة برمتها.

إن الشرق الأوسط لن يخرج من "فخ الاحتمالات" إلا إذا تجرأت نخبه وشعوبه على تفكيك هذه "الهويات المتخيلة" والانتقال الصارم نحو عقلانية سياسية سيادية. وما لم تتأسس شرعية الحكم على عقد اجتماعي داخلي متين وعابر للولاءات الضيقة، فإن المنطقة ستبقى مجرد جغرافيا مستباحة، ومخزنٍ للموارد، وهامشٍ منسيٍّ تضبط إيقاع احتضاره البطيء حسابات التوجّس الأمريكي من وراء البحار.

***

غالب المسعودي

 

لو سألتني: هل يمكن للجامعة أن تخلق السوق من العدم؟ لأجبتك: نعم. يمكن للجامعة أن تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون أن المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية إلى جهة تجارية، كما لا نقصد أن الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد، لا بد أيضاً من إيضاح أننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزاً للمجتمع العلمي بكل تفرعاته، وليس عن عنوانها القانوني أو المكاني. بديهي أن حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيسي للجامعة. ومن هنا فإن الحديث يشمل أيضاً كل إطار يجري فيه إنتاج العلم أو استثماره. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الأفراد، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل إلى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضاً، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنوات شخصاً طامحاً إلى إنشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلاً في إنتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام، أصر هذا على أن صناعة المدرعات ليست من شأن الأفراد، وأن عليه أن يسلّم المشروع إلى الحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن، أخبرني أنه حصل على مال كثير، لكنه يشعر بأسى عميق، لأن ذلك المشروع قد مات، فقد سُلّم إلى أشخاص لا يفرّقون بين اقتناء المركبة وصناعتها، وكانوا يعتقدون أن شراء مركبة جاهزة موثوقة، من شركة معروفة، أفضل من إنفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا -بالطبع- يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك، وشراء مصنوعات الآخرين. أعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في أكثر التفاصيل، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

في كل الأمثلة، كان الجميع متفقاً على ضرورة تشجيع المبادرات، لكن قصر نظر بعض الناس جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير، في حين كان المبتكر يريد مواصلة العمل، وتذليل العقبات القانونية أو البيروقراطية التي يتمسك بها أشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال أن يأتيهم مبتكر من مكان ما، يتطلّع إلى صنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

أما وقد وصلنا إلى هذه النقطة فلا بد من القول إن بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع أو ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فإذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له أو الغريبة عن معتقداته وأعرافه، فهو يؤسّس ما نسميه «السوق الحرة للأفكار» الذي عدّه جون ستيوارت ميل، الفيلسوف الإنجليزي المعروف، أرضية ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. أما إذا قُوبلت تلك الأفكار بالتجاهل، أو تعرّض أصحابها للأذى، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون إلى الانكماش، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد، أو ربما يهجرون مجتمعهم إلى مجتمعات يظنون أنها أكثر تقبلاً للجديد.

يمكن للمجتمع أن يساعد المبتكرين، ويمكن له أن يفسح الطريق لهم، وإن لم يساعدهم. في كلتا الحالتين، يجب أن يتبنّى المجتمع عقيدة واسعة، تتسامح مع المختلف، وإن كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول إن الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة يتمثل في مساعدة المبتكرين الأذكياء على مواصلة عملهم، وخوض التحدي الذي ظنوا أنهم قادرون عليه، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات، وليس استغلالهم في الدعاية أو إقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالأشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة، أو -على الأقل- تتسامح مع أصحابها، جديرة بأن تتحول إلى حاضنة للإبداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه، أو تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل، فهذه أحرى بأن تتحول إلى ثلاجة للمبدعين أو ربما مقبرة.

***

توفيق السيف

منذ اللحظة التي وعى فيها الإنسان هشاشته فوق هذه الأرض، بدأ يبحث عن شيء يحميه من قسوة الحقيقة. لم تكن الحقائق دائمًا رحيمة، فهي تخبره بأنه فانٍ، وأن أحلامه قد تتكسر، وأن جهوده قد لا تُكافأ، وأن العدالة ليست حاضرة في كل مكان كما يتمنى. لذلك نشأت داخل النفس البشرية قدرة غريبة على صناعة الأوهام أو التشبث بها، باعتبارها آليات خفية للبقاء.

فحين نتحدث عن الوهم، فإننا غالبًا نمنحه دلالة سلبية. نراه نقيضًا للحقيقة، وعدوًا للعقل، وحجابًا يمنع الرؤية الواضحة. لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم الحاد. فليس كل وهم خداعًا رخيصًا، وليس كل حقيقة قابلة للاحتمال في كل الأوقات. هناك لحظات يصبح فيها الوهم أشبه بعكاز نفسي مؤقت، يمنح الإنسان القدرة على عبور مرحلة لا يستطيع اجتيازها بقوة الواقع وحده.

من ذلك نرى عديد النماذج لحالات إنسانية تعبر عن هذا، فالمريض الذي يصدق في أعماقه أنه سيتعافى، رغم أن المؤشرات لا تبدو مطمئنة، يعيش نوعًا من الوهم الجميل. والعاشق الذي يعتقد أن الغد سيكون أفضل، رغم كل الخيبات، يستند إلى صورة لم تتحقق بعد. والفقير الذي يواصل العمل سنوات طويلة وهو يتخيل حياة أكثر كرامة، إنما يتحرك بقوة فكرة لم تصبح واقعًا بعد. في كل هذه الحالات، يبدو الوهم كأنه طاقة كامنة تدفع الإنسان إلى الأمام.

ولعل المفارقة الكبرى أن الحضارة نفسها قامت على أوهام تحولت لاحقًا إلى حقائق. فقبل أن يطير الإنسان، كان الطيران حلمًا أقرب إلى الوهم. وقبل أن يصل إلى القمر، كان الأمر يبدو ضربًا من الخيال. إن كثيرًا مما نعتبره اليوم إنجازًا بدأ في الأصل بصورة ذهنية غير مؤكدة، وبإيمان يتجاوز حدود المعطيات المتاحة.

غير أن الوهم ليس دائمًا نعمة. فهناك أوهام تتحول إلى سجون مغلقة، حين تمنع الإنسان من رؤية العالم كما هو، أو تدفعه إلى إنكار الوقائع باستمرار. الفرق الجوهري يكمن في أن الوهم الصحي يمدّ الإنسان بالقوة إلى أن يواجه الحقيقة، بينما الوهم المرضي يجعله يهرب من الحقيقة إلى الأبد.

في العمق، لا يعيش الإنسان بالحقائق وحدها. إنه يعيش أيضًا بالمعاني، والرجاء، والاحتمالات، والتصورات التي يصنعها عن المستقبل. ولهذا فإن النفس البشرية لا تبحث دائمًا عن الواقع المجرد، بل عن واقع يمكن احتماله. أحيانًا يكون الوهم بمثابة جسر مؤقت بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الجرح والشفاء، وبين العجز والأمل.

وربما لهذا السبب لم يستطع البشر، عبر آلاف السنين، التخلي تمامًا عن الأحلام والأساطير والوعود والصور المثالية. فهم يدركون، بوعي أو دون وعي، أن الروح لا تقتات على الحقيقة وحدها. فكما يحتاج الجسد إلى الخبز، تحتاج النفس إلى شيء من الضوء البعيد، حتى وإن لم تكن متأكدة تمامًا من وجوده.

إن الإنسان لا يلجأ إلى الوهم دائمًا لأنه يكره الحقيقة، بل لأنه أحيانًا يحتاج إلى مساحة من الأمل تمكنه من احتمالها. وبين الحقيقة التي تجرح، والوهم الذي يواسي، تتشكل إحدى أكثر المعضلات الإنسانية عمقًا: كيف نستمر في العيش ونحن نعرف كل ما نعرفه عن هشاشتنا؟

لعل الجواب يكمن في أن الإنسان كائن لا يعيش بما يراه فقط، بل بما يتخيله أيضًا. وما دام المستقبل مجهولًا، فسيظل هناك دائمًا متسع لوهم صغير، يرافقه في الطريق، ويمنحه سببًا آخر كي يواصل المسير.

***

مجيدة محمدي ـ تونس

مقدمة: في التجربة الإبداعية يقف الشغف كقوة حيوية أولية، تتجاوز مجرد الدافع أو الاهتمام لتصبح حالة وجودية كاملة تجعل الإنسان يعيش الخلق كمصير وكمتعة عميقة في آن واحد. الشغف ليس مجرد حماس مؤقت، بل هو التزام عميق وعاطفي ومعرفي بالموضوع أو العمل الإبداعي، يجعل الفرد ينسى الزمن ويذوب في الفعل الخالق. التجربة الإبداعية، بدورها، هي لحظة يتجاوز فيها الإنسان ذاته المألوفة ليولد شيئاً جديداً: فكرة، عمل فني، اكتشاف علمي، أو رؤية فلسفية. هذه التجربة ليست آلية عقلية بحتة، بل هي عملية كلية تشمل الجسد والعقل والروح.

يأتي الشغف هنا كوقود أساسي يشعل هذه العملية، يدفع بها إلى أقصى حدودها، ويمنحها الاستمرارية والعمق. بدون شغف، يبقى الإبداع ممارسة روتينية باردة، أما معه فيصبح مغامرة وجودية تُعيد تشكيل الذات والعالم. تكشف هذه الدراسة عن أبعاد هذا الدور من خلال تحليل نفسي، فلسفي، ووجودي، مع التركيز على كيفية تشكيل الشغف لمسار التجربة الإبداعية ونتائجها. فكيف يمكن التعامل مع الشغف كمحرك أولي للإبداع؟

البعد النفسي: الشغف بين الدافع الداخلي والحالة المتدفقة

يبدأ دور الشغف على المستوى النفسي بتحويل الدافع من خارجي إلى داخلي خالص. عندما يكون الفرد شغوفاً بمجال ما – سواء كان الرسم أو الكتابة أو البحث العلمي – يصبح العمل الإبداعي غاية في ذاته وليس وسيلة للشهرة أو المكافأة المادية. هذا التحول يولد طاقة هائلة تتجاوز الإرهاق اليومي وتسمح بالاستمرار لساعات طويلة دون الشعور بالجهد كعبء. في هذا السياق، يرتبط الشغف ارتباطاً وثيقاً بحالة "التدفق" التي يصفها علم النفس، حيث يندمج الشخص تماماً مع النشاط الإبداعي، يفقد الوعي بالذات، ويشعر بتوازن مثالي بين التحدي والمهارة. الشغف هو ما يفتح باب هذه الحالة: هو الذي يجعل الفنان يرسم حتى مطلع الفجر، أو العالم يستمر في تجربته رغم عشرات الفشل. كما أن الشغف يعزز المرونة المعرفية والقدرة على تحمل الغموض.

التجربة الإبداعية مليئة بالمسارات المسدودة والأفكار الميتة؛ هنا يأتي الشغف كقوة دافعة تحول الإحباط إلى وقود لمحاولات جديدة. إنه يغذي الفضول الدائم، فيصبح الإبداع عملية استكشاف مستمرة بدلاً من إنتاج روتيني. ومع ذلك، يحمل الشغف جانباً مزدوجاً: إذا لم يُدار، قد يتحول إلى هوس يؤدي إلى الإرهاق أو الاحتراق، مما يجعل التجربة الإبداعية ممراً للألم قبل أن تكون مصدراً للفرح.

البعد الفلسفي والوجودي: الشغف كتجاوز للذات

من المنظور الفلسفي، يمثل الشغف تجسيداً للرغبة في الخلود والتجاوز. عند نيتشه، يرتبط الشغف بالقوة الحيوية التي تدفع الفنان إلى خلق قيم جديدة وأشكال جمالية تتجاوز النظام القائم. التجربة الإبداعية تصبح هنا لحظة "ديونيزيسية" يذوب فيها الفرد في الطاقة الكونية، ويولد منها شيئاً أعلى من نفسه.

أما في التراث الرومانسي، فيُرى الشغف كحالة إلهام شبه مقدس يرفع المبدع إلى مرتبة النبي أو المكتشف. الشاعر أو الموسيقي الشغوف لا يختار موضوعه، بل يُختار من قبله؛ يصبح وسيطاً بين الواقع والمثال. وجودياً، يمنح الشغف التجربة الإبداعية معنى عميقاً في عالم يتسم بالعبث. إنه يجيب على سؤال "لماذا أخلق؟" بإجابة بسيطة ومطلقة: "لأنني أحب، ولأن هذا الحب يجعل وجودي جديراً بالعيش".

في هذا السياق، يتحول الشغف إلى جسر بين الذات والعالم. المبدع الشغوف لا يرى في عمله مجرد منتج، بل امتداداً لوجوده. اللوحة أو الكتاب أو النظرية العلمية تصبح جزءاً من سيرته الذاتية، تحمل بصمته العاطفية والفكرية. هذا الاندماج يمنح التجربة الإبداعية أصالة نادرة، تجعل العمل يتجاوز الزمن ويخاطب الآخرين على مستوى وجودي.

الشغف في حقول الإبداع المتنوعة

يتجلى دور الشغف بشكل خاص في مختلف الحقول الإبداعية. في الفنون التشكيلية والأدبية، يكون الشغف هو ما يحول التقنية إلى تعبير حي. الفنان الشغوف لا يكتفي بإتقان المهارة، بل يبحث عن الحقيقة العاطفية والجمالية التي تلامس الروح. قصيدة مكتوبة بشغف تحمل نبضاً مختلفاً عن أخرى مكتوبة ببرودة مهنية. في العلوم، يدفع الشغف العالم إلى رؤية ما وراء الحقائق المعروفة. نيوتن وأينشتاين وكوري لم يكونوا مجرد باحثين، بل كانوا شغوفين بأسرار الكون، مما جعلهم يقضون سنوات في تأمل وتجربة. الشغف هنا يولد الحدس العلمي، ذلك الومض الذي يسبق البرهان المنطقي. أما في مجال الابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال، فيحول الشغف الفكرة إلى مشروع يتغلب على العقبات المالية والإدارية. ستيف جوبز كان يتحدث عن "الحب" للمنتج، وهو ما جعل منتجاته تحمل طابعاً إبداعياً فريداً.

تحديات الشغف وشروط إنضاجه

رغم أهميته، ليس الشغف ضماناً تلقائياً للإبداع الناجح. قد يؤدي الشغف غير المنضبط إلى تشتت أو تعصب فكري يرفض النقد. كما أنه قد يتعارض مع متطلبات الحياة اليومية، فيولد صراعاً بين الالتزام العائلي أو الاجتماعي والتفاني الإبداعي. لذا، يحتاج الشغف إلى تهذيب وانضباط. التجربة الإبداعية الناضجة تجمع بين الشغف الحار والصبر البارد، بين الحماس والانضباط. المبدع الكبير هو من يعرف كيف يحول شغفه إلى نظام عمل يومي، وكيف يجدد هذا الشغف عندما يخبو. هنا تظهر أهمية البيئة الداعمة، القراءة المستمرة، والتفاعل مع الآخرين كعناصر تغذي الشغف وتمنعه من التحول إلى جمود. فماهي التأثيرات الكارثية والمباركة على الوجود البشري؟

يمتد تأثير الشغف في التجربة الإبداعية إلى مستوى وجودي عميق. مباركاً، يمنح الفرد شعوراً بالكمال والتحقق الذاتي، يجعل الحياة أكثر كثافة ومعنى. المبدع الشغوف يعيش حياة أغنى، حتى لو كانت مليئة بالتضحيات. أما كارثياً، فقد يؤدي الشغف المطلق إلى عزلة، أو تضحية بالصحة، أو حتى جنون إبداعي كما حدث لبعض العباقرة. ومع ذلك، تبقى هذه المخاطر جزءاً من رهان الإبداع: المغامرة بكل ما فيها من جمال وألم.

خاتمة:

في نهاية المطاف، يُعد الشغف السر الأعمق والمحرك الأساسي للتجربة الإبداعية. هو ما يحول الجهد العقلي إلى رقصة روحية، وما يجعل الإنسان قادراً على خلق ما لم يكن موجوداً. بدون شغف، يبقى الإبداع حرفة؛ وبه يصبح مصيراً وشهادة على حيوية الروح البشرية.في عصر يسيطر فيه الإنتاج الآلي والذكاء الاصطناعي، يبقى الشغف العنصر الإنساني الأصيل الذي لا يمكن استبداله. إنه الدعوة الدائمة لكل فرد ليبحث عما يشعل فيه النار الداخلية، ويجعله يخلق بكل وجوده. الشغف ليس رفاهية، بل هو الشرط الأول لأي تجربة إبداعية حقيقية تستحق أن تُسمى إنسانية. فكيف يمكن اعتبار الشغف كسرّ التجربة الإبداعية؟ وماهي علاقة الشغف بالذكاءات المتعددة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ثمة فرق بين التخلف والسوبر تخلف. الشعب المتخلف هو الشعب الذي لا ينتج ما هو مفيد للعالم والبشرية بينما الشعب السوبر متخلف فهو الذي يطوّر التخلف من خلال استخدام العلم من أجل التجهيل. السوبر تخلف هو تقديم العِلم على أنه جهل وتقديم الجهل على أنه عِلم. السوبر تخلف هو تطوير التخلف من خلال استغلال العلوم والتكنولوجيا من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب. قانون السوبر تخلف هو التالي: السوبر تخلف = التكنولوجيا ÷ العِلم. وبذلك مع ازدياد استخدام التكنولوجيا وتناقص العِلم (أي تناقص قبول العِلم وعدم المشاركة في إنتاج العلوم)، يزداد تطوّر التخلف. السوبر تخلف سائد في الشرق والغرب معاً. مثل ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية لتقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل ورفع رايات التجهيل والتعصب.

العِلم خالٍ من اليقينيات فالنظريات العلمية تُستبدَل بشكل دائم بنظريات علمية أخرى مختلفة. وبما أنَّ العِلم يخلو من اليقينيات، إذن بقبول العِلم والمشاركة في إنتاجه نتحرّر من يقينياتنا المُسبَقة مما يحرِّرنا من التعصب فيسمح بنشوء مجتمعات سلمية ومسالمة. وعلماً بأنَّ العِلم يحرِّرنا من اليقينيات والتعصب وهو بذلك ضمانة التحرّر الفكري فالسلوكي، إذن رفض العِلم وعدم المشاركة في إنتاجه يؤديان إلى سيادة اليقينيات والتعصب فزوال الحريات الفكرية والسلوكية مما يدفع إلى استخدام التكنولوجيا للدفاع عن يقينياتنا المطلقة ضد الآخرين ومعتقداتهم. من هنا، مع زيادة استخدام التكنولوجيا (كزيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي) وتناقص قبول العِلم وزوال المشاركة في إنتاج العلوم، يسود التعصب وتهيمن اليقينيات مما يحتِّم سيادة السوبر تخلف الكامن في استخدام التكنولوجيا للتعبير عن تعصبنا ليقينياتنا المطلقة ورفضنا للآخرين ومعتقداتهم. هكذا يولد السوبر تخلف ويَسود من خلال رفض العِلم المؤدي لا محالة إلى استغلال التكنولوجيا لنشر التعصب والجهل والتجهيل بهدف الدفاع عن يقينياتنا الكاذبة. فالحضارة تكمن في إنتاج العلوم. وبذلك رفض العلوم يحتِّم زوال الحضارة فسيادة السوبرتخلف.

لكن السوبر تخلف قد تطوّر وأمسى سوبر تخلفاً فائقاً. من معالم السوبر تخلف الفائق استخدام العلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة. فبينما من المفترض أن تكون العلوم والمعارف أعمدة بناء الحضارة والإنسان، أصبحت العلوم والمعارف أدوات لقتل الإنسان وإنسانيته وحضارته. مثل على السوبر تخلف الفائق الكامن في استغلال العلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة هو استخدام الذكاء الاصطناعي لارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر اليومية كما حَدَث ويحدث في فلسطين ولبنان مثلاً. فبدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي مصدراً للمعرفة والعلوم، أمسى أداة قتل واقتتال. استغلال علوم الذكاء الاصطناعي ومعارفه لارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر استغلال للعِلم والمعرفة من أجل تدمير الحضارة وإنسانية الإنسان. لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بتغييب العقل والتفكير والبحث العلمي من خلال تقديم إجابات سريعة على أيّة أسئلة وتساؤلات بل تحوّل أيضاً إلى أداة قمع واضطهاد من جراء ممارسته للإرهاب بقتل الأبرياء في الإبادات الجماعية والمجازر بالإضافة إلى ممارسته للسوبر إرهاب الفكري الكامن في تضليل العقول من خلال تقديم إجابات مُحدَّدة على أيّ سؤال فكري فلسفي أو علمي بينما الحقيقة هي أنه لا توجد إجابات مُحدَّدة في الفلسفة والعلوم بل ثمة خلاف فكري حيال كلّ مسألة فكرية فلسفية وعلمية مما يناقض ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي الكاذب.

أما المعادلة الأساسية المُعبِّرة عن السوبر تخلف الفائق فهي التالية: السوبر تخلف الفائق = تلقي المعلومات ÷   إنتاج المعرفة. فمع زيادة تلقي المعلومات وتناقص إنتاج المعرفة، يفقد الإنسان إنسانيته ويتحوّل إلى آلة مما يجعله يستخدم المنجزات الحضارية كالعلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة والإنسان. حين يغدو الفرد متلقياً للمعلومات بدلاً من أن يكون مُنتِجاً للمعرفة، يصبح عندئذٍ كينونة منفعلة بالمعلومات التي يتلقاها بدلاً من أن يكون فعّالاً في إنتاج المعرفة. وبذلك يخسر الفرد إنسانيته الكامنة في الإبداع المتمثل في بناء المعرفة على ضوء التفكير المنطقي والعلمي. وبفقدان إنسانيته يستغل الفرد المعارف والعلوم وما تتضمن من تكنولوجيا لتدمير الإنسان وحضارته كأن يشارك في ارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر من خلال مثلاً استخدام معلومات الذكاء الاصطناعي لتحديد مَن سيقتل وكيف سيقتله. لقد أمسى السوبر تخلف الفائق المنظومة الأساسية السائدة في الشرق والغرب معاً. فمعظم البشر ليسوا سوى متلقين للمعلومات بدلاً من أن يكونوا منتجين للمعرفة وذلك مثلاً من خلال اعتمادهم على التلفون الذكي كمصدر للمعلومات بدلاً من المساهمة في الإنتاج المعرفي والإبداع الحضاري.

ثمة فرق بين المعلومات والمعرفة. فالمعلومات إما صادقة وإما كاذبة والحصول عليها يجعلنا مجرّد متلقين بينما المعرفة صادقة بالضرورة المنطقية والعلمية ولا تتحصَّل سوى من خلال المشاركة في إنتاجها على ضوء التفكير المنطقي والاستنتاج العلمي. وبذلك المعلومات تحوِّلنا إلى كينونات منفعلة بينما المعرفة تمكّننا من امتلاك إنسانيتنا من خلال جعلنا فعّالين في إنتاجها. على أساس هذه الاعتبارات، معظم شعوب الأرض فقدت تحضّرها وإنسانيتها لأنها مجرّد كينونات منفعلة مستهلكة لمعلومات مُحدَّدة سلفاً مما مكَّن من سيادة السوبر تخلف الفائق.

***

حسن عجمي

 

ملخص: تظل مشاكل الإنسان في العموم، مشاكل ثقافيّة، أي مشاكل معرفة، جوهرها تلك الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه ثم محاولته الاجابة عليها. وبقدر ما يحوز الفرد والمجتمع على وعي عالٍ بمشاكله، بقدر ما تكون أسئلته وأجوبته على درجة عالية من الصواب.

موضوع دراستنا هو محنة الثقافة. أي محنة المعرفة، وخاصة في عالم الأطراف ومنه عالمنا العربي. هذه المحنة التي لم تزل تنوس بين ماضي مفوّت حضاريّا لم يزل يفرض حضوره بقوة في كل مستويات حياتنا الماديّة والروحيّة، وبين معرفة حداثيّة تحاول هز شجرة معرفتنا التقليديّة والعمل على إسقاط الثمار التي جفت وفسدت ولم تعد صالحة للتناول من جهة، ثم العمل على تطعيم ما تبقى من ثمار صالحة للتناول في هذه الشجرة من ثمار معرفيّة، بمعرفة جديدة فرضها التطور العلمي وقضايا الإنسان المعاصر.

عناصر الدراسة:

1- مفهوم الثقافة.

2- أهمية التطور العلمي والتكنولوجي على ثقافة المركز والأطراف.

3- - التركيب الثقافي في مجتمعات ودول الأطراف وحالة الخلل الثقافي فيها.

4- - أسئلة الثقافة في دول ومجتمعات الأطراف.

5- خاتمة،

1- في المفهوم

بداية نقول: ليس المقصود بالثقافة هنا المعنى الشائع لها، أي بكونها جملة العناصر المجسّدة والموضوعيّة للممارسة الإنسانيّة في اتجاهيها المادي والروحي فحسب، بقدر ما نعني بها أيضاً، (مجموع الرؤى والقيم الداخليّة النشطة، التي تمثل التعبير الهادئ عن التجربة اليوميّة الفرديّة والجماعيّة للناس الذين يعيشون هذه التجربة بأنفسهم.). (1). فالثقافة بهذا المعنى لم تعد نتاج النشاط الإنساني المادي والروحي فحسب، بل كذلك صيرورة الإنسان نفسه التاريخيّة النشطة، التي حازت على إنسانيتها ووعيها بهذه القيمة الإنسانيّة، عبر علاقتها المباشرة مع الطبيعة والمجتمع.‏

بهذا الفهم المنهجي لمعنى الثقافة، نعود ثانية لموضوعنا الأساس عنوان هذه الدراسة لنقول أيضاً: ليس من السهل على الدارس أو المطلع فهم العمليّة الثقافيّة بمعناها المشار إليه أعلاه في النطاق العالمي، وخاصة في العصرين الحديث والمعاصر، فهماً دقيقاً دون الأخذ بالاعتبار عامل تقويم الفكر العلمي ـ التكنولوجي لأوربا وما حققته الحداثة فيها. وكذلك دون حساب تسرب هذا الفكر إلى الممارسة الاجتماعية، وشكل وعمق ترسبه في التجربة الداخليّة للمجتمعات البشرية التي أخذت بإنتاجه وممارسته بأشكال مختلفة، وفي أوساط اجتماعية أثنية وثقافيّة مختلفة أيضاً. وبالتالي ما أفضت إليه عمليتي الإنتاج والممارسة من ردود أفعال إنسانيّة متعددة الاتجاهات والألوان والمستويات، ما بين القبول والرفض لهذا الفكر.

2- أهمية التطور العلمي والتكنولوجي على ثقافة المركز والأطراف:

على العموم إن كل خطوة تخطوها البشريّة في مجال تطور طابع القوى المنتجة وملحقاتها الاجتماعيّة والفكريّة، يرافقها بالضرورة خطوات أخرى في تطور المجال الروحي ـ السيكولوجي لهذه البشريّة. فالتطور الذي حدث في مجال المعرفة الماديّة والروحيّة لأوروبا منذ قيام الثورة الصناعيّة، أثر تأثيراً شاملاً وقوياً في معظم جوانب نشاط الإنسان (الفرد والمجتمع)، ليس في أوربا فحسب، بل وفي عالم الأطراف، إن كان على مستوى الوعي الاجتماعي والفردي، أم على المستوى النفسي والسلوكي للفرد والمجتمع. أي بمعنى آخر: لقد حدث (تأثير) على مجمل النشاطات الماديّة والاجتماعيّة والروحيّة التي يمارسها الإنسان. بيد أن ما أحدثته الثورة العلميّة / التكنولوجيّة في أوروبا، هذه الثورة التي ابتدأت أسسها المنهجية مع قيام الثورة الصناعيّة من تغيير لوجه العالم الحديث والمعاصر، لم يكن تأثيرها المادي والروحي على كل مجتمعات أوروبا والأطراف واحداً عبر أوساطها الاجتماعيّة. ففي دول الأطراف عامة، ومنها وطننا العربي على وجه الخصوص، راحت نتائج هذه الثورة تسير سيراً بطيئاً ومتنوعاً ومعقداً للغاية. إضافة إلى أنها أخذت أيضاً تتحقق هنا وهناك من دول الأطراف عموماً بأشكال مختلفة، وعلى مستويات متفاوتة، إن كان على المستوى الوطني أو الدولي أو المحلي، وأخيراً على المستوى الاجتماعي في اتجاهاته الإثنيّة والدينيّة...الخ.‏

نعم إذا كانت الثورة العلميّة / التكنولوجيّة (2) الحديثة والمعاصرة تحمل في كل حالة من حالاتها التي تحدث في البلدان المنتجة لها ـ أي أوروبا هنا ـ طابعاً اجتماعيّاً منسجماً في مكوناته، إلا أنها تحمل في البلدان النامية ـ الأطراف ـ طابعاً أكثر خصوصية، والسبب في ذلك يعود أساساً، لكون الذي يقوم بإنتاج المعرفة واستهلاكها، غير الذي يقوم باستهلاكها فقط. فمجتمعات الإنتاج والاستهلاك المعرفي (العلمي ـ التكنولوجي)، تمتاز عن غيرها بكونها عبر عملية الإنتاج والاستهلاك هذه، استطاعت أن تخلق مجتمعات أكثر انسجاماً مع الذات، هذا الانسجام الذي راح يتجلى بخاصة في القدرة على ردم الهوة ما بين الماضي والحاضر لشعوب تلك المجتمعات. فالتطور العلمي ومفرزاته، خلقا إنساناً جديداً منسجماً مع واقعه ـ على الأقل ـ الذي أنتجه هو بنفسه، بمعاناته، لذلك لم يعد هذا الواقع غريباً عنه كي يدفعه للبحث عن فردوسه المفقود، برغم كل ما يحمله هذا الواقع المعاش من ظلم وقهر ومآسٍ لـه. إضافة إلى ذلك، هناك مسألة هامة ساعدت على خلق ذاك الانسجام مع الذات، لابد من الإشارة إليها هنا، وهي إنه، كلما تطورت وسائل الإنتاج، كلما ولدت مع تطورها مجالات جديدة للإنتاج، وبالتالي، زج الإنسان المنتج نفسه لممارسة نشاطه عبر هذه المجالات التي ستخلق عنده بالضرورة مهارات وسلوكيات ووعياً جديداً يتناسب مع طابع الإنتاج الجديد. أي إن الإنسان يبدل ذاته دائماً ماديّاً وروحيّاً، في كل مرة يمارس فيها عملاً جديداً. ففي العمل حقاً يبدل الإنسان في الطبيعة ويبدل في نفسه أيضاً.‏

أما في دول أو مجتمعات الأطراف ومنها عالمنا العربي، فحالة الانسجام مع الذات تُفتقد هنا، بسبب استمراريّة تعايش وتفاعل عناصر التقليد المتجذرة في هذه المجتمعات وعدم قدرتها على الانسجام مع الصناعات المبكرة، وما يرافقها من علاقات اجتماعيّة وثقافيّة جديدة فرضتها التكنولوجيا المستوردة.

3- التركيب الثقافي في مجتمعات ودول الأطراف وحالة الخلل الثقافي فيها:

إن حالة التركيب الثقافي المعقد القائم ما بين القديم والجديد في مجتمعات الأطراف ومنها وطننا العربي على سبيل المثال، هي التي تحدد بدورها حالة الخلل والتمايز الثقافي بين هذه المجتمعات والمجتمعات الأوروبيّة المتقدمة. وبالتالي فإن عملية كشف آليّة التركيب القائم ما بين التطور العلمي / التكنولوجي، ومفرزاته الماديّة والاجتماعيّة والروحيّة في الغرب، مع الوضعيّة الثقافيّة لبلدان الأطراف يدفعنا للنظر في التالي:‏

أولاً: إن غياب مسألة إنتاج العلم / التكنولوجيا المتطورة في هذه البلدان، لم يساعد على خلق علاقات إنتاج جديدة، وما يرافقها من علاقات اجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة تتناسب معها، الأمر الذي أبقى الهوة واسعة ما بين الماضي التقليدي بكل ثقله، والحاضر، فالماضي لا زال قويّاً ومتماسكاً في بلدان الأطراف.‏

ثانياً: إن سيادة الماضي بكل ثقله، يعني بقاء الوجود الاجتماعي محافظاً على طبيعته منذ مئات السنين، أي عدم وجود تطور في المجتمع بمفهومه الواسع، وبالتالي عدم خلق علاقات إنتاجيّة جديدة تولد بالضرورة قوى اجتماعية جديدة لها مصلحة حقيقيّة في تحقيق التطور. أي فقدان الحامل الاجتماعي المؤهل لقيادة عبء المشروع الثقافي / النهضوي القادر على تحقيق التوازن مع الذات الفرديّة والاجتماعيّة.‏

4- أسئلة الثقافة في دول ومجتمعات الأطراف:

إن ما تقدمنا به أعلاه، يدفعنا للتساؤل هنا:‏

أـ ما مدى قابلية ثقافة الأطراف التقليديّة لتقبل التفكير العلمي / التكنولوجي الحديث، واستخدام نتائجه في الحياة اليوميّة... وبالتالي القدرة أيضاً على المساهمة في إنتاج مثل هذا الفكر وتطويره؟‏

ب ـ ما هي درجة تشبع مجتمعات الأطرف بالنجاحات التي حققتها التكنولوجيا الحديثة، وما مدى استعداد الجماهير للتكيف مع نجاحاتها؟‏

ج ـ كيف نستطيع الجمع ما بين عناصر المعارف الغربيّة العلميّة / التكنولوجيّة، ومعطيات ثقافة الأطراف التقليديّة؟. وما هي العلاقة بين الثابت والمتحول في هذه الثقافة؟ وكيف السبيل إلى اجتياز بوتقة الحضارة العلميّة ـ التكنولوجية المتقدمة دون فقدان الذات؟.‏

إن مسألة طرح هذه الأسئلة يظل الهاجس وراءها عدم تشكل ثقافة طرفيّة قادرة على تحقيق الانسجام مع الذات. وذلك بسبب غياب مكونات المشروع الثقافي / النهضوي، والذي يأتي في مقدمتها غياب الحامل الاجتماعي لهذا المشروع أولاً، ثم ثقل الموروث الثقافي التقليدي ثانياً، وهناك حالة التمايز والتفاوت في التطور ما بين المركز (المسيطر) والأطراف (التابع) ثالثاً.‏

أما السؤال عن كيفيّة تجاوز هذه المعوقات، فهذه مسألة أخرى!!‏

5- خاتمة:

ملاك القول هنا: تظل في الواقع تلح علينا الحقيقة لتأكيد مسألة منهجيّة أساسيّة هي: إن الأشكال والتكوينات الثقافيّة الرئيسة التي تراءت عبر التجربة الثقافيّة في التاريخ، وخاصة في تاريخ التفاعل الزماني والمكاني للشعوب، ولمختلف مراحل التاريخ والحضارات والمناطق والبلدان، لا يمكن تقديمها بمعزل عن تحديدها البشري.أي خارج الشخصيّة الإنسانيّة. فالديناميكيّة الثقافيّة لمجتمع الأطراف في شكلها الحالي، تظل في الواقع نتاج تفاعل شروط اجتماعيّة و ثقافيّة محليّة، مع كثرة من الاتجاهات العمليّة التاريخيّة العالميّة، الحديثة والمعاصرة التي ولدت في حضارات شعوب أخرى، وفي ظروف ثقافيّة تاريخيّة أخرى أكثر منها نتاجاً للتطور التاريخي.‏

نعم، إن الثقافة الحديثة تمثل لمجتمع الأطراف ومنها وطننا العربي، طرازاً جديداً من المعارف، وبالتالي، طرازاً جديداً من التنظيم الذهني والروحي، وكذلك نمطاً جديداً لشخصيّة جديدة.‏

وعلى ما يبدو، لا زالت الثقافة العربيّة ـ بمفهومها المشار إليه أعلاه، ومن ضمنها الشخصيّة العربيّة، غير قادرة على استلهامها والتفاعل معها بطريقة إيجابيّة أو حتى إنتاجها.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سورية

..................

الهوامش:‏

1ـ ارتقاء المجتمعات الشرقية، مجموعة من الباحثين، ترجمة، حسان اسحق، دار الأهالي 88 دمشق، ج3، ص 26.‏

2ـ تأتي التكنولوجيا هنا بمعناها الواسع على أنها: (مجموع المعارف والخبرات المتراكمة والمتاحة، مضافاً إليها، الأدوات والوسائل العادية والتنظيمية والإدارية التي يستخدمها الإنسان في إدارة عمل ما، أو وظيفة ما، في مجال حياته اليومية، لإشباع الحاجات المادية والمعنوية على مستوى الفرد والمجتمع). راجع مجلة الوحدة، العدد، 55، عام 1989، ص 7.‏

 

يمثل العمر الإنساني إحدى أعظم الهبات التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان؛ إذ جعله وعاءً للعمل، ومجالا للتكليف، وفرصة لبناء الذات وعمارة الأرض وتحقيق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها. وليس العمر مجرد عدد من السنوات يتقلب فيه الإنسان بين الميلاد والموت، بل هو رصيد وجودي وأخلاقي وروحي، تتحدد قيمته بما يملؤه الإنسان من علم وعمل وخير وإصلاح. ومن هنا كان الوعي بحقيقة العمر وكيفية استثماره من أهم القضايا التي شغلت الفكر الديني والفلسفي والإنساني عبر العصور.

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون عمر الإنسان محدودا، لأن محدودية الزمن هي التي تمنح الحياة معناها، وتجعل الإنسان أكثر إدراكا لقيمة اللحظة وأهمية الإنجاز. ولو كان العمر ممتدا بلا نهاية لفقد الإنسان كثيرا من دوافع السعي والعمل والمسؤولية. ولذلك ارتبط الزمن في الرؤية الإسلامية بالحساب والجزاء؛ فالإنسان مسؤول عن أيامه وسنواته، وعن كيفية إنفاقها فيما ينفع أو يضر. ومن هنا جاء التأكيد على أن العمر نعمة لا تقاس بطوله وحده، وإنما ببركته وأثره وما يحققه صاحبه فيه من نفعٍ لنفسه ولمجتمعه.

وتتجلى أهمية العمر في كونه المجال الحقيقي لتكوين الإنسان أخلاقيا وفكريا وروحيا؛ ففيه يتعلم، ويخطئ، ويتوب، وينضج، ويختبر معاني النجاح والفشل، والقوة والضعف، والفرح والحزن. وهذه التجارب جميعها ليست عبثا، بل هي جزء من التربية الإلهية للإنسان حتى يزداد وعيا بنفسه وبخالقه وبالحياة من حوله. ومن هنا فإن إهدار العمر في اللهو الفارغ أو الصراعات الصغيرة أو الأحقاد والضغائن وتدبير المؤامرات للآخرين يمثل خسارة حقيقية؛ لأن الزمن إذا مضى لا يعود، ولأن الإنسان لا يملك في النهاية سوى ما صنعه في عمره من أثرٍ طيب وعملٍ صالح.

إن استغلال العمر استغلالا صحيحا يقوم على جملة من المبادئ:

 أولها/إدراك قيمة الوقت، فالأمم المتقدمة لم تنهض إلا حين أدركت أن الزمن أساس الحضارة، وأن احترام الوقت احترام للحياة ذاتها.

 وثانيها/ أن يوازن الإنسان بين مطالب الروح والجسد، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، فلا يطغى جانب على آخر. وثالثها/ أن يجعل الإنسان لنفسه رسالة أو هدفا يسعى إليه؛ لأن الحياة التي تخلو من المعنى تتحول إلى مجرد تكرار يومي يفقد الإنسان حيويته وطمأنينته.

كما أن الفلسفة الحصيفة في التعامل مع العمر تقتضي من الإنسان أن ينظر إلى الحياة باعتبارها فرصة للإصلاح والبناء لا للهدم والعداوة. فالعاقل هو من يحول سنواته إلى مواسم للعطاء والتسامح والمعرفة، ويجعل من تجاربه ـ حتى المؤلمة منها ـ وسائل للنضج واكتساب الحكمة. أما من يستهلك عمره في الحسد والصراع والفراغ، والاضرار بالآخرين والكيد لهم فإنه يحول النعمة إلى نقمة، ويخرج من الحياة مثقلا بالندم والخسارة المعنوية.

ومن الحكمة كذلك أن يدرك الإنسان أن جمال العمر لا يرتبط بالشباب وحده، بل بما يتركه المرء من أثرٍ كريم وسيرةٍ حسنة. فكثير من الناس طالت أعمارهم ووصلوا لأرذل العمر دون أن يتركوا أثرا يذكر، بينما خلد التاريخ آخرين لأنهم أحسنوا استثمار أعمارهم القصيرة في العلم أو الإصلاح أو خدمة الإنسانية. ولذلك كانت القيمة الحقيقية للعمر في عمقه لا في امتداده، وفي بركته لا في عد سنواته.

خلاصة القول: إن العمر أمانة إلهية عظيمة، وهبة ربانية تستوجب الشكر بالحسن في استثمارها، لا بإضاعتها وإهدارها. والإنسان الحكيم هو الذي يدرك أن كل يوم يمر من عمره إنما يقربه من نهايته، فيجعله يوما عامرا بالخير والعمل والمعرفة والمحبة. فإذا أحسن الإنسان إدارة عمره صار العمر نعمة مباركة، ووسيلة للسمو الإنساني والروحي، أما إذا فرط فيه وغفل عن قيمته تحول إلى مصدر للحسرة والندم. ولذلك يبقى حسن استثمار العمر من أعظم صور الحكمة، ومن أصدق الدلائل على وعي الإنسان بحقيقة وجوده ورسالة حياته.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

دراسة تحليلية نقدية في تعدد المقاربات وتكاملها

يُعدّ سؤال: «لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟» من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر العربي الإسلامي الحديث، إذ شغل بال المفكرين منذ القرن التاسع عشر، ولا يزال حاضرًا في النقاشات المعاصرة. وهو، في حقيقته، ليس سؤالًا مستحدثًا، بل يمتد في جذوره إلى التراث الفكري، ولا سيما عند ابن خلدون، الذي قدّم تحليلًا مبكرًا لظواهر العمران البشري، وديناميات النهوض والانهيار الحضاري، من خلال مفاهيم العصبية، والعمران البدوي والحضري، ودور العلوم والصنائع في تطور المجتمعات.

وفي سياق النهضة الحديثة، قدّم رفاعة الطهطاوي تصورًا للتقدم قائمًا على ثنائية التمدن المعنوي والمادي، كما عرض في مؤلفاته، حيث ربط بين رقي الأخلاق والعادات من جهة، والتقدم في المنافع العمومية والعلوم والصناعات من جهة أخرى، مؤكدًا أن العمل والمعرفة يشكلان أساس الحضارة. وفي الاتجاه ذاته، رأى علي مبارك أن اتساع دائرة العلم كان العامل الحاسم في انتقال أوروبا من التخلف إلى التقدم، وأن تراجع الأمة الإسلامية يعود إلى تراجع مكانة العلم وأهله، والانحراف عن المصالح العامة.

أما المقاربة السياسية، فقد تجلت بوضوح عند خير الدين التونسي، الذي ربط التقدم العمراني بتحقيق العدل والحرية، معتبرًا أن النهضة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح سياسي يحدّ من الاستبداد، ويؤسس لنظام قائم على القانون. وفي السياق نفسه، أكد عبد الرحمن الكواكبي أن الاستبداد السياسي يمثل العلة الجوهرية للتخلف، وأن التحرر منه شرط لازم لقيام مجتمع قائم على الشورى والتمثيل.

ومن منظور أخلاقي، قدّم مصطفى الغلاييني تفسيرًا يُرجع التخلف إلى فساد الأخلاق وضعف التربية، مؤكدًا أن ازدهار الأمم أو انحطاطها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومتها القيمية. فالأخلاق، في تصوره، ليست مجرد بعد فردي، بل هي أساس البناء الحضاري، وشرط قيام مجتمع حيّ قادر على النهوض.

وفي محاولة أكثر شمولًا، خصّص شكيب أرسلان مؤلفًا كاملًا للإجابة عن هذا السؤال، حيث رأى أن الإسلام كان عاملًا رئيسًا في نهضة المسلمين، غير أن التخلف اللاحق لا يعود إلى الدين ذاته، بل إلى الانفصال عن تعاليمه وقيمه. وقد أرجع أسباب التأخر إلى عوامل أخلاقية، مثل الكسل والجمود وفقدان الحافز، وعوامل فكرية، كضعف العلم والانغلاق الذهني، داعيًا إلى استعادة روح العمل والاجتهاد.

أما مالك بن نبي فقد أجاب عن هذا السؤال موضحًا أن السبب الكامن وراء هذه الحالة يتمثل في غياب منهج واضح للإصلاح، وانعدام نظرية محددة المعالم من حيث الوسائل والأهداف؛ فلا توجد دراسة عميقة تحليلية لأمراض المسلمين الفكرية، ولا تصور دقيق للحلول والمقترحات الممكنة. وقد ركّز مالك في تحليله لهذه الأمراض على مستوى الفرد والمجتمع، دون أن يمنح الدولة أو الإصلاح السياسي القدر نفسه من الاهتمام، على خلاف ما نجده عند الأفغاني. ومن ثمّ، يؤكد ضرورة إزالة شوائب المجالين الفكري والروحي قبل الشروع في أي حركة إصلاحية؛ إذ أصبح الفكر الإسلامي، في نظره، كالحقل البور الذي نمت فيه نباتات طفيلية، مثل الذرّية، والنزوع إلى المديح، والجدل العقيم، والحرفية، والتشبث بأذيال الماضي.

وأوضح أن الإصلاح في الفكر العربي مرّ بعدة مراحل، لكل مرحلة منها رؤيتها الخاصة؛ فكانت المرحلة الأولى ذات طابع ثوري، تدعو إلى الهدم بغية إعادة البناء، وقد تمثلت في فكر الأفغاني. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة الفكر المنهجي، الذي يسعى إلى التشذيب، وتحرير النظام القائم من أوزار التقاليد، وفق منهج مرسوم يقوم على التمييز بين الخبيث والطيب، وهو ما نجده عند ابن باديس ومحمد عبده.

غير أن المصلحين أنفسهم أسهموا، بدرجة ما، في إرجاع الحركة الإصلاحية إلى الوراء؛ إذ ظل الجدل مسيطرًا على المناقشات الفكرية والأدبية، وانصرف الاهتمام إلى البحث عن البراهين الشكلية بدلًا من تقصّي الحقائق، مما أفقد الإنسان القدرة على تقدير الأمور تقديرًا سليمًا.

ومن ثم يرى مالك أن لثورة الإصلاح ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة ما قبل الثورة، ومرحلة الثورة، ومرحلة ما بعد الثورة، ويطلق عليهم أيضًا: المرحلة التحضيرية، ومرحلة الإنجاز، ومرحلة الحفاظ على الخط الثوري. ويرتبط نجاح الثورة أو فشلها بمدى قدرتها على الحفاظ على مضمونها؛ إذ تُعد المرحلة الأخيرة الأهم، غير أن كثيرًا من الحركات الإصلاحية لا تبلغها، نظرًا لما تتعرض له من اختراق من قِبل أشباه الثوريين، الذين يسعون إلى توظيفها لتحقيق مصالحهم الخاصة. ومن هنا تبرز ضرورة الحذر من المرتزقة وخبراء إجهاض الثورات، مع أهمية الكشف عن الأخطاء وتصحيحها أولًا بأول.

كما يؤكد مالك أن سوء فهم الإسلام من قِبل المسلمين، أو سوء نقله من المجال العقدي الروحي إلى المجال التطبيقي الاجتماعي، كان ولا يزال يمثل إشكالية جوهرية. فهو يرى أن الإسلام ليس عائقًا أمام التقدم، كما يُشاع، بل هو دين شامل يحمل في طياته طاقة دافعة نحو الرقي والازدهار، بما يتضمنه من منظومة قيم وقواعد تنظم حياة الفرد والمجتمع. غير أن المأساة الحقيقية تكمن في طبيعة علاقة المسلم بالإسلام؛ فهي علاقة مزدوجة: روحية واجتماعية. ففي حين تبدو العلاقة الروحية قوية ومتماسكة، باعتبارها قائمة على يقين راسخ، تعاني العلاقة الاجتماعية من خلل واضح؛ إذ يظهر نوع من الانفصام في السلوك، حيث يلتزم الفرد بالشعائر الدينية، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، لكنه في المجال الاجتماعي ينقاد لضغوط الواقع المادي وانحرافاته، فضلًا عن تأثير التوجهات السياسية والدولية التي تُسخّر الفكر والإرادة في اتجاهات معينة.

ويتجلى هذا الخلل في إهدار الوقت والجهد في مناقشة قضايا فقهية أو كلامية لا تمسّ الواقع، أو في الانشغال بمباحث فلسفية تجريدية، مثل مسألة قِدم العالم وحدوثه، في مقابل إهمال قضية تطوير الثقافة الإسلامية لتتحول إلى نمط اجتماعي عملي. ومن ثمّ، يخلص مالك إلى أن القصور لا يكمن في الإسلام ذاته، بما يحمله من ثوابت صالحة لكل زمان ومكان، بل في سوء فهمه أو ضعف تفعيله في الواقع.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، أقام مالك فلسفته الإصلاحية، مؤكدًا أن أي مشروع إصلاحي حقيقي يقتضي تصفية العادات والتقاليد، وتنقية الإطار الخلقي والاجتماعي من العوامل السلبية والميتة التي تعوق النهوض، حتى يتهيأ المجال للعوامل الحية الدافعة نحو الحضارة. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال فكر جديد قادر على تفكيك البنية الموروثة عن مرحلة التدهور، والسعي نحو بناء وضع حضاري جديد. وبناءً عليه، فإن تجديد الأوضاع يقتضي مسلكين متكاملين: أولهما مسلك سلبي يقوم على الانفصال عن رواسب الماضي، وثانيهما مسلك إيجابي يهدف إلى الارتباط بمقومات الحياة الكريمة.

ويلتقي هذا التصور مع ما ذهب إليه الغلاييني من ضرورة تقديم الإصلاح الأخلاقي على الإصلاح السياسي، إذ لا يمكن لأي نظام سياسي متقدم أن ينجح في مجتمع لم تُهيّأ بنيته الأخلاقية والاجتماعية لاستقباله. فالإصلاح، في هذا المعنى، هو عملية تدريجية تبدأ بتغيير الإنسان، قبل تغيير المؤسسات.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن مختلف هذه المقاربات—على تباينها—تتفق ضمنيًا على أن التخلف ليس نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين عوامل أخلاقية، وفكرية، وسياسية، واجتماعية. كما تتقاطع في التأكيد على أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح دون تأسيس قاعدة قيمية صلبة، تجعل من الإنسان محورًا للإصلاح وغايته في آنٍ واحد.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشخيص أسباب التأخر فحسب، بل في القدرة على تحويل هذا التشخيص إلى مشروع عملي متكامل، يربط بين إصلاح الفكر، وبناء القيم، وتطوير المؤسسات، بما يحقق نهضة شاملة ومستدامة.

***

ا. د. هدى سيد محمد

 

اثارت انتباهي مؤخرا مقالة لافتة نشرت في مجلة "نيتشر" (Nature) العريقة (20 ايار/مايو 2026)، تحمل عنوانا مباشرا وعميقا في ان واحد: "الابتكار يبدا من المدارس — دروس من الصين". وما زاد هذا المقال اهمية وجاذبية، واكسبه وزنا استثنائيا، هو انه كتب باقلام اكاديميين وباحثين صينيين (دان تاو، روي وي، ويونغ خه تشنغ). وهنا تكمن القيمة الحقيقية للطرح، فهم بلا شك "اعلم بشعاب مكة"، والاكثر دراية بخبايا المنظومة التعليمية في بلادهم، وفي تشخيص الفجوات وفهم مواطن القوة الكامنة وراء قفزات الصين التكنولوجية والاقتصادية.

تبدا حكاية المقال من حقيقة يغفل عنها الكثير من مخططي السياسات التعليمية في عالمنا العربي: ان الدول التي تطمح الى بناء منظومات ابتكار ناجحة وقادرة على المنافسة عالميا، لا يمكنها ان تبدا من قمة الهرم — اي من مراكز الابحاث المتقدمة او الجامعات فقط — بل عليها اولا وقبل كل شيء ان تستثمر في الجذور، في تعليم العلوم في المدارس، وفي المعلم الذي يقود هذا التعليم.

وينقلنا الكتاب الصينيون في سرد خطير للواقع، يوضحون فيه كيف ان التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والهندسة المتقدمة، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية وطنية تتغلغل في الفصول الدراسية الاساسية. لكنهم، بروح النقد الذاتي البناء، لا يكتفون باستعراض الانجازات، بل يسلطون الضوء على الحاجة الملحة للتطوير المستمر في اعداد معلمين قادرين على الانتقال بالتعليم من التلقين السلبي وحفظ النصوص الى تفجير طاقات التفكير النقدي والفضول العلمي لدى الاطفال.

ان الدرس الاساسي الذي نخرج به من هذه القراءة الصينية الخالصة هو ان المعلم يظل حجر الزاوية في اي نهضة علمية. الاستثمار في تأهيله وتزويده باحدث مهارات الاستقصاء العلمي ليس ترفا، بل هو خط الدفاع الاول عن مستقبل اي بلد يريد مكانا تحت شمس الاقتصاد المعرفي. ومن هنا، يضع المقال امامنا مرآة واضحة: اذا اردنا ابتكارا حقيقيا يغير وجه المجتمع، فعلينا اولا ان نصلح المدارس، ونعيد الاعتبار لمعلم العلوم، ونعلم الاطفال كيف يسالون "لماذا وكيف"، بدلا من "ماذا ومتى".

ولا يقف الباحثون الصينيون في مقالهم عند حدود التنظير، بل يغوصون في تفاصيل هيكلية تكشف عمق الازمة التي تواجهها حتى المنظومات الناجحة. فهم يشيرون بوضوح الى فجوة جوهرية: كيف يمكن لبلد يطمح لسيادة الابتكار العالمي ان يعتمد على نظام اعداد معلمين لا يواكب هذا الطموح؟ يذكر المقال ان تحديث المناهج وبناء المختبرات المتقدمة في المدارس يظلان بلا قيمة حقيقية ما لم يتوفر المعلم المؤهل الذي يمتلك مهارات "الاستقصاء العلمي" والقدرة على تحويل الفصل الدراسي الى ورشة عمل حية للفضول والتجريب.

هنا يتجلى النقد الذاتي الجريء، اذ يعترف الكُتّاب بان الاعتماد الطويل على نظام الحفظ والتلقين والاختبارات الصارمة، رغم انه انتج كفاءات عالية في حل المشكلات النمطية، الا انه قد يعوق توليد الافكار الابداعية الخارقة للمالوف. ولذلك، تسعى الصين اليوم، وفقا للمقال، الى احداث ثورة في برامج اعداد المعلمين في الجامعات، عبر دمج العلوم البين-تخصصية والتركيز على كيفية تعليم الاطفال "التفكير كعلماء".

ان هذه المراجعة الصينية تضع بين ايدينا مجموعة من الدروس المستفادة التي يمكن صياغتها في نقاط جوهرية:

1.  الابتكار لا يصنع في المختبرات الجامعية فقط: بل تولد بذرته الاولى في المرحلة الابتدائية والمتوسطة عندما يتاح للطفل ان يلمس العلوم بيده ويفكر بنقد واستقلالية.

2.  الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الاضمن: ان تطوير كليات التربية وتاهيل معلم ومدرس العلوم ليس مجرد اجراء اداري، بل هو قضية امن قومي وتنموي لاي دولة تنشد المستقبل.

3.  الانتقال من "كم المعرفة" الى "نوعية التفكير": لم يعد التحدي هو حشو عقول الطلاب بالمعلومات المتوفرة بنقرة زر، بل في تدريبهم على كيفية صياغة الفرضيات، واجراء التجارب، وتقبل الفشل كخطوة نحو النجاح.

في ختام قراءتي لهذا المقال، لم يسعني الا ان اتساءل: اذا كان هذا هو حال الصين — وهي العملاق التكنولوجي الذي يهدد عروشا اقتصادية كبرى — ورغم ذلك يجلس اكاديميوها ليمارسوا هذا النقد الذاتي الشجاع لتعليمهم المدرسي، فاين نحن من هذه المراجعات؟

المقال لا يصف لنا وصفة نجاح صينية جاهزة، بل يوجه لنا صفعة تنبيه باردة: ان اصلاح التعليم لا يحدث بالشعارات والاستعراض الخارجي، بل بالنزول الى الارض، الى غرف الصفوف الابتدائية، وتأهيل المعلم الذي يقف خلف المنصة. لقد اثبت لنا خبراء الصين، وهم الاعرف بشعابها، ان الابتكار ليس سحرا، بل هو غرس نزرعه اليوم في المدرسة، لنحصده غدا في مصانع ومختبرات المستقبل. فالامم التي لا تستثمر في معلم العلوم اليوم، لن تجد علماء يقودون ابتكاراتها غدا.

***

ا. د. محمد الربيعي

صفات المرأة القياديّة

تتمثّل مهمّة المرأة القياديّة في العديد من الجوانب التي تُسهم في تحقيق الأهداف الشّخصيّة والمهنيّة، وتُسهم في تطوير المجتمع وتحقيق التّقدّم الاجتماعيّ والاقتصاديّ. فضلاً عن أنّها تعمل على تطوير مهاراتها وقدراتها القياديّة؛ لتحقيق أهدافها الشّخصيّة والمهنيّة، كما تسعى المرأة القياديّة إلى تعزيز التّنوّع والشّموليّة في مختلف المجالات، وتعمل على تحقيق التّوازن بين الجنسين في القيادة وفي فرص العمل، وعلى إلهام الآخرين وتحفيزهم لتحقيق أهدافهم، وتسعى لتحقيق التّأثير الإيجابيّ في المجتمع من خلال قيادتها بالمثال، وفي هذه الحال فإنّ المرأة العربيّة تواجه تحدّيات كبرى في مسار تطوّرها وصراعها التّاريخيّ من أجل الحصول على حقوقها المدنيّة والسّياسيّة، نتيجة للصّراع الدّاخليّ الحادّ داخل المجتمعات العربيّة بشأن حقّ المرأة في العمل والدّراسة، وفي التّحكّم في مظهرها الخارجيّ، حيث إنّه كلّما اعتقد المجتمع أنّ المرأة العربيّة الحديثة استطاعت أن تتجاوز وضعها كجارية أو أنثى خاضعة لإرادة الرّجل الذي يمارس الوصاية على وجدانها وعقلها وجسدها، إلاّ ونجد أنّ هناك من يطالب باستمرار أن يعاد النّظر في الوضعيّة الاجتماعيّة والقانونيّة للمرأة، بحيث يظلّ مستقبلها مرتبطاً بكونها أمّاً عليها أن تلزم بيتها لتربية أبنائها.[1]

وبالنّظر إلى ذلك فإنّ المرأة القياديّة تعمل على تمكين دورها الفاعل بمساعدة النّساء وتشجيعهنّ على تطوير مهاراتهن والمشاركة في مختلف المجالات واتّخاذ القرارات الحاسمة، والمساهمة في تطوير المجتمع؛ إذ تعمل المرأة القياديّة على المساهمة في تحقيق التّغيير الإيجابيّ في المجتمع من خلال تطوير السّياسات والبرامج التي تعزّز العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. وفي هذا المجال فقد أوضح ( (LIKERT.R وجوب الاهتمام بمدخل متكامل لدراسة ظاهرة القيادة، ويكون ملائما لطبيعة ونوعيّة الإشراف التّنظيميّ، بالنّظر إلى أنّ معظم أبحاث العلاقات الإنسانيّة ومصادرها تتركّز بالضّرورة على النّتائج الواقعيّة من البحث والتّجربة، ّأمّا مدخل الإدارة العلميّة فلها إسهاماتها الهامّة الإداريّة في العمل على زيادة الإنتاج والفاعليّة التّنظيميّة عمومًا.[2]

ولعلّ عامل الثّقة في النّفس هو الدّافع الذي تتمتّع به المرأة القياديّة وبقدراتها لاتّخاذ القرارات الصّعبة والتّأثير على الآخرين، لأنّها تمتلك القدرة على رؤية الرّؤية المستقبليّة وتحليل البيانات والمعلومات لاتّخاذ القرارات الاستراتيجيّة، حتّى تكون قدوة للآخرين من خلال السّلوك القائد والأخلاقيّ والتّفاني في العمل، وما تتمتّع به من مهارات اتّصال متميّزة تمكّنها من التّواصل بشكل فعّال مع فريق العمل وإلهامهم.

ومن ثمّة فإنّ المرأة تحاول دومًا أن تكون قادرة على التّفكير خارج الصّندوق، وابتكار الحلول الجديدة للتّحديات والمشكلات المعقّدة، والقدرة على التّحمّل والتّكيّف، بما تمتلك من المرونة اللاّزمة للتّعامل مع التّحديات والمواقف الصّعبة بكفاءة وثبات؛ لإظهار مكانة العمل الجماعيّ، من خلال الحثّ على بناء بيئة عمل تشجّع على التّعاون والتّفاعل بين أفراد الفريق وتعزّز روح العمل الجماعيّ.

وكشفت دراسة (Women in Education Management: Present and Future Challenges) عن التّحديّات التي تواجه المرأة العاملة وأبرزها صعوبة حصولها على التّرقية الوظيفيّة لمستويات أعلى مقارنة بالرّجل، وهذه ناتجة عن أسباب اجتماعيّة متمثّلة في شيوع الاعتقادات الخاطئة من عادات وتقاليد مجتمعيّة قيّدت المرأة.[3]

الفرق بين الرّجل والمرأة في القيادة

من الصّعب تحديد فارق دقيق بين مهارات المرأة ومهارات الرّجل بشكل عامّ، لأنّ القدرات والمهارات الفرديّة قد تختلّف بين الأفراد بغضّ النّظر عن الجنس. ومع ذلك، هناك بعض الاتّجاهات التي قد تكون شائعة بين الجنسين نظرًا للتّوجّهات الاجتماعيّة والثّقافيّة التّي تؤثّر على تطوّر المهارات، كما تعتبر القيادة فنّ على التّأثير في سلوك أفراد الجماعة وتنسيق جهودهم وتوجيههم لبلوغ الغايات المنشودة بحسب ما يمليه العمل الذي يؤدّي إلى مواجهة احتياجات الحالة الاجتماعيّة، إذ أنّ هناك بعض الأفراد يصلحون أكثر من غيرهم لأن يكونوا قادة لأنّهم يمتلكون قدرات وسمات شخصيّة بارزة، وسواء كان القادة من هذا النّوع أم غيها، فإنّ القيادة شكل متخصّص من النّشاط أو كنوع من العمل أو الوظيفة محقّقين ما يؤدّيه القادة ويتّصل باكتشاف السّمات الشّخصيّة المطلوبة[4].

ومن هذا المنظور تكمن مهارة المرأة من خلال التّوازن بين المهارات العاطفيّة واللّوجستيّة: على نحو ما أظهرته الدّراسات من أنّ النّساء قد تكون أكثر توجّهًا نحو المهارات العاطفيّة مثل التّواصل الفعّال وفهم العواطف، بينما قد تكون المهارات اللّوجستيّة مثل التّحليل البيانيّ والحلّ المنطقيّ أكثر شيوعًا بين الرّجال، والقدرة على التّحمّل والتّكيّف؛ إذ يعتقد الكثير من الباحثين أنّ النّساء يمتلكن قدرة على التّحمّل والتّكيّف مع المواقف الصّعبة والضّغوط النّفسيّة بشكل أفضل من الرّجال، والقدرة على التّعاطف والتّواصل والتّعبير عنها بشكل فعّال، ممّا يسهّل عليها بناء علاقات قويّة مع الآخرين والتّواصل الفعّال، والتّفكير الاستراتيجيّ والابتكار على الرّغم من أنّ هذه المهارات تُعتبر مهمّة لكلا الجنسين، إلاّ أنّ بعض الدّراسات تظهر أنّ الرّجال قد يكونون أكثر توجّهًا نحو التّفكير الاستراتيجيّ والابتكار في بعض الحالات، من منظور أنّ القيادة هي نشاط إيجابيّ يقوم به شخص بقرار رسميّ تتوفّر به سمات وخصائص قياديّة يشرف على مجموعة من العاملين لتحقيق أهداف واضحة بوسيلة التّأثير والاستحالة أو استخدام السّلطة بالقدر المناسب وعند الضّرورة، ويكن تعريف القيادة أيضًا بأنّها (فنّ التّأثير المرأة والرجل' ويمكن القول بأنّ القيادة الفعّالة هي محصّلة التّفاعل بين القائد ومرؤوسيه في المواقف التّنظيميّة المختلفة، وتقوم القيادة على دفع و تشجيع الأفراد نحو إنجاز أهداف معيّنة، والقيادة كما يعرفها وايت، تعني التّأثير على الآخرين في تنفيذ قرارات أشخاص آخرين ويفرّق وايت بين نوعين من القيادة هما:

القيادة التي تعتمد على الإقناع وهي التي تستمدّ قوّتها من شخصيّة القائد، وكذلك القيادة القائمة على التّخويف والتّهديد وتستمدّ قوّتها من السّلطة، الممنوحة للرّئيس.[5]

ولعلّ الاختلاف بين المرأة والرّجل بخصوص الأسلوب القياديّ لا يكن إيعازه إلى اختلافات فرديّة يمكن أن ينسب إلى فروق تنظيميّة، فالمرأة لا متنح كلّ الصّلاحيّات والقوّة التي تمنحُ للرّجل والمرأة تحرم من مصادر القوّة والسّلطة، وتعيّن في المناصب التي تعزّز أدوارها الاجتماعيّة. ومع كلّ هذه الصّفات التي حوصلت دور المرأة القياديّة في الحياة العامّة، فإنّ وضعيّة المرأة في العامل فيما يخصّ القيادة هي على العموم كما يلي كلّما صعدنا في سلّم القيادة اتجاه الهرم، قلت نسبتهن، مع العلم أنّ عدد النّساء القائدات قد تضاعف في الثّلاثين سنة الأخيرة لكن نسبتهنّ تبقى ضعيفة[6].

وفي ضوء ذلك يجب ملاحظة أنّ هذه الفروقات ليست قواعد صارمة وثابتة، وهي تعتمد على عوامل عديدة مثل الثّقافة والبيئة والتّدريب والتّجارب الشّخصيّة لكلّ فرد. في النّهاية، يجب أن نفهم أنّ كلّ فرد فريد من نوعه، ويمكن لكلّ شخص أن يطوّر ويعزّز مجموعة مهاراته بغضّ النّظر عن جنسه. وتتضمّن القيادة أعمالاً هامّة وضعها سيلزنيك ((seilwnick.p في أربعة عناصر[7] هي:

تتميز الأعمال القياديّة من خلال المستوى النّظامي أو التّنظيميّ، فرسالة التّنظيم ودوره تظهر من خلال ملاءمة التّغيّرات الخارجيّة وعمليّاتها الدّيناميكيّة.

يتمثّل هذا الطّابع التّنظيميّ في تحقيق الهدف أو الغرض، فالعناصر القياديّة تعمل داخل بناءات محدّدة، وتهدف لتحقيق جميع النّتائج والأهداف.

تظهر الأعمال القياديّة في إطار تنظيميّ تكامليّ، وتعمل على ربط القيم والعلاقات العامّة المتنوّعة داخل التّنظيم، وهذا يضمن بالضّرورة إتّباع الأفراد للقرارات الصّادرة وتنفيذها.

تعمل القيادات من خلال قدرتها على ضبط الصّراع الدّاخليّ، وذلك من أجل حفظ التّوازن الدّاخليّ للتّنظيم.

وتأسيسًا على ذلك تعود قيادة المرأة بالفائدة على المجتمع بشكل عام من عدّة زوايا:

التّنوّع والشّمولية: يساهم تمثيل المرأة في المناصب القياديّة في زيادة التّنوّع والشّموليّة في صنع القرارات وإدارة المجتمع، ممّا يعكس احتياجات وآراء شرائح مختلفة من المجتمع.

التّنمية الاقتصاديّة: يسهم تمكين المرأة ودمجها في سوق العمل ومنحها فرصاً متساوية في التّعليم والعمل في تعزيز التّنمية الاقتصاديّة للمجتمع، حيث تسهم قوّة العمل النّسائيّة في زيادة الإنتاجيّة وتحسين الاقتصاد بشكل عامّ.

العدالة الاجتماعيّة: تساهم المرأة القائدة في تعزيز العدالة الاجتماعيّة من خلال تمثيل الجنسين بالتّساوي في مختلف القطاعات، وتوفير فرص متساوية للجميع.

التّمكين النّسائيّ: يؤدّي تمكين المرأة إلى تعزيز دورها في المجتمع وبناء الثّقة بالنّفس والاستقلاليّة، ممّا يؤدّي إلى تطوير قدراتها ومساهمتها الفعّالة في التّنمية المستدامة.

الإبداع والابتكار: يمكن لتنوّع وتمثيل المرأة في المجتمعات القياديّة أن يشجّع على الإبداع والابتكار، حيث يتيح التّنوّع الفكريّ، والتّجارب المختلفة فرصًا لإيجاد حلول جديدة ومبتكرة للتّحديات المجتمعيّة.

ومع هذا كما تذكر الباحثة عبلة محمود فإنّ إشكاليّة وضع المرأة على كراسي قياديّة مركّبة ومعقّدة، فهي تعيش في بلدان معظمها، يفتقر لتوافر عوامل الاستقرار السّياسيّ والاقتصاديّ، ومحاطة بأجواء التّمييز السّلبيّ بحكم طغيان عادات وتقاليد متخلفة، وفي ظلّ غياب سياسات نهضويّة شاملة حيث تشتّت حركتها باتّجاه بين الانعزال، والحداثة الهاربة إلى الأمام التي تجاوزت الحدود الوطنيّة تجنّبا للصّدام المحتمل مع الأنظمة السّياسيّة القائمة وضيق هامش الحريّات الأساسيّ[8]

بالمجمل، يمكن القول إنّ قيادة المرأة تعزّز التّنمية المستدامة وتعمل على تحقيق مجتمع أكثر تقدّماً وعدالة اجتماعيّة وازدهاراً للجميع، انطباع المرأة عن المرأة القياديّة.

