عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

من يقود مسيرة التغيير في العالم العربي؟

حين يغيب الفكر تتقدّم الفوضى: ليست الأمم العظيمة هي التي تمتلك الثروات فحسب، بل تلك التي تمتلك القدرة على إنتاج المعنى، وصناعة الوعي، وتوجيه التاريخ. فالحضارات لا تنهض بالصدفة، ولا تُبنى بالغضب العابر، ولا تُدار بالعواطف المنفلتة، وإنما تنهض حين يتحوّل الفكر إلى قوةٍ تاريخية، ويتحوّل المثقف إلى ضميرٍ يقظٍ للأمة، قادرٍ على تفكيك الخراب، وبناء الرؤية، واستشراف المستقبل.

لقد أثبت التاريخ الإنساني أن التحولات الكبرى لم تبدأ من ساحات الحرب وحدها، بل انطلقت أولاً من عقول الفلاسفة والمفكرين، ومن الكتب التي أعادت تعريف الإنسان والعالم والسلطة والحرية. فقبل أن تتغير الأنظمة السياسية، كانت الأفكار قد غيّرت بنية الوعي الجمعي، وأعادت تشكيل مفهوم الإنسان لذاته ولموقعه في الكون.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري الذي يواجه العالم العربي اليوم ليس: لماذا تعثّرت الثورات؟ بل: أين كان العقل الذي يقودها؟ وأين غاب المثقف الذي يُفترض أن يكون بوصلة التغيير وحارس المعنى؟

المثقف في التجربة الغربية: صانع التحوّل التاريخي

حين نتأمل تاريخ النهضة الغربية ندرك أن الفلاسفة لم يكونوا مجرد معلّقين على الأحداث، بل كانوا مهندسي الأزمنة الجديدة. لقد كانت أوروبا الخارجة من ظلمات القرون الوسطى بحاجة إلى ثورةٍ في الوعي قبل حاجتها إلى ثورةٍ في السياسة، ولذلك ظهر فلاسفة التنوير بوصفهم طليعة التحول الحضاري.

لقد وقف فولتير في مواجهة الاستبداد الكنسي، مدافعاً عن حرية العقل والضمير، بينما أسّس إيمانويل كانط لفكرة الاستقلال العقلي حين دعا الإنسان إلى أن يمتلك شجاعة التفكير بنفسه. ولم تكن أفكار هؤلاء ترفاً ذهنياً، بل تحوّلت إلى قوى اجتماعية وسياسية أسهمت في بناء الدولة الحديثة، وترسيخ مفاهيم الحرية والقانون والمواطنة.

ثم جاءت الحداثة وما بعدها لتواصل تفكيك البنى التقليدية للمعرفة والسلطة، فظهر مفكرون من طراز ميشيل فوكو الذي كشف آليات السلطة الخفية، وجاك دريدا الذي زعزع يقينيات اللغة والمعنى، وفرانسوا ليوتار الذي أعلن سقوط السرديات الكبرى.

إن القيمة الحقيقية لهؤلاء لا تكمن في شهرتهم الأكاديمية، بل في قدرتهم على تحويل الفكر إلى طاقة نقدية تُعيد تشكيل المجتمع. لقد أدرك الغرب أن المثقف ليس زينةً ثقافية، بل ضرورة حضارية، وأن الأفكار تسبق المؤسسات، وأن انهيار الفكر يعني بداية انهيار الدولة ذاتها.

أزمة المثقف العربي: من إنتاج المعنى إلى استهلاك الخطاب

أما في العالم العربي، فإن أزمة المثقف تكمن في تحوّله التدريجي من منتجٍ للأفكار إلى مستهلكٍ لها، ومن قائدٍ للرؤية إلى تابعٍ للواقع. لقد أصبح كثير من المثقفين أسرى التكرار، يعيشون داخل أنظمة فكرية مستوردة، أو داخل هياكل أيديولوجية جامدة، عاجزين عن ابتكار مشروع معرفي عربي قادر على فهم التحولات العميقة التي تعصف بالمجتمع والإنسان والدولة.

إن أخطر ما يهدد الثقافة العربية اليوم ليس الرقابة السياسية وحدها، بل حالة الرضا الثقافي المزيّف، والقناعة الكسولة بما هو قائم، والاعتياد على الهامشية. فالمثقف الذي يفقد شجاعته النقدية يتحول إلى موظف لغوي، والمفكر الذي يتخلى عن دوره التاريخي يصبح مجرد شاهدٍ صامتٍ على الانهيار.

لقد تسللت روح الانهزام إلى قطاعات واسعة من النخب الثقافية، فغاب المشروع الحضاري، وغابت الرؤية الكلية، وحلّت محلّهما خطابات انفعالية وموسمية، لا تنتج وعياً بقدر ما تنتج ضجيجاً فكرياً عابراً.

وهنا تتجلّى المأساة الكبرى: إذ لم يعد المثقف العربي قادراً على قيادة الشارع، ولا الشارع قادراً على الثقة بالمثقف. فتفككت العلاقة العضوية بين الفكر والواقع، وانفصلت الثقافة عن قضايا الإنسان الحقيقية، لتتحول أحياناً إلى نشاط نخبوي معزول، أو إلى تكرارٍ مملّ لشعارات مستهلكة.

الربيع العربي: ثورة بلا فلسفة

لقد شكّل ما سُمّي بـ«الربيع العربي» لحظةً كاشفة لعطب الوعي العربي أكثر مما كان إعلاناً عن ولادة عصر جديد. فمع أن الحراك انطلق من دوافع إنسانية مشروعة تتعلق بالحرية والكرامة والعدالة، إلا أنه افتقر إلى العمق الفلسفي والرؤية الفكرية التي تضبط مساره وتحميه من الفوضى.

كانت الجماهير تتحرك بقوة الغضب، لكن دون مشروعٍ حضاري واضح، ودون نخبة فكرية تمتلك القدرة على التنظير، والتقويم، وإدارة التحول التاريخي. ولذلك تحوّلت كثير من الثورات إلى ساحات صراع مفتوحة، تتنازعها الأيديولوجيات المتطرفة، والمصالح الدولية، والانقسامات الطائفية، والانهيارات المؤسساتية.

إن الثورات التي لا يسبقها إصلاحٌ في الوعي، كثيراً ما تنتهي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصورةٍ أكثر وحشية. فالتغيير الحقيقي ليس مجرد إسقاط نظام سياسي، بل إعادة بناء الإنسان نفسه: أخلاقياً، وفكرياً، ومعرفياً.

ولهذا فشلت الحركات الانفعالية التي لم تمتلك فلسفةً للتاريخ، ولا تصوراً للدولة، ولا مشروعاً للحرية، لأن الفراغ الفكري لا يبقى فراغاً؛ بل تملؤه الفوضى سريعاً.

الحاجة إلى مثقف عضوي جديد

إن العالم العربي اليوم لا يحتاج إلى مثقفٍ يصف الخراب فقط، بل إلى مثقفٍ يملك شجاعة إنتاج البدائل. مثقفٍ عضوي — بالمعنى العميق للكلمة — يعيش قضايا مجتمعه، ويتجاوز النرجسية الثقافية، ويعيد وصل الفكر بالفعل، والنظرية بالحياة.

إن وظيفة المثقف ليست التبرير، بل النقد. وليست التبعية للسلطة أو للجماهير، بل الدفاع عن الحقيقة، حتى حين تكون مُكلفة. فالمثقف الحقيقي هو الذي يوقظ الأسئلة الممنوعة، ويفضح البنى المتعفنة، ويعيد للإنسان العربي ثقته بقدرته على صناعة المستقبل.

ولا يمكن لأي نهضة عربية أن تتحقق ما لم تُبنَ على مشروعٍ معرفي شامل يعيد الاعتبار للعقل، وللفلسفة، وللعلوم الإنسانية، ولثقافة الحرية. فالتغيير الذي لا يستند إلى وعيٍ عميق يتحول إلى مجرّد انفجار مؤقت، سرعان ما يلتهم نفسه بنفسه.

خاتمة: الأمم تُقاد بالأفكار لا بالغضب

لقد أثبت التاريخ أن الأفكار هي التي تقود العالم، وأن الفلاسفة — لا الجموع المنفعلة — هم الذين يصنعون الاتجاهات الكبرى للحضارات. فحين يغيب المفكر الحر، تتقدّم الخرافة. وحين يصمت المثقف، ترتفع أصوات الغوغاء. وحين يُقصى العقل، يصبح الخراب قدراً جماعياً.

إن معركة الأمة العربية اليوم ليست سياسية فقط، بل معرفية وحضارية في المقام الأول. إنها معركة من أجل استعادة الإنسان العربي من الضياع الفكري، ومن أجل بناء وعيٍ جديد يؤمن بأن الحرية ليست فوضى، وأن الثورة ليست غضباً عابراً، وأن النهضة تبدأ دائماً من سؤالٍ فلسفي كبير.

فالأمم التي تفقد مفكريها، تفقد بوصلتها. أما الأمم التي تجعل من الفكر قوةً أخلاقية وتاريخية، فإنها — مهما تعثّرت — تمتلك القدرة على النهوض من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

عيد الأضحى ليس مناسبة للذبح فقط، بل لحظة قديمة يعود فيها الإنسان إلى السؤال الأول: ما الذي يستحق أن يقدم قربانا كي تستمر الحياة؟

فكل الحضارات عرفت معنى التضحية، لكن القليل فقط فهم أن الأضحية الحقيقية لم تكن يوما في الدم، بل في الشيء الذي نعجز عن التخلي عنه داخلنا.

في هذا العيد، لا تذبح الخراف وحدها بل تستدعى المعركة الأقدم: معركة الإنسان ضد جشعه، وخوفه، وأنانيته، ووهم امتلاك كل شيء.

ولعل مأساة البشر أنهم أتقنوا ذبح الكائنات، لكنهم فشلوا طويلا في ذبح الوحش المختبئ في أرواحهم.

نحن نعيش في عالم يرفع شعارات الرحمة، ثم يذبح بعضه بعضا باسم العقيده والوطن والطائفة، والعرق  والمصلحة.

ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح.. الخروف أم القسوة التي تسكن الإنسان؟.. ما الذي يجب أن يموت في الإنسان.. كي يصبح أكثر إنسانية؟

لقد تحول العالم إلى مذبح كبير، تذبح فيه العدالة باسم السياسة، والحقيقة باسم الجماهير. والرحمة باسم المصالح. ويذبح الإنسان نفسه ببطء تحت آلات الاستهلاك والركض والخوف.

لقد نجح البشر في تقديم آلاف الأضاحي عبر التاريخ، لكنهم فشلوا غالبا في التضحية بأنانيتهم، فامتلأت الأرض بالقرابين… وبقي الشر حيا

وفي النهاية… وربما لم يرد الله من الإنسان أن يتقن الذبح، بل أن يتعلم كيف يهزم الوحش الكامن فيه.. وربما ليذكر الإنسان بأن نجاته لا تبدأ من امتلاك العالم، بل من القدرة على الانتصار على نفسه.

وحده الإنسان الذي يعرف ماذا يجب أن يذبح داخله، ويستحق أن يعبر نحو معنى أسمى للحياة.

فكل عيد لا يوقظ الرحمة فينا، ولا يخفف شيئا من قسوة هذا العالم، يبقى مجرد طقس عابر لا أكثر

عيد أضحى مبارك…

أرجو أن يمر عليكم لا محملا بالذبائح وحدها، بل بالسكينة، واتساع القلب، وخفة الروح، وأن يمنحكم القدرة على التخلي عما يثقل أرواحكم، والاقتراب أكثر من الإنسان النبيل الكامن في أعماقكم.

كل عام وأنتم أكثر سلاما مع أنفسكم، أكثر قدرة على التخفف من أثقال الروح، وأكثر اقترابا من المعنى الذي يجعل الحياة أعمق من مجرد عبور عابر فوق هذه الأرض.

أعاده الله عليكم بقلوب أقل تعبا وأرواح تعرف متى تتمسك، ومتى تتخلى ومتى تنتصر على ذلك الوحش الصغير الذي يسكن دواخلنا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤالٍ كثير التداول، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق؟ أم إن مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟

الفرق بين السؤالين واضح جداً، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ينطلق من فرضية أن السوق القائمة هي المكلَّفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق من دون يد عاملة مؤهلة، فإن مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه إلى حد بعيد الفهم الذي ساد في بداية إنشاء التعليم الحكومي قبل نحو 100 عام، حين اعتبر الجميع أن غرض المدارس الحديثة التأسيس، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية التي كانت حديثة التأسيس أيضاً.

بات الموضوع حرجاً؛ لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات أكبر كثيراً من قدرة الاقتصادات الوطنية على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟

بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة إلى الأسواق المستقبِلة للعمالة. ونعلم أن هذا حل لمشكلة طالب العمل، ولكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى -ومن بينها السعودية- هو تشجيع الشباب على إنشاء شركاتهم الخاصة، كي يعملوا لأنفسهم، بدل العمل لصالح الغير.

نعلم أن هذا الخيار ليس مرجَّحاً عند غالبية الناس؛ لأنهم -ببساطة- لا يملكون الرساميل ولا الخبرة، فضلاً عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.

حسناً... هل يمكن للتعليم الجامعي أن يساعد في استيعاب هذا التحدي؟

هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق. والفرضية التي نطرحها هنا، هي أن دور الجامعة كخادمة للسوق، ضروري، ولكنه لا يعالج المشكلة الكبرى، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. إن الحل الجذري هو أن «نخلق سوقاً جديدة».، هكذا الأمر بكل بساطة!

«خَلق السوق» يعني إبداع أعمال من العدم، وتوفير وظائف جديدة، ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذٍ. لتوضيح الفكرة، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خُلقت بفضل انتشار الإنترنت، ثم الهاتف الجوال المتصل بالإنترنت؟ أعتقد أن عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟

خذ أيضاً الوظائف التي تتصل بالأنظمة الذاتية الحركة، مثل الطائرات المُسيَّرة والروبوتات والمحركات المدارة عن بعد، وهي كلها تقنيات ناشئة، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد 5 سنوات أو نحوها. تُرى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن؟ وكم نتوقع أن يتوفر منها في العقد القادم؟

هذه أمثلة على سوق خُلقت في مختبرات الجامعة، وهي تقدم فرصاً أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.

تستطيع جامعاتنا تولي هذه المهمة، ليس بمعنى الانصراف كلياً إليها؛ بل بمعنى أن تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية، واحتضان الأعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون، نظير ما تقوم به «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا» حالياً.

إنْ أردتَ لمس ما نتحدث عنه، فاعلم أن خريجي «جامعة كامبردج» البريطانية –مثلاً- أقاموا 26 شركة تقنية، رأسمال الواحدة منها يتجاوز المليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بنحو 30 مليار جنيه سنوياً. أما «جامعة ستانفورد» فإن خريجيها أقاموا 122 شركة تقنية، يتجاوز رأسمال الواحدة منها المليار دولار.

هذا قليل من كثير، يُظهر أن فكرة «خلق السوق» ليست حلم ليلة صيف، ولا تأملات متفرج من برج عاجي؛ بل هي إمكانية قائمة وقد جُرِّبت فعلاً. فهل نستطيع التحرر من العُقَد القديمة، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟.

***

د. توفيق السيف

 

أنجع الوسائل للتخلص من حلقات الخوف وقلاع البطش، مقاربة تكاملية تقاطعية بين الصداقة والعدالة والمسؤولية

مقدمة: وسط التجربة الإنسانية تتقاطع دائما ديناميكيتان متعارضتان: ديناميكية الخوف والبطش التي تبني الجدران والقلاع، وديناميكية الرفق والأمل التي تفتح الأبواب وتبني الجسور. تشكل حلقات الخوف آليات دفاعية تحولت إلى أنظمة سيطرة، حيث يصبح الخوف أداة حكم والشك وسيلة استقرار. أما قلاع البطش فهي تلك الهياكل المؤسساتية والثقافية التي تُقيم سلطتها على القمع والإقصاء والعنف المعنوي أو المادي. تُقدم هذه الدراسة أن سياسات الرفق وبرامج الأمل ليست مجرد قيم أخلاقية فردية، بل استراتيجيات سياسية واجتماعية عميقة التأثير، قادرة على تفكيك حلقات الخوف وهدم قلاع البطش على مستويات الأفراد والمجتمعات والدول. تعتمد المقاربة على تكامل تقاطعي يجمع بين ثلاثة أعمدة أساسية: الصداقة (كعلاقة أفقية تبني الثقة)، العدالة (كتوزيع متوازن للحقوق والفرص)، والمسؤولية (كالتزام فردي وجماعي بالفعل الأخلاقي). هذا التكامل ليس جمعاً بسيطاً، بل تفاعلاً ديناميكياً يعزز كل عنصر الآخر. فماهي سياسات الرفق وبرامج الأمل؟ وكيف يمكن الجمع بين الصداقة والعدالة والمسؤولية؟

أولاً: فهم حلقات الخوف وقلاع البطش

تعمل حلقات الخوف كآليات نفسية واجتماعية متكررة: الخوف من الآخر يولد عدواناً وقائياً، فيرد الآخر بخوف مماثل، فتتعزز الدائرة. على المستوى الجماعي، تتحول هذه الحلقات إلى أيديولوجيات تبرر الاستبداد، وإلى مؤسسات تراقب وتعاقب وتستبعد. أما قلاع البطش فهي ليست فقط أنظمة حكم استبدادية، بل أيضاً بنى ثقافية وتربوية واقتصادية تجعل الظلم يبدو طبيعياً أو حتمياً.

 تتغذى هذه القلاع على ثلاثة عناصر: الانفصال (فقدان الشعور بالانتماء المشترك)، اللامساواة المتجذرة (التي تولد الغضب واليأس)، وغياب المساءلة (الذي يشجع على الإفلات من العقاب). إن كسر هذه العناصر يتطلب استراتيجيات إيجابية بناءة، لا مجرد مقاومة سلبية.

ثانياً: سياسات الرفق كأداة تفكيك

الرفق ليس ضعفاً ولا تسامحاً ساذجاً، بل قوة استراتيجية تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية. سياسات الرفق تتجلى في:

الرفق المؤسساتي: تصميم أنظمة قضائية وإدارية تعطي الأولوية للتصالح والإصلاح بدلاً من العقاب المطلق. عندما يشعر الفرد أن النظام يعاملـه بكرامة حتى في حال الخطأ، ينكسر خوفه من السلطة.

الرفق التربوي: مناهج تعليمية تزرع التعاطف والاستماع النشط، تحول المدرسة من مكان للتلقين والمنافسة الشرسة إلى فضاء لبناء الصداقات والثقة.

الرفق الاقتصادي: سياسات اجتماعية تقلل من الإقصاء، مثل برامج الدعم المشروط بالمشاركة المجتمعية، فتخفف من الشعور بالتهديد الوجودي الذي يغذي الاستقطاب.

يتقاطع الرفق مع الصداقة بتحويل الآخر من "خصم محتمل" إلى "شريك محتمل". الصداقة السياسية – كما في علاقات التعاون بين مجموعات مختلفة – تخلق شبكات ثقة تقلل من الحاجة إلى السيطرة بالقوة.

كما يتقاطع مع العدالة بأن الرفق بدون عدالة يصبح تسامحاً مع الظلم، بينما العدالة بدون رفق تتحول إلى انتقام.

 أما المسؤولية فتجعل الرفق مستداماً، إذ يتعلم الأفراد أن يكونوا رفقاء دون أن يتنازلوا عن حقوقهم أو واجباتهم.

ثالثاً: برامج الأمل كمحرك بناء

الأمل ليس تفاؤلاً أعمى، بل توقعاً عقلانياً لإمكانية الخير مدعوماً بأفعال ملموسة. برامج الأمل تعمل على ثلاثة مستويات:

على مستوى الفرد: برامج تنمية القدرات الشخصية (مهارات التواصل، إدارة العواطف، بناء المرونة النفسية) تحول الفرد من كائن خائف إلى فاعل مسؤول. عندما يمتلك الفرد أدوات للتأثير في واقعه، ينكسر شعوره بالعجز الذي يغذي الخوف.

على مستوى المجتمع: مشاريع مشتركة (مثل مبادرات الحوار بين المكونات الثقافية، أو برامج التنمية المجتمعية المحلية) تخلق "ذاكرة جماعية إيجابية" من النجاحات المشتركة. هذه الذاكرة تُضعف روايات الضحية والجلاد التي تغذي قلاع البطش.

على مستوى الدولة: سياسات طويلة الأمد في التعليم والثقافة والإعلام تروج لسرديات الأمل، مثل الاحتفاء بالنماذج الناجحة في التصالح والابتكار الاجتماعي، بدلاً من تمجيد القوة والانتصار على "العدو الداخلي".

يتكامل الأمل مع العدالة بأن يصبح الأمل قابلاً للتحقق فقط في بيئة عادلة. فالعدالة توفر الأرضية التي ينمو فيها الأمل، بينما الأمل يمنع العدالة من التحول إلى آلية عقابية باردة. ويتقاطع مع الصداقة بتحويل التعاون إلى علاقات دافئة ومستمرة، ومع المسؤولية بأن يتحمل كل فرد دوره في بناء المستقبل المأمول.

رابعاً: التكامل التقاطعي – الصداقة والعدالة والمسؤولية

الصداقة تبني الثقة الأفقية، فتصبح قاعدة للعدالة التي لا تكون مجرد توزيