عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علجية عيش: الكتابة هي تَمَلُّكٌ للواقع التّاريخي

بين مالك بن نبي ومهدي عامل.. طرف ثابت في معادلة

الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث مهما اختلفت اشكال كتابته سواء أكان علما، فلسفة، شعرا، أودينا وفي شتى أنواع المعرفة، هو تَمَلُّكٌ للواقع التاريخي، هذه الكلمات هي من ثمار فكر مهدي عامل، حين يقولبها إلى شعر، فمهدي عامل شاعر قبل أن يكون مفكرا أو فيلسوفا، ولنا أن نربط العلاقة بين الشعر والفلسفة (إن أمكن ذلك طبعا) لأن ثمة اختلافا بينهما، لكن الشاعر حسن حمدان وهو الإسم الحقيقي للمفكر مهدي عامل، إن عالم الأفكار يجمع ولا يفرق، يقرب المسافات بين مفكر وآخر، كن ماركسيا أو كن إسلاميا، أو قوميا، كن سنّيّا أو شيعيا، فأنت وأنا قبل كل شيئ إنسان أبونا آدم وأمّنا حواء، نعيش على هذه الأرض وسنرحل عنها يوما (يابن آدم جئت من التراب وستعود إليه (التراب) كما ولدتك أمك، فلما هذا الغرور والتعصب والهمجية؟، ومهدي عامل هو اسمه الإبداعي، لا يهم إن كان هذا الرجل ماركسيا أو على مذهب آخر، فنحن هنا نتكلم عن الفكر، كمفهوم، والفكر يظل فكرا مهما كانت إيديولوجحية صاحبه، كما نحن هنا نتكلم عن حسن حمدان الشاعر والكاتب، الإنسان المرهف الحس، الذي يلقي بنظه إلى الأفق، يحاول أن يربط العلاقة بين الشعر والفلسفة، أي المزج بين التقابل والتكامل، رغم وجود اختلاف بينهما، فالشعر يعتمد على الخيال والوجدان، بينما تعتمد الفلسفة على العقل والبرهان

يحاول مهدي عامل استنباتط الأدوات القادرة على ترويض الواقع، ويذهب بعيدا وهو ينظر إلى الأفق بنظرة حادة ثابتة فيعمل على ترويض الفكر والسيطرة عليه من خلال الوعي، والممارسة المستمرة، لتغيير الأفكار السلبية أوة الأفكار الميتة، وهذه الأفكار تحدث عنه فيلسوفنا مالك بن نبي عن طريق مراقبة الأفكار وكأنها غيوم تمر في السماء دون أن تصدقها أو تتأثر بها، للتحول إلى أمطار تسقي الأرض وتطهر القلوب المربضة، كإنسان يمارس "اليوغا"، يغمض عينيه ويأخذ نفسا عميقا، ويفتح الأبواب للعقل، وليفكر بحرية ووعي، نعم....، فحياتنا فلسفة، ولكلٍّ مِنّا طريقة تفكيره، لكن الإنسان الكيِّسُ فقط يستطيع أن يفتح باب العقل، حتى ولو كان مفتاحه به صدأ ويترك الأفكار القديمة تخرج يضعها في مصفاة لفحصها وغربلتها.

فكلما اخترقت الفكرة واحدة منها اعترضتها أخرى، حتى نتمكن من اختيار الأفضل منها، يقول حسن حمدان كل كتابة إراءة، فإمّا أن تقبل بالمخاطرة، فينتصر الفكر في محاولة المعرفة، وتنتصر الكتابة حتى لو فشلت المحاولة، لكن يظل الفكر مستمرا ولا يقف بين العلم والجهل حائرا، فينتصر للأول (أي العلم)، اللهم إن هيمن فيه الجهلُ (التعصّب) فهو إذّاك ليس بالفكر، هكذا يضع حسن حمان العقل على بساط التحليل. فالفكر كما يقول مهدي عامل لمن يعد يقنع بأن يظل هو، وأن يُحركه الجاهلون، والجاهلون هم المتعصِّبون، للفكر ...للدين..... وللكتابة أيضا، وهم اليوم يحاربون الكتابة في كل اشكالها وبكل أساليبها، لقد وصف النقاد المفكر والشاعر مهدي عامل كمنظر الثورة وشهيدها ومُعَرّي الطائفية ورموزها، فكانت نهايته الإغتيال، لقد استطاعت الشيوعية الهيمنة على العقول في كل بلاد عربية، حتى أنها وصلت إلى بلادنا (الجزائر) عن طريق الإستعمار، فغيّرت الأفكار والسياسات، ولكنها حاربت الطائفية التي هي اليوم تخرب وتهدم كل ما بناه الأسبقون في مصر وفي لبنان وفي سوريا وفي تونس وفيالجزائر التي عاشت المأساة عشرية كاملة.

كل شيئ حرّموه، حتى الشعر الحُرَّ قالوا عنه كُفْرٌ، يريدون أن تكون قلوب الناس مثل الحجارة، صلبة، جامدة، قاسية، يعني أن يتحول جميعنا إلى "وحوش، نعيش حياة الغاب ونُطَلِّقٌ "الجَمَال" الذي أبدعه فينا الله وفي الطبيعة، "و في أنفسكم أفلا تبصرون)" صدق الله العظيم (سورة الذاريات الآية 21)، وهذا ما أشار إليه حسن حمدان عندما قال: " لم يعد الفكر يقنع أن يظل حيثُ هو، أو حيث كان أو حيث أراد له البعض أن يكون، في عليائه بعيدا عن حقل تلتحم فيه الأحداث بالأحداث، وفيه يُصْنَعُ التاريخ "، يريد الإنسان أن يكون له موقع قلم وموقف يدخل به في العوالم الأخرى، هي العوالم التي تحدث عنها مالك بن نبي (الأشخاص والأفكار والأشياء) وهو يعالج المشكلة الحضارية في ظل شبكة العلاقات الإجتماعية، وقج وضع لها معادلته الشهيرة (حضارة = إنسان+ تراب+زمن)، لقد جعل مالك بن نبي الإنسان جوهر الحياة، من خلال التربية الفكرية، والتهذيب الأخلاقي، والتمكين المعرفي. فالإنسان هو جوهر أي حضارة وأساسها الحقيقي قبل المباني والتقنيات

و فهم الواقع وحده يكون بعقل منفتح مُتَّزِنٍ، دون انغلاق، فلا ينبغي لليَدِ التي تكتبُ أن تكون ملوّثة بالأفكار السوداء أو الأفكار الميتة كتلك التي تحدث عنها مالك بن نبي، وكما قال مهدي عامل: لا طُهْرَ للفكر إلا بانتقائه، فكل يد ملوثة بما تكتب تنحاز حتى حين لا تنحاز، لكن من موقع رفض للتاريخ ومن خارج دائرة زمانه، أي من موقع " القدسيِّ"، هذا الذي هو في التاريخ موقع الفكر الديني، فيختلط الأسود بالأبيض سواء بسواء، ثم تلغى الأضداد فيبقى القدسيُّ وحده (الله المقدس)، فلا شيئ مقدس، لا الفكر ولا الإنسان ولا الطبيعة، إنه طرف ثابت في معادلة، وإن كانت نهاية حسن حمدان الإغتيال برصاص مسلّحين استخدموا مسدسات مزودة بكواتم صوت، فمالك بن نبي عاش منبوذا وهو بين قومه إلى أن مات، وهذا هو الإغتيال المعنوي بأبشع صوره.

(يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم، الذي خلقك فسوّاك فعدلك وفي أي صورة ما شاء ركّبك صدق الله العظيم (سورة الإنفطار الآية رقم 06)

***

علجية عيش

في المثقف اليوم