تحدّيات المرأة القياديّة

تحمل التّحديات أهمّية كبيرة في حياة المرأة القائدة وفي تطوّرها الشّخصيّ والمهنيّ، وذلك لعدّة أسباب، أهمّها النّموّ الشّخصيّ؛ إذ عندما تواجه المرأة التّحديات، تتعلّم كيف تتعامل مع المواقف الصّعبة وتتطوّر وتنمو من خلال تجاربها، ممّا يعزّز ثقتها بنفسها ويجعلها أكثر قوّة وقدرة على التّحمّل، ومن خلال التّحديات، يمكن للمرأة القائدة أن تكتسب المهارات والخبرات اللاّزمة للتقدّم في حياتها المهنيّة وتحقيق النّجاح في مجال القيادة، ومن الضّروريّ التّأكيد على أنّ التّحدّيات التى تواجه المرأة العربيّة هي جزء من كلّ أعمّ وأشمل وهو التّحديات التي تواجه المنطقة العربيّة بأسرها، وهي تحدّيات خارجيّة وداخليّة أكثر من معقّدة وتضرب بجذورها في أعماق التّاريخ وليس من الممكن الانفراد بمواجهة التّحدّيات التي تواجه المرأة بمعزل عن التّحدّيات الكليّة التي تواجه العالم العربيّ بأسره، فتهميش المرأة العربيّة وغيابها عن دوائر صنع القرارات وبعدها عن دائرة التّأثير، وغياب حريّتها ليس إلاّ الوجه الآخر لتهميش الرّجل العربيّ وفقدانه لدوره وفاعليّته في المجال العامّ وهذا وذاك ليس إلاّ جزءا من فقدان العالم العربيّ بأسره لدوره على المستوى الدّوليّ و فقدانه للاستقلاليّة في صنع مستقبله وتبعيّته للآخر سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا... إلخ، بعبارة وجيزة فإنّ أهمّ تحدّي يواجه المرأة العربيّة وهو نقص الحريّة الذى لا يعدّ قصرا عليها ولكنّه نتيجة منطقيّه لتدنّى مستوى الممارسة الفعليّة للحريّة فى البلدان العربيّة، ومع ذلك ثمّة مدخلان للتّعامل مع تحدّيات المرأة العربيّة يمكن السّير فيهما معًا في آن واحد وهما المدخل الجزئيّ الذي يركّز على قضايا المرأة بحيث تصبح المرأة هي بؤرة التّركيز الأساسيّة في كلّ ما يوجّه خطط واستراتيجيّات العمل التّنمويّ، والمدخل الكلّيّ الذي يمكّن المرأة وينمّيها من خلال تنمية الرّجل وتمكينه، بل تنمية المجتمع العربيّ ودفعه نحو رسم حاضره و مستقبله من خلال التّفاعل البنّاء مع العالم الخارجيّ الذى يحقّق القدرة على التّأثير والإرسال لا التّأثّر والاستقبال فقط[9]

وتعمل التّحديّات على تحفيز المرأة بالبحث عن حلول جديدة وابتكاريّة للمشكلات، ممّا يسهم في تطوير القدرات الإبداعيّة والتّفكير النّقديّ لديها، بخاصّة عندما تتغلّب المرأة القائدة على التّحديّات، التي من شأنها أن تصبح مصدر إلهام للآخرين، ويمكن لقصّتها الشّخصيّة أن تحفّز الآخرين على تحقيق أهدافهم وتجاوز العقبات، بناء الثّقة والاعتماد على النّفس: وذلك عندما تتغلّب المرأة على التّحدّيات، وتبني ثقتها بنفسها وتكون أكثر قدرة على التّحكّم في حياتها واتّخاذ القرارات بثقة، بالإضافة إلى ذلك، تساهم التّحديات في بناء القدرات الشّخصيّة والمهنيّة للمرأة القائدة، وتعزّز من قدرتها على التّكيّف مع المواقف المختلفة وتحقيق النّجاح في الحياة الشّخصيّة والمهنيّة، والمرأة العربيّة المعاصرة ليست استثناء من هذه التّطوّرات الحاصلة في المجتمعات المفروضة عليها بوصفها جزء لا يتجزّأ من التّحديات التي تواجه المرأة على المستوى العالميّ، وإن كانت لها خصوصيتها النّابعة من تراثها الثّقافيّ من جانب وخصائص الواقع العربيّ من جانب آخر. وفى ضوء قناعتنا الخاصّة بأنّ التّنمية العربيّة الشّاملة لن تتحقّق في غياب مشاركة كاملة من جانب المرأة باعتبارها وسيلة التّنمية وهدفها في آن واحد، فقضيّة إدماج النّوع الاجتماعيّ أضحت أحد المكوّنات الأساسيّة للسّياسات التّنمويّة في العالم. واتّساقا مع ما أشار إليه تقرير التّنمية الإنسانيّة العربيّة في هذا السّياق حيث أكّد على أنّ عدم تمكين المرأة يمثّل أحد جوانب النّقص الثّلاثة الرّئيسيّة التي تؤثّر سلبًا في التّنمية الإنسانيّة إلى جانب تدنّي مستوى الحريّة ونقص القدرات الإنسانيّة قياسًا إلى الدّخل، سوف تتحدّد أهداف هذه الورقة وأسلوب معالجتها[10].

هناك العديد من التّحديات التي تواجه المرأة القائدة، ومن بين هذه التّحديات:

النّمطيّة الجنسيّة: لا يزال هناك اعتقادات وتوقّعات جنسيّة تعترض طريق المرأة القائدة، حيث قد يتمّ تقييمها بمعايير مختلفة عن الرّجال، ممّا يجعلها تواجه صعوبات في الحصول على الفرص المتساوية والاعتراف بكفاءتها.

نقص التّمثيل النّسائيّ: قد يكون هناك نقص في التّمثيل النّسائيّ في المناصب القياديّة والمجالات ذات النّفوذ، ممّا يجعل من الصّعب على المرأة القائدة الوصول إلى المراتب العليا وتحقيق التّقدّم المهنيّ.

الانحيازات المؤسّسيّة: قد تواجه المرأة القائدة انحيازات داخل المؤسسات، مثل الرّواتب المختلفة بين الجنسين وقلّة الدّعم والتّشجيع على التّرقّي وتطوير المهارات.

التّوازن بين الحياة العمليّة والشّخصيّة: يمكن أن تكون التّحديات الشّخصيّة والأسريّة، مثل الاهتمام بالأسرة وتحمّل المسؤوليّات المنزليّة، عامل تقييد يؤثّر على قدرة المرأة القائدة على التّفرّغ للعمل القياديّ بالكامل.

قيود الثّقافة والتّقاليد: في بعض الثّقافات، قد تفرض التّقاليد والعادات قيودًا على دور المرأة في المجتمع وتحدّ من قدرتها على تحقيق النّجاح في المجال القياديّ.

نقص الدّعم والشّبكات: يمكن أن يكون نقص الدّعم الاجتماعيّ والشّبكات المهنيّة عائقًا للمرأة القائدة في تطوير مهاراتها والحصول على فرص جديدة.

هذه بعض التّحدّيات التي تواجه المرأة القائدة، والتي تتطلّب جهوداً مستمرّة للتّغلّب عليها وتحقيق النّجاح في القيادة والتّطوّر المهنيّ.

إعداد المرأة لدورها القياديّ

يتطلّب إعداد المرأة لدورها القياديّ جهوداً مستمرّة ومتعدّدة الأوجه، كما يعتمد إعداد المرأة لدورها القياديّ على توفير الدّعم والفرص المناسبة، وتحفيزها لتطوير مهاراتها وتحقيق إمكاناتها الكاملة كقائدة فعّالة ومؤثّرة في المجتمع؛ لذا جاءت دراسات كثيرة لتؤكّد أنّ إعداد المرأة لدورها القياديّ يتطوّر بفضل العوامل الاجتماعيّة المتمثّلة في الخبرات الحياتيّة التي يمرّ بها الفرد، المهنة التي يشتغلها ومستواه التّعليميّ، وبالنّسبة للمرأة تساهم أدوار الرّعاية التي تشرف عليها المرأة في تطوير قدرتها على التّعامل مع الآخرين، كما أنّ الخلفيّة الثّقافيّة التي تأتي منها تؤثّر بشكل مباشر على قدراتها القياديّة أثناء ممارستها السّلطة[11]

ويمكن أن يشمل عدّة مراحل وخطوات، منها:

التّعليم والتّدريب: توفير الفرص التّعليميّة والتّدريبيّة للمرأة لتطوير مهارات القيادة، بما في ذلك القيادة الفعّالة، والاتّصال، وإدارة الوقت، وحلّ المشكلات.

بناء الثّقة بالنّفس: تشجيع المرأة على تطوير ثقتها بنفسها وقدراتها، وتوفير الدّعم والتّشجيع لها لتجاوز التّحديّات والمواجهات التي قد تواجهها في طريقها للقيادة.

تعزيز الوعي والتّوجيه: تقديم المعرفة والموارد حول القيادة والتّطوير الشّخصيّ، وتقديم التّوجيه والمشورة للمرأة لتحديد أهدافها القياديّة ووضع خطط لتحقيقها.

بناء الشّبكات الاجتماعيّة والمهنيّة: تعزيز الانخراط في شبكات اجتماعيّة ومهنيّة تساعد على توسيع دائرة الدّعم والفرص المهنيّة، وتوفير الفرص للتّعلّم من القادة الآخرين.

تعزيز الوعي بالمساواة والحقوق: تشجيع المرأة على الاستفادة من حقوقها وتعزيز الوعي بأهمية المساواة بين الجنسين في جميع المجالات، بما في ذلك المجالات القياديّة.

تشجيع الابتكار والاستماع إلى الآراء: توفير البيئة المناسبة التي تشجّع على الابتكار وتقدير الآراء المختلفة، وتشجيع المرأة على المشاركة الفعّالة في عمليّات اتّخاذ القرارات.

وتبعا لذلك فإنّ تبوّء المرأة اليوم لمناصب قياديّة سواء لمشاركتها في تخطيط للسّياسات العامّة لابدّ من خلال تقلّدها مناصب قياديّة في أعلى هرم السّياسة تنفيذيّ تشريعيّ أي الحكومات والبرلمانات أو مشاركتها في إدارة الشّؤون الاقتصاديّة من خلال الهيئات الوسطيّة القاعديّة مثل (الرّئاسة، أقسام الوزارات أو في القطاع الخاصّ أو في مجالس المحليّة والبلديّة أو إدارة المشروعات الخاصّة، ثمّ في قيادة مؤسسات المجتمع المدنيّ على اختلاف اختصاصها أمام هذه المسؤوليّات لابدّ أن تتوافر في المرأة قواعد رئيسيّة تشكّل أساس عوامل النّجاح[12]

المرأة القياديّة والمجتمع

يشكّل موضوع المرأة القائدة في علاقتها بالمجتمع جزءًا أساسيًا من بنية الحوار الاجتماعيّ والتّنمية الشاملة؛ إذ يتأثر المجتمع بشكل كبير بالدور الذي تلعبه المرأة في القيادة والتأثير،

وبالنظر إلى ذلك جلب النظام الاجتماعي الذي صاغه القوانين العالمية، والجزائرية على وجه الخصوص مجتمعا لا يفرق بين الرجل والمرأة إلا فيما تمليه سنن الكون، متجاهلاً الحيثيات الفارقة بين الجنسين داخل المجتمع، ويمكن تقسيم هذا التأثير إلى عدة جوانب:

التمثيل والتنوع: تسهم المرأة القائدة في زيادة التنوع والتمثيل في مختلف القطاعات والمجالات، مما يعكس احتياجات وآراء متنوعة في صنع القرارات وتطوير السياسات.

العدالة الاجتماعيّة: يمكن للمرأة القائدة أن تلعب دورًا هامًا في تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة بين الجنسين، من خلال تمثيل النساء في المناصب القيادية وتوفير فرص متساوية للجميع.

التّنمية الاقتصاديّة: يسهم دور المرأة القائدة في تعزيز التنمية الاقتصادية، حيث تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال.

التغيير والتطور: تعمل المرأة القائدة على تحفيز التغيير الإيجابي في المجتمع من خلال تطوير السياسات والبرامج التي تعزز العدالة وتحقق التنمية المستدامة.

الإلهام والتأثير: يمكن للمرأة القائدة أن تكون مصدر إلهام للآخرين، وتؤثر في تغيير الثقافة والممارسات الاجتماعية من خلال قيادتها بالمثال وتحفيز الآخرين على تحقيق أهدافهم.

وفي ضوء ذلك يتجسد دور المرأة القائدة في تحقيق التغيير الإيجابي وتحقيق التنمية المستدامة في المجتمع، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر تقدماً وعدالة اجتماعية وازدهارًا للجميع.

***

أ.د. سعاد بسناسي جامعة وهران1

..................

[1] ينظر، الحسين الزاوي، المرأة العربية وتحديات المستقبل، https://2u.pw/iBJOlLK

[2] ينظر، حسين عبد الحميد رشوان، القيادة الإدارية، دراسة في علم الاجتماع النفسي والإداري والتنظيمي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ،2010 ص 85، 86

[3] S.Pillay, Women in Education Management: Present and Future Challenges, University of South Africa.(2001).P:41

[4] ينظر، حسين عبد الحميد رشوان، القيادة الإدارية، دراسة في علم الاجتماع النفسي والإداري والتنظيمي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ،2010 ص. 85

[5] ينظر، دي عطا حمادي، القيادة الإدارية الحديثة في استراتيجيّة التّنمية، دار البداية، عمان، ط1، 2013، ص.17، 18

[6] ينظر، محمود بوسنة، مراد عيمر، المرأة والقيادة في الجزائر: دراسة مسحيّة حول تصوّرات الموظّفين، النّدوة الإقليميّة حول: المرأة في مراكز القيادة و اتّخاذ القرار بالبلدان العربيّة، الكويت 10- 188 ص، 2013 ، مارس 11.

[7] ينظر المرجع السّابق، ص 90.

[8] عبلة محمود أبو عبلة، المرأة العربيّة العاملة ومتطلّبات النّجاح في العمل القياديّ، بحوث ودراسات. المنظّمة العربيّة للتّنمية الإداريّة، القاهرة، 2004، ص 11.

[9] ينظر، ميثاء سالم الشامسي، المرأة العربيّة الفرص والتّحديات، الرّابط، https://2u.pw/3sepnHq

[10] المرجع السّابق https://2u.pw/3sepnHq

[11] نسرين تواتيت، القيادة السنوية وعلاقتها بأداء العاملين في المؤسسة، مذكرة ماجستير، علم الاجتماع تنظيم وعمل، جامعة باتنة، 2014، ص 113

[12] ينظر، عبيد شيماء وآخر، أثر مهارات المرأة القياديّة على العلاقات العامّة بالمؤسّسة العموميّة https://2u.pw/Q6ypGZO

 

لعلَّ من نافلِ القول هنا الإشارة إلى أنَّ حقيقة أوضاعنا العربية (والإسلامية عموماً) في معظم بلدان العرب ومجتمعاتهم، لم تعد مستترة أو خافية على أحد، كما لم تعدْ الحلول والمعالجات المقدمة أو الموضوعة لها والمطلوب العمل عليها، مشفّرة أو صعبة التحقق والمنال.. فكلنا على معرفة ودراية واقعية أن حالنا سيئة، نتعيش فيها على مُخرجات الآخرين ونتاجاتهم في كل ما يتعلق بوجودنا وحركتنا ويومياتنا للأسف الشديد.. والكل بات يعي ويدرك إدراكاً تامّاً أن هذا التدهور الخطير والمأساوي لحال العرب خاصة خلال العقد الأخير، جاء نتيجة طبيعية لهيمنة التسلط والفساد والنهب والتبعية للخارج.. بحيث جعلنا هذا التدهور والتقهقر الحضاري المزمن نتذيل تصنيف وترتيب الأمم والمجتمعات في كل مؤشرات التنمية والعلم والاقتصاد والبحث العلمي وغيره..

بطبيعة الحال تلكَ الأرقام والمؤشرات البيانية والخطية والرقمية الخطيرة المعروفة، والمعبرة عن حقائق الوجود العربي، والتي تعود لسنوات طويلة مضت، لم تحرّك طوال عقود طويلة من الخسائر والمآسي العربية، قيدَ شعرةِ إحساسٍ في أجساد ووعي نخب الحكم العربي التي استمرت في التصرف –وهي صاحبة القرار الأعلى- كنخب غريبة عن واقع مجتمعاتها وبلدانها، واكتفت بالتركيز الجنوني على البقاء الأعمى في سدة الحكم على حساب تنمية أفرادها ومجتمعاتها، متجاهلةً عن قصدٍ وعمدٍ كاملين مآلات حكمها السلبية والكارثية على الفرد والمجتمع والدول ككل..

ولقد كان من أبرز تلك التحديات والأولويات التي كان من الواجب والمفروض أن تواجهها نظم العرب وحكوماتها ونخبها ومسؤولوها القابعون بالحكم منذ زمن طويل، هي تحديات البناء العلمي، أي توطين المعرفة وإنتاجها ذاتياً، أو ما يطلق عليه بــــــ "فلسفة العلوم"، ومحاولة دعم أعمال وسبل إيجاد علاقة معرفية وفلسفية منتجة بين الثقافة العربية الإسلامية السائدة ومجمل النتاجات والمنتجات والمكتسبات والاختراعات والمكتشفات والتطورات العلمية التي تمكن الإنسان من الوصول إليها، ومحاولة تبيئتها محلياً.. أي إيجاد بيئة (وفضاء) ثقافي وأرضية معرفية عربية إسلامية مُنتِجة للعلم والمعرفة العلمية الحقيقية الخصبة والثرية، ليس فقط من زاوية القدرة على تحقيق الاستجابة النوعية الفاعلة على مجمل التطورات العلمية الحاصلة باستمرار في صميم وجود وحركة المجتمع الإنساني، بل بالأصل والأساس امتلاك المعايير والمعادلات والنظم البنيوية المؤسِّسة للإنتاج العلمي عملياً وليس فقط نظرياً، أي امتلاك القوانين المولِّدة والصانعة للعلوم ذاتها، لا أن تكتفي تلك الثقافة فقط وحتى الآن بلعب دور المتلقِّي والمنفعل والمستهلك والمستجيب قسراً وغصباً لتلك التطورات العلمية الهائلة في عمق المعرفة العلمية الإنسانية على مستوى العلم النظري والعلم العملي فكراً وتجربةً وإنتاجاً.

وعلى هذا الطريق نسأل قومنا وأنفسنا: ما هي السبل وطرق العمل وآليات التطبيق الكفيلة بإخراج المشهد الثقافي والعملي العربي والإسلامي المعاصر –على مستوى الفلسفة العلمية وتوطين العلوم والمعارف العلمية الحقيقية- من حالة الاحتكاك والتلقي السلبي لكل ما في العصر من نتاجات تقنية وثورات تقنية معرفية وصناعية ومعلوماتية، إلى حالة الفعل والتأثير الإيجابي والمشاركة والمساهمة في صنع العلم والتقنية وإنتاجها؟!.. ولماذا لم يتمكن العرب رغم مرور عقود عديدة على استقلالهم وبنائهم لنظم سياسية (فيها استقرار نسبي)، من التمكين المعرفي العلمي وبناء مؤسسات علمية فاعلة ومنتجة هي بذاتها؟!!....

حقيقةّ، الحصيلة العامة لمَسيرة الأحداث والتطورات التي وصلت إليها مجتمعاتنا العربية عموماً تنطوي –كما سلفَ القول- على مظاهر مقلقة ونتائج سلبية مخيبة للآمال، ومُحطِّمة للنّفوس خاصة هنا على صعيد بناء الطاقات والقدرات العلمية العربية والإٍسلامية بالخصوص، وبحيث تشكل تلك الأحداث -في الوقت نفسه- صدمة نفسية عنيفة لكل أصحاب الطموحات والمشاريع النهضوية العربية والإسلامية.. حيثُ أنَّ الحضارةَ العربية والإسلامية التي كان لها حضور عالمي نوعي ومميز في سالف الزمان (أي منذ أكثر من ألف عام زمن الانفتاح العلمي والتبادل الحضاري، زمن الترجمة والتأليف والنشر، وانتشار مدارس وجامعات العلوم المختلفة)، توقفتْ واستبعدتْ نفسها (أو استبعدتها ظروف وأسباب ذاتية وموضوعية) عن دورة الحياة الفاعلة والمنتجة، وساحة القرار والتأثير الدولي والحضور النّوعي المميز في معادلاتِ العالم ومختلف ملفاته وتوازناته، بدلاً من أن تكون منتمية إلى حضارات صانعة وفاعلة ومنتجة -هي بذاتها- للفكر والعلم والتقنيات العلمية بما يؤهلها للفاعلية السياسية وغير السياسية، لا أن تبقى أو تكون مجرد حضارة -كما هي الآن- منتكسة وهامشية ومتقهقِرة، ليس لها من واقع الحضارات المنتجة والناشطة والحاضرة في عصرها، إلا اسمها ورسمها وشكلها الحداثي القشري الخارجي، تتعيش على موائد (وفتات) الأمم المتقدمة الأخرى، على مستوى إنتاج العلم والمعرفة العلمية الحديثة، وتنمية الموارد والأسواق الدولية، واستثمار موارد الطبيعة وثرواتها الباطنية الهائلة التي تذهب هدراً على طريق شراء منتجات حضارة الآخرين وليس بناء مقومات وأسس قانون صناعة الحضارة داخلياً.

وفي قناعتي هناك قضيتان أساسيتان لا يمكن بدء أي نهضة علمية أو أي تطور حقيقي في مجتمعاتنا العربية (والإسلامية عموماً) من دون وعيهما وعياً عميقاً عملياً وليس فكرياً فقط:

1- تجاوز الأيديولوجيات السائدة المغلقة والرافضة للآخر والمعادية للثقافة الحديثة القائمة على العقلانية والحداثة السياسية والعلمية.. مع قناعتنا هنا طبعاً بالفرق بين الغرب الثقافي والعلمي (غرب القيم والحداثة والتنوير)، والغرب كإدارات سياسية مهيمنة.

2- التخلّي عن فكر (وعقلية ونظرية) المؤامرة التي أثبتت تحولات واقعنا العربي وأحداثه الهائلة منذ زمن، فشلها وعقمها، وأنها كانت مجرد آليات إلهاء وتخدير، لتكون نظرية الكسالى والمتقاعسين والمتثاقلين..!.. طبعاً مع قناعتنا أيضاً بوجود متآمرين، وأصحاب نوايا سيئة، وهيمنة قوى غربية تعتبر ذاتها مركزية عليا وغيرها أطراف هامشية.. لكن عندنا نحن العرب تحولت الفكرة (فكرة التآمر والمؤامرة) من حالة ووضعية إلى قاعدة للسلوك العربي اليومي، تمنعنا من السعي والتطور والتنمية الذاتية..!!. يعني باتت مرضاً ذاتياً مُتحكّماً بكثيرٍ من مفاصلنا السياسية والعملية الحياتية..!!. وهنا المرضُ والعلّة القائمة.

هذا كله لنْ ينطلقَ من دون بناءِ كتلةٍ تاريخيةٍ واعية أو جيل ثقافي عربي يجب أن يتربّى ويتنشَّأ وينمو في ظلّ القيم العقلانية الحديثة، وعلى رأسها القيم الحقوقية المصانة، والاستقلالية الفكرية وغير الفكرية.. بحيث يكونُ هذا الجيل قادراً على:

أ- إحداثُ صدمة التغيير الإيجابي الحقيقية على مستوى وعي الذات ووعي الواقع معرفة تغييرية عقلانية صحيحة.

ب- إدراكُ حركة بناء المصالح التي تربطنا بالآخر، وقياسها ومعايرتها من دون حمولات فكرية هوياتية مغلقة، ومقاربتها من زاوية التبادل المصلحي والإسهام الحضاري.

ج- إعادةُ النظر بالركائز التي تحكمُ حاضرَنا العربي على صعيد التربية والاقتصاد والعلوم..

د- وربّما الأهم من ذلك كلّه، هو تعميقُ فكرة الإصلاح الديني الحقيقي، وضرورة الاجتهاد النوعي في التراث الدّيني ذاته الذي ما زال يكرّس العصبية والطائفية والانغلاقية والخوف من الآخر.. فالدينُ هو المجالُ الثقافي والسياسي الاجتماعي الأقوى والأهم والأكثر فاعلية وحضوراً في حركة حياة المجتمعات العربية والإسلامية، وهو العنصر المهيمن على حياتهم وسلوكياتهم الذاتية والموضوعية، يدورون حوله ويعتبرونه محور حركتهم وحياتهم الخاصة والعامة.. لهذا إصلاح هذا التراث الفكري -الذي يستمد معاييره من نصوص جاءت زمنياً قبل 1400 سنة- هو المدخل لإصلاح وتطوير حياة تلك المجتمعات.. بل يمكن القول هو المدخل الأساسي والإجباري لنهضتهم وتقدمهم المنشود.. ونكرر: ليس لأن الخلل قائم في الدين وتقاليد الناس وثقافاتها التاريخية وعاداتها الموروثة، فكل الأمم والحضارات لدى أهلها وناسها عادات وتقاليد تعود لمئات وآلاف السنين، وإنما الخلل في بناء قدراتنا العلمية (وقبلها إشادة هيكل الدولة القوية القادرة العادلة)، قائم جوهرياً في هيمنة عوامل تتعلق بالسياسات المطبقة وطبيعة الجغرافيا السياسية التي تحكّمتْ بكثير من وقائع المنطقة وتحولاتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، والتي دفعت الغربَ السياسي الاستعماري للهيمنة كلياً على منطقتنا، سابقاً بذاته عسكرياً، واليوم عبر نخب زَرَعَها، وتوازنات وَضَعَها ورَسَّخَها لتتحكم في سياسات العالم (وبالتالي المنطقة) وموازينه كافة..

إن طريق التحرر والحرية ومن ثم البدء بمسيرة النهوض (العلمي وغير العلمي) طويلة ومضنية وشاقة، وهي يجب أن تبدأ من ضرورة أن نخرج كعرب من أن نكون مجرد حاشية أو هامش أو ظل باهت للآخرين، بقطع النظر عن أفكارهم وطروحاتهم وانتماءاتهم وقناعاتهم.. فما بالنا فيما إذا كانوا مجرد أناس عاديين خياليين منفصلين عن واقعهم، ومضلِّلين للرأي العام ومزيِّفين للحقائق الواضحات، وتابعين لخطوط فكرية مسبقة الصنع، ويقسرون الحقائق لصالح القوالب الجاهزة.. غير منتجين وغير مؤثرين وغير قادرين على العطاء الحقيقي للإنسانية جمعاء.. العامل البسيط في أي موقع للإنتاج والعمل، والمهندس الذي يصمم ويشرف وينتج، والطبيب القاعد في عيادته أو العامل في مشفاه، الخادم للناس، والذي يخفف معاناتهم وآلامهم.. كل هؤلاء وغيرهم من العاملين لخير مجتمعاتهم ونهضتهم العلمية وغير العلمية، هم من الجنود المعروفين والمجهولين، وفيهم خير للبشرية أكثر من أولئك الناعقين ليلا نهاراً وراء الميكروفونات وفي مختلف وسائل الميديا.. وهم يقبضون أموالاً طائلة من جيوب غيرهم من حيث لا يشعرون أو لا يشعرون.. من هنا المطلوب قليلاً من العقلانية والهدوء الفكري والواقعي، ومن هنا يجب أن يكون الإنسان هو هو لا أن يكون هو الآخر، أو الآخرين..!!.

نعم، إن من أهم مشاكلنا في هذا الشرق، والتي تتسبب لنا بمزيد من الارتكاس الحضاري، هو التبعية العمياء والانقياد المكلف وراء الاشخاص والقادة والزعامات وغيرهم.. مع أنّ الحق أولى أن يُعرفَ فيتّبع.. والإمام علي(ع) –ونحن نحتفل هذه الأيام بذكرى بيعته العطرة (عيد الغدير المبارك)، كان يقول: "اعرف الحَقَّ تعرفُ أهْله".. ويقول: "يُعرفُ الرجالُ بالحقّ.. والحقُّ أولى أنْ يُعرَفَ فيتبع..".

***

نبيل علي صالح - كاتب وباحث سوري

ليلة الجنون التدميري المبرمج.. غارات. غارات، قصف من السماء، غارات متواصلة منذ الصباح حتى الليل الأسود، ظلمات فوق ظلمات، ليس من ضوء في أي مكان سوى البروق الخاطفة المنطلقة من انفجارات الصواريخ والحرائق، والقنابل المضيئة القادمة عبر البحار.. المدينة تهتزّ من جذورها، والطائرات تعربد فوق البنايات، فوق بيوت العراقيين من أقصى الشمال إلى الجنوب.

ربما يبدو السؤال صادماً للوهلة الأولى: هل للحروب جمالياتها؟ الحرب في حقيقتها محض خراب، والحصار جوع للمدن وساكنيها. هكذا كنّا، لا ملاجئ تأوينا، القلق يحتدم داخل الرؤوس، قلق على حفيديّ الصغيرين.. أضواء تدخل من النوافذ، الطفلان يركضان باتّجاه النافذة. نركض خلفهما..طائرة في الأعالي، ألقت عدّة قنابل مضيئة، تضيئ السماء وأجسام البنايات المظلمة، ومن الأرض تنطلق المدافع المضادّة، القذائف تترك خلفها خطّاً طويلاً منحنياً من الضوء الأحمر، خطوط الضوء المنطلقة من الأرض تتلاقى حول منطقة القذائف الهابطة. المشهد كأنّه ثريا نورانية هائلة معلّقة، أو قبّة شاسعة من أضواء برتقالية وخطوط ضوئية حمراء تتلامع وتتوسّط السماء السوداء.

الطفلان منبهران، لم تعد أصوات الانفجارات تعني لهما شيئاً.. يتأملان "القناديل" الهابطة والمتلاقية، عيون الأطفال لا تلتقط ما في هدير القذائف، وهي تتعاقب فوق الرؤوس، انها أضواء مهرجانية هائلة الحجم "باهرة الجمال" تتشكل بإيقاع عنيف يشبه موسيقى كونية فظّة، لا جمال فيها لذاتها، بل في قدرتها على كشف عدوانية وغطرسة الامبريالية.

لحظات.. وعادت أصوات الانفجارات، ترتجف حيطان المنزل، والمدينة تهتز من جذورها، لكن الأضواء ما تزال متنوعة باهرة، تصير للحرب جماليتها، عندما تتحول من مجرد عدوان إلى احتدام ملحمي، عندما تتنامى المجابهة في مختلف تنويعاتها وأشكالها، جماليات ليست بريئة، إنها جماليات مفارقة تولد من التوتر بين الرهبة والخوف والدهشة، فالضوء الذي ترسمه الصواريخ في السماء قد يبدو للعين لحظة بصرية خاطفة، لكنه في الأرض يعني بيتاً ينهار أو أطفالاً يموتون.

لعلّ من أصفى تجليات تلك المشاعر أننا كنّا، وسط الجحيم والعطش والجوع والموت اليومي، سعداء. كنّا في الوضوح الكامل، نجابه مباشرة، وبوعي عفوي، من دون التباس، العدو الواضح، المباشر.

الحروب لا تمتلك جمالها الخاص، بقدر ما تكشف قدرة الانسان على انتزاع معنى أو صورة ولو من قلب الظلام، إنها جماليات الألم والمفارقة. لا فرق لدينا حين يختلط العواء والغناء والعويل. والقتام بالضياء! مغول الحروب، كانوا يستدرجوننا إلى مرحلة أشد، يشربون من دمائنا، ويشنقون البلد من الوريد إلى الوريد. لا مفرّ للبلاد أن تعيش في (عرسها ـ الحصار) الجديد، من جوعها تلوك اشداقاً من الحجر

لقد تحول الإنسان العراقي في سنوات الحصار إلى كيميائي للحياة اليومية، كان يصنع الممكن من المستحيل، واستخرج من العدم أسباب الاستمرار، لا علاج في المستشفيات ولا دواء في الصيدليات، رواتب هزيلة تتبخر في سوق مجنون بالأسعار بسبب التضخم المالي المهدد لحياة الإنسان. ومع ذلك ظل الناس يجدون طريقة ما للضحك، وللعيش، وللاعتقاد بأن الغد يمكن أن يكون أقلّ قسوة.

في قلب هذا الضيق الهائل، ابتكر العراقيون طرقاً للحياة لم يعرفها غيرهم، نبشوا القبور والمطامر، ورقّعوا إطارات السيارات وملابسهم، اثناء ذلك انتشرت ظاهرة (تاير ابو الريحة)، جموع من البشر اصبحت مهنتهم نبش مطامر النفايات، يستعيدون ويأهلون المواد المستهلكة من جديد،

وصنّعوا معجون الطماطة والبعض صنّع الخمور في بيوتهم، واستخرجوا من بطارية ميتة خلية صالحة، أما المبرّدات القديمة فقد عاشت عمراً ثانياً، تعاد صناعة هياكلها، وتبديل أحشائها. سيارات الشارع هياكل معدنية متعبة.

نحن الأخوة مع الأبناء كانت مهنتنا خط لافتات المناسبات الوطنية والقومية التقدمية، وما اكثرها! لا نهمل لافتات القماش الأبيض التي نخطأ في كتابتها فندعها جانباً ثم نعود إليها نخيط منها (لبساناً داخلية بمختلف القياسات والأحجام).

في سنوات الحصار الطويلة، تغيّر مصير أشياء كثيرة، لم تعد المكتبات ضرورية للأديب، ولا نوافذ وأبواب منزله المتواضع، كلها تجد طريقها إلى أرصفة البيع! كيف حدث ذلك؟ ربما لأن الإنسان حين يواجه الحصار طويلاً، لا يكتفي بالبقاء، بل يبتكر حيلة للفرح كذلك، سعادة صغيرة يعيشها كإعلان خفي بأن الحياة، مهما ضاقت، ما تزال قادرة على الاستمرار. لكن المعنى النهائي يبقى شاهداً على فداحة ما حدث. في المقالة التي كتبها سعدي يوسف قبل يوم من مغادرته بيروت، مع المقاتلين الفلسطينيين، قال إنه لا يستطيع معرفة القيمة الأدبيّة والشعرية لما كتبه خلال أيام حصار بيروت الصعبة، ولكنه يعتزّ بها شهادة وذكرى، ومن يدري ـ يقول سعدي ـ فلعلّني معتز بها شعراً.

إن شعور الاعتزاز لدى سعدي هو الشعور الأرسخ والأبقى في أعماق الكتّاب والشعراء الذين قاوموا الحصار والحروب.

كنا بين غارة وغارة نخرج إلى الشوارع، نتلمس جراحنا الجديدة، العيون تتطلع إلى الانهيارات الجديدة، الثقوب في الجدران ثقوب في القلوب، الجسور والمباني المهدمة سكاكين تحفر أثلاماً في الجسد الحيّ، النوافذ التي اندلعت منها نيران الحرائق توقد نيران الروح. الوجوه التي لا تعرف بعضها بعضاً، تلتقي، صوفيون هم أهل بغداد، في الحصار والحروب، مندمجون بهما، متوحدون بحجار المدينة المحترق، كما المتعبّد لتماثيل الآلهة في معبد عريق.

يتساءل سعدي يوسف أثناء حصار بيروت: كيف احتفظتُ بالعصب الهادئ وسط الجحيم؟ قد أخجل الآن حين أقول إنني كنت سعيداً، لكنها الحقيقة، كنت سعيداً فعلاً. سعيداً أن أبرر حياتي وكلماتي .

***

جمال العتّابي

 

"نظرة أخلاقية وشرعية وقانونية"

مفهوم الأمانة: الأمانة في معناها العام هي أداء الحقوق إلى أصحابها، والمحافظة عليها وصيانتها من الضياع أو الاعتداء، سواء تعلقت بحقوق مادية أم معنوية. ويعد حفظ الامانة من أعظم القيم الإنسانية والدينية والقانونية عبر التاريخ ، إذ تقوم عليها الثقة بين الأفراد واستقرار المعاملات والمجتمعات.

وتنقسم الأمانة بحسب طبيعتها إلى قسمين رئيسيين متكاملين:

هما الأمانة المادية والامانة المعنوية

أولاً: الأمانة المادية (المالية)

التعريف: يقصد بالأمانة المادية حفظ الأموال والممتلكات والأشياء المادية التي تُسلَّم إلى الشخصعلى سبيل الحفظ أو الاستعمال أو الإدارة أو الوكالة او الإعارة، مع الالتزام بردّها أو التصرف بهاوفق ما أُؤتمن عليه.

أمثلة الأمانة المادية:

المحافظة على المال العام وعدم استغلاله لمصلحة شخصية.

أمانة الموظف في إدارة الأموال والموجودات الرسمية.

ردّ الديون إلى أصحابها في مواعيدها.

المحافظة على الودائع والأموال المسلَّمة للحفظ، وحفظ البضائع والأمانات التجارية.

إعادة الأشياء المستعارة إلى أصحابها

أهمية الأمانة المادية:

تُعد الأمانة النادية (المالية) أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأن ضياعها يؤدي إلى انتشار الاحتيال والفساد وفقدان الثقة في المعاملات والمؤسسات.

ثانياً: الأمانة المعنوية

التعريف:

الأمانة المعنوية هي صيانة كل ما لا يُقدَّر بثمن مادي، ويتعلق بالقيم الأخلاقية والمبادئ والواجبات الإنسانية وحقوق الآخرين المعنوية.

وهي أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا من الأمانة المالية، لأنها ترتبط بالضمير والصدق والشرف المهني والاجتماعي.

صور الأمانة المعنوية

1. أمانة المشورة والرأي:

ويكون ذلك بإعطاء الرأي أو المشورة بصدق وإخلاص، بعيدًا عن التضليل أو تحقيق المصالح الشخصية، سواء في مجالات القانون أو الاقتصاد أو السياسة أو الإدارة او المجالات العسكرية والاستخبارية والأمنية أو غيرها.

2. حفظ الأسرار:

ويشمل المحافظة على أسرار الدولة خاصة تلك التي تتمتع بالسرية والتي يؤدي كشفها الى اضرار عامة.

وكذلك امانة حفظ اسرار الناس وخصوصياتهم وأسرار البيوت والمجالس والعمل، وعدمإفشائها بما يضر أصحابها.

3. أمانة الكلمة والنصيحة:

فالكلمة مسؤولية، والنصيحة أمانة، ويجب أن تقوم على الصدق والإخلاص وعدم الخداع أوالغش أو تضليل الرأي العام.

4. أمانة المهن والوظائف:

وتتمثل في أداء الواجب المهني بضمير حي وإتقان وإخلاص، وانانة الحفاظ على اسرار المهنة مثل:

أمانة القاضي في تحقيق العدالة.

أمانة المحامي في الدفاع الشريف.

أمانة الطبيب في حفظ حياة المريض.

أمانة المعلم في تربية الأجيال.

أمانة الموظف العام في خدمة المجتمع.

5. أمانة الرعاية والتربية:

وتشمل مسؤولية الآباء والأمهات في رعاية الأبناء وتربيتهم تربية صالحة قائمة على الأخلاق والعلم والقيم.

6. بيوع الأمانة:

من التطبيقات الفقهية المهمة للأمانة ما يُعرف بـ”بيوع الأمانة“، وهي البيوع التي يعتمد فيها المشتري على صدق البائع في بيان الثمن الحقيقي للسلعة.

ومن أهم صورها

بيع المرابحة.

بيع التولية

بيع الوضيعة.

وتقوم هذه البيوع على الصدق وعدم الغش أو التدليس.

الأثر الشرعي والقانوني للأمانة:

في الفقه والقانون يُفرَّق بين "يد الأمانة" و"يد الضمان"، فـيد الأمانة هي يد الشخص الذييحوز المال بإذن صاحبه ولمصلحته أو لمصلحة مشتركة، كالوديع والمستعير والوكيل، ولايضمن ما يهلك أو يتلف إلا إذا تعدّى أو قصّر.

أما يد الضمان فهي يد من يلتزم بضمان المال وما يلحقه من تلف أو نقصان، سواء بسبب التعدي أو بحكم العقد أو القانون، كالغاصب أو من استعمل المال على وجه غير مأذون به.

ويترتب على هذا التمييز آثار مهمة في المسؤولية المدنية والفقهية، إذ تختلف حدود الالتزام بالتعويض بحسب طبيعة اليد وما إذا كانت يد أمانة أم يد ضمان.

أولاً: في الشريعة الإسلامية

جعل الإسلام الأمانة من أعظم الواجبات الأخلاقية والدينية، وعدّها من صفات المؤمنين، قالتعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىأَهْلِهَا﴾

كما عدّ النبي محمد ﷺ خيانة الأمانة من علامات النفاق، لما يترتب عليها من فساد وظلموضياع للحقوق.

ولا تقتصر الأمانة في الإسلام على المال فقط، بل تشمل المسؤولية والوظيفة والعلموالسلطة والكلمة.

ثانيا: في القانون

حظيت الأمانة بحماية قانونية واسعة، سواء في القانون المدني أو الجزائي أو الإداري.

1. في القانون المدني

تظهر الأمانة في:

الوديعة

الوكالة.

العارية

الإدارة.

تنفيذ العقود بحسن نية

2. في القانون الجزائي

جرّم القانون خيانة الأمانة باعتبارها اعتداءً على الثقة المشروعة بين الناس.

وتتحقق جريمة خيانة الأمانة عندما يتسلم شخص مالًا أو شيئًا على سبيل الأمانة ثم يختلسه أو يستعمله بصورة مخالفة للغرض الذي سُلّم من أجله.

وتختلف خيانة الأمانة عن السرقة، لأن المال في خيانة الأمانة يُسلَّم إلى الجاني ابتداءً بصورة مشروعة، ثم يقع الاعتداء لاحقًا بإساءة استعمال

***

فارس حامد عبد الكريم

تَفْكِيكُ النُّظُمِ البَدِيلَةِ ومَتَاهَاتِ التَّبَعِيَّةِ

بين عقلانية المنفعة والنزوع الطوباوي الجذري: تتطلب دراسة البنية التنظيمية والاجتماعية لقراصنة الكاريبي خلال عصرهم الذهبي الممتد من خمسينيات القرن السابع عشر إلى ثلاثينيات القرن الثامن عشر تفكيك نظم التحكم البديلة التي نشأت على متن سفنهم كاستجابة جذرية وانقلابية للاستبداد الإمبراطوري. لقد عاش البحارة في البحرية الملكية والأسطول التجاري تحت وطأة نظم انضباطية وحشية، اتسمت بالتعسف، وسوء التغذية، والأجور الزهيدة، وهو ما جعل التحول إلى القرصنة خياراً واعياً لاسترداد الذات والتحرر من آلة الرأسمالية الإمبراطورية الناشئة. وفي هذا الفضاء اللادولتي، طوّر القراصنة نظام إدارة يتجاوز بكثير الممارسات السياسية السائدة في مجتمعات القرن السابع عشر الاستبدادية.

تأسست هذه الإدارة البديلة على ما يُعرف بـ "مواثيق القراصنة" أو أوراق الاتفاق، والتي مثلت أولى الدساتير المكتوبة القائمة على الإجماع والتعاقد الحر. وتنص المادة الأولى في العديد من هذه المواثيق على أن "لكل رجل صوت في الشؤون الآنية والمصيرية"، مما رسخ ديمقراطية تمثيلية ومباشرة مبكرة. وبموجب هذا النظام الدستوري، كان طاقم السفينة ينتخب القبطان انتخاباً شُورياً ديمقراطياً ويحتفظ بحق عزله واستبداله في حال إساءة استخدام السلطة أو إظهار ضعف في التقدير. ولم تكن سلطة القبطان مطلقة إلا في أوقات الطوارئ والاشتباك الحربي والمطاردة، بينما ظلت شؤون الإبحار وتحديد الوجهات وتوزيع الغنائم خاضعة لقرار "مجلس القراصنة" المشترك الذي يضم كامل أفراد الطاقم بالتساوي.

ولموازنة سلطة القبطان، استحدث القراصنة منصب "الربعان" المنتخب ديمقراطياً، والذي كان بمثابة رئيس وزراء وجهاز تدقيق قضائي وتنفيذي مستقل. وتولى الربعان مراقبة سلوك القبطان لمنعه من التعدي على الطاقم، وأشرف على تقسيم الغنائم، وعمل كحَكَم في النزاعات الداخلية. علاوة على ذلك، تضمنت المواثيق نظاماً جذرياً للتكافل الاجتماعي والتعويض عن الإصابات؛ حيث حددت قيمة مالية دقيقة لكل إعاقة جسدية تُدفع من الصندوق المشترك للغنائم، فكان فقدان الذراع اليمنى يعادل ستمائة قطعة من فئة الثمانية بينما يعادل فقدان الذراع اليسرى خمسمائة قطعة، وفقدان العين أو الساق يعوض مالياً بالمثل. وتوزعت الثروة المنهوبة بعدالة غير مسبوقة؛ إذ كان القبطان والربعان يتقاضيان حصتين فقط من الغنائم، في حين ينال صغار الضباط حصة وربعاً إلى حصة ونصف، ويحصل البحار العادي على حصة كاملة، وهي فوارق ضئيلة للغاية مقارنة بهياكل الأجور الرأسمالية الفاحشة المعاصرة لهم.

ينقسم التحليل المعاصر لهذه الظاهرة التاريخية إلى مدرستين فكريتين؛ الأولى يمثلها الاقتصادي بيتر ليسون في أطروحته "الخطاف الخفي" حيث يطبق نظرية الاختيار النفعي العقلاني لتفسير سلوك القراصنة. يرى ليسون أن ديمقراطية القراصنة ودساتيرهم لم تكن نابعة من أفكار تنويرية أو رغبة أخلاقية في العدالة، بل كانت نتاجاً لحسابات نفعية صارمة تهدف إلى منع الاقتتال الداخلي، وتقليل كلفة النزاعات، وتعظيم كفاءة النشاط الجنائي المشترك. وبحسب ليسون، فإن التسامح العرقي الذي أظهرته بعض السفن عبر دمج العبيد السود الفارين كأعضاء أحرار وحمايتهم من الاسترقاق لم يكن تعبيراً عن إنسانية تقدمية، بل لأن كلفة ممارسة التمييز العنصري كانت باهظة وتعيق التعاون الحيوي في المعارك المشتركة.

في المقابل، يقدم المؤرخ الاشتراكي ماركوس ريديكر قراءة مغايرة تماماً تركز على الصراع الطبقي والتمرد الاجتماعي. يرى ريديكر أن مجتمعات القراصنة كانت بمثابة حركة عمالية جذرية ألغت علاقة الأجر التي تمثل العمود الفقري للتراكم الرأسمالي، وحولت السفينة إلى ملكية مشتركة تدار ديمقراطياً خارج نطاق تحكم الدولة والطبقة الحاكمة. فالقراصنة لم يكونوا مجرد لصوص عقلانيين، بل متمردين اجتماعيين واجهوا بعنف وجسارة نظم العمل الجائرة، مما جعلهم أبطالاً شعبيين للطبقات الفقيرة والمستغَلة في تلك الحقبة.

 فرضية الأثر الديمقراطي الأمريكي وتأثير قراصنة الكاريبي

تطرح الأبحاث الأكاديمية المقارنة فرضية تلازمية وتاريخية تربط بين آليات الإدارة الذاتية للقراصنة والتشكل اللاحق للنظام الديمقراطي الأمريكي. وتفترض هذه الدراسات، ومن أبرزها أطروحة جيسون أكوستا من جامعة فلوريدا، أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ربما استلهموا بعض ملامح الفصل بين السلطات والتوازنات الدستورية من مواثيق القراصنة التي حظيت بتغطية إعلامية وعلنية واسعة في أوائل القرن الثامن عشر. وتكشف مقارنة بنود ميثاق القراصنة بالدستور الأمريكي عن تشابهات وظيفية دقيقة؛ حيث يمثل انتخاب القبطان أصل النموذج الرئاسي الانتخابي، ويعادل مجلس القراصنة المشترك سلطة الممثلين التشريعية، في حين يعمل الربعان بمرجعية تشبه سلطة القضاء المستقل والضوابط الدستورية لكبح جماح السلطة التنفيذية.

يشير بيتر ليسون إلى أن الآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم جيمس ماديسون وتوماس جيفرسون، كانوا قراءً نهمين للمؤلفات القانونية والتاريخية الرائجة في عصرهم، ولا يُستبعد اطلاعهم على نظم إدارة القراصنة المفصلة في كتاب "التاريخ العام للقراصنة" المنشور عام 1724، وهو ما يفسر التماثل المذهل في تطبيق مبادئ الفصل اللامركزي بين السلطات الوارد في الأوراق الاتحادية التأسيسية.

بالإضافة إلى الأثر الدستوري، كان للقراصنة دور مادي وتاريخي حاسم في تمكين المستعمرات الأمريكية الفتية من البقاء والازدهار الاقتصادي في مواجهة الاحتكار التجاري للتاج البريطاني. ففي ظل غياب الدعم والتمويل الكافي من لندن، قام القراصنة بضخ كميات ضخمة من العملات النقدية والبضائع الثمينة المنهوبة مباشرة في أسواق الموانئ الاستعمارية مثل تشارلستون في كارولاينا الجنوبية وبورت رويال في جامايكا، مما ولد طفرة تجارية أنقذت هذه المستوطنات من الانهيار والفقر المدقع.

علاوة على ذلك، يوضح المؤرخ دوغلاس برغس في كتابه "سياسات القرصنة" أن التواطؤ العضوي والمالي لحكام المستعمرات الأمريكية مع القراصنة وحمايتهم من الملاحقة تسبب في نشوء نظام قانوني وقضائي محلي منفصل ومستقل عن إملاءات المحكمة الإمبريالية البريطانية. هذا النزاع القضائي المستمر حول تعريف وتجريم القرصنة مثّل أولى بذور الاستقلال التشريعي والقانوني والسياسي للمستعمرات الأمريكية، ومهد الطريق لتمرد الثوار اللاحق ضد التاج البريطاني.

 تفكيك هيكلي للدولة في العالم الثالث

تتكشف عدم قابلية نموذج القراصنة، أو الديمقراطيات الليبرالية الغربية المسترشدة بإرثها التاريخي، للتطبيق في دول العالم الثالث عند إخضاع الدولة في مرحلة ما بعد الجلاء الاستعماري للتحليل التكويني والسياسي. إن الدولة في الجنوب العالمي ليست نتاجاً لتطور تاريخي واقتصادي واجتماعي داخلي متناغم، بل هي كيان هجين تمت صناعة حدوده وهياكله قسرياً من قبل القوى الإمبريالية الكبرى أثناء انسحابها العسكري. وقد تعمد المستعمر رسم هذه الحدود الإدارية والسياسية دون أي اعتبار للتركيبة العرقية، والثقافية، واللغوية للمجتمعات المحلية، مما أوجد دولاً تفتقر إلى الحد الأدنى من الاندماج الوطني والانسجام الاجتماعي. ويؤدي هذا التشوه التأسيسي إلى إبقاء الدولة في حالة صراع داخلي دائم، وحروب أهلية، ونزعات انفصالية تستنزف طاقتها ومواردها وتحول دون تشكل فضاء سياسي موحد.

علاوة على ذلك، يواجه بناء الديمقراطية الاجتماعية في العالم الثالث عقبة التبعية الاقتصادية والمالية العميقة لمركز النظام الرأسمالي العالمي. فخلافاً للدول الصناعية المتقدمة، تعاني الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار من ضعف هيكلي في سيادتها الخارجية واستقلالها السياسي الفعلي؛ إذ تظل مقيدة بشروط الديون الخارجية والمساعدات المشروطة التي تقدمها مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والشركات عابرة القارات. ويجبر هذا الوضع الدولة على اتخاذ سياسات اقتصادية تقشفية تلغي الدعم وتصادر المرافق العامة عبر الخصخصة، مما يدمر أسس العقد الاجتماعي والعدالة التوزيعية اللازمة لبناء ديمقراطية اجتماعية مستقرة.

يتضح بالتالي أن محاولة تطبيق "نموذج القراصنة" كآلية ديمقراطية بديلة في العالم الثالث تنطوي على مغالطة فلسفية وفئوية فادحة؛ فحركية القراصنة أدارت ونظّمت مجتمعاً استهلاكياً طفيلياً مغلقاً لا يرتكز على دورة إنتاجية ذاتية، بل على الاستيلاء القسري على ثروات تم إنتاجها مسبقاً في دورة رأس المال الإمبراطوري وإعادة توزيعها داخلياً. بينما تتطلب الديمقراطية الاجتماعية في دول الجنوب بناء قوى إنتاج محلية، وحماية الموارد الطبيعية والسيادة الوطنية، وتحقيق الاندماج الاجتماعي المتوازن وتجاوز الانقسامات العرقية التي خلقها الاستعمار، وهي تحديات هيكلية تتجاوز جوهرياً قدرات ومحددات نظم القراصنة العابرة والمؤقتة بطبيعتها.

 استنتاج نقدي فلسفي

إن التبجح بقدرة نموذج "قراصنة الكاريبي" أو البنى الديمقراطية المشتقة منه على صياغة خلاص لدول الجنوب هو سقوط في فخ "التبعية المعرفية المستترة". يجب إيقاف هذا التدليس الفكري فوراً؛ فنظام القراصنة لم يكن حركة تحررية لبناء المجتمعات، بل كان مجرد ذراع طفيلية تتغذى على دماء الدورة الرأسمالية الإمبراطورية نفسها، ويعجز بنيوياً عن التحول إلى كيان تنموي يواجه تمزقات العالم الثالث الموروثة عن جائحة الاستعمار. إن استدعاء هذه النماذج ليس قراءة تقدمية، بل هو إعادة إنتاج للمنطق الاستعلائي الغربي الذي يفترض أن الحلول يجب أن تأتي دوماً من التاريخ الأبيض...!، حتى لو كان تاريخ قطاع طرق وبحارة مخمورين.

 وفي ذات السياق، فإن الأطروحات الهزيلة التي تروج لـ "الفرض الديمقراطي الخارجي" ليست إلا فخاخاً لاستلاب السيادة. إن توهيم شعوب الجنوب بالتحرر من خلال فضاءات افتراضية ممسوخة تديرها خوارزميات صهيونية وغربية في حواضن التكنولوجيا الكبرى، هو استعمار عقلي يستبدل سوط الجلاد القديم بتبعية استخراجية وتكنولوجية حديثة. إن انبعاث الجنوب العالمي وتأسيس ديمقراطيات اجتماعية حقيقية لن يتحقق بالوقوف على أعتاب الوهم الغربي أو باستهلاك رموز واهية، بل يفرض مواجهة معرفية واقتصادية شاملة؛ مواجهة تقطع دابر التبعية، وتسترد الفضاء العام المادي، وتنتزع سيادة تكنولوجية واقتصادية تنبثق عنوة من صلب مجتمعات الجنوب وتضامنها الراديكالي الصلب ضد المركزية الغربية وأدواتها.

***

غالب المسعودي

العِلم غير مُحدَّد مما يمكّننا من أن نكون فعّالين في إنتاجه. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية العلوم من خلال القانون التالي: العِلم × صفر = اختبار الاعتقاد × صفر. فبما أنَّ العِلم × صفر = اختبار الاعتقاد × صفر، إذن العِلم = (اختبار الاعتقاد × صفر) ÷   صفر. وبذلك العِلم = صفر ÷   صفر. ولكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك العِلم غير مُحدَّد. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية العِلم.

من فضائل هذا القانون أنه يضمن فعّاليتنا في إنتاج العلوم. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، العِلم غير مُحدَّد وبذلك يطالبنا العِلم بتحديده المستمر، إذن يدفع بنا نحو أن نكون فعّالين في إنتاجه. وفي ضمان فعّاليتنا في إنتاج العلوم دلالة على مصداقية قانون العِلم السابق. وبما أنَّ العِلم غير مُحدَّد، لا يسجننا العِلم بمفاهيم علمية ماضوية مُحدَّدة مُسبَقاً مما يحرِّرنا فكرياً. وفي ضمان حريتنا الفكرية والعلمية فضيلة كبرى دالة على مصداقية قانون العِلم السابق. من المنطلق نفسه، بما أنَّ العِلم غير مُحدَّد، إذن من الممكن تطويره باستمرار على ضوء قراراتنا المعرفية. هكذا يضمن قانون العِلم السابق إمكانية تطوير العلوم باستمرار. وفي هذا فضيلة دالة على صدق القانون السابق ومصداقيته.

ينجح هذا القانون في تفسير لماذا العلوم تتغيّر وتُستبدَل النظريات العلمية بنظريات علمية أخرى مختلفة. وعلى ضوء هذا النجاح التفسيري يكتسب القانون السابق صدقه. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، العِلم غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أن تتغيّر العلوم وتُستبدَل النظريات العلمية بأخرى وذلك من جراء لا مُحدَّدية العِلم (التي تضمن عدم سجننا بنظريات علمية ماضوية فتدفع بنا نحو تغيير العلوم واستبدال النظريات العلمية بأخرى). هكذا ينجح قانون العِلم السابق في تفسير لماذا تتغيّر العلوم وتُستبدَل النظريات العلمية بأخرى.

كما ينجح هذا القانون في التعبير عن أنَّ العِلم كامن في الاختبار. فبما أنَّ العِلم × صفر = اختبار الاعتقاد × صفر، إذن العِلم كامن في اختبار الاعتقاد كاختبار النظريات التي نعتقد بها. هكذا ينجح قانون العِلم السابق في التعبير عن أنَّ العِلم كامن في الاختبار مما يدلّ على أنه قانون صادق على ضوء نجاحه التعبيري. فالنظرية العلمية هي القابلة للاختبار. فإن لم نتمكّن من اختبار نظرية معينة على ضوء الوقائع، فحينئذٍ لا دلالة على أنَّ تلك النظرية تعبِّر عن الواقع مما يتضمن أنها غير علمية.

***

حسن عجمي

مقاربة عابرة للمناهج والتخصصات

مقدمة: نقدم لكم مقالا تأبينيا على اثر رحيل السوسيولوجي الفرنسي إدغار موران (1921-2026) الذي يمثل واحداً من أبرز النماذج الفكرية في القرن العشرين والحادي والعشرين، الذي رفض الانغلاق داخل حدود التخصصات الأكاديمية التقليدية. هويته البحثية ليست مجرد جمع بين مجالات معرفية، بل هي بناء مركب ينسج السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والنمذجة والبيولوجيا والفلسفة في نسيج واحد، يسعى إلى فهم الواقع في تعقده الجوهري. هذه الهوية تتجلى في مفهومه المركزي "الفكر المركب"، الذي يقدمه كبديل للفكر البسيط أو الاختزالي الذي يسيطر على العلوم التقليدية. فمن هو ادغار موران؟ أين عاش؟ بمن تأثر؟ ماهي ملامح فكرة؟ وكيف عالج ازمة العالم؟ وماهي تأثيرات أفكاره مواقفه على السياسة والتربية والجامعة؟

الجذور السيرية والفكرية للهوية المركبة

نشأ موران في سياق تاريخي مضطرب: يهودي سفاردي ولد في باريس، عاش صدمة فقدان الأم في طفولته، وانخرط مبكراً في المقاومة ضد النازية، ثم في الحزب الشيوعي قبل أن ينفصل عنه نقدياً. هذه التجارب شكلت وعيه بالأزمات الإنسانية والاجتماعية، ودفعته نحو البحث عن فهم شامل للإنسان. درس الفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا والتاريخ، ولم يكمل درجة الدكتوراه التقليدية، مما أعطاه حرية تجاوز المناهج الجامدة.  بدأ مساره بسوسيولوجيا الثقافة والإعلام، ثم انتقل إلى الأنثروبولوجيا البصرية والسينمائية (مثل فيلمه وقائع صيف مع جان روش، الذي ساهم في تأسيس "السينما الحقيقية"). لكنه لم يقف عند ذلك؛ بل توجه نحو دراسة الإنسان ككائن بيولوجي-ثقافي-اجتماعي، مستلهماً حوارات مع بيولوجيين مثل جاك مونود. أسس مراكز بحثية عابرة للتخصصات مثل مركز روايومونت لعلم الإنسان الأساسي، ثم مركز الدراسات العابرة للتخصصات (سي تي إس إيه بي)، الذي أصبح فيما بعد مركز إدغار موران.

السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا: فهم الإنسان في سياقه

في وسط هوية موران السوسيولوجية الأنثروبولوجية يقف رفض الاختزال. يرى المجتمع ليس كمجموع أفراد أو بنى ثابتة، بل ككيان معقد يتفاعل فيه الفرد والنوع والمجتمع بشكل متبادل. كتابه الباراديغم المفقود: طبيعة الإنسان (1973) يمثل نقطة تحول، حيث يقدم الإنسان كثلاثية لا تنفصل: فرد يحمل النوع (بالوراثة والثقافة)، ومجتمع يشكل الفرد، والعكس بالعكس. هذا المنظور الأنثروبولوجي يدمج الملاحظة الميدانية (من ألمانيا بعد الحرب إلى أمريكا اللاتينية) مع التحليل الثقافي. يدرس موران الثقافة الشعبية والأساطير والإعلام كعناصر تشكل الهوية الإنسانية، لكنه يتجاوز الوصف إلى النقد: كيف يؤدي التخصص المفرط إلى "تشظي" المعرفة، مما يعيق فهم الأزمات الاجتماعية الكبرى مثل العولمة أو الصراعات الهوياتية.

النمذجة والبيولوجيا: نحو فهم التعقد المنظم

يستعير موران من البيولوجيا والنظرية العامة للنظم أدوات لنمذجة الواقع. في سلسلته الرئيسية المنهج، التي تمتد على ستة مجلدات (1977-2004)، يبدأ بطبيعة الطبيعة  ثم  حياة الحياة. يرفض النمذجة الخطية أو الاختزالية التي تحول الكائنات إلى آلات، ويقترح نموذجاً يعتمد على الذاتية المنظمة.

المفاهيم الأساسية هنا:

العلاقة بين النظام والفوضى: التعقد ينشأ من توازن ديناميكي بين الانتظام والاضطراب، لا من إلغاء أحدهما.

المبدأ الحواري: العناصر المتناقضة (مثل الحياة والموت، الفرد والمجتمع) تكون متكاملة ومتضادة في الوقت نفسه.

المبدأ التكراري: السببية دائرية؛ المنتج يؤثر في المنتِج.

المبدأ الهولوغرامي: الجزء يحتوي على معلومات عن الكل، والكل موجود في الجزء.

هذه النمذجة البيولوجية-النظمية تطبق على السوسيولوجيا: المجتمعات ككائنات حية تتطور عبر أزمات وتفاعلات، لا كآلات قابلة للتحكم. يربط موران بين البيولوجيا والفلسفة ليؤسس "بيولوجيا للقرن الحادي والعشرين" تتجاوز الاختزال الجزيئي نحو فهم الحياة كظاهرة معقدة

الفلسفة: إبستمولوجيا المعرفة والأخلاق

الفلسفة ليست إضافة بل جوهر هذه الهوية. ينتقد موران "الباراديغم التبسيطي" الذي يعتمد على الفصل، الاختزال، والتجريد. يدعو إلى "إصلاح الفكر" يعيد ربط المعارف. في معرفة المعرفة (المجلد الثالث من المنهج)، يطور أنثروبولوجيا المعرفة وسوسيولوجيا المعرفة، مؤكداً أن المعرفة ذاتها ظاهرة معقدة مشروطة بالثقافة والتاريخ والدماغ البشري. كما يؤكد على "معرفة المعرفة": لا معرفة بدون وعي بحدودها وتحيزاتها. هذا يؤدي إلى أخلاقيات معرفية وإنسانية: التواضع أمام التعقد، والمسؤولية تجاه الكوكب. يرى الإنسانية كمغامرة مشتركة في مواجهة اللايقين، لا كمشروع سيطرة.

المقاربة العابرة للمناهج: التحدي والإنجاز

تكمن قوة موران في النزعة المتعالية الحقيقية، لا المتعالية السطحية. يجمع بين:

الملاحظة الإمبريقية السوسيولوجية-الأنثروبولوجية.

النمذجة النظمية-البيولوجية.

التأمل الفلسفي-الإبستمولوجي.

هذا النسج ينتج رؤية "إنسانولوجية"  شاملة. يطبقها على قضايا معاصرة: الأزمات البيئية، التعليم (في الدروس السبع للتعليم المستقبلي لليونسكو)، الديمقراطية، والعولمة. التعليم، مثلاً، يجب أن يعلم التعامل مع اللايقين، التعقد، والروابط بين المعارف، لا مجرد تكديس معلومات متخصصة.

تأثير إدغار موران على السياسة والديمقراطية: بين الفكر المركب والممارسة

يمثل إدغار موران مفكراً سياسياً عميق التأثير، رغم أنه لم يكن سياسياً حزبياً تقليدياً. تجربته الشخصية (مقاومة النازية، انخراط مبكر في الحزب الشيوعي ثم انفصال نقدي عنه عام 1951) شكلت رؤيته للسياسة كمجال معقد يتطلب "فكراً مركباً" بدلاً من الأيديولوجيات الاختزالية. تأثيره يمتد على مستويين: فكري (نقد وإعادة صياغة مفاهيم الديمقراطية والسياسة) وعملي (تأثير في نقاشات عامة، سياسات حضارية، ووعي كوكبي).

الأسس الفكرية: سياسة التعقد والإنسان

يرفض موران السياسة التبسيطية التي تفصل بين "الاقتصاد" و"الاجتماع" أو "الفرد" و"المجتمع"، ويدعو إلى سياسة مركبة ترى الواقع في تعقده: أنظمة ديناميكية تتفاعل فيها التناقضات (نظام/فوضى، فرد/مجتمع، خصوصية/عالمية). سياسة الحضارة: طورها في الثمانينيات والتسعينيات (كتاب 1997 مع سامي ناير، و2001). ينتقد فيها الحضارة الغربية التي أنتجت الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم العلمي، لكنها أنتجت أيضاً آثاراً سلبية مهيمنة: فردانية مفرطة، استهلاكية، تدمير بيئي، وأزمة معنى. يدعو إلى "سياسة حياة" تحول التنمية الاقتصادية إلى تنمية إنسانية شاملة.

الأرض-وطن (, 1993 مع آن-بريجيت كيرن): أحد أبرز أعماله السياسية. يقترح وعياً كوكبياً يرى البشرية كمجتمع مصير مشترك في كوكب واحد. السياسة لم تعد وطنية فقط، بل كوكبية تواجه "البولي-كريزيس" (مفهومه عن الأزمات المتعددة المتداخلة: بيئية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية).

الديمقراطية كعملية حوارية غير مكتملة: الديمقراطية ليست مكسباً نهائياً، بل نظام حواري يحتضن التوتر بين الحرية والمساواة، التوافق والصراع، الفرد والجماعة. تحتاج إلى تضامن ومسؤولية، وتعليم يربي على "الفهم" والتعاطف (كما في أعماله التعليمية). يحذر من تراجع الديمقراطيات أمام الشعبوية والاستبداد.

2. النقد الموراني للسياسة التقليدية

ينتقد الاختزال الأيديولوجي (سواء الليبرالي المتوحش أو الاشتراكي الدوغمائي).

يرى السياسة "الأقل تطوراً" في مجتمعاتنا لأنها تفتقر إلى ثقافة سياسية مركبة.

يدعو إلى إصلاح ديمقراطي يعيد السلطة إلى المواطن النشط (لا الخاضع)، ويجمع بين التراث الليبرتاري (الفرد)، الاشتراكي (العدالة)، الشيوعي (التضامن)، والبيئي.

3. التأثير العملي والممارسة

تأثير مباشر: استخدم نيكولا ساركوزي مصطلح "سياسة الحضارة" عام 2007-2008، مما أثار دهشة موران نفسه. أثرت أفكاره في نقاشات فرنسية وأوروبية حول الهوية والعولمة.

الوعي الكوكبي: ساهم مفهوم "الأرض-وطن" و"البولي-كريزيس" في تشكيل خطابات الأمم المتحدة واليونسكو حول التنمية المستدامة، المواطنة العالمية، والتضامن البشري. ألهم حملات ومنظمات غير حكومية تدعو إلى سياسة كوكبية.

التدخلات العامة: ظل موران حتى سنواته الأخيرة مفكراً عاماً يعلق على الأزمات (فرنسا، الشرق الأوسط، الحروب، الاستبداد، التغير المناخي). دافع عن علمانية مفتوحة على التعددية الثقافية، ونقد سياسات معينة مع الحفاظ على موقف إنساني.

في أمريكا اللاتينية ودول أخرى: أثرت رؤيته في إصلاحات تعليمية وسياسية تربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والبيئة.

يواجه تأثير موران تحدياً عملياً: أفكاره عميقة وتتطلب تحولاً ثقافياً جذرياً (إصلاح الفكر، التربية على التعقد، التضامن)، بينما السياسة اليومية تظل محكومة بالتبسيط والإعلام السريع والمصالح الضيقة.

مع ذلك، يظل إرثه حياً في عصرنا:

يساعد الفكر المركب على فهم كيف تتغذى الأزمات بعضها على بعض.

يقدم الديمقراطية الحوارية بديلاً عن الاستقطاب.

يدعو إلى إنسانية متجددة تجمع بين الحرية والمسؤولية الكوكبية.

في النهاية، سياسة موران ليست برنامجاً انتخابياً، بل دعوة وجودية لتحويل السياسة إلى أداة لحضارة إنسانية حقيقية. هي سياسة "الحياة" التي تواجه خطر التدمير الذاتي للبشرية ببناء تضامن كوكبي، وتربية مواطنين قادرين على العيش مع التعقد واللايقين، والدفاع عن الديمقراطية كعملية مستمرة وليست مكسباً أبدياً. هذا التأثير يتجدد اليوم في كل محاولة لمواجهة "البولي-كريزيس" بوعي مركب وأخلاق إنساني.

مفهوم الحوار (الديالوجيك) في فكر إدغار موران

مفهوم الحوار هو أحد الأعمدة الأساسية في الفكر المركب عند إدغار موران. ليس الحوار هنا مجرد نقاش أو تبادل آراء، بل هو مبدأ معرفي ووجودي يصف كيفية تنظيم الواقع المعقد من خلال التوتر الديناميكي بين عناصر متناقضة تبدو متضادة، لكنها في الواقع متكاملة وغير قابلة للفصل. يمثل هذا المبدأ قلب التحول من الفكر التبسيطي (الذي يفصل ويختزل) إلى الفكر المركب الذي يربط ويحتضن التعقد

الحوارية مقابل الديالكتيك

يُفرق موران بوضوح بين الديالوجيك والديالكتيك التقليدي (الهيغلي أو الماركسي). في الديالكتيك، يؤدي التناقض إلى نفي وتجاوز ينتج تركيباً أعلى يلغي التناقض الأصلي. أما الديالوجيك عند موران فيحافظ على التوتر بين المتناقضين دون إلغاء أحدهما للآخر. العنصران يبقيان حيين، متضادين ومتعاونين في آن واحد، ويولدان التعقد المنظم. يقول موران: "الديالوجيك هو الذي يسمح بتصور الوحدة المزدوجة للعناصر المتنافرة والمكملة". هذا المبدأ مستلهم جزئياً من الفيزياء (مثل جسيم-موجة) والبيولوجيا (مثل التوازن بين الاستقلال والتبعية في الكائن الحي)، لكنه يُعمم على كل مستويات الوجود

الحوارية كمبدأ منظم للتعقد

في سلسلة المنهج، يظهر الحوار كواحد من المبادئ الأربعة الكبرى إلى جانب:

المبدأ التكراري (الرجعي).

المبدأ الهولوغرامي.

مبدأ الإعادة التنظيمية.

يصف موران الواقع كـ"نظام حواري" حيث ينشأ التنظيم الذاتي من خلال هذا التوتر الدائم. أبرز الأمثلة:

النظام والفوضى: لا يمكن فهم الحياة أو المجتمعات بدون الاعتراف بأن الفوضى (الاضطراب، الحدث غير المتوقع، الطفرة) ضرورية للإبداع والتطور، بينما النظام ضروري للاستمرارية. الحوار بينهما يولد "النظام من الفوضى" (كما في نظرية التعقد).

الحياة والموت: الموت ليس نقيض الحياة فقط، بل هو جزء من دورة الحياة. الخلايا تموت لتجدد الكائن الحي، والأفراد يموتون لاستمرار النوع. هذا الحوار يجعل الحياة "ظاهرة غير مستقرة" تعيش على حافة الانهيار.

الفرد والمجتمع: الفرد يشكل المجتمع والمجتمع يشكل الفرد في حلقة تكرارية حوارية. لا يمكن اختزال أحدهما في الآخر.

الروح والجسد، الثقافة والطبيعة، الذات والآخر: كلها أزواج حوارية.

الحوارية في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا المورانية

في علم الإنسان الأساسي، يرى موران الإنسان نفسه ككائن حواري. الدماغ البشري ثلاثي (الزواحفي، الثديي، القشري) يعمل بحوار داخلي. الثقافة نفسها حوار بين التراث والابتكار، بين الذاكرة والنسيان.

في دراساته عن الإعلام والأساطير، يظهر الحوار في كيفية أن الخيال الجماعي يتغذى على تناقضات الواقع (الرغبة في الأمان والمغامرة، الخوف والأمل). كما يطبقه على الديمقراطية: مجتمع ديمقراطي حقيقي هو مجتمع يحتضن التوتر بين الحرية والمساواة، بين التوافق والصراع، دون محاولة إلغاء أحدهما.

الحوارية والمعرفة (إبستمولوجيا)

يمتد الحوار إلى مستوى المعرفة ذاتها. الفكر المركب يرفض "الفصل" بين المعارف، ويطالب بحوار بين التخصصات. العلم والفلسفة، والإمبريقي والتأملي، يجب أن يدخلا في علاقة حوارية لا تذيب أحدهما في الآخر. هذا يؤدي إلى "معرفة المعرفة" التي تدرك حدودها وتحيزاتها، وتقبل اللايقين كشريك حواري دائم. التواضع العلمي ليس ضعفاً، بل اعترافاً بهذا الحوار.

الأبعاد الأخلاقية والسياسية للحوارية

يحمل مفهوم الحوارية عند موران أبعاداً أخلاقية عميقة. في كتاب الأرض-الوطن وأعماله عن الأزمات الكوكبية، يدعو إلى سياسة حوارية تتعامل مع التناقضات البشرية (الهوية والكونية، الخصوصية والعالمية) دون محاولة حلها حلولاً اختزالية. الحوار هنا يعني القدرة على العيش مع الآخر المختلف، مع التناقض الداخلي، ومع اللايقين. هو أساس "الأخلاق المركبة" التي تجمع بين المسؤولية الفردية والتضامن الجماعي.

رغم قوته، يواجه مفهوم الحوار تحديات: كيف نحافظ على التوتر الإيجابي دون أن يتحول إلى صراع مدمر أو جمود؟ يجيب موران بأن التربية على التعقد ضرورية، كما في الدروس السبع للتعليم المستقبلي، حيث يجب تعليم الطلاب كيفية التفكير حوارياً مع التناقضات. في عصر الأزمات المتعددة المتداخلة، يصبح الحوار أداة حيوية لفهم أن التحديات البيئية والاجتماعية والتكنولوجية ليست منفصلة، بل حوارية: التقدم يولد مخاطر، والحلول تولد مشكلات جديدة.

مفهوم الحوار في فكر موران ليس تقنية منهجية فقط، بل رؤية وجودية ترى الكون والإنسان والمعرفة ككيانات حية تعيش وتتطور من خلال التوتر الخصب بين المتناقضات. هو دعوة للخروج من ثنائيات العصر الحديث القاتلة (عقل/جسد، إنسان/طبيعة، ذات/آخر) نحو علاقة مركبة تُغني الوجود بدلاً من تبسيطه. بهذا المعنى، يظل الحوار عند موران ليس مجرد مفهوم، بل طريقة في الحياة: طريقة للتفكير، للبحث، وللوجود في عالم معقد لا يُفهم إلا باحتضان تناقضاته.

أعمال إدغار موران حول التعليم: رؤية مركبة لتربية المستقبل

يُشكل إدغار موران واحداً من أبرز المفكرين الذين ربطوا بين الفكر المركب وبين إصلاح التعليم. لم يكن التعليم بالنسبة له مجرد نقل معارف متخصصة، بل مشروع إنساني شامل يهدف إلى "تعليم الحياة"، وإعداد الإنسان لمواجهة تعقد العالم، اللايقين، والأزمات المتداخلة (البولي-كريزيس). ينتقد موران التعليم التقليدي الاختزالي الذي يفصل المعارف، يتجاهل الأخطاء، ويغفل الإنسان في كليته.

1. الكتاب المركزي: السبع معارف الضرورية لتربية المستقبل (1999-2001) بدعوة من اليونسكو، كتب موران هذا النص القصير والمؤثر (الدروس السبعة المعقدة في التعليم من أجل المستقبل). يقدم فيه سبع دروس معقدة يجب أن تكون أساس التعليم في كل المجتمعات، لأنها تتجاوز المناهج التقليدية وتعالج الثغرات الكبرى في المعرفة والتربية.

الدروس السبع:

عمى المعرفة: الخطأ والوهم

يجب تعليم الطلاب أن المعرفة دائماً عرضة للخطأ والوهم (الإدراكي، الثقافي، الأيديولوجي). لا يوجد معرفة مطلقة؛ ينبغي تعليم كشف الأخطاء وتصحيحها، وإعطاء مكانة خاصة للخطأ كمصدر للتعلم.

مبادئ المعرفة الملائمة (المرتبطة)

يدعو إلى معرفة تربط الأجزاء بالكل، السياق بالعنصر، والمعلومات بالفهم. يرفض التخصص المفرط الذي يؤدي إلى "تشظي" المعرفة، ويطالب بمقاربة عابرة للتخصصات.

تعليم الشرط الإنساني

الإنسان كائن ثلاثي: بيولوجي-نفسي-ثقافي/اجتماعي. يجب فهم الوحدة المركبة للإنسان (الفرد-النوع-المجتمع) وتعقده، بدلاً من اختزاله في جانب واحد.

تعليم الهوية الأرضية (الأرض-وطن)

في عصر العولمة، يجب تربية الوعي بأننا مواطنون في كوكب واحد مشترك القدر. يجمع بين الخصوصيات الثقافية والتضامن الكوكبي، ويواجه التحديات البيئية والإنسانية المشتركة.

مواجهة اللايقينيات

التعليم يجب أن يعد لعالم غير متوقع، يحتوي على مخاطر ومفاجآت. يعلم استراتيجيات التعامل مع اللايقين بدلاً من وهْم السيطرة الكاملة.

تعليم الفهم

الفهم أساس التواصل الإنساني. يعالج مشكلتين: الأنانية الفردية والمركزية الاجتماعية/الثقافية. يربي على التعاطف، الحوار، والتفاهم بين الثقافات.

أخلاقيات النوع البشري

تربية على المسؤولية تجاه الإنسانية جمعاء، والكوكب، والأجيال المقبلة. تجمع بين الحرية الفردية والتضامن، وتعزز الوعي بالمصير المشترك.

2. أعمال مكملة أخرى

"الرأس الجيد: إعادة التفكير في الإصلاح، إصلاح الفكر" ( 1999): يركز على إصلاح طريقة التفكير نفسها، وكسر الحواجز بين التخصصات، وربط المعارف.

"تعليم الحياة: بيان من أجل تغيير التعليم" ( 2014): يوسع الرؤية ويؤكد أن مهمة التعليم الأساسية هي "تعليم كيفية العيش" في عالم معقد، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية، الأخلاقية، والوجودية. ينتقد الأزمة الحضارية التي تعكسها الأزمة التعليمية (الفردانية، فقدان التضامن، القلق).

أعمال أخرى تتناول التربية ضمن سياقات أوسع، مثل أجزاء من سلسلة المنهج، وكتابات حول إصلاح الجامعة والتفكير عبر التخصصات.

الأسس الفلسفية للتربية عند ادغار موران

ترتبط أفكاره التعليمية عضوياً بهويته البحثية المركبة:

رفض الاختزال والفصل → يدعو إلى ربط المعارف (السوسيولوجيا، البيولوجيا، الفلسفة، الأنثروبولوجيا).

مبدأ الحوار (الديالوجيك) → تعليم التعايش مع التناقضات (نظام/فوضى، يقين/لايقين، فرد/مجتمع).

الإنسانولوجيا → التعليم يدرس الإنسان في كليته المعقدة.

التربية على التعقد → ليست إضافة، بل قلب المنهج: تعليم "معرفة المعرفة" ومواجهة الأخطاء.

يدعو موران إلى إصلاح جذري: مناهج تربط بين العلوم والإنسانيات، تقييم يركز على الفهم لا الحفظ، تربية ديمقراطية تشاركية، وتعليم يعزز الهوية الكوكبية دون إلغاء الخصوصيات. أثرت أفكاره على نقاشات اليونسكو، وبرامج تعليمية في عدة دول، ولا تزال ذات صلة في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، التغير المناخي، والأزمات الاجتماعية.

في جوهر رؤيته: التعليم ليس تحضيراً لسوق العمل فقط، بل تربية للإنسان الكامل القادر على التفكير المركب، العيش مع الآخر، واحتضان تعقد الوجود. هذه الرؤية تمثل دعوة مستمرة لإعادة بناء المدرسة كمكان لـ"تعليم الحياة" في عصرنا المضطرب.

خاتمة

هوية موران البحثية تواجه انتقادات: بعضها يراها واسعة جداً وغير دقيقة علمياً، أو فلسفية أكثر من إمبريقية. لكن قيمتها تكمن في قدرتها على مواجهة أزمات عصرنا "البولي-كريزيس" (المتعددة الأزمات المتداخلة). في عالم يزداد تعقداً، يقدم موران أداة للتفكير لا تدمر التعقد بل تحتضنه، وتربط العلم بالأخلاق، والجزء بالكل، والإنسان بالكون. هذه الهوية ليست نظرية جاهزة بل دعوة مستمرة للرحلة: رحلة فهم الذات الإنسانية من خلال إعادة بناء طريقة معرفتنا بالعالم. إنها نموذج حي للباحث العابر للحدود، الذي يرى في التعقد ليس عقبة بل جوهر الوجود نفسه. كيف يؤثر فكر موران الفلسفي والسياسي والتربوي في معالجة الأزمة متعددة المصادر؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

"لولا جهل الناس بخفايا نوايا بعضهم تجاه بعض لاستحال التعايش بينهم"

الاستغناء عن الغير والاكتفاء بالذات؛ غاية الغايات وأمنية الأمنيات التي كانت ودامت ومازالت حلم الكائن الإنساني الاناني بطبعه والاجتماعي بالتطبّع ولكنها أمنية مستحيلة بسبب عجزه مواجهة تحديات الحياة بمفرده وبحسب ابن خلدون " الظلم من طبع الإنسان، فلا بد من وازع يزعهم عن بعضهم البعض، ولا يكون ذلك إلا بسلطان قاهر" واسطورة جرجيس في جمهورية أفلاطون فيها ما يكفي من الدرس والمعنى. بحسب الأسطورة الشهيرة كان جرجيس من ليديا راعي في خدمة العاهل العجوز كاندياس، ملك ليديا. بعد وقوع زلزال لجأ جرجيس إلى كهف يحتمي فيه، وبينما هو يستعد لمغادرة الكهف عائداً إلى قطيعه، عثر على خاتم دفعه الفصول ليضعه في أصبعه فإذا به يدرك أنه يخفيه عن الأنظار. كلما حركه باتجاه الداخل. جلس يفكر في حاله وفيما هو فاعل بمستقبله. اكتشف أنه غير راض إطلاقا عن حياته البسيطة ووظيفة الراعي فقرر أن يتخلى عنها ويبدأ حياة جديدة. كان أول ما خطر على باله أن يقوم بغواية زوجة الملك الفاتنة الجمال والمتقدة الأنوثة ويخطط معها لقلب نظام الحكم والتخلص من الملك العجوز والزواج منها. وفى ذات ليلة وضع الخاتم في أصبعه باتجاه الكف وذهب إلى القصر. مشى بين الحراس ولا أحد يراه حتى وصل إلى غرفة نوم الملك واتجه نحو فراشه وقتله. وفى الصباح التالى تزوج الملكة وأصبح هو نفسه ملكا على ليديا. ويرى الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف في كتابه المهم (الأنثروبولوجيا الفلسفية والحياة المشتركة) إن الإنسان أنانيا بطبعه بوصفه كائنا حيا مدفوعا بقانون مقاومة الفناء والحفاظ على البقاء ولكن عجزه عن مواجهة تحديات الحياة بمفرده وحاجته الدائمة إلى الآخرين جعله اجتماعيا ومدنيا بالاكتساب جاء في القرآن الكريم تعريف الإنسان بوصفه كائنا أنانيا متوحشا: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ۖ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 30) وفي كتابه “الليفياثان” (Leviathan)، يعرّف هوبز الحق الطبيعي بأنه:" الحرية التي يمتلكها كل إنسان في استخدام قدراته الخاصة وفق ما يشاء من أجل حفظ حياته. ”أي أن الإنسان، في حالة الطبيعة، له الحق المطلق في أن يفعل أي شيء يراه ضرورياً لبقائه، دون أن يكون مقيداً بقانون أو سلطة أو نظام. قوته قانونه وقدرته مرجعيته. هذا المبدأ هو الذي تم ترشيده في السياسة بوصفها فن ادارة القوة وقانونها الأساسي بوصفها فن الممكن (افعل ما تستطيع فعله ولا ما ترغب بفعله) كما هو الحال في المرحلة الذئبية وشعارها (إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب) هنا تتوحد الرغبة مع القوة بوصفهما حقا طبيعيا لكل كائن حي! ولذلك يقول هوبز إن هذه الحالة تقود إلى “حرب الجميع ضد الجميع” ،حيث تكون الحياة متوحشة ، قصيرة، مسكونة بالعنف والتهديد والتوتر الدائم. وهذا ما يستدعي السياسة بوصفها تنظيما للحياة المشتركة وهنا بداية الحضارة فأول الحضارة هو الإحساس بالخوف من عاقبة الاعتداء على الآخرين ومن الضرر الذي يصيب الإنسان من اعتداء الآخرين عليه وهو الخوف الذي نعبر عنه بالضمير والوازع ومخافة الأذى والضرر جراء القيام بالذي صار اسمه بعدما لا يحصى من الزمن والخبرات والتجارب حراما وعيبا وممنوعا ولا يجوز" ويذهب فرويد إلى إن الحضارة بدأت حينما بدأ الإنسان في تنظيم دوافعه الغريزية عن طريق مجموعة من النواهي والتابو والقانون" أننا لا نعدم البراهين التاريخية التي تدعم فرضيتنا القائلة بأن الحضارة هي القوة التنظيمية في التاريخ قوة تشتمل على ثلاثة عناصر أساسية هي (السياسة والأخلاق, التشريع) فهذا عالم الاجتماع الفرنسي (غي روشية)، يعرف الحضارة بأنها " تضم مجموع الوسائل الجماعية التي يلجأ إليها الإنسان حتى يمارس سيطرة على نفسه وينمو نمواً عقلياً وأخلاقياً وروحياً" والحضارة هي قدرة الإنسان في السيطرة على نفسة السيطرة التي لا تكون إلا بمعرفة قوانين التطور التاريخ والحياة الاجتماعية وتوظيفها في تحسين بيئة الحياة الإنسانية الجديرة بالعيش والتنمية.

فمنذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم وهو يحدّق بدهشة في لغز الحياة والموت والزمن. فمن تعاقب الفصول، وولادة الأطفال، وذبول الأشجار، واندثار الأجيال، تشكل ذلك الوعي الإنساني الغامض الذي دفع البشر إلى ابتداع الأعياد والاحتفالات بوصفها محاولة رمزية لترويض الزمن، والانتصار المؤقت على الفناء. إذ لا توجد جماعة بشرية على هذه الأرض، منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم، لم تبتكر طقوسها الخاصة للاحتفال بالحياة. فالأحياء وحدهم هم الذين يحتفلون، أما الموتى فلا أعياد لهم ولهذا ارتبطت الأعياد دائماً بفكرة التجدد والخصب والانبعاث والأمل. فالشعوب الزراعية القديمة كانت تحتفل بالمطر والحصاد وتعاقب المواسم لأنها كانت ترى في الطبيعة مرآةً لمصيرها الإنساني. كان المصري القديم يحتفل بفيضان النيل لأنه يعني استمرار الحياة، وكان البابليون يحتفلون بعودة الربيع بوصفه عودةً للخصب بعد موت الشتاء الرمزي، وكانت شعوب الأرض كلها تقريباً تنظر إلى الزمن لا بوصفه ساعات وأرقاماً، بل بوصفه حركةً كونية تتجدد فيها الحياة باستمرار إذ لم يكن الإنسان المندمج يمتلك وعياً تاريخياً بالمعنى الحديث، بل كان يعيش داخل زمن دائري يعيد نفسه كل عام. ولهذا كانت الأعياد تعبيراً عن حاجة الإنسان إلى الطمأنينة أكثر من كونها احتفالاً بالتاريخ. غير أن الأديان الكبرى حين ظهرت، نقلت معنى الاحتفال من مجرد الاندماج بالطبيعة إلى الوعي الأخلاقي بالوجود الإنساني، ومن الخوف من غضب الطبيعة إلى سؤال المعنى والمصير والحرية والتضحية.

ومن هنا يكتسب عيد الأضحى عند المسلمين خصوصيته الفريدة، لأنه ليس مجرد عيد طقوسي مرتبط بالذبح والقرابين كما يتوهم البعض، بل هو عيدٌ يتضمن في أعماقه أكثر الأسئلة الإنسانية حساسيةً وتعقيداً: ما قيمة الإنسان؟ وما حدود الطاعة؟ وما معنى التضحية؟ وهل يمكن للحب أن يتجاوز حتى غريزة التملك والخوف والفقد.

المعنى الرمزي الأعمق للقصة لا يكمن في فعل الذبح ذاته، بل في لحظة التراجع عنه. فالقصة لا تمجد قتل الابن، بل تؤسس لقداسة الحياة الإنسانية. لقد كان الامتحان الأصعب على الإطلاق: أن يُطلب من الأب أن يذبح ابنه، أي أن يواجه الإنسان أكثر روابطه الوجودية عمقاً وألماً. فالعلاقة بين الأب وابنه ليست علاقة عابرة، بل هي امتداد للذات نفسها، ولذلك كانت لحظة التسليم هنا لحظة مأساوية تتجاوز حدود الفهم العقلي المباشر.

والأكثر عمقاً في القصة أن الابن نفسه كان واعياً بفداحة المشهد. كان يدرك خوف أبيه وحبه وتردده وألم أمه القادم، ولذلك بدا وكأنه يخفف عن أبيه عبء المأساة، في واحدة من أكثر الصور الإنسانية تأثيراً في المخيال الديني للبشرية. غير أن ذروة المعنى لا تتحقق في الاستعداد للذبح، بل في إيقافه. فالإله الذي أمر، هو نفسه الذي فدى إسماعيل بكبش. وكأن المغزى النهائي للقصة أن الإنسان ليس موضوعاً للذبح، وأن الحياة الإنسانية أسمى من أن تُراق قرباناً. (ينظر، احمد برقاوي، دلالة عيد الأضحى الأخلاقية، صفحة فيسبوك)

ومن هنا تتبدى الدلالة الأخلاقية العميقة لعيد الأضحى. فالعيد في جوهره ليس احتفالاً بالموت، بل احتفال بانتصار الإنسان على فكرة الذبح ذاتها. إنه إعلان رمزي بأن الدم الإنساني ليس مباحاً، وأن التضحية الحقيقية ليست قتل الآخر، بل قتل الوحش الكامن داخلنا: الجشع، والقسوة، والتعصب، وشهوة الهيمنة، والرغبة الدائمة في تقديم البشر قرابين للأفكار والحروب والأيديولوجيات.

وبهذا المعنى كانت السياسة ومازلت بوصفها ادارة شؤون الناس العامة هي أنبل وأخطر المهام التي يمكّن إن يضطلع بها الإنسان وأثقلها مسوؤلية لذا ينبغي إلا تترك وظائفها دون معايير دستورية صارمة لا ينجح فيها إلا أكثر المتقدمين تأهيلا وقدرة وكفاءة فضلا عن السمات الشخصية التي يجب إن يتسم بها كل من اراد ممارستها ومنها: الحلم والحكمة والشجاعة وسعة الأفق وسلامة الطوية ونقاوة الضمير والحسد السليم.

في المجتمعات التي وصلت إلى قناعة عامة بإن الإنسان هو الكائن الأهم في التاريخ ومن ثم في يجب أن يكون غاية كل فعل وسلوك استطاعت إن تأسس الدولة المدنية الحديثة التي نادى بها إسبينوزا " " ليس الغرض الأقصى من الدولة أن تسيطر على الأفراد، ولا أن تكمِّمهم بالمخاوف، ولكن الغاية منها أن تُحرِّر كلَّ إنسانٍ من الخوف، حتى يستطيع أن يعيش ويعمل في أمنٍ تامٍ دون أن يضر نفسه أو يؤذي جاره.

إنّي أكرِّر القول بأنّ غاية الدولة ليست أن تحوِّل الكائنات العاقلة إلى حيواناتٍ متوحشةٍ أو آلاتٍ، بل إنّ الغرض منها هو أن تُمكِّن أجسامهم وعقولهم من العمل في أمنٍ، غايتها أن تهيِّئ للنّاس عيشًا يستمتعون فيه بعقولٍ حرةٍ، حتى لا يُنفقوا جهدهم في الكراهية والغضب والكيد والإساءة لبعضهم البعض. إنّ غاية الدولة الحقيقية هي أن تكفل الحريّة " ينظر باروخ إسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة)

كم هو مؤلماً أن يتحول بعض الناس إلى قتلة باسم الله نفسه الذي فدى إسماعيل بكبش، أو باسم الأوطان والثورات والطوائف والعقائد. فما أكثر الذين يدفعون الأبناء إلى الموت وهم جالسون بعيداً عن ساحات الدم، يرفعون شعارات البطولة فوق جماجم الضحايا. ترى من منح هؤلاء الحق في التضحية بما لا يملكون؟ ومن أقنعهم أن الله الذي افتدى إنساناً بكبش، يمكن أن يرضى بتحويل البشر إلى وقود دائم للحروب؟ إن المعنى الأخلاقي المضمر في عيد الأضحى يتناقض جذرياً مع كل ثقافة تمجد القتل أو تقدس الموت المجاني. فالعيد في حقيقته دعوة إلى صون الحياة لا إلى إهدارها، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة الأعلى في الوجود الاجتماعي والأخلاقي. وربما لهذا السبب ظل العيد مرتبطاً بفكرة المشاركة والتكافل وإطعام الفقراء وتوزيع اللحم على الآخرين، لأن الأضحية ليست مجرد طقس فردي، بل فعل اجتماعي يعيد ترميم الروابط بين البشر فالإنسان حين يوزع أضحيته، لا يمنح الطعام فقط، بل يعترف ضمنياً بأن الحياة لا تستقيم إلا بالمشاركة. ولذلك كانت الأعياد دائماً لحظات نادرة يتوقف فيها صخب المصالح اليومية قليلاً، ويتذكر الناس أنهم ينتمون إلى مصير إنساني واحد، وأن هشاشتهم المشتركة أقوى من أوهام التفوق والانقسامففي المجتمعات التقليدية القديمة، كان العيد حدثاً وجودياً تشارك فيه القرية أو المدينة بأكملها. كانت البيوت تُفتح، والقلوب تتسع، والناس يتبادلون الطعام والزيارات والضحكات بوصفهم جماعةً تواجه قسوة العالم بالفرح الجماعي. فالاحتفال في جوهره ليس ترفاً، بل ضرورة نفسية واجتماعية لمقاومة العدم. الإنسان يحتفل لأنه يعرف أنه فانٍ، ولأنه يدرك أن الزمن يلتهم كل شيء: المدن، والوجوه، والصداقات، وحتى الأحلام نفسها.

وقد أدركت الأساطير القديمة هذه الحقيقة منذ زمن بعيد. فالإغريق أطلقوا على الزمن اسم “كرونوس”، الإله الذي يلتهم أبناءه، تعبيراً عن تلك القوة الكونية التي تفني كل شيء. وكان الإنسان القديم يعيش هذا القلق الوجودي يومياً أمام مشاهد الولادة والشيخوخة والموت، فابتكر الطقوس والأعياد والأساطير ليمنح حياته معنىً وسط هذا الخراب الكوني الهائل.

ومن هنا نفهم لماذا تبقى الأعياد ضرورة إنسانية حتى في أكثر الأزمنة بؤساً. فالإنسان لا يحتفل لأنه سعيد دائماً، بل لأنه يحتاج إلى لحظات يرمم فيها روحه المتعبة. حتى الشعوب المنكوبة بالحروب والخوف لا تتوقف تماماً عن الاحتفال، لأن التوقف الكامل عن الفرح يعني انتصار الموت الداخلي غير أن الفرق بين المجتمعات المستقرة والمجتمعات المأزومة يظهر بوضوح في علاقتها بالعيد والزمن. فحين يشعر الإنسان أنه يمتلك شيئاً من القدرة على التأثير في مصيره، يصبح العيد مناسبة للأمل والتطلع إلى المستقبل. أما حين يعيش داخل دائرة مغلقة من الفوضى والخوف والعجز، فإن الزمن يتحول إلى عبء ثقيل، ويصبح الاحتفال أشبه بمحاولة يائسة للتشبث بما تبقى من المعنى.

ولعل هذا ما يجعلنا في عالمنا العربي نعيش أعياداً مرتبكة في كثير من الأحيان؛ نكبر فيها بالذاكرة أكثر مما نكبر بالفرح. نتذكر طفولتنا القديمة حين كانت أصوات التكبير، ورائحة الخبز والقهوة، وحركة الأسواق، وملابس الأطفال الجديدة، كافية لصناعة عالم كامل من الطمأنينة. كانت الأعياد أكثر اتصالاً بالطبيعة وببساطة الحياة وبالعلاقات الإنسانية الصافية. وكان الناس يربطون العيد بالخصب والرزق والبركة، فتُعلق الأغصان الخضراء على النوافذ، وتُخفى الحبوب داخل الطعام، ويتفاءل الجميع بعام جديد أكثر خيراً ووفرة.

كان أسلافنا يحتفلون بالحياة دون تنظير فلسفي معقد، لكنهم كانوا يدركون بحدسهم الطبيعي ن الإنسان يحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى الخبز، وأن الاحتفال ليس هروباً من الواقع بل مواجهة رمزية لها. ولهذا فإن اختزال عيد الأضحى في طقوس الذبح أو الاستهلاك أو المظاهر العابرة، هو اختزال لمعنى إنساني وأخلاقي وروحي شديد العمق فالعيد في جوهره احتفال بالحياة المشتركة، وتذكير دائم بأن الإنسان ليس مجرد كائن عابر في الزمن، بل كائن قادر على منح الزمن نفسه معنى. إنه اللحظة التي يحاول فيها البشر أن يقولوا للموت: نحن نعرف أنك الحقيقة النهائية، لكننا سنواصل الحب والإنجاب والبناء والغناء والاحتفال ما دمنا أحياء.

وبهذا المعنى كتب أحمد برقاوي في الدلالة الأخلاقية للأضحية العيدية فعيد الأضحى، في معناه الأعمق، عيداً لقداسة الإنسان قبل أي شيء آخر؛ عيداً يقول لنا إن حياة البشر أثمن من أن تتحول إلى قربان دائم للآلهة أو الطغاة أو الأيديولوجيات، وإن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يقتل باسم (الحقيقة)، بل أن يحمي الحياة باسمها.

ختاما يمكن يمكن التذكير بما كتبه رينيه جيرار في كتابيه العنف المقدس وكبش الفداء إذ يرى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي أن المجتمعات القديمة كانت تلجأ إلى “الذبيحة” بوصفها وسيلة رمزية لتفريغ العنف الجماعي ومنع انفجاره داخل الجماعة وذلك بالبحث عن “كبش فداء” تُسقط عليه توتراتها ومخاوفها وأحقادها، ثم تقوم بالتضحية به لاستعادة السلم والوحدة. غير أن المفارقة العميقة في عيد الأضحى الإسلامي أن الأضحية فيه جاءت على النقيض من منطق التضحية بالبشر الذي عرفته الحضارات والأساطير القديمة. فالقصة لا تنتهي بذبح الإنسان، بل بافتدائه. وهنا تكمن القطيعة الأخلاقية الكبرى: إذ يتحول الكبش من بديل عنفٍ بشري إلى إعلان رمزي عن حرمة الدم الإنساني نفسه. فالعيد لا يشرعن القتل، بل يضع له حدًا ميتافيزيقيًا وأخلاقيًا، وكأن الرسالة الضمنية للقصة هي أن الإنسان لا يجوز أن يتحول إلى قربان للصراعات والأهواء والعقائد والهويات القاتلة. ولذلك يبدو العالم الحديث، رغم كل ادعاءاته الحضارية، وكأنه يعود باستمرار إلى المرحلة البدائية ذاتها كلما أعاد إنتاج “كبش الفداء” في السياسة والطائفة والحرب والأيديولوجيا، حيث يُدفع الأبناء إلى الموت الجماعي بينما يواصل الآخرون الاحتفال بانتصاراتهم فوق الخراب.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

مقدمة: ليس الجهل هو أكثر ما يهدد الإنسان، بل تلك اللحظة التي يعرف فيها الحقيقة من ثم يعجز عن اتباعها. نعرف ما ينبغي أن نفعله، لكننا نفعل غيره، نؤمن بقيمة الانضباط، ثم نستسلم للتأجيل؛ نُدرك ما يضرنا، ثم نعود إليه كأننا مدفوعون بقوة خفية أقوى من قناعاتنا. هنا تبرز واحدة من أكثر القضايا الفلسفية التصاقًا بالحياة اليومية للإنسان: الأكراسيا، أو ضعف الإرادة.

هذا المفهوم الذي صاغه الفكر اليوناني القديم لا يزال حيًا بيننا، لأنه لا يتحدث عن خطأ عابر، بل عن انقسام يسكن أعماق الذات. إنه السؤال الذي يلاحق الإنسان منذ قرون: لماذا لا نفعل ما نعلم أنه الأفضل لنا؟

أولاً: الأكراسيا أو التصدع الخفي في الذات:

لقد آمن سقراط بأن المعرفة والفضيلة وجهان لحقيقة واحدة، وأن الإنسان إذا عرف الخير حقًا فلن يختار سواه. لكن الحياة بدت أكثر تعقيدًا من هذه الثقة العقلانية. فالإنسان لا يكف عن مناقضة نفسه، يعرف ثم يخالف، ويقتنع ثم يتراجع، ويَعِد نفسه ثم ينكث وعده.

لقد أدرك أرسطو هذه المعضلة مبكرًا، فرأى أن المشكلة لا تكمن في نقص المعرفة، بل في ضعف الإرادة أمام سلطان الرغبة. فالإنسان ليس عقلًا بحتاً، وإنما كائن تتنازعه قوى متعددة، عقل يدعوه إلى ما ينبغي أن يكون، ورغبات تشده إلى ما يرغب فيه الآن.

في هذا المعنى تبدو الأكراسيا أشبه بانقسام داخلي. فداخل كل إنسان مملكة صغيرة لا يحكمها العقل دائمًا، بل تتنازعها الأهواء والعادات والمخاوف والذكريات. وحين يفقد العقل سلطته، لا تختفي الحقيقة من وعينا، بل تبقى حاضرة كشاهد صامت على هزيمتنا.

ثانياً: الأكراسيا في زمن الوفرة والضياع:

قد يبدو مفهوم الأكراسيا ابنًا للفلسفة القديمة، لكنه في الحقيقة أكثر معاصرة مما نتصور. فالعالم الحديث أغرق الإنسان بالمعرفة، لكنه لم يحرره من ضعفه. بل لعل الفجوة بين المعرفة والسلوك أصبحت اليوم أوسع من أي وقت مضى.

نعرف قيمة التركيز، لكننا نعيش في دوامة التشتت. نعرف أهمية القراءة، لكننا ننجذب إلى الاستهلاك السريع للمعلومات. نعرف أن السعادة لا تُختزل في الإشباع الفوري للرغبات، ومع ذلك نلهث خلف كل ما يمنحنا متعة عابرة.

إن مأساة الإنسان المعاصر لا تكمن في ندرة المعرفة، بل في تضخمها. لقد أصبح يعرف أشياء كثيرة عن العالم، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يحكم نفسه. ومن هنا تبدو الأكراسيا وكأنها المرض الخفي لعصرنا؛ عصر يملك من الوسائل ما لم تملكه الأجيال السابقة، لكنه يعاني أزمة متزايدة في الإرادة والمعنى.

خاتمة:

تكشف الأكراسيا عن حقيقة مؤلمة مفادها أن المعرفة ليست قوة بالضرورة. فبين أن نعرف وأن نفعل مسافة قد تكون أطول من كل المسافات الأخرى. ولهذا لا يُقاس الإنسان بما يملكه من أفكار ومبادئ فقط، بل بقدرته على أن يجعل منها أسلوبًا للحياة.

إن السؤال الفلسفي العميق ليس: ماذا نعرف؟ بل: كيف نحيا وفق ما نعرف؟ وفي هذا السؤال تكمن المعضلة التي لم يستطع الفكر الإنساني أن يقدم لها جوابًا نهائيًا حتى اليوم.

فكلما تأملت مفهوم الأكراسيا ازددت اقتناعًا بأن الإنسان لا يعيش أكبر صراعاته مع العالم، بل مع نفسه. فالهزائم التي تترك أثرًا عميقًا ليست دائمًا تلك التي تأتي من الخارج، وإنما تلك التي نشهدها في داخلنا حين نعجز عن أن نكون على مستوى ما نؤمن به.

لا أرى الأكراسيا مجرد ضعف أخلاقي، بل أراها جزءًا من التراجيديا الإنسانية نفسها. فمن دون هذا التوتر بين العقل والرغبة، وبين المثال والواقع، لما كان الإنسان ذلك الكائن القلق الذي يسعى باستمرار إلى تجاوز نفسه. وربما لهذا السبب ظل هذا المفهوم حاضرًا عبر القرون، لأنه لا يصف مشكلة فلسفية فحسب، بل يصف الإنسان في أكثر حالاته صدقًا وهشاشة.

ولعل الحكمة لا تتمثل في القضاء على الأكراسيا نهائيًا، فذلك أقرب إلى المستحيل، وإنما في الوعي بها. فكل انتصار صغير يحققه الإنسان على ضعفه الداخلي هو استعادة لشيء من سيادة العقل على مملكته.

***

م. م. ندى صباح أسد الله

كلية الآداب/ جامعة بغداد

 

تُعَدُّ النزعة المُتعالية من أبرز الاتجاهات الفكرية والأدبية التي دَعَتْ إلى الارتقاء بالإنسان فوق حدود المادَّةِ والمحسوس، والبحثِ عن الحقيقة في أعماق النَّفْس، واتصالها بالكَون والطبيعة. وقد ارتبطَ هذا الاتجاه بالفيلسوف والأديب الأمريكي رالف والدو إيمرسون (1803- 1882) الذي عُدَّ رائد الحركة المُتعالية في الأدب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر . ولَم يكن تأثير هذه الفلسفة مقتصرًا على البيئة الأمريكية، بل امتدَّ إلى عدد من الأدباء والمفكرين في أنحاء مختلفة مِن العالَم، ومِن بَينهم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة (1889- 1988) الذي تأثرَ بأفكار إيمرسون خلال دراسته في أمريكا، وانعكسَ ذلك بوضوح في إنتاجه الفكري والأدبي.

تقوم النزعة المُتعالية على الإيمان بأنَّ الإنسان يمتلك قُدرةً فِطرية على إدراك الحقائق الكُبرى دون الاعتماد الكامل على الحواس أو القوانين المادية. وتدعو إلى التأمل في الطبيعة، والعَودةِ إلى الذات باعتبارها مَصدرًا للحكمة والمعرفة الرُّوحية، كما تؤكد على حركةِ الفرد واستقلالِه الفكري.

يُعَدُّ إيمرسون الأب الرُّوحي للنزعة المُتعالية في أمريكا. فقدْ دعا في مقالاته ومُحاضراته إلى الثقة بالنَّفْس، والاستقلالِ الفكري، وعدمِ الخضوع للأفكار الجاهزة والتقاليدِ الجامدة. وكانَ يَرى أنَّ الإنسان يستطيع أن يكتشف الحقيقةَ مِن خِلال التأمل الذاتي، والتفاعلِ العميق معَ الطبيعة.

وقدْ تجلَّتْ هذه الرؤية في كتاباته التي جعلتْ من الطبيعة كِيانًا حيًّا يربط الإنسانَ بالكَون، ويَمنحه شعورًا بالانسجام الرُّوحي. كما أكَّدَ أنَّ لكلِّ إنسان طاقة داخلية قادرة على تحقيق الكمال الإنساني إذا تحرَّرتْ من قيود المادية والأنانية.

تأثرَ نعيمة بفكر إيمرسون تأثرًا واضحًا، لكنَّه لَم يكن مُجرَّد ناقل لأفكاره، بلْ أعادَ صياغتها بما يتوافق معَ بيئته الثقافية والرُّوحية، وَجَعَلَ مِن الإنسان مِحورًا لتأملاته الأدبية والفلسفية، ودعا إلى تحرير الرُّوح من قيود التعصُّب والجهل والمظاهر الزائفة.

في مؤلفاته المختلفة، تَظهر النزعةُ المُتعالية من خلال الدَّعوة إلى معرفة النَّفْس، والارتقاءِ بها نَحْوَ القِيَم العُليا. كما تبدو الطبيعةُ عِنده مَصدرًا للتأملِ والحكمة، لكنَّها تكتسب بُعدًا صُوفيًّا أكثر عمقًا يرتبط بالتجربة الرُّوحية الشرقية.

تتجلى أوجه التشابه بين الكاتبَيْن في عِدَّة جوانب، أهَمُّها:

1- الإيمان بقدرات الإنسان الداخلية وقُدرته على بُلوغ الحقيقة عبر التأمل الذاتي.

2- تمجيد الطبيعة والنظر إليها بوصفها مَصدرًا للإلهام الرُّوحي والمعرفة.

3- الدَّعوة إلى التحرر الفكري ورفض التقاليد التي تُعيق نموَّ الإنسان.

4- البحث عن الوَحدة الكَونية التي تربط الإنسانَ بالطبيعةِ والخالقِ.

5- التركيز على القِيَم الرُّوحية بوصفها أساس السعادة والكمال الإنساني.

على الرغم مِن هذا التقارب، إلا أنَّ هُناك فُروقًا واضحة بين الأديبَيْن. إيمرسون انطلقَ من خلفية فلسفية أمريكية ذات طابع فردي، جَعَلَتْ مِن استقلال الذات مِحورًا أساسيًّا لفكره. أمَّا نعيمة فقدْ مزج النزعةَ المُتعالية بالفكر الرُّوحي الشرقي والتصوُّفِ الإنساني، فبدتْ رؤيته أكثر مَيلًا إلى التأمل الوجودي، والسَّعْي إلى الانسجام الرُّوحي الشامل.

ولغةُ إيمرسون تتَّسم بالطابع الفلسفي التأملي المباشر، بَينما تمتاز لغة نعيمة بِعُمقها الأدبي، ورمزيتها الفنية، وقُدرتها على التعبير عن التجربة الرُّوحية بأسلوب وِجداني مؤثر.

شَكَّلَت النزعةُ المُتعالية جِسرًا فكريًّا جَمَعَ بَين نعيمة وإيمرسون رغم اختلافِ الزمانِ والمكانِ والثقافة. كِلاهما آمَنَ بأنَّ الإنسان قادر على تجاوز حدود المادَّة، والاقترابِ من الحقيقة عبر التأمل والمعرفة الداخلية. وإذا كانَ إيمرسون قَدْ وَضَعَ الأسسَ الفكرية لهذه النزعة في الأدب الأمريكي، فإنَّ نعيمة منحها بُعدًا إنسانيًّا وَرُوحيًّا أكثر شمولًا، فغدتْ في أدبه دَعوة إلى تحرير الإنسان من قيوده الظاهرة والباطنة، والسَّيْر نحو عالَم أرحب مِن الحِكمة والمحبَّة والسلام.

النزعةُ المُتعالية لدى نعيمة وإيمرسون كانتْ تلاقيًا وجوديًّا عميقًا بين رُوحَيْن فَتَّشَتَا عن الحقيقةِ الخالدة خارج أسوار القوالب الفكرية والتقاليدِ الجامدة. وكِلاهما صَهَرَ مفهومَ " التعالي" ليتحوَّل مِن مُجرَّد نظرية فلسفية إلى منهج حياة يُعيد للإنسانِ كرامته الرُّوحية، وَصِلَته العُضوية بالكَون.

التقى ميخائيل نعيمة (ناسك الشخروب) ورالف والدو إيمرسون (حكيم كونكورد) في الإيمان بأنَّ الوجود كُلٌّ لا يتجزأ، وأنَّ الطبيعة هي المكان الذي تتجلَّى فيه " الرُّوح الكُلِّية". ومعَ ذلك، تظلُّ لكلٍّ مِنهما بصمته التي فرضتها البيئة والثقافة.

بَينما اتَّسمتْ مُتعالية إيمرسون بنبرة الفردانية الأمريكية الواثقة والمُحفِّزة على الفِعل، وبناءِ الذات، جاءتْ مُتعالية نعيمة مَمزوجةً بالتصوُّف الشرقي، ومَيَّالَةً إلى الزُّهد، والانعتاق من قيود المادَّة، والانصهار الكامل في المحبة الإنسانية. وكِلاهما أثبتَ أنَّ الوَعْي البشري عندما يصفو، يتحدَّث بلغة واحدة تتجاوز حدودَ الشرقِ والغرب. وقدْ حاولا تقديمَ النزعة المُتعالية كَأُطروحة إنقاذ بديلة لإنسان العصر الحديث، تُعيده إلى جَوهره الرُّوحي الأصيل في مُواجهة طُغيان الماديات.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم تعد الأرض التي أنجبت أولى الحضارات تُكافئ ساكنيها بالخصب والعطاء، بل باتت تختبرهم بلهيب يكاد يُسائل جوهر الوجود الإنساني ذاته. ففي بلاد الرافدين، حيث كانت الأرض يوما ما تُقرأ باعتبارها رسالة للإنسان كي يعمّرها ويرتفع بها، أصبح المناخ اليوم يُلقي بظلاله على كل فعل وكل نية وكل مشروع حتى إن المرء ليتساءل في لحظات المكاشفة الصادقة: هل يملك مجتمع يصارع الخمسين درجة مئوية رفاهية أن يحلم؟

كان ابن خلدون أول من أدرك بوعي نظري مبكّر يُبهر حتى اليوم أن الإقليم ليس مجرد خلفية ديكورية لفعل الإنسان، بل هو رحم تتشكّل فيه أمزجة الشعوب وطاقاتها الحضارية. ومن بعده جاء علي الوردي ليُعمّق هذه الرؤية في السياق العراقي تحديدا، كاشفا كيف أن الإنسان المحاصر بين ضغوط البيئة وقسوة الطبيعة يُفرز نمطا سلوكيا يحمل طابع الاستجابة العاجلة لا الاستراتيجية البعيدة. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز ما تنبّأ به المنظّرون الكلاسيكيون، فارتفاع معدل الحرارة بنحو 1.8 درجة مئوية خلال ثلاثة عقود، وهو رقم يبدو صغيرا حين يُقرأ على ورق لكنه يُحدث انهيارا تراكميا حين يُعاش على جسد، لم يعد يمثّل تحديا طبيعيا عابرا، بل أصبح يُعيد رسم ملامح الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية وفق منطق لا يرحم. وحين تكتب التقارير الدولية أن العراق يقع ضمن أكثر بقاع الأرض هشاشة أمام التغير المناخي فليس ذلك توصيفا أكاديميا باردا، بل هو حكم بالإعدام البطيء على مشاريع النهضة إن لم تبادر هذه المشاريع إلى مواجهته.

وهنا يطرح ميشيل فوكو سؤالا جوهريا حول مفهوم السياسة الحيوية: متى تتحوّل الدولة من مؤسسة تُدير الحكم إلى مؤسسة تُدير الحياة ذاتها؟ والجواب العراقي يأتي مُرا صريحا: حين تصبح الكهرباء والماء والهواء البارد أسئلة وجودية لا ترفا حضاريا. بيد أن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد الظاهر، إذ ترصد منظمة العمل الدولية ما يشبه الحقيقة الصارمة: أن إنتاجية الإنسان تتراجع مع الارتفاع الحراري قبل أن تبلغ الحرارة العراقية عتبتها القصوى. وهذا يعني أن قطاعات البناء والزراعة والنقل والعمل اليومي، تلك الأوردة الحية في اقتصاد المجتمعات الناهضة، تنزف طاقتها لا في الإنتاج بل في مجرد الصمود أمام موجة حر. والأشد خطرا ما يجري تحت سطح الأجساد، إذ يربط الباحثون ربطا موثقا بين التعرض المتواصل للإجهاد الحراري وبين تصاعد الأرق وانتشار القلق واحتقان العلاقات الاجتماعية. وكان مالك بن نبي يُذكّرنا دائما بأن مشكلة الحضارة في جوهرها ليست مشكلة أشياء بل مشكلة إنسان، إنسان يتربّى على اليأس ويتعلم قبل كل شيء كيف يُقاوم لا كيف يبني. والحرارة المفرطة حين تغدو اليومي والمألوف تُنتج هذا الإنسان بالضبط: منهكا في الجوهر، متعجّلا في التفكير ومتقلّبا في الطموح.

يقف العراق فضلا عن ذلك أمام مفارقة لها طعم المأساة الفلسفية: فهو يمتلك من الثروة النفطية ما يكفي للاستثمار في مستقبله، بيد أن هذه الثروة ذاتها تُستنزف في مواجهة آثار مناخ يزداد استعارا عاما بعد عام. وهكذا يدور في حلقة تنموية مفرغة، موارد تذهب إلى التبريد عوضا عن التعليم وطاقة تُبدّد في إدارة الكوارث الموسمية بدل أن تتراكم في بنية الإنسان. والنزيف الزراعي يُجسّد هذه المعادلة بكل قسوتها، فتملّح التربة وتآكل الغطاء النباتي وانحسار الرافدين بفعل سياسات المنبع، كلها عوامل أفضت إلى ظاهرة النزوح البيئي التي تُفرّغ الأرياف من بنائها الاجتماعي وترسل إلى المدن أمواجا بشرية مقتلعة الجذور، لا تحمل معها مهاراتها الإنتاجية القديمة فحسب، بل تحمل أيضا جراحها النفسية وخيبة أملها في مؤسسات الدولة. وخسائر الجفاف في البصرة وحدها خلال عام واحد بلغت من الضخامة ما يجعل الأرقام تُدوّخ المتأمل، وما يجعل الصمت السياسي حيال هذا الجرح أشد إيلاما من الجرح نفسه.

وحين رأى توماس هوبز أن الدفاع عن البقاء هو الحق الطبيعي الأول، لم يكن يتخيّل أن ثمة مجتمعات ستُضطر يوما إلى الدفاع عن بقائها لا بمواجهة عدو خارجي، بل بمواجهة ما أفرزته صناعات العالم من أعطاب مناخية. والعراق اليوم في موقع من يُدافع عن حقه في الوجود الطبيعي في مواجهة أزمة لم يكن طرفا رئيسيا في صنعها. وعليه فإن توظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية لحماية الحق المائي في دجلة والفرات ليس ضربا من المبالغة السياسية، بل هو ممارسة مشروعة لأحد أبسط الحقوق التي تملكها أمة: حق الشرب قبل حق التنمية وحق الحياة قبل حق الازدهار. غير أن جوهر المأزق لا يكمن في شُح الحلول، فالحلول موجودة: تحديث أنظمة الري واعتماد الزراعة الذكية والتوسّع في مصادر الطاقة المتجددة التي يُهيّئ لها العراق إشعاعا شمسيا استثنائيا وإنشاء أحزمة خضراء تُعيد التوازن للمدن المحمومة. لكن مكمن الأزمة الحقيقية تلك الهوة الواسعة بين معرفة الحل والإرادة على تنفيذه، وهي الهوة التي تملؤها البيروقراطية والريعية والاتكالية الهيكلية.

حذّر جاريد دايموند في أطروحته المقلقة من أن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة في الغالب، بل تتآكل حين تعجز نخبها الحاكمة عن قراءة الإشارات البيئية المتراكمة وتكتفي بالمعالجة الآنية على حساب الاستشراف البعيد. وهذا التحذير يصل إلى العراق بثقل المرآة التي لا تكذب. ما تحتاجه هذه اللحظة الفارقة ليس مجرد خططا تقنية وإن كانت ضرورية، بل تحوّل في العقلية السياسية من منطق إطفاء الحرائق إلى منطق هندسة البقاء. وهذا يستلزم في الحد الأدنى مجلسا أعلى للأمن المائي والمناخي يتجاوز حدود الوزارات المتشرذمة وصندوقا سياديا أخضر يُموّل من نسبة ثابتة من العائدات النفطية بعيدا عن عبث الموازنات المتذبذبة، ودبلوماسية مائية تفهم أن المياه لم تعد بندا ثانويا في ملفات الجوار بل أصبحت مسألة سيادة وجودية.

لكن أعمق من ذلك كله، ثمة سؤال يتربّص في صميم المشروع النهضوي العراقي: هل يُدرك هذا المجتمع أن معركته مع التدهور البيئي هي معركة هويّته الحضارية قبل أن تكون معركة موارده الاقتصادية؟ فالأرض التي لا تُطاق لا تُنجب فكرا والمدن التي تلفح فيها الحرارة الوجوه تصنع بشرا يتعلمون الصمود لا الإبداع. وتلك هي الكارثة الحقيقية: لا حين تموت الأشجار، بل حين يتعلّم الإنسان أن يُقلّص أحلامه كي تتّسع لها ظلال شحيحة. إن بلاد ما بين النهرين لم تُنجب الكتابة والزراعة والقانون لأن أرضها كانت يسيرة، بل لأن إنسانها واجه القسوة بالإبداع والابتكار. وربما هذا هو الرهان الحقيقي اليوم: أن يختار العراق مرة أخرى الإبداع في مواجهة القسوة لا الاستسلام لها.

***

حميد القحطاني

 

شهد عام 1815 نهاية علاقة الفرنسيين الرسمية بنابليون بونابرت كقائد لهم. قبل ذلك، ولأكثر من عقد كان نابليون في أذهان الفرنسيين قائدا لا يُقهر، مجسّدا كل ما فشلت فيه الثورة في منحه للشعب الفرنسي، من مجد عسكري، استقرار سياسي وتوسع إقليمي. وفي الوقت الذي دخلت فيه قوات الحلفاء باريس في مارس 1814، لم يعد بإمكان الجيش الضخم الإستمرار في الحملات العسكرية. وبعد سنة، عزل الفرنسيون امبراطورهم. ليس بسبب الهزيمة العسكرية وانما لأنه حطم الاقتصاد وأفرغ فرنسا من رجالها العسكريين، الذين مات العديد منهم في المعارك.

تضخم عدد المجندين الإلزاميين

منذ سنوات الثورة ، كان نابليون غير قادر على خوض حروبه بدون تدفق مستمر من الجنود. وبعد الحملات العسكرية لنابليون في روسيا وألمانيا عام 1813 و1814، وصلت الإمبراطورية الفرنسية الى نقطة الانهيار. في عام 1812 وحده، فقد نابليون في حملته على روسيا حوالي نصف مليون رجل. وللدفاع عن الإمبراطورية، استدعى نابليون عام 1813 حوالي مليون جندي في عموم فرنسا. العديد من حالات استبدال الجنود القتلى جاءت من مقاتلين فرنسيين شباب لم يحصلوا على أي تدريب مسبق على الحرب. في ذلك الوقت، أصبحت فرنسا ساحة معركة في حملتها العسكرية عام 1814، حتى الفلاحين لم تعد لديهم الرغبة لإرسال أبنائهم للجيش الفرنسي. الرجال تخلّوا عن الخدمة العسكرية بشكل مذهل فقط في الأشهر الثلاثة الأولى للحملة. الرجال خائفون جدا من الالتحاق بواجباتهم العسكرية، اختبئوا في الغابات في مختلف انحاء فرنسا ونالوا الحماية من سكان القرى المتعاطفين معهم. بعض الفرنسيين المدنيين أدركوا انه اذا استمر القتال، فان نابليون سوف لن يسمح لفرنسا بأي فرصة للسلام.

التدهور الاقتصادي السريع وفشل النظام القاري

فرنسا، التي كانت سلفا تعاني لسنوات من صعوبات مالية في تمويل الجيوش والاساطيل البحرية، عانت من مشاكل اقتصادية خطيرة. النظام القاري، الذي كان جزءا من سياسة نابليون الاقتصادية الخارجية، منع كل اشكال التجارة بين المملكة المتحدة وأي دولة أخرى موالية لنابليون. وبينما كان يُفترض دعم الصناعات الفرنسية عن طريق حرمان بريطانيا من التجارة، أدى حصار بريطانيا للموانئ الفرنسية الى استحالة التجارة مع فرنسا. حالا، شهدت موانيء بوردو ونانت ومرسيليا انخفاضا في النشاط التجاري. خسارة التجارة كانت لها نتائج بعيدة المدى وأدت الى خسارة الطبقة الوسطى الفرنسية لمزيد من النقود. قيمة الفرنك الفرنسي انخفضت بشكل حاد والتضخم ارتفع بشكل جنوني. في تلك الاثناء، رفع نابليون من قيمة الضرائب على الاستهلاك غير المباشر لكي يدفع تكاليف الحرب المتصاعدة. ونظرا لإبتلاعه جميع النقود والموارد، نجح نابليون في جعل فرنسا صعبة الحكم. وعندما وصلت قوات التحالف الى الأراضي الفرنسية، وجدت مزيدا من الغضب ضد المسؤولين الباريسيين الذي اتُهموا بالسرقة والفساد. في بعض مناطق فرنسا، جرى الترحيب بقوات التحالف كمحررين، وجرى تأييد عودة عائلة البوربون لسبب بسيط هو ان عودة عائلة البوربون الملكية سيعني مواصلة التجارة مع بريطانيا. انه يعني أيضا ان المدنيين يمكنهم العمل في الصناعة مرة أخرى نظرا لوجود أسواق كبيرة لمنتجاتهم.

ادراك ان نابليون سيقود فرنسا نحو الدمار

في مارس 1814، عندما سحق جنود التحالف ضباط نابليون وشقوا طريقهم الى باريس، أدرك مجلس الشيوخ - الهيئة الحاكمة للمدينة - انه لو استمر في العمل وراء قيادة نابليون، فان العاصمة ستحترق كليا. ولهذا، ونظراً لعدم وجود خيارات أخرى، صوّت مجلس الشيوخ الفرنسي في 2 ابريل عام 1814 على عزل نابليون بسبب انتهاكه للدستور ورفضه التوقيع على معاهدة سلام.

لكن حتى بعد خيانة باريس له، لازال نابليون يعتقد بامكانه الزحف على المدينة منتصرا واستعادة العرش بالقوة مرة أخرى، وحتى بعد نفيه الى جزيرة اليا. انه بالتأكيد كان مخطئا.

الهروب من الجزيرة

في شهر فبروري عام 1815، هرب نابليون من الجزيرة واتجه الى فرنسا في محاولة للعودة الى امبراطوريته. سارعت الدول الاوربية الأخرى الى حشد قواتها بسرعة لوقفه. محاولته الأخيرة للبقاء في السلطة انتهت في 18 حزيران عام 1815 في معركة واترلو. نابليون هُزم امام القوات البريطانية والبروسية واُجبر على التخلي عن العرش للمرة الثانية. ولكي يتأكد البريطانيون من استحالة عودته للحكم، قاموا بنفيه الى جزيرة سانت هيلانه، أبعد نقطة في المحيط الأطلسي. هو أمضى حياته هناك تحت الحراسة المشددة حتى وفاته عام 1821.

***

حاتم حميد محسن

لقد مثّلت حركة التنوير الغربية تعبيراً مركزياً ضمن إفرازات الحداثة يهدف الى إعادة موضعة العقل الانساني رفضاً لسياق هيمنة التفكير الديني المسيحي، إذ تم عبر هذه الموضعة الجديدة النظر الى العقل  على أنه المحدّد الوحيد القادر على الوقوف في تضاريس الحقيقة، وإكتنازها، في قالب أحاي أراد أن يلغي كل المرجعيات الأخرى التي كانت تسوّق إمتلاكها للحقيقة ضمن سردية العقل المتماشي مع غيره، ومن هنا عبّر التنوير عن النظر إلى العقل بوصفه مركزاً لغيره، لا هامشاً يسير في قطبية الغير، والملفت في الأمر أن التجربة الحداثية الغربية في تعبيرها التنويري أعادت إنتاج إشكالية جديدة فيما يتعلق بالإرهاب، أو لنقل فيما يتعلق بدعوى إمتلاك الحقيقة، وإحتكار تأويلها إبّان التعامل مع الآخر المختلف.

وتكمن الإشكالية الجديدة الناجمة عن مركزية العقل التنويري في كونها في الوقت الي أرادت فيه شجب المرجعية الكنسية القائمة على سردية ما ورائية غير قابلة للإثبات عقلاً، ومن ثم نجم عنها العنف والترهيب والإقصاء، فإنها قامت بنفس الأمر، وإن بطريقة مختلفة، فإذا كان الفكر الكنسي يُقصي الآخر بذريعة ممانعة ومعارضة ما يؤمن به الاخر مع المعتقد الديني، ومن ثم الوقوع في طائلة التعرض الى اللعن والطرد من الرحمة الإلهية، والدخول في الهرطقة المستحقة لكل الويلات والثبور، فإن تجربة الأنوار أماطت اللثام على نوع جديد من الإقصاء، ولكل تحت ذريعة مغايرة، ألا وهي إلصاق التهم الجاهزة من قبيل تهمة الجهل، وعدم إحترام حرية التفكير النقدي، ومعارضة العلم والفكر النقدي البنّاء!

نفس الإرهاب نتج عن مسارين فكريين متمايزين، لأن الإرهاب والتطرف والإقصاء نتاج النظر الاختزالية للحقيقة مهما تسربلت بلباس، ومهما تلفعت بزيّ، وإذا كان الفكر الديني يُنتج إرهاباً خطيراً لكونه يعتمد السردية الماروائية التي يصعب إثباتها لإنتمائها الى حيز الغيبيات، فإن الفكر التنويري يُنتج إرهاباً تحت يافطة الفكر النقدي، والنزوع العلموي، ورد كل نقدٍ سليم تحت ذريعة أنه فكر آيديولوجي يرفض القبول بمسلمات العقل ومخرجاته المطلقة!

وهذا الأمر، أعني إعادة ترسيم (المطلق) في التجارب الانسانية ليست بالأمر اليسير كما يُخال، فمن يتابع تأريخ هذه التجارب يُلاحظ أن سمة الإطلاق لم تغادرها على طول خط المنتج الفكري إلا مع بعض التيارات الفكرية الشاذة التي يقف على عتبتها تيار السفسطة في اليونان في المرحلة ما قبل السقراطية، وإلا فإن الكثير من التيارات التي يُعتقد انها ترفض الإطلاق في فكرها وسلوكها قامت بإعادة ترسيم معالم هذا الإطلاق بصيغ شتى، وعلى سبيل المثال عندما تقول ما الحداثة، على سبيل المثال، وهي من أبرز من وقف على الضفة الأخرى من الإطلاق، كانت النسبية واللاثبات المعلم البارز لها، (أن كل شيء نسبي وغير ثابت، وأن اللايقين هو الثبات الوحيد)، فهي هنا تعطي سمة إطلاقية مستترة أو مضمرة في نسقها الفكري، إذ انها منحت الإطلاق اللاثبات، وللنسبية، وهذا يعني أن الإطلاق بقي موجوداً على الرغم من دعوى مناهضته، وهكذا...

وعوداً على الإرهاب التنويري يمكن القول أن قد شهد التاريخ الفكري الحديث صعوداً لتيارات التنوير والحداثة كبدائل حتمية للوصاية التقليدية، رافعةً شعارات العقل والحرية وقبول الآخر كأركان أساسية لمشروعها التحرري، ومع ذلك، يكشف التحليل الفلسفي والاجتماعي المعاصر عن مفارقة حادة، وسياق حرج؛ ألا وهو تحول التنوير في بعض تجلياته التطبيقية إلى أداة سلطوية تمارس إقصاءً منظماً وضغطاً معنوياً ضد المخالفين، إذ تلجأ بعض النخب الحداثية إلى تبرير منهجها عبر آلية من (الإرهاب الفكري التنويري) ومصادرة الآراء والحقوق تحت ذريعة حماية العقلانية وتأمين مسيرة التقدم، في الوقت ذاته الذي تعيب فيه على الخطابات الدينية انغلاقها وضيقها بالآخر.

وربما يمكن القول أن جذور هذه الإشكالية تمتد إلى ما عبّر عنه فيلسوفا مدرسة فرانكفورت ماكس هوركهايمر (1895-1973م) وثيودور أدورنو (1903-1969م) في أطروحتهما النقدية حول (جدل التنوير)، عندما أوضحا أن العقل التنويري حينما يُعزل عن سياقه الإنساني والأخلاقي يتحول إلى (عقل أداتي) يسعى للهيمنة والسيطرة، ليصبح معياراً حداً لتصنيف البشر بين (عقلاني حداثي) أو (جاهل متخلف)، وهو تصنيف ينزع الشرعية المعرفية والأخلاقية عن المخالف ويبرر قمع رأيه بدعوى أنه يهدد الوعي العام.

وخلاصة القول أفترض ان الإرهاب الفكري مثلما يمكن أن يأتي إلينا من شيخٍ سلفي عتيق ما زال يعيش الحاضر بكل تعقيداته بعقلية الماضي بكل ملابساته، كذلك يمكن أن يأتينا من نخبوي حداثي حذف الإله من قاموسه ليضع مكانه إلهاً آخراً تحت مسمى العقل التنويري!

***

د. محمد هاشم البطّاط

مقدمة: يشير مفهوم "التابع" إلى الكائن الإنساني الذي يعيش في وضعية تبعية بنيوية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو معرفية. التابع ليس مجرد شخص يتبع أوامر، بل هو من يُشكل وعيه وإرادته وممارساته من خلال علاقات قوة غير متكافئة: التابع للسلطة، للنخبة، للتقاليد، للإعلام، للنظام الاقتصادي العالمي، أو حتى للصور الذاتية المفروضة. الإشكالية الأساسية هي: كيف يتحول التابع من كائن موضوع إلى كائن فاعل؟ كيف يستعيد قدرته على التفكير الحر، والكلام المسموع، والفعل المؤثر، والتحرر الداخلي والخارجي، والتقدم نحو ذاته ونحو مجتمعه؟ هذا التحول ليس حدثاً لحظياً، بل عملية مركبة طويلة النفس تتطلب إعادة بناء الوعي، واللغة، والممارسة، في مواجهة آليات السيطرة التي تعيد إنتاج التبعية يومياً. فما ماهية التابع وإشكالية التبعية؟

أولاً: كيف يستطيع التابع أن يفكر؟

يبدأ التحرر من التفكير. التابع غالباً ما يفكر بأدوات الآخر: مفاهيم جاهزة، ثنائيات مبسطة (خير/شر، تقليد/حداثة، نجاح/فشل)، وأطر معرفية مفروضة تخدم المهيمن. ليستعيد قدرته على التفكير، يحتاج إلى "إصلاح الفكر" الذي يخرجه من الاختزال والتبسيط نحو الفكر المركب.يستطيع التابع أن يفكر حين يتعلم رؤية التعقد: أن الواقع ليس خطياً، وأن التناقضات (الفرد والجماعة، الهوية والكونية، الذاكرة والمستقبل) ليست متضادة بل حوارية. يبدأ ذلك بتفكيك الوهم الذاتي: الاعتقاد بأن التبعية قدر أو طبيعة. ثم ينتقل إلى بناء "معرفة المعرفة"، أي الوعي بكيفية تشكل أفكاره من خلال التربية، الإعلام، والسلطة.

عملياً، يتحقق ذلك عبر ممارسة الشك المنهجي تجاه الحقائق المسلم بها، وربط المعارف المجزأة (الاقتصاد بالثقافة، السياسة بالنفس، المحلي بالكوكبي). حين يرى التابع نفسه داخل شبكة علاقات معقدة وليس نقطة معزولة، يبدأ في إنتاج أفكار أصيلة تنبع من تجربته الحية لا من الخطاب المهيمن.

ثانياً: كيف يستطيع التابع أن يتكلم؟

الكلام ليس مجرد نطق، بل إنتاج خطاب مسموع يغير الواقع. التابع غالباً ما يُسكت أو يُكلم باسم الآخرين (النخبة تتحدث باسمه، الإعلام يمثله، السلطة تفسر احتجاجاته). ليتكلم، يحتاج التابع أولاً إلى استعادة لغته: لغة تجربته الخاصة، لا اللغة المستعارة أو المترجمة. هذا يتطلب بناء "فضاءات عامة مضادة" حيث يمارس التابعون الحوار فيما بينهم قبل مواجهة المهيمن. الكلام الحقيقي ينشأ من القدرة على سرد القصة الذاتية والجماعية بطريقة تعيد صياغة الهوية: من "أنا التابع" إلى "نحن الفاعلون".

يتطلب ذلك تعليماً للفهم: فهم الآخر دون استيعابه، وفهم الذات دون تمركز أناني. حين يتقن التابع فن الرواية والحجاج والاستعارة، يتحول صوته من صرخة إلى خطاب يفرض نفسه على الخارطة الرمزية للمجتمع. الكلام هنا فعل سياسي، لأنه يعيد توزيع الحساسية والرؤية في المجال العام.

ثالثاً: كيف يستطيع التابع أن يفعل؟

الفعل هو التحول من الوعي إلى الممارسة. التابع يعيش في عالم يُصمم له فيه الفعل المسموح: الاستهلاك، الانتخاب الدوري، العمل المأجور، الاحتجاج المؤطر. لكي يفعل، يحتاج إلى بناء قدرة جماعية: التنظيم الذاتي في جمعيات، شبكات، تعاونيات، ومساحات تجريبية. الفعل المؤثر يبدأ صغيراً: تغيير يوميات الحياة (الاقتصاد التضامني، التربية البديلة، الإعلام المستقل)، ثم يتوسع نحو الضغط على البنى الكبرى. الفعل يتطلب استراتيجية مركبة تجمع بين الصبر الطويل واللحظة الثورية، بين المقاومة السلبية والمبادرة الإيجابية. ينجح التابع في الفعل حين يتحول من "مفعول به" إلى "مُنتِج" لشروطه الوجودية: ينتج معرفته، ثقافته، اقتصاده، وسياسته. هذا يعني الخروج من التبعية الاقتصادية عبر الاكتفاء الذاتي النسبي، والتبعية الثقافية عبر إحياء الخيال الجماعي.

رابعاً: كيف يستطيع التابع أن يتحرر؟

التحرر ليس حدثاً سياسياً خارجياً فقط، بل عملية داخلية وخارجية متزامنة. التحرر الداخلي يبدأ بتحرير الرغبة والخيال من الأنماط المفروضة: الرغبة في الاستهلاك، الخوف من الاختلاف، الاعتماد على السلطة كأب. يتحقق التحرر عبر "التربية على التعقد": تعليم يركز على مواجهة اللايقين، احتضان التناقضات، وتطوير الذاتية المنظمة (القدرة على التنظيم الذاتي داخل الفوضى). كما يتطلب تحرراً من الأساطير: أسطورة التقدم الخطي، أسطورة الزعيم المنقذ، أسطورة الهوية الثابتة. التحرر الحقيقي جماعي: لا يتحرر فرد في مجتمع لا يزال أغلبه تابعاً. لذا، يصبح التحرر مشروعاً مشتركاً يبني تضامناً عابراً للطبقات والثقافات، ويربط بين التحرر المحلي والكوكبي (مواجهة النظام العالمي الذي يعيد إنتاج التبعية).

خامساً: كيف يستطيع التابع أن يتقدم؟

التقدم ليس تقليداً لنموذج المهيمن، بل تطوراً داخلياً نحو مزيد من التعقد المنظم والإنسانية. يتقدم التابع حين يبني نموذجاً بديلاً للحضارة: حضارة تربط بين التقدم المادي والمعنوي، بين التكنولوجيا والأخلاق، بين الهوية والانفتاح. هذا التقدم يعتمد على "الذاكرة المستقبلية": استرجاع التراث الحي (لا المتحفي) وإعادة صياغته ليخدم المستقبل. كما يتطلب تعليماً يُخرج الإنسان من التشظي نحو الوحدة المركبة: تعليم يربي على الحياة، على المسؤولية الكوكبية، وعلى القدرة على الابتكار داخل الشروط المحدودة.

التقدم الحقيقي قياسه بزيادة قدرة الأفراد والجماعات على التفكير المستقل، الفعل الخلاق، والعيش مع الآخر دون سيطرة أو انصهار. هو تقدم نحو "الأرض-وطن" حيث يصبح التابع السابق مواطناً كوكبياً فاعلاً.

خاتمة:

إن قدرة التابع على التفكير والكلام والفعل والتحرر والتقدم ليست خطاً مستقيماً، بل دائرة حوارية تكرارية: التفكير يغذي الكلام، الكلام يشجع الفعل، الفعل يعمق التحرر، والتحرر يفتح آفاقاً جديدة للتفكير. هذه العملية تتطلب تواضعاً أمام التعقد، وشجاعة أمام اللايقين، وصبراً أمام البطء التاريخي. في النهاية، ليس التابع من ينتظر التحرر من فوق، بل من يصنعه يومياً في ممارساته الصغيرة والكبيرة. حين يصبح التابعون قادة أنفسهم، ومفكرين في واقعهم، ورواة لقصتهم، ومبدعين لمستقبلهم، تتحول التبعية إلى مشاركة، والخضوع إلى إبداع، والتبعية إلى إنسانية كاملة. هذا الطريق صعب ومليء بالمخاطر والانتكاسات، لكنه الطريق الوحيد الذي يليق بالكرامة الإنسانية. التابع الذي يبدأ في التفكير الحر قد بدأ بالفعل في التحرر. فكيف يمكن التحرر من خلال الدائرة الحوارية للتغيير الجذري؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

السياسة بين الحضور والغياب

التاريخ العربي/الإسلامي هناك مفارقة غريبة جدا، وهي أن السياسة كانت هي الحاضر الأكبر كممارسة على مستوى بناء الدول وتشييد الممالك وتوسيع الأمبراطوريات، وكانت حاضرة كذلك من خلال الصراع المحموم على السلطة في سقيفة بني ساعدة، و كانت متواجدة بقوة في الحرب الأهلية التي اندلعت بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان وتجدر الإشارة إلى أن الحرب الأهلية في الإسلام المبكر تمثلت في ثلاث أحداث تاريخية لها دلالة، معركة صفين ومجزرة كربلاء وضرب الكعبة بالمنجانيق، كما تمظهرت السياسة في التاريخ في تلك العلاقة التسلطية بين السلطان والرعية والتي أدت في النهاية إلى تجذر الإستبداد وتكريس نظام دولة السلطان/ وليّ الأمر، كما تجلت الممارسة السياسية كذلك في تلك الثورات السياسية والإنتفاضات الإجتماعية ضد السلطة المركزية في المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة، والسلطة الحاكمة ومهما كانت الصفة التي تحملها، كانت دائما خائفة من الرعية من المعارضة، ومن هنا كان الجمع بين الشرعية الدينية وشرعية القوة . ولا ننسى أنه كان للسياسة دور كبير “ تكوين العقل العربي “ وفي تشكيل النظام المعرفي العربي وفي ذلك الإنتاج الثقافي الضخم، في الفقه والتصوف والبلاغة والفنون والفلسفة والعلوم . ومع ذلك ورغم كل هذا الحضور الطاغي للسياسة، إلا أنها كانت هي الغائب الأكبر على مستوى الرعية والناس والأمة، أي بلغة العصر غابت المشاركة السياسية وغاب الشعب في إدارة شؤون الدولة، وبعبارة اخرى تم استبعاد الشعب من العمل السياسي وتم اقصاء النخب الفكرية والعلمية من المجال العام.

 الفتنة .. والخوف من الفتنة

 إذ سادت ظاهرة غريبة هي العزوف ليس فقط التعوذ من السياسة وعدم مخالطة الساسة والإبتعاد عن السلطة وعدم الكلام في السياسة وعن المشاركة في شؤون الحكم، بل حتى الإمتناع عن التفكير في الشأن العام والتوقف عن إنتاج الأفكار ذات الصلة بالسياسة وحتى في مناقشة مفاهيم هي من صميم السياسة والعمل السياسي، بإعتبار السياسة فكر وفعل وممارسة، مثل مفاهيم السلطة والدولة والخلافة . ومن هنا لا نستغرب أن يغيب الفكر السياسي بالمعنى العميق وأن لا يتجاوز عدد المفكرين السياسيين أصابع اليد الواحدة، وأن لا نجد أثرا لفلاسفة السياسة في الإسلام، ماعدا الفيلسوف محمد أبو نصر الفارابي في كتابه" أراء أهل المدينة الفاضلة ". والغريب في الأمر أن هذه الأمة التي أبدعت في كل شيء، في الأداب والفنون والعلوم والفكر والفقه والقانون، قد أصيبت بعُقم في مجال التنظيّر السياسي وفي إنتاج الأفكار السياسية وفي تطوير المفاهيم السياسية مثل مفاهيم الشورى وأهل الحل والعقد والبيعة والعدل. ومن تحصيل الحاصل القول بأن غياب الكلام في السياسة له مبرراته ودوافعه أو بلغة علماء أصول الفقه له أسباب نزول تتمثل خاصة في الإستبداد السياسي أو كما سمَّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بالإستبداد الشرقي الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، بالإضافة الى الصدمة النفسية الكبيرة التي ولدتها أحداث الحرب الأهلية القاسية أو كما تسمى بالفتنة الكبرى في نفوس ووجدان الأفراد والجماعات، و التي بقيت راسّخة في الذاكرة الجماعية، حيث مشهد النهايات الدامية لكبار الصحابة ولثلاثة من الخلفاء الراشدين، إذ طال العنف السياسي كما أشرنا سابقا عدداً من الأفراد والجماعات، من بينهم صحابة كبار وشخصيّات كانت فاعلة في تاريخ الإسلام قبل الهجرة وبعد الهجرة، البعض منها من يعتبر من أبرز الأبطال في تاريخ الإسلام بل منهم من كان على رأس قائمة المبشرين بالجنة، كما تمثل العنف السياسي في حروب الردة التي أعلنها الخليفة الأول أبي بكر الصديق ضد المتمردين في بعض مناطق الجزيرة وخاصة في اليمن وعمان والبحرين. ويمكن القول بأن ما كان يسمى في التاريخ الإسلامي بالصحابة، وهم بلغة السياسة المعاصرة رجال الرئيس، كانت تشكل ما سمى اليوم بالطبقة السياسية، أو بالمعنى الأرسطي الأليغارشية الحاكمة في عهد النبوة والطبقة الحاكمة في عهد الخلفاء الأربعة الذين تولوا مسؤولية إدارة الدولة بعد النبي مباشرة، ومن بين رجالات الرسول الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء أي تربعوا على سدة الحكم، نذكر منهم ثلاثة خلفاء كلهم من قبيلة قريش، تعرضوا للإغتيال السياسي. والحقيقة التي لا نقاش فيها أن الإغتيال السياسي يمثل ذروة العنف السياسي، وبالتالي عندما قَضى ثلاثة خلفاء وبطريقة درامية، و هم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فهذا دليل إثبات على أن هناك خلل في النظام السياسي القائم، لأن هؤلاء الذين اغتيلوا غدراً، كانوا في الصف الأول من الصحابة، أي كانوا في مركز صنع القرار، وبعبارة أخرى كانوا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في يثرب/المدينة في زمن النبوة، وبعبارة أصح كانوا في السلطة عندما اشتعلت نار الحرب الأهلية وتحركت آلة القتل في كل اتجاه ودارت عجلة العنف والعنف المضاد، العنف الغاشم من طرف السلطة والعنف المفرط من طرف المعارضة سواء بسواء.

طاعة وليّ الأمر.. واجبة شرعًا !

 ومن هنا كان خوف الناس وتوجُّس المؤمنين خِيّفة طوال التاريخ الإسلامي من السلطة ومن السلطان ومن الدولة السلطانية ومن السلطنة والتسلط من ناحية، ومن ناحية أخرى كان خوف الناس وتوجس المؤمنين خيفة أشّد من إيقاظ الفتنة ومن نشوب الحرب الأهلية من جديد ومن عودة الإقتتال الداخلي، لذلك سادت في الفقه السياسي والسياسة الشرعية وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي عموما والخطاب الديني الوسيط خصوصا ظهرت مقولات ورفعت شعارات تحذر من الفتنة وشرورها ومن إشعال جذوة الحرب الأهلية، من هذه المقولات والشعارات نذكر " سلطة جائرة ولا فتنة دائمة " و" ملك غشوم ولا فتنة تدوم " و" الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " وفي نفس الاتجاه وكما ورد في نصوص أبي الحسن الماوردي وأحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية وابن عبد ربه وابن جماعة تم تمرير مقولات تُمجد السلطان ولو سلطان ظالم وتقدس الحاكم المستبد من قبيل عبارة ابن جماعة الشهيرة التي تدعو للإمثتال للحاكم القوي الذي استولى على السلطة بالقوة " من اشتدت وطأته ..وجبت طاعته " أو القول بأن السلطان هو " حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " وبأن " الحاكم ظل الله على الأرض " والأغرب من ذلك، الربط في القداسة بين الحاكم والله مثل قولهم " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " وهناك مقولات تبرر الظلم والتسلط وتدعو الرعية لتحمل الظلم والصبر، بل وتطلب منهم شكر السلطان على عدله – إذا عدل ؟- كأن يقال " إذا كان الإمام عادلاً، فله الأجر وعليك الشكر، و إذا كان الإمام جائرًا فله الوزر وعليك الصبر " وهناك عبارات تؤكد على ضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان جائرا، وحاكم ظالم خير من عدم وجوده " إن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلا " وأن الطاعة واجبة ..خوفا من انقسام الأمة ..و اضطراب الأمور " و" أن الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال الأمة " وأن على الرعايا طاعة الحكام، فذلك من حقوقهم المشروعة، أما حقوق الناس فهي حقوق مؤجلة إلى يوم الحساب "أدوا إليهم حقهم..و اسألوا الله حقكم ".

 السلطة والحرب الاهلية

 ونحن نعتقد إعتقادًا جازمًا بأن ما يسمى في التاريخ العربي /الإسلامي بالفتنة الكبرى والتي تمثلت خاصة في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان هي في حقيقة الأمر شكل من أشكال الإنتفاضة الشعبية وهي أيضا ترمز للصراع الضاري على السلطة بين أجنحة الطبقة السياسية التي وتوزعت بين المدن الثلاث المدينة والكوفة ودمشق، كما كانت هذه الفتنة وإن جاز التعبير أول ثورة إجتماعية في الإسلام من ناحية أولى، وثورة على الفرز الطبقي وعلى سوء توزيع الثروة من ناحية ثانية، وتعبيراً مكثفا عن التطاحن السياسي على الكرسي أي على السلطة والحكم والملك عقب شغور منصب القائد السياسي والرمز الروحي، المتمثل في محمد بن عبد الله( ص). ومن المعروف أن الفتنة الكبرى وبعبارة العصر تلك الحرب الأهلية الدامية قد مرت بثلاث جولات، الجولة الأولى من هذا الصراع المحموم على السلطة، كانت قد بدأت وقائعها في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، عندما تقابل الأنصار مع المهاجرين وجها لوجه وعلى طاولة حوار جدول أعمالها في نقطة واحدة هو من يكون خليفة الرسول وبعبارة أدق من يحكم المسلمين بعد أن أصبح كُرسيّ الرئاسة شاغرا، أقصد كُرسي النبوة بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله( ص)، وقد تم حسم مسألة الخلافة لصالح قبيلة قريش، و رغم أن مقترح الأنصار بتقاسم السلطة وفق مقولة "منا أمير ومنكم أمير "، حيث تم تعييّن أبي بكر بن قحافة . ثم كانت الجولة الثانية من الصراع، إذ مرَّت الأحداث الدرامية عاصفة، عندما حاصر " الثوار " و" المتمردون " الخليفة الثالث عثمان بن عفان لمدة أربعين يوما، وانتهت بمقتله، أما الجولة الثالثة والأخيرة في سياق الحرب الأهلية، فقد كانت أكثر درامية وأكثر قسوة بل وأكثر دموية، إذ شَهِدت الجزيرة العربية حربًا ضروسًا بين أبناء العم أي صراع داخل البيت القبلي /القرشي، بين بني هاشم من وبني أمية، و هي الحرب التي وصلت الذروة بإغتيال الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وتصفية الهاشميين وإزاحتهم من المشهد السياسي فيما بعد. وعلى إثر هذا الحدث الدراماتيكي أُسدِل الستَّار على حقبة الخلفاء الراشدين وهي من أكثر الحقب مثالية في المخيال الإجتماعي للمسلمين والأكثر تهييّجا للمشاعر من الناحية العاطفية، لكنها كانت في حقيقة الأمر الأكثر اضطرابا من الناحية السياسية. والمفارقة العجيبة أن حقبة الإسلام المبكر هي الفترة الزمنية التي تكونت فيها الجماعة الدينية، و فيها توحًّد المسلمون وشَكلُّوا أمَّة واحدة، ولكنها كذلك هي الفترة التي انقسم فيها المسلمون، ثم إزدادوا انقساما بعد ذلك على المستوى السياسي وعلى المستوى الديني في كل التاريخ العربي /الإسلامي، إذ ظهرت عدة خِلافات (من الخلافة) أي قامت عدة ممالك وإمارات وفي أمصار مختلفة. ورغم ذلك فإن حقبة الخلفاء الأربعة الذين تولوا الحكم مباشرة بعد عهد النبوة، الحقبة التي رسمت في أذهان المسلمين طوبى الخلافة واحتفظت في الذاكرة الجماعية بالقيم الأخلاقية السامية، فهي بالنسبة لجموع المسلمين هي مدينة الله أي المدينة الفاضلة وبالتالي هي المعيار وهي النموذج و" التاريخ المثالي " الذي يقاس عليه كل التاريخ فيما بعد. والجدير بالذكر أن زمن النبوة وعهد الخلفاء الراشدين التي يقدمها خطاب الإسلام السياسي اليوم بأنها العصر الذهبي للإسلام، وبالتالي هي الاطار المرجعي وهي القالب الذي يجب أن تبنى عليه الدولة الإسلامية، دولة الإيمان والعدل والحرية. وغني عن البيان القول أن هذه الحقبة التاريخية هي الرأسمال الرمزي الذي وظفته جميع الفرق وكل الجماعات السياسية /الدينية، سواء أكانت في المعارضة أم في كانت في السلطة، كورقة من أوراق اكتساب الشرعية، إما من أجل الوصول إلى السلطة أو بهدف البقاء فيها. وللتذكير فقط أن أساس شرعية وجود الدولة في التاريخ العربي- الإسلامي هو سياسة الدنيا وحراسة الدين، وسياسة الدنيا لا تكون إلا بالشوكة والكفاية، الشوكة هي صد الهجوم الخارجي والكفاية هي منع الفتنة الداخلية، أما حراسة الدين فلا تكون إلا بتطبيق الشريعة (القانون الاسلامي) . ولسنا في حاجة إلى شرج كبير للقول بأن هذا النموذج الطوباوي في إدارة شؤون الدولة ونظام الحكم، كان حتما سينتهي سريعا بطريقة أو بأخرى، وبالفعل انتهت هذه الحقبة بقيام الدولة الأموية، دولة الأمر الواقع، الدولة السلطانية، دولة السُلالات، دولة الملك العضوض والتي كان مبدأها منذ عام 661 م وحتى عام 1924 هو أن الوصول إلى السلطة لا يكون إلا بالقوة والغلبة والعصبية، و كذلك البقاء فيها لا يكون إلا بالقوة والغلبة، و العلاقة بين الحاكم والرعية، هي علاقة فوقية قائمة أساسا على طاعة الرعية للحاكم القوي، أو كما قال ابن جماعة " من اشتدت وطأته وجبت طاعته " . وهكذا استولى معاوية بن أبي سفيان بالمكر والدهاء، ومعه عشيرة بني أمية على السلطة واستمرت سلالة بني أمية في الحكم بالسيف والدهاء، بعد أن أزاحوا عن طريق السلطة عشيرة سلالة بني هاشم، بعد مقتل الإمام الحسن بن علي بالسم وقطع رأس الإمام الحسين بن علي . ولكن غياب الفكر السياسي والعزوف عن الممارسة السياسية والإمتناع عن الكلام في السياسة، لا يعني غياب الإهتمام بالسياسة ولو من وراء الأبواب الموصدة وفي الغرف المُقفلة أو الكلام في السياسة في شكل قصص وحكايات ولو على لسان الحيوانات. وما نبغي قوله أنه لا توجد جماعة بشرية، سواء أكانت عشيرة أو قبيلة أو أمة، لم تهتم بمسائل السياسة وأصول الحكم وصلاحيات الحاكم ومهام المنوطة بالسلطة وإدارة شؤون الملك، ولا يوجد مجتمع عبر التاريخ لم يناقش علاقة الدين بالدولة، ولا توجد دولة في التاريخ العربي – الإسلامي لم تطرح فيها قضايا الشريعة والقانون وناقشت كل ما يتعلق بقضايا الحكم والدولة والشعب والمدينة والجماعة والإجتماع السياسي. غير أن السمة الغالبة على الجماعات والفرق والطوائف وكل الحركات السّرية في صدر الإسلام وخاصة بعد قيام الدولة الأموية، هو كثرة الكلام في الشؤون السياسية ولكن في الغرف المغلقة وكثافة التعبير في السياسة وبكل أدوات التعبير المتاحة وذلك بإستخدام جهاز ضخم من المعاني والرموز والمجاز والقصص والحكايات الخيالية وحتى الأساطير .

***

د. مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي / الجزائر

قِراءةٌ تَفْكِيكِيَّة سُوسْيُوفَلْسَفِيَّة فِي الخِصَاءِ التَّارِيخِيِّ لِلْعَالَمِ الثَّالِث

العالم فوق مقصلة الصفيح الساخن

لا ينبض المشهد الدولي الراهن بحياة مستقرة، بل يغلي في أتون صراع وجودي متفاقم، تتجنب التحليلات الجيوسياسية المداهنة تسميته باسمه الحقيقي، وهو أنه: "حرب عالمية ثالثة معلنة بآليات جراحية ناعمة وخشنة معاً". في هذه الساحة المتوحشة، يتصارع العمالقة الكبار على إعادة صياغة الإحداثيات الطبقية للمنظومة الدولية الجديدة، بينما تنسحق دول الهامش والأطراف سحقاً ارتدادياً تحت وطأة هذا التصادم العنيف.

إن قذف اقتصاد العالم إلى هُوة الصفيح الساخن ليس نتاج مصادفات عشوائية أو أزمات عابرة، بل هو استراتيجية بنيوية منهجية مدروسة بعناية فائقة، غايتها الكبرى إخلاء العالم الثالث من أي إمكانية للفعل التاريخي المستقل، وإذلال شعوبه عبر تضافر الأنساق الرأسمالية المعولمة وتكاملها مع الهياكل التوتاليتارية الحديثة.

يستهدف هذا التشريح السوسيوفلسفي تقديم قراءة فلسفية تفكيكية متكاملة، لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تهبط إلى القاع لتكشف آليات اشتغال سلطة رأس المال بشقيه:

 المادي العاري الفج، والرمزي الخفي المتستر. إنها قراءة تستهدف هتك الستار السيكولوجي والثقافي الذي يغطي تعطل التنمية الحضارية في دول الجنوب، مبرهنة على أن تفكيك آليات الإخضاع يتطلب بالضرورة تعرية التحالفات العابرة للحدود، تلك التي حوّلت الاقتصاد من أداة للرفاه إلى مقصلة قهر لإنتاج "التخلف المستدام" وإعادة إنتاج التبعية الهيكلية كقَدَر محتوم.

خيمياء رأس المال

إن السعي لتعرية آليات الإخضاع الفلسفي يفرض علينا المزاوجة بين مشرطين نقديين: التفكيك المادي الكلاسيكي الذي صاغه كارل ماركس، والنظرية السوسيولوجية النقدية لبيير بورديو.

يركز المنظور الماركسي التقليدي على سلطة رأس المال "الحقيقي" أو المادي بوصفه علاقة إنتاج موضوعية، تتجذر كبنية تحتية مستقلة عن الإرادة الواعية للفاعلين الاجتماعيين. هنا، ينقسم العالم والمجتمعات إلى خندقين متعارضين: طبقة رأسمالية تملك وتتحكم في وسائل الإنتاج، وطبقة كادحة مستلبة تضطر لبيع قوة عملها وحياتها للبقاء. وتتحكم علاقات الملكية الجائرة هذه في صياغة وعي البشر؛ إذ {ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم}.

غير أن آلة الهيمنة المعاصرة لم تعد تكتفي بالسياط المادية المباشرة؛ بل تطورت لتستند إلى ما سماه بيير بورديو "السلطة الرمزية" ورأس المال الرمزي. إن هذا الرأس الرمزي ليس إلا تحويراً ذكياً للمنزلة، والمكانة، والسمعة، والهيبة التي تحظى باعتراف الضحية طوعاً. تكمن عبقرية بورديو في فضحه لآلية "الخيمياء الرمزية"، وهي العملية السحرية الخبيثة التي يمارس من خلالها أي رأس مال عنفاً رمزياً بمجرد أن ينتزع من الضحايا اعترافاً بمشروعيته، متجاهلين أصله القهري الدموي، ليفرض نفسه كسيادة مطلقة تستدعي الامتثال التلقائي.

تشتغل السلطة الرمزية بالاختباء والتسلل، مسلّحة بآلية "التفويض" التي تمنح النخب الحائزة لرأس المال الرمزي شرعية إصدار الوصايا الكونية المقبولة عفوياً. وينبثق من هذا التواطؤ المخيف ما يُعرف بـ "العنف الرمزي"؛ وهو عنف ناعم، لزج، عذب، وغير محسوس لضحاياه أنفسهم. إنه يمر عبر شرايين التعليم، وقنوات التواصل، وأدوات التثقيف.

وتكمن خطورته القاتلة في كونه يحول الضحية إلى شريك في الجريمة؛ حيث يتم تطبيع إنسان العالم الثالث على احتقار ذاته وازدراء هويته ("الأنا")، فيتبنى دون وعي مقولات التصنيف والتفكير التي يفرضها السادة. تتحول المدرسة والمؤسسة التعليمية هنا إلى أداة مفصلية لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي، حيث يُفرض التعسف الثقافي كضريبة معرفية مشروعة تخفي وراءها وابل القوة المادية العارية. وتتوّج هذه الجريمة بالدولة، التي غدت بمثابة "المصرف المركزي لرأس المال الرمزي"، والمسرح الأقصى لصراع الجميع ضد الجميع، حيث تصيغ البنى الذهنية للأفراد بما يضمن تأبيد تفاوتهم الهيكلي.

البرادِغما الميكافيلية الجديدة: الغاية تبرر المسلخة الدوليّة

هنا يتداخل النقد السوسيولوجي بالواقعية السياسية العنيفة في نسختها "الميكافيلية الجديدة". لم يعد "الأمير" المعاصر مجرد حاكم فرد يبحث عن تحصين إمارته، بل غدا القطب الجيوسياسي المعولم، والشركات عابرة القارات، والأنساق المالية الكبرى التي تدير العالم بعقلية أدواتية باردة لا تعرف الأخلاق. في هذه البراديغما، تصبح القاعدة الأنطولوجية الكبرى هي: "الغاية تبرر الوسيلة"، حتى لو كانت الوسيلة هي سحق أمم بأكملها، وإدخال قارات كاملة في مجاعة تنموية مقصودة.

إن إبقاء اقتصاد العالم الثالث فوق صفيح ساخن يمثل تطبيقاً حرفياً للميكافيلية الدولية؛ فالاستقرار التنموي لدول الجنوب يشكل تهديداً مباشراً لاحتكار الكبار لموارد الكوكب. لذا، يتم هندسة الأزمات، وتصدير الاضطرابات، وخلق بؤر التوتر المستمر كوسائل مشروعة في عرف "أمير الرأسمالية المعاصرة" للحفاظ على سيادته. الأخلاق هنا تُخْتَزَل في "مصلحة القوة"، والعدالة الدولية ليست سوى الستار الرمزي الذي يغطي العنف العاري. إن ميكافيلية القرن الحادي والعشرين لا تخفي وجهها، بل تمارس فجورها السياسي تحت مسميات "القانون الدولي" و"توازن القوى"، محولة دول الهامش إلى قطع شطرنج تُقدم قرباناً على مذبح بقاء الأقوياء.

 من حشود الاستلاب إلى بيروقراطية "تفاهة الشر"

إن هذا الإخضاع الميكافيلي يتغذى على تحالف بنيوي مرعب بين رأس المال والأنساق التوتاليتارية الحديثة، وهو ما فككته حنة أرندت ببراعة فائقة. تكشف أرندت أن الرأسمالية المتوحشة دمرت بالبلدوزر كل التضامنات التقليدية للمجتمعات، محولة الأفراد إلى كتل بشرية هلامية، ومستلبة عقلياً تُعرف بـ "الحشود" أو "الجماهير". تتميز هذه الحشود باللامبالاة السياسية المفرطة وفقدان البوصلة المعيارية، مما يجعلها تربة خصبة ومثالية لقذف الأيديولوجيات الشمولية في روعها وتحويلها إلى قوى تدميرية. ومن رحم هذا التشظي، ينشأ "التحالف التاريخي الدنس بين رأس المال والغوغاء" لتسهيل الغزو الخارجي وتأمين فائض الأرباح تحت غطاء العنف المنظم.

تقوم الشمولية المعاصرة على مزيج تدميري مرعب من الأيديولوجيا والإرهاب؛ حيث تتحول الأيديولوجيا إلى منطق ذاتي مغلق ينفصل عن الواقع ليعمل بآليته الجنونية الخاصة، بينما يمثل الإرهاب الأداة التجريبية لتطبيق الفرضية الشمولية الكبرى: {إن الإنسان ذاته لم يعد ضرورياً}.

يتلاقى هذا الرعب الفلسفي مع أطروحة أرندت حول "تفاهة الشر". يتحول الكائن البشري في ظل هذه الأنساق الرأسمالية العابرة للقارات إلى مجرد "ترس بيروقراطي"، موظف بليد يوقع على مذكرات إبادة اقتصادية، أو يمرر سياسات تجويع شعوب كاملة، دون أن يرمش له جفن، ودون أي تفكير نقدي أو تساؤل أخلاقي حول طبيعة الجريمة التي يرتكبها. غياب المساءلة الذاتية وتحول الإنسان إلى رقم في آلة إدارية معولمة هو الجوهر الفلسفي الفظيع للشر التافه.

ينعكس هذا القهر الرمزي بوضوح في مفهوم "صناعة الثقافة" عند ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر. لقد جرى تسليع المنتجات الثقافية، والفنية، والإعلامية بالكامل، وإخضاعها لمنطق الإنتاج الصناعي التكنولوجي الرأسمالي، لتتحول إلى معلبات نمطية متطابقة تستهدف التلاعب بعقول الجماهير وتزييف وعيها الجمعي. تعمل هذه الصناعة على خصاء الهوية الذاتية للفرد، وصهره في قالب استهلاكي قسري موحد، لينتهي الأمر بترسيخ "الامتثالية الجديدة"، والاغتراب، وتشيؤ الإنسان. يتحول البشر والعلاقات الاجتماعية إلى أشياء جامدة ومغتربة عن إمكاناتها التحررية، ويتحول هذا النموذج المشوه إلى دول العالم الثالث ليعطل دفاعاتها الثقافية والحضارية ويخنق تطلعاتها التنموية.

تشريح اقتصاد المقصلة: التنمية اللامتكافئة وهندسة التبعية

لتفكيك الفشل التنموي المزمن في دول العالم الثالث، لا بد من إخضاع نظريات التحديث الغربية الكلاسيكية لمشرط النقد البنيوي لـ "المادية التاريخية العالمية" ونظرية التبعية والمنظومات العالمية التي بلورها سمير أمين وإيمانويل والرشتاين. يرفض هذا المنظور النقدي الأطروحات الليبرالية والتحديثية الكلاسيكية رفضاً قاطعاً، ويعتبرها مجرد "أمنيات طيبة ومحاولات نظرية مدقعة وساذجة" تعوق الفهم التاريخي للتخلف.

إن التخلف ليس مرحلة ما قبل التنمية، بل هو "المنتج الهيكلي" للتنمية الغربية نفسها؛ فالمركز الرأسمالي يعيش ويتضخم عبر امتصاص دماء الأطراف من خلال آليات التبادل اللامتكافئ وهندسة التبعية التي تجعل الجنوب تابعاً أبدياً يدور في فلك السادة.

طابور الهيمنة الخامس ومأزق الوعي الكولونيالي

لا يمكننا عزل تعطيل التنمية الحضارية في دول الجنوب عن الدور الداخلي الخياني والوظيفي للطبقة المسيطرة محلياً. يكشف يوهان غالتونغ في نظريته حول "الإمبريالية البنيوية" أن التقسيم الاستغلالي بين المركز والأطراف يعيد إنتاج نفسه داخل كل دولة؛ حيث يتحالف "مركز المركز" الدولي (القوى الإمبريالية) مع "مركز الأطراف" المحلي (البرجوازية الكومبرادورية الحاكمة) لاستغلال الأغلبية المسحوقة في أطراف الأطراف.

إن البرجوازية المحلية في دول العالم الثالث تفتقر بنيوياً لخصائص الفعالية والمبادرة التاريخية التي ميزت البرجوازية الأوروبية الكلاسيكية إبان صعودها. إنها "برجوازية كومبرادورية طفيلية" بامتياز، ترتبط حبل سريتها بمصالح الخارج، وتعمل كقناة وسيطة لنقل الفائض الاقتصادي المحلي واستنزاف الموارد الوطنية مقابل فتات السلطة والجاه الرمزي.

ويربط فرانز فانون هذا الواقع بما أسماه "مزالق الوعي الوطني"، محذراً من خيانة النخب المحلية بعد نيل الاستقلال الشكلي؛ حيث تكتفي هذه الطبقات باستبدال المستعمر الأجنبي بوجه وطني مشوه، مستمرة في ممارسة ذات القمع الهيكلي والعنف اليومي ضد الجماهير دون إحداث أي تغيير جوهري في البنية الاقتصادية التحتية للاستعمار.

ويشير فانون إلى معادلة كولونيالية مرعبة:

 {المرء غني لأنه أبيض، وأبيض لأنه غني}، مما يفرض توسيع التحليل الماركسي الكلاسيكي ليشمل تفكيك التمايز العرقي والطبقي المتداخل في الفضاء الكولونيالي. ولتجاوز هذا المأزق التاريخي، يرفض فانون التوجه الاستبدادي لـ "تنمية الاستثنائي" أو البحث عن بطل مخلص في شكل قادة عسكريين أو نخب فوقية، بل يطرح بديلاً ثورياً ينبني على "التنظيم اللامركزي"، والمسؤولية الجماعية، والمساواة الفعلية لرفع الوعي السياسي للشعب وجعله صانع مصيره الحقيقي.

تضامن المستضعفين ومقاومة التشيؤ الكوني

تكشف القراءة التفكيكية المتعمقة لسلطة رأس المال، بشقيها المادي الحقيقي والرمزي الخفي، والميكافيلية المعاصرة، أن صراع الكبار الراهن في الحرب العالمية الثالثة الكامنة يمثل اللحظة الحرجة لاهتزاز أركان النظام الرأسمالي الشمولي المعولم. إن استراتيجية إذلال الشعوب وخنق العالم الثالث وإخضاع اقتصاده لصفيح الأزمات الساخن لم تعد قادرة على احتواء التناقضات الهيكلية المتفجرة للنظام الدولي. إن تضامن المستضعفين، والوعي الجماهيري الجذري، وكسر الخيمياء الرمزية والأقنعة الميكافيلية، هو السبيل الوحيد لمقاومة التشيؤ الكوني، وانتزاع إمكانية الفعل التاريخي، وبناء حداثة بديلة تحرر الإنسان بدلاً من تحويله إلى حطام على أرصفة التاريخ.

***

غالب المسعودي

العلاقة الخفية بين السلام النفسي والاستقرار المالي

يعتقد كثير من الناس أن الأمان المالي يرتبط فقط بامتلاك المال أو زيادة الدخل، وأن الإنسان كلما امتلك أموالاً أكثر أصبح أكثر استقراراً وطمأنينة. لكن الواقع يكشف أن هناك أشخاصاً يمتلكون المال ويعيشون في قلق وتوتر دائم، بينما يعيش آخرون بإمكانات وقدرات متوسطة لكنهم أكثر اتزاناً وراحة وقدرة على إدارة حياتهم المالية بحكمة

وهنا تظهر حقيقةٌ جوهرية يغفل عنها الكثيرون، وهي أن الأمان المالي ينبع أولاً من الأمان النفسي؛ فمن يمتلك سلاماً داخلياً وثقة بالنفس وقدرةً على ضبط النفس، يكون أكثر حكمة في اتخاذ قراراته المالية، وأعمق وعياً في التعامل مع احتياجاته ورغباته. في المقابل، قد يندفع من يعاني من اضطرابٍ أو فراغٍ داخلي إلى التعويض بالاستهلاك المفرط، أو الشراء العشوائي، أو اللهث خلف المظاهر، واهماً بأن المال وحده كفيل بمنحه الشعور بالأمان والسعادة

الأمان النفسي لا يعني غياب المشكلات، بل يعني قدرة الإنسان على إدارة حياته بهدوء واتزان دون أن تتحكم به المخاوف أو الاندفاعات وعندما يشعر الإنسان بالاستقرار الداخلي، يصبح أكثر قدرة على التخطيط للمستقبل، وترتيب الأولويات، والتمييز بين الحاجة والرغبة، والتحكم في المصروفات، وبناء عادات مالية صحية

فالوعي المالي الحقيقي لا يرتبط بحجم الدخل فقط، بل بطريقة التفكير وإدارة السلوك المالي اليومي. كثير من الأزمات المالية لا يكون سببها قلة المال، بل غياب الانضباط النفسي. فبعض الأشخاص ينفقون بدافع التوتر أو القلق، ويشترون لإرضاء مشاعر مؤقتة، ويعيشون تحت ضغط المقارنة الاجتماعية، ويفتقدون الصبر في تحقيق أهدافهم المالية. وهنا يصبح المال وسيلة للهروب النفسي بدل أن يكون أداة لبناء الاستقرار

إن تهذيب النفس وتعليمها الصبر والانضباط والقناعة من أهم مفاتيح النجاح المالي. فالإنسان الذي يستطيع أن يقول “لا” لرغباته المؤقتة، ويؤجل بعض الملذات من أجل أهداف أكبر، يبني لنفسه مستقبلاً أكثر أماناً واستقراراً. كما أن القناعة لا تعني التوقف عن الطموح

لا تعني التوازن بين السعي والرضا، وبين العمل والاجتهاد دون الوقوع في فخ الجشع أو الاستنزاف النفسي. الأمان المالي لا يُبنى بقرارات ضخمة فقط، بل يبدأ من تفاصيل يومية بسيطة، مثل تنظيم المصروفات، ووضع خطة مالية واضحة، والادخار المنتظم، وتجنب الديون غير الضرورية، والتحكم في الاندفاع الشرائي، والاستثمار في تطوير الذات والمهارات

وهذه السلوكيات الصغيرة تتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة يصنع الاستقرار والثقة بالمستقبل قد يمنح المال الراحة المؤقتة، لكنه لا يمنح دائماً الطمأنينة. فالطمأنينة الحقيقية تأتي عندما يشعر الإنسان بأنه قادر على إدارة حياته بعقلانية واتزان، وأن قيمته لا تُقاس بما يملك فقط، بل بوعيه وقدرته على بناء حياة مستقرة نفسياً ومادياً

إن الأمان المالي ليس مجرد أرقام في الحسابات البنكية، بل هو انعكاس لحالة نفسية داخلية تقوم على السلام النفسي، والانضباط، والقناعة، والوعي. وكلما نجح الإنسان في تهذيب ذاته وإدارة رغباته بحكمة، أصبح أكثر قدرة على بناء حياة مستقرة ومتوازنة وناجحة. فالحياة المستقرة لا تبنى فقط بما نملكه، بل بكيفية إدارتنا لأنفسنا قبل أموالنا.

***

د. أكرم عثمان

31-5-2026

تقرر القاعدة القرآنية في التفاضل الإنساني مبدأ يقوم على نفي الامتياز القائم على النسب والقبيلة، وربط الكرامة عند الله بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ وإن كان سياق الكرامة أخرويا في الأصل، إلا أن توجيه الخطاب إلى "يا أيها الناس" وتقديمه قاعدة عامة يمنحه بعدا معياريا يتجاوز المجال الوعظي إلى تنظيم الاعتبار بين البشر في المجال الاجتماعي أيضا؛  فالقرآن لم يقدم القبيلة بوصفها معيار تفاضل، وإنما باعتبارها إطارا للتعارف الاجتماعي: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، بما يعني أن الانتماء القبلي ظل في التصور القرآني عنصر تعريف اجتماعي لا أساسا للسيادة أو الاستحقاق السياسي والديني.

ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة في التجربة العربية الإسلامية المبكرة: مستوى النص القرآني بوصفه حاملا لمبدأ معياري عام، ومستوى الاجتهاد الفقهي الذي حاول تفسير الواقع وتنظيمه ضمن شروطه التاريخية ، ومستوى التوظيف السياسي الذي ارتبط بصراعات السلطة وتوازنات الجماعة؛ فليس كل ما استقر في المدونة الفقهية- السلطوية -، يمثل بالضرورة الامتداد المباشر للمبدأ القرآني، كما أن كثيرا من التصورات السياسية التي اكتسبت لاحقا طابعا دينيا كانت في أصلها استجابات تاريخية لواقع اجتماعي وقبلي عروبي معين؛ ومن هنا فإن قراءة مسألة القرشية لا تتعلق بالطعن في النص المؤسس، بقدر ما تتعلق بتحليل الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ داخل البنية السياسية للدولة  العربية الإسلامية المبكرة.

غير أن التطور التاريخي للدولة العربية الإسلامية أظهر حضور الاعتبار القبلي داخل المجال السياسي والفقهي بصورة متزايدة؛ فقد ظهرت نصوص نبوية وآثار سياسية مبكرة استدل بها في تفضيل قريش في باب القيادة، من أشهرها حديث: "الأئمة من قريش"؛ وقد تعامل جمهور واسع من الفقهاء – السلطوية - مع هذا الحديث بوصفه سندا شرعيا لتقديم القرشية في الإمامة، غير أن دلالته ظلت محل نقاش بين العلماء والباحثين؛ إذ اتجهت بعض القراءات إلى فهمه باعتباره توصيفا لواقع التوازنات القبلية ومركزية قريش في المجتمع العربي آنذاك، أكثر من كونه تشريعا سياسيا مطلقا صالحا لكل زمان؛ كما أن توظيفه السياسي المبكر في سياق الصراع على السلطة أسهم في تحويله تدريجيا من نص مرتبط بظرف تاريخي معين إلى قاعدة فقهية أكثر عمومية واستمرارا.

ومع ترسخ هذا التصور، أصبح النسب القرشي عنصرا معتبرا في باب السلطة السياسية، إلى جانب اعتبارات الكفاءة والدين والمصلحة العامة؛ غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز بين المجال الأخلاقي والمجال السياسي؛ لأن القاعدة القرآنية لم تطرح بوصفها موعظة روحية معزولة، بل باعتبارها مبدأ عاما موجها إلى الناس كافة، بما يتضمن إعادة ترتيب معايير الاعتبار داخل المجتمع نفسه؛ فالقرآن حين نفى التفاضل القائم على النسب والقبيلة، لم يحصر ذلك في المجال الأخروي وحده، وإنما اتجه أيضا نحو تقليص فاعلية البنية القبلية بوصفها مصدرا للامتياز الاجتماعي والسياسي.

ولا يعني ذلك أن النص القرآني قدم نظرية سياسية تفصيلية أو صيغة دستورية جاهزة للحكم، غير أن المبادئ العامة التي طرحها – وفي مقدمتها نفي الامتياز القائم على النسب – لا تبدو منفصلة تماما عن المجال الاجتماعي والسياسي؛ فحين يتحول الانتماء القبلي إلى شرط يمنح أفضلية مسبقة في السلطة، فإن ذلك يضعف الأثر العملي – كسر - للقاعدة القرآنية في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، حتى لو جرى تبرير هذا التحول باعتبارات تاريخية أو مصلحية؛ ومن هنا تنشأ المفارقة بين المبدأ القرآني المفتوح، وبين إعادة إنتاج الامتياز النسبي داخل المجال السياسي الإسلامي.

ومن هذا المنظور تبدو إعادة إدخال النسب القرشي شرطا في باب الإمامة أقرب إلى تكريس شكل من أشكال التفضيل القبلي داخل المجال السياسي، لا مجرد اشتراط تنظيمي محايد، حتى وإن جرى تقديمه في بعض الخطابات بوصفه عامل وحدة واستقرار؛ فالمسألة لا تتعلق بمجرد تنظيم إداري للسلطة، بل بتحويل الانتماء القبلي من عنصر تعارف اجتماعي إلى عنصر ترجيح سياسي ومعياري، الأمر الذي أعاد إنتاج جانب من البنية القبلية التي سعى الخطاب القرآني إلى إعادة ضبطها اجتماعيا ونزع بعدها الامتيازي.

وتظهر المفارقة هنا في التوتر بين المعيار القرآني العام القائم على التقوى، وبين اشتراط الانتماء القبلي في أحد أهم أبواب التنظيم السياسي؛ فحين يصبح النسب شرطا مقدما في باب الإمامة، فإن المجال السياسي ينتقل عمليا من معيار أخلاقي مفتوح إلى معيار نسبي أكثر انحصارا، حتى لو جرى تبرير ذلك ضمن اعتبارات تتعلق بوحدة الجماعة واستقرار الدولة الناشئة؛ كما أن كثيرا من الفقهاء الذين قالوا بشرط القرشية لم يقدموه دائما بوصفه امتيازا جوهريا في القيمة الإنسانية، بل باعتباره شرطا سياسيا ينسجم – في نظرهم – مع طبيعة المجتمع العربي في ذلك العصر؛ غير أن تحول هذا الشرط من معالجة ظرفية مرتبطة بسياق تاريخي معين إلى قاعدة فقهية شبه ثابتة عبر قرون طويلة، جعل الاعتبار القبلي يكتسب مع الزمن طابعا معياريا يتجاوز ظرفه السياسي الأول.

ومع وجود آراء فقهية وكلامية لا تشترط القرشية، فإن الذي جرى به العمل تاريخيا في الخلافة المركزية – من الراشدين حتى العباسيين – هو إقرار أولوية قريش أو اعتبارها مصدرا أعلى للشرعية السياسية؛ غير أن التطبيق التاريخي نفسه لم يكن دائما على درجة واحدة من الصرامة، إذ تراجعت فاعلية شرط القرشية عمليا في مراحل عديدة، خصوصا مع تحول الخلافة إلى ملك سياسي أو إلى صيغ سلطانية أكثر ارتباطا بموازين القوة الفعلية من الارتباط بالشروط النظرية التي قررتها المدونات الفقهية.

بل إن التاريخ الإسلامي عرف نماذج سياسية تراجعت فيها فاعلية الشرط القرشي بصورة واضحة، سواء في بعض الدول والإمارات الإسلامية غير العربية، أو في المراحل التي أصبحت فيها السلطة الفعلية قائمة على القوة العسكرية والإدارة السياسية أكثر من استنادها إلى النسب؛ وقد بلغ هذا التحول ذروته مع دول كبرى حكمت المجال الإسلامي دون انتماء قرشي صريح، الأمر الذي يكشف أن الواقع التاريخي نفسه كان يتجاوز أحيانا التنظير الفقهي التقليدي، حتى مع استمرار حضوره الرمزي داخل بعض المدونات السياسية.

ولم يقتصر حضور الاعتبار القبلي على مسألة الإمامة، بل امتد إلى بعض المجالات الاجتماعية، مثل الكفاءة في الزواج، حيث اعتبر عدد من الفقهاء النسب عنصرا من عناصر التكافؤ الاجتماعي، بما يعكس استمرار أثر البنية القبلية داخل بعض الاجتهادات الفقهية؛ كما ظهرت تمايزات اجتماعية بين العرب والموالي خلال مراحل من التاريخ الإسلامي، سواء في العطاء أو التمثيل السياسي أو المكانة الاجتماعية، وهي تمايزات ارتبطت بطبيعة الدولة الإمبراطورية الناشئة وبالعصبيات – النزعة العربية - الاجتماعية والسياسية أكثر من ارتباطها بالمبدأ القرآني المجرد؛ ولم يكن أثر هذه التراتبية محصورا في الجانب الإداري أو السياسي، بل ترك أثرا عميقا في وعي كثير من الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام، ومنها الكورد وغيرهم من الموالي، حيث بدا التفاوت بين القاعدة القرآنية للمساواة وبين الواقع الاجتماعي للدولة الإسلامية أحد مصادر الشعور بالتهميش داخل التجربة التاريخية الإسلامية.

ومع ذلك، لم تكن التجربة التاريخية الإسلامية واحدة على امتداد العصور؛ إذ شهدت بعض المراحل صعود شخصيات ودوائر علمية وإدارية غير عربية، كما خف تأثير الاعتبار القبلي نسبيا في بعض البيئات الإسلامية خارج المركز العربي التقليدي، الأمر الذي يكشف أن حضور العصبية القبلية لم يكن ثابتا بالدرجة نفسها في جميع الأزمنة والسياقات.

ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدا عن طبيعة المجتمع الذي تشكلت فيه الدولة العربية الإسلامية؛ فالدولة الناشئة لم تتكون في فراغ اجتماعي، بل داخل بنية قبلية كانت قريش تمثل مركز ثقلها السياسي والرمزي، كما اعتمدت في توسعها العسكري والإداري على القبائل العربية؛ وقد دفع ذلك كثيرا من الفقهاء والساسة إلى التعامل مع القرشية بوصفها عامل استقرار ووحدة سياسية في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية؛ غير أن التجربة التاريخية نفسها تكشف أن الامتياز القرشي لم يكن دائما عنصر استقرار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أسباب الانقسام والصراع السياسي المبكر، سواء في الخلافات التي ظهرت منذ السقيفة والخلافة الراشدة المبكرة، أو في الصراعات بين الأجنحة القرشية نفسها خلال العصرين الأموي والعباسي؛ ومن هنا فإن تفسير الظاهرة تاريخيا لا يعني منحها شرعية معيارية دائمة، خصوصا بعد تحول كثير من الاجتهادات المرتبطة بسياقاتها السياسية إلى تصورات فقهية أكثر ثباتا واستمرارا عبر القرون.

ومن ثم فإن الإشكالية لا تكمن في النص القرآني ذاته، بل في الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ القرآنية داخل شروط الواقع التاريخي والسياسي؛ فالقرآن أسس لقاعدة كونية تقوم على التقوى والمساواة الإنسانية ونفي الامتياز القائم على العصبية القبلية، بينما تشكلت بعض الاجتهادات السياسية والفقهية – السلطوية العروبية -،  تحت تأثير التوازنات القبلية والاجتماعية للدولة العربية الإسلامية المبكرة، ثم اكتسبت مع الزمن طابعا معياريا تجاوز سياقها التاريخي الأصلي؛ ومن هنا تبدو مفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القبلي تعبيرا عن التوتر بين القاعدة القرآنية الكونية التي قدمها النص المؤسس، وبين البنية التاريخية التي أعادت إنتاج الامتياز القبلي داخل المجال السياسي والاجتماعي، بما يشبه إعادة تكييف الواقع القبلي داخل الإطار الديني بدل تجاوزه بصورة كاملة؛ ويظل السؤال مطروحا أمام العقل الإسلامي المعاصر: إلى أي مدى يمكن إعادة بناء الوعي السياسي والاجتماعي على القاعدة القرآنية الكونية، بعد قرون من تداخل المقدس بالقبلي والتاريخي؟.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 30-5-2026

عندما يتطابق الإحساس بالأشياء مع واقعها الفعلي يصبح ذلك الإحساس حقيقة لا يمكن إنكارها، لأن إنكار الإحساس المطابق للواقع أشبه بإنكار الواقع نفسه. ويتضح ذلك فيما قدمه الخليل بن أحمد الفراهيدي، صاحب الإحساس المرهف الدقيق، فيما يتعلق بصفات الأصوات ومواقعها في المدرج الصوتي عند الإنسان. فهو حين وضع تصوره لتلك الأصوات لم يستعن بالأجهزة الصوتية المتوفرة في عصرنا الحديث، بل اعتمد على حسّ لغوي وعلمي بالغ الدقة، قائم على التأمل العميق والاستقراء والملاحظة الدقيقة. ولما توفرت الأجهزة الحديثة بعد قرون، أثبتت أن نسبة كبيرة مما توصّل إليه الخليل فيما يتعلق بصفات الأصوات ومواقعها كان صحيحًا وموافقًا للواقع الفعلي.

ولم يكن الخليل حالة منفردة في تاريخ العلم؛ فقد توصّل بعض العلماء إلى إدراك أنظمة خفية تحكم الظواهر قبل اكتمال وسائل إثباتها، كما فعل الكيميائي الروسي ديميتري مندليف حين وضع تصورًا للجدول الدوري وتوقع وجود عناصر لم تكن مكتشفة بعد، ثم أثبت الواقع العلمي صحة كثير من توقعاته.

إن هذين النموذجين ونماذج أخرى لا يتسع المجال لذكرها تدل على أن بعض الحقائق لا يبدأ ظهورها دائمًا من المختبرات والأجهزة، بل قد تبدأ بإحساس علمي منظم يلتقط النظام الكامن في الأشياء قبل أن يخضع للوسائل التقنية القادرة على إثباته فقط وليس على كشفه. فالعقل البشري يمتلك قدرة على إدراك العلاقات والأنماط عبر التأمل الطويل والاستقراء الدقيق، ثم تأتي الأدوات العلمية لاحقًا لتؤكد ما تم إدراكه.

ولهذا فإن الإحساس العلمي ليس مجرد شعور نفسي أو تصور عابر، بل قد يكون إدراكا نافذا يصل الى معرفة حقيقية علمية، وتبقى قيمة هذا الإحساس مرتبطة بقدرته على تفسير الوقائع تفسيرًا منسجمًا ومتكررًا، وبذلك لا يوصف بكونه انطباعًا ذاتيًا.

ما أريد أن أقوله: إن إنكار الإحساس المطابق للواقع لا يختلف كثيرًا عن إنكار الواقع نفسه، ما دام ذلك الإحساس قد أثبت قدرته على تفسير الظواهر تفسيرًا متماسكًا ومنظمًا.

وينسحب هذا الأمر على حديثي عن إحساسي بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، الذي حددتُ مراحله وتفاصيله في (نظرية الصفر اللغوي).  فتوصلتُ إلى أن الفكرة المراد التعبير عنها باللغة تمر بثلاث مراحل ويعمل الدماغ على تحديدها من الكل إلى الجزء

المرحلة الأولى: تحديد المعنى العام للفكرة فيما إذا كانت استفهامية أو منفية أو غير ذلك فتتحدد الأداة المناسبة للفكرة، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فلا أداة لها، وانعدام الأداة هو تحديد لنوعها مقابل الفكرة التي يتحدد نوعها بالأداة.

المرحلة الثانية: الربط بين مدلولات أجزاء الفكرة أي الربط بين الصور الذهنية والمفاهيم التي تشتمل عليها الفكرة، وليس ثمة أكثر من أربعة روابط رئيسة تربط المدلولات مع بعضها، وتعمل بنظام هرمي رأسه الإسناد الذي تتعلق به الروابط الأخرى وهي: التخصيص، والإضافة، والتوضيح.

وفي الكتاب شرح مفصل لهذه الروابط مع الرسم التوضيحي.

المرحلة الثالثة: اختيار الدوال المناسبة لمدلولاتها من المعجم الذهني، وبذلك يتم تحويل الفكرة الى جملة ويتم إنتاجها وهي متربطة الأجزاء ارتباطا لا يقبل الانفصام.

إن هذا النظام غير المنظور القابع في أدمغة البشر لا يمكن التوصل إليه من خلال التقنيات الحديثة التي لا تُظهر للناظر في جهاز العرض سوى وصلات كهربية تتنقل من مكان إلى آخر، ولا يمكن تفسيرها من قبل عالم اللسانيات العصبية أو عالم اللسانيات الإدراكية لأنها تفاصيل نحوية لا يتمكن منها سوى عالم باللغة وبخاصة علم النحو، حيث يوظف هذا العالم إحساسه مع عمق معارفه ودراساته في جميع فروع اللسانيات من أجل الوصول إلى هذا النظام، ولا يمكن التشكيك بهذا النظام بحجة عدم إخضاعه للتقنيات الحديثة، ما دام واقع اللغات وقواعدها الفعلية قد انسجم معه من خلال التطبيقات المتنوعة التي أجريتها على عدة لغات في كتابي: (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية).

فالقيمة العلمية لأي تصور لا تتحدد فقط بوجود أجهزة تثبته لحظة ظهوره، بل تتحدد أيضًا بقدرته على تفسير الوقائع المختلفة ضمن نظام واحد متماسك، وبنجاح تطبيقاته على أمثلة متعددة ومتنوعة. لذلك فإن الإحساس المنظم القائم على التأمل والدراسة والاستقراء، إذا انسجم مع الواقع اللغوي وأثبت كفاءته التفسيرية، يصبح جديرًا بالنظر العلمي الجاد.

ولما كان خلق الله قائما على أنظمة دقيقة فلابد للغة من نظام يضبطها في أدمغة البشر، وفيما يأتي أعرض نموذجًا لنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، وهو ما أطلقت عليه نموذج الصفر اللغوي وإذا كان هناك نموذج آخر لنظام أفضل منه فليُعرض أيضًا من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية، لأن العلم لا ينهض إلا بالحوار والمقارنة والاختبار.

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾2827 sana

د. سناء حميد البياتي

ثمة معارف لا تمنحها القراءة وحدها، ولا يكشفها التأمل البارد مهما اتسع، بل لا بدّ للإنسان أن يقترب منها بجلده وروحه حتى يدرك حقيقتها. ومنذ أيام، حين تعرّضتُ إلى حرقٍ عارض، وجدتني أمام تجربة صغيرة في حجمها، لكنها عميقة في أثرها؛ إذ كشفت لي شيئًا لم أكن ألتفت إليه من قبل: لماذا اختيرت النار — دون سواها — رمزًا للعذاب في الوعي الديني والإنساني؟ ولماذا جعلها الله دون غيرها عقوبةً لمن عصاه في يوم القيامة؟ ولماذا ترددت صفاتها وحالات المعذبين بها في أكثر من آية وسورة من سور القرآن الكريم؟ وكأنّي لأول مرة في حياتي أدرك الجواب عن ذلك الاختيار الإلهي؛ إذ لم أجد في عالم المحسوسات عذابًا يوازيها في الألم، ولا عنصرًا يجمع بين الإيلام والرعب كما تجمع النار.

كنت أعرف، مثل أي إنسان، أن النار مؤلمة. غير أن المعرفة النظرية شيء، والذوق المباشر شيء آخر. فالإنسان قبل التجربة "يعرف"، وبعدها "يدرك". والفرق بين الأمرين يشبه الفرق بين من يقرأ عن البحر ومن يغرق فيه. ولعل هذا ما قصده جبران خليل جبران حين قال: "إن الألم هو انكسار القشرة التي تغلف فهمكم".

فالألم لا يضيف إلى الإنسان معرفة جديدة فحسب، بل يكسر وهم المعرفة القديمة أيضًا. وحين لامست النار الجسد، اكتشفت أنها ليست مجرد إحساس موضعي بالأذى، بل حالة اجتياح كاملة. إن الجرح قد يبقى في عضو، والضربة قد تنتهي بانتهائها، أما النار فتمنح الإنسان شعورًا بأن كيانه كله صار مهددًا. حتى بعد انطفائها يبقى أثرها في الأعصاب والوعي والذاكرة، كأنها لا تحرق الجلد وحده، بل تترك في النفس رجفة خفية.

ولعل هذا ما جعل النار، عبر الحضارات، الرمز الأعلى للعذاب. فمنذ الأساطير القديمة حتى النصوص الدينية الكبرى حضرت النار بوصفها الصورة القصوى للألم والخوف. وليس الأمر مقتصرًا على العقائد وحدها؛ فاللغة نفسها تكشف ذلك. نحن نقول: "نار الفقد"، و"أحرقه الندم"، و"نيران الغيرة"، لأن الوعي الإنساني أدرك أن النار ليست مادة فحسب، بل تجربة تهدد استقرار الإنسان كله.

ومن المدهش أن الأسطورة الإغريقية نفسها أدركت هذا التناقض الرمزي في شخصية بروميثيوس؛ فالنار هناك هي سر الحضارة وسبب العقوبة في الوقت ذاته. إنها العنصر الذي منح الإنسان الدفء والنور والطعام، لكنه أيضًا أكثر العناصر قدرة على التدمير. وربما لهذا ظل الإنسان يتعامل معها بحذر بدائي عميق، كأن في داخله خوفًا قديمًا لا يهدأ منها.

ومن هنا بدا لي أن اختيار النار في التصوير الديني للعذاب ليس أمرًا اعتباطيًا. فالنار تجمع بين ما لا يجتمع في غيرها: الألم الجسدي، والفزع النفسي، والإحساس بالفناء، واستمرار المعاناة. لذلك جاءت النصوص الدينية مشحونة بصورها؛ لأنها تخاطب الإنسان بأشد ما يعرفه رهبة وإيلامًا.

غير أن اللافت في التصوير الديني للنار أنه لا يصف الحرارة وحدها، بل يحيط بالعذاب من جميع جهاته: الجلد، والعطش، والاختناق، والحرمان، والقلق. وكأن العذاب ليس مجرد احتراق جسدي، بل انهيار كامل لشروط الطمأنينة الإنسانية. وهنا يبدو الألم، كما رأى شوبنهاور، حقيقة وجودية أكثر رسوخًا من اللذة العابرة؛ لأن الإنسان قد ينسى كثيرًا من لحظات الراحة، لكنه لا ينسى الألم الذي اخترق وعيه ذات يوم.

ولعل من أعمق ما عبّر عن هذا المعنى تلك الصرخة الواردة في دعاء كميل: "أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة..." فهنا لا يعود العذاب نارًا تحرق الجسد فقط، بل يتحول إلى تجربة حرمان روحي ووحشة وجودية. وربما لهذا ارتبطت النار في الأدب الصوفي والوجداني بمعنى الفقد والعشق والألم معًا.

غير أن هذه التجربة فتحت أمامي سؤالًا آخر أكثر عمقًا: إذا كانت رحمة الله قد وسعت كل شيء، وإذا كان القرآن الكريم يفتتح سوره باسم الرحمن الرحيم، فكيف يمكن للعقل أن يجمع بين هذه الرحمة المطلقة وبين صورة النار التي تملأ المخيلة رهبةً وعذابًا؟

هنا لا أقصد إنكار النار أو التشكيك فيما ورد بشأنها في النصوص الدينية، وإنما أقصد التأمل في حقيقتها ومعناها. فربما كانت النار في جوهرها أعمق من أن تكون مجرد ألسنة لهب مادية تشبه ما نعرفه في هذا العالم. وربما كانت صورة رمزية أو وجودية تعكس البعد عن الله والحرمان من رحمته، أكثر مما تعكس مجرد الاحتراق الحسي. ولعل هذا المعنى هو ما التقطه عمر الخيام في رباعيته الشهيرة حين قال:

ربَّ أوعدتني بأن جزائي

لذنـوبي عقابُها النيرانُ

*

فتعجبتُ من وعيدك هذا

وأنا باكتناهه حيرانُ

*

أعذابي بموطنٍ منك يخلو؟

دلّني أين... أين ذاك المكانُ؟

*

أم مكانٌ تحلُّهُ ومُحالٌ

حيثما أنتَ رحمةٌ وحنانُ

فالخيام لا ينكر العذاب، لكنه يتساءل: أين يمكن أن يوجد موضع يخلو من الرحمة الإلهية؟ وكيف يمكن للرحمة المطلقة أن تغيب عن شيء من خلق الله؟ وهذا السؤال نفسه شغل عقول المتصوفة وبعض المتكلمين عبر التاريخ؛ إذ رأوا أن أعظم عذاب ليس الاحتراق بالنار، بل الاحتجاب عن مصدر النور والرحمة والجمال. فحين يشعر الإنسان بالغربة عن المعنى، وبالقطيعة مع الحقيقة التي خُلق لأجلها، يصبح في نوع من "النار الوجودية" التي تفوق في قسوتها كثيرًا من الآلام الحسية.

وربما لهذا قال بعض العارفين إن الجنة ليست مكانًا فحسب، بل حالة قرب، وإن النار ليست مكانًا فحسب، بل حالة بُعدٍ. فالإنسان قد يكون في أوسع النعيم المادي، لكنه يعيش جحيم القلق والاغتراب، وقد يتحمل أشد المشاق لكنه يشعر بسكينة لا تعادلها كنوز الأرض كلها. وعند هذا الحد يبدو العذاب الإلهي نفسه جزءًا من نظام العدالة والرحمة معًا، لا نقيضًا لهما. فالنار في الرؤية الدينية ليست فعل انتقام أعمى، بل تعبيرٌ عن نتائج أفعال الإنسان واختياراته. وكما أن الألم الجسدي ينبه الإنسان إلى موضع الخلل في جسده، فإن العذاب في معناه الأعمق قد يكون كشفًا لحقيقة الانحراف عن الطريق المستقيم. ومن هنا تصبح الرحمة والعدالة وجهين لحقيقة واحدة، لا ضدين متقابلين.

لقد جعلتني هذه التجربة أفكر في هشاشة الإنسان نفسها. فنحن نظن أحيانًا أن وعينا بذواتنا مكتمل، حتى تأتي لحظة ألم صغيرة لتكشف لنا كم نحن محدودون وضعفاء. وربما لهذا قال أبو حيان التوحيدي عبارته الكاشفة: "الوجع يفضح الإنسان". فالإنسان في لحظات الألم يتجرد من كثير من أوهامه، ويكتشف حقيقته العارية أمام ضعفه الجسدي وخوفه الغريزي. وربما لهذا أيضًا يتحول الألم عند بعض الناس إلى باب من أبواب التأمل الوجودي، لا مجرد معاناة جسدية عابرة.

ولعل الوعي نفسه يزيد وطأة هذا الألم. فالإنسان المفكر لا يعيش التجربة بوصفها إحساسًا جسديًا فقط، بل بوصفها سؤالًا عن المعنى أيضًا. وهذا ما عبّر عنه المتنبي بقوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

فكلما اتسعت حساسية الإنسان الفكرية، صار الألم عنده أكثر عمقًا وتشعبًا؛ لأنه لا يكتفي بالشعور به، بل يحاول فهمه وتأويله وربطه بأسئلة الوجود الكبرى.

وهكذا لم تعد النار، في نظري، مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، بل صارت رمزًا كثيفًا يكشف شيئًا عن الإنسان نفسه: خوفه، وحدوده، وضعفه، وحاجته الدائمة إلى الرحمة. وربما كانت أعظم حقيقة كشفتها لي تلك الشرارة الصغيرة أن بعض المعارف لا تُقرأ في الكتب، بل تُكتب على الجسد أولًا، ثم تترجمها الروح إلى أسئلة لا تنتهي. فالنار التي لامست الجلد أيامًا معدودة جعلتني أفكر في نارٍ أخرى ظل البشر يتأملون معناها منذ فجر الوعي: أهي لهبٌ يحرق الأجساد فحسب، أم أنها في جوهرها رمزٌ للمسافة التي تفصل الإنسان عن الرحمة والطمأنينة والمعنى؟ ولعل الجواب يبقى مفتوحًا بقدر ما يبقى الإنسان نفسه مفتوحًا على أسرار الوجود.

*** 

د. وسام حسين العبيدي

تفكيك الوجود السلطوي في الفضاء الشرقي

مأزق البنية وجذور التضخم الوجودي: تُمثّل السلطة في الفضاء الشرق أوسطي نموذجاً فريداً للدراسة الفلسفية والاجتماعية؛ حيث لا تقتصر أزمتها الراهنة على انحرافات إدارية مؤقتة، أو فساد مالي عابر يمكن إصلاحه بترميم الهياكل القانونية، بل إنها تضرب بجذورها العميقة في أعماق بنية نفسية ومعرفية شديدة التعقيد والتشابك. ينطلق هذا التفكيك الفلسفي من فرضية أساسية صادمة، مفادها أن فساد السلطة في هذه المنطقة يعود في جوهره الأصيل إلى تضخم مرضي في "الذات الأنانية" لدى الحاكم. هذه الذات المتضخمة تحيل العمل السياسي من كونه فضاءً عمومياً حراً لإدارة المصالح المشتركة وتحقيق العقد الاجتماعي، إلى مشروع "استملاك وجودي" مطلق يتغذى على النفوذ العاري، ونزعات الثأر، وصناعة الهيبة المصطنعة، واحتكار المعنى الإنساني والديني على حد سواء.

إن هذه النزعة الأنانية لا تقف عند حدود كونها صفة أخلاقية ذميمة أو خياراً سلوكياً فردياً، بل تتحول في كواليس الأنظمة إلى محرك معرفي شامل يعيد صياغة طرق التفكير، ويمنح الشرعية المطلقة لأدوات السيطرة والقمع. مستعينة في ذلك بخطاب استبدادي مصمم بعناية، يعمل عبر آليات "التأويلية القهرية" على إعادة إنتاج الخضوع الطوعي، وتعطيل ملكة التأويل النقدي وحس المساءلة لدى الجماهير. وفي الوقت ذاته، تتكامل هذه البنية الوجودية الداخلية مع فضاء دولي ومناخ جيوسياسي نفعي، يوظف التدخلات الخارجية لترسيخ ما يمكن تسميته بـ "تطبيع الظلم"، وإعادة إنتاج الطغيان عبر استراتيجيات مبتكرة لـ "التحديث السلطوي" الذي يرتدي قناع المعاصرة ويخفي أنياب القهر.

تحولات مفهوم السياسة.. من التدبير التشاركي إلى الاستملاك الوجودي

عندما تنصبّ الذات الأنانية كمعيار نهائي ووحيد لصياغة القرار وصناعة المجال العام، يطرأ تحول جوهري جذري على طبيعة السياسة ومفهومها التاريخي. إذ تكف السياسة تماماً عن كونها عملية تدبير تشاركي وتوزيع عادل لمقدرات المجتمع المادية والرمزية، لتتحول إلى مشروع استملاك مطلق للتشريع والأرض والإنسان. هذا الاستملاك الشمولي لا يقف عند حدود الهيمنة الاقتصادية أو العسكرية، بل يمتد ليتغلغل في رغبات الحاكم الذاتية، مثل إشباع نزوات الثأر الانتقامي من الخصوم الحقيقيين أو المتوهمين، وتشييد "هيبة" وهمية مصنوعة بالكامل من الرهبة والخوف والترويع.

في هذا السياق، نستحضر أطروحة الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو حول "المراقبة والعقاب"، حيث يوضح أن السلطة الحديثة لا تسعى فقط إلى معاقبة الجسد، بل إلى امتلاك الروح وصياغة الوعي وتوجيه الحقيقة الرمزية للمجتمع. الأنانية هنا تصبح هي النسق الإدراكي الذي يرى الحاكم من خلاله أن الدولة هي ملكية خاصة، وأن القانون ليس سوى إرادته الشخصية وقد صيغت في نصوص تشريعية. إنها رغبة عارمة في إلغاء مسافة الاختلاف بين الحاكم والوطن، بحيث يصبح نقد الحاكم نقداً للوطن، ومعارضته خيانة للوجود بأسره.

البنية النفسية للمستبد وقابلية العيش في الاستعباد

يكشف التحليل النفسي والاجتماعي لشخصية المستبد عن تداخل سمات مرضية معقدة، تصنفها الأدبيات النفسية المعاصرة تحت بند "الشخصية الاضطهادية الملوثة بنزعات التمجيد الذاتي، والنفعية الذرائعية، والاعتلال النفسي المضاد للمجتمع". يرجع منشأ هذه الشخصية الاضطهادية الشكاكة غالباً إلى تنشئة أولية مضطربة تفتقر إلى الأمان والدفء الإنساني، مما يعزز في وعي طاغية المستقبل قناعة مطلقة بأن العالم الخارجي غابة قاسية تتسم بالعدوانية، وأنه لا مكان فيها إلا للقوي المتسلط الذي يسبق الآخرين بالبطش. يتعلم الطاغية منذ وقت مبكر تحقير العواطف الإنسانية كالحب، والرحمة، والتعاطف، معتبراً إياها علامات ضعف وهوان، لتصبح القوة والسيطرة العارية هما القيمة الوحيدة المقبولة لديه للتحقق الوجودي.

يصاحب هذا الاضطراب حالة شك دائم بيقين متأصل بوجود مؤامرات خفية تُحاك ضده في عتمة الليل من أقرب المقربين إليه، مما يدفعه باستمرار إلى احتكار أدوات العنف كدرع نفسي وجسدي لحمايته من غدر المحكومين المتوهم. وتتكامل هذه البنية مع تمجيد مفرط للذات النرجسية يفصل المستبد تماماً عن الواقع الخارجي ويصيبه بجنون العظمة. يحاول المستبد دائماً تقمص وهم التفوق والتميز، مدعياً امتلاك معارف استثنائية وعلاقة ميتافيزيقية بقوى عليا تمنحه حق الوصاية والتسلط، وهو ما أكده المفكر عبد الرحمن الكواكبي حين أشار إلى أن المستبد يتخذ صفة قدسية يشارك بها الذات الإلهية ليفرض هيبته على العوام.

تلتقي هذه الرؤية مع التحليلات الفلسفية المفصلة للكاتبة والفيلسوفة السياسية حنّا أرندت في كتابها "أسس التوتاليتارية"، حيث تجد أن النظام المستبد يعتمد على تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة فاقدة للروابط الاجتماعية، مما يسهل سيكولوجياً زرع "الخوف الوجودي" في نفوسهم. تنحو سيكولوجية الطاغية نحو التعامل مع المحكومين وفق تصنيف أدواتي صرف:

 فإما أن يكونوا أتباعاً ومساعدين يستحقون الحظوة والامتيازات المقيدة المقرونة بالولاء الأعمى، أو معيقين ومتمردين يجب سحقهم وتجريدهم من حق الوجود، أو كتلة مهملة من العوام يتم تصريف شؤونهم الحياتية بقسوة وتحت رقابة صارمة، مما يولد مجتمعاً يعاني من "قابلية الاستعباد" نتيجة الخوف والإنهاك اليومي.

تأويلية الخطاب الاستبدادي وتفكيك آليات تعطيل الوعي النقدي

لا يستند الحكم إلى فوهات البنادق واحتكار المال وحدهما، بل يحتاج بالضرورة إلى شبكة لغوية معقدة ومنظومة رمزية تصنع المعاني وتمنع تشكل أي وعي جمعي مضاد. تدرس "التأويلية السياسية" والتحليل النقدي للخطاب كيف يقوم النظام السلطوي بإنتاج أنساق لغوية تبدو متسقة في ظاهرها، لكنها مصممة بنيوياً لتعطيل الفكر النقدي وإلغاء فاعلية المتلقي وتحويله إلى وعاء مستهلك فقط. لا تتوقف غاية التحليل الفلسفي للخطاب عند الكشف المعياري والتفسيري عن عيوب البنية الاجتماعية، بل تسعى، بوصفها أداة معرفية تحررية، إلى تقديم وسائل لتغيير الواقع وتخليص الفضاء اللغوي من إساءة استعمال السلطة التي تشوه الحقائق.

هنا يبرز إسهام الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس في نظريته حول "الفعل التواصلى"، حيث يوضح كيف تعمد الأنظمة التسلطية إلى "تشويه التواصل اللغوي بصورة منظمة" لإنتاج إجماع زائف. يمنع الاستبداد قيام مناقشات حرة وعقلانية داخل المجتمع، ويستبدلها بخطاب أحادي الجانب يكرس السلطة.

عندما يخفق الاستبداد في تلبية الوعود التنموية الوردية، أو يمنى بهزائم سياسية وعسكرية نكراء، تلجأ الآلة الخطابية السلطوية فوراً إلى إنتاج "خطاب الهزيمة الكاذب" أو التمويه الرمزي. هذا الخطاب يعوض الخسائر المادية والواقعية بانتصارات بلاغية ولغوية وهمية؛ فتُسوّق الهزائم الكبرى والنكبات التاريخية كـنجاحات مبهرة صمد فيها النظام، ويُجبر المواطن المسحوق على الاحتفال بهذه الانتصارات اللغوية قسراً عبر وسائل الإعلام ومسيرات التأييد، مما يخلق في نهاية المطاف وعياً زائفاً وانفصاماً معرفياً معزولاً تماماً عن حقيقة الواقع المعيش. تتكامل هذه الآليات الخطابية مع تحول تاريخي خطير في بنية الدولة الحديثة بالمنطقة، يتبلور في احتكار السلطة التنفيذية لأدوات العنف والقوة جنباً إلى جنب مع احتكار التشريع وصياغة القوانين، لتصبح اللغة والقانون والسلاح أدوات في يد ذات أنانية واحدة.

التحديث الاستبدادي والجيوسياسية الريعية.. تفكيك استراتيجيات النجاة

يتغذى الاستبداد في الشرق الأوسط من تفاعلاته المستمرة مع النظام الدولي والتدخلات الخارجية النفعية التي تساهم بشكل مباشر في "تطبيع الظلم". ويحدث تطبيع الظلم عندما تصبح ممارسات القمع، والانتهاكات، واللامساواة جزءاً من المشهد اليومي المألوف والاعتيادي، حيث يتحول سعي المواطن من النضال الجماعي المنظم لنيل الكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى تفعيل "استراتيجيات نجاة فردية" أنانية داخل المنظومة السلطوية ذاتها التي تسلبه إنسانيته. في هذه المرحلة المتقدمة من الطغيان، تستقر بنية الظلم وتتأسس عميقاً دون الحاجة إلى حضور دائم ودبّابات القوة المسلحة في الشوارع؛ لأن الناس يتعلمون التكيف النفسي والعيش في ظل القمع، بل ويبررون اللامساواة كأمر واقع وقدر لا مفر منه لحماية ما تبقى من أمن شخصي.

تساهم القوى الدولية والتدخلات الخارجية بشكل فاعل في استمرار هذا الاستقرار السلطوي؛ إذ ترتبط أزمة تعثر بناء الدولة الديمقراطية الحديثة بالمنطقة بشكل رئيسي بالعوامل الدولية والتدخلات الإقليمية المصممة لخدمة المصالح الجيوسياسية الضيقة وحفظ تدفق الموارد، على حساب تطلعات الشعوب وحقوقها المشروعة. وقد طوّع المستبدون في المنطقة هذه التدخلات الخارجية والضغوط الدولية بذكاء لصالح بقائهم واستمرار عروشهم عبر ما يُعرف بـ "التحديث الاستبدادي المرن".

لا يواجه الاستبداد الحديث التغيرات الكونية والعولمة بالعزلة التامة والرفض المطلق، بل يعيد ترتيب أوراقه واستراتيجيات حكمه للتكيف الذكي مع الظروف الدولية والمطالب المحلية الشكليّة بالإصلاح، دون التخلي بأي حال من الأحوال عن الركائز العميقة لسلطته المطلقة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستشهاد بأطروحات الفيلسوف المعاصر جيل دولوز حول "مجتمعات المراقبة"، حيث لم يعد القمع يعتمد على جدران السجون التقليدية فقط، بل على آليات رقابة مرنة، وسائلة، وممتدة تتغلغل في الحياة اليومية والاقتصاد والاتصالات.

نحو تقويض الهرمنيوطيقا السلطوية

إن تفكيك "الذات الأنانية" ومسارات "تأويلية الاستبداد" يوضح أن مواجهة الطغيان في الفضاء الشرقي لا يمكن أن تقتصر على الأدوات السياسية التقليدية أو تغيير الوجوه في هرم السلطة. إن المعركة الحقيقية هي معركة معرفية ولغوية وتأويلية في المقام الأول؛ تقتضي تقويض الخطاب المشوه الذي يصنعه الاستبداد، واستعادة الفضاء العام كفضاء للتواصل الحر والعقلاني، والتخلص من استراتيجيات النجاة الفردية الأنانية لصالح وعي جمعي تضامني يؤمن بالحرية والكرامة الإنسانية كقيم غير قابلة للاستملاك أو المقايضة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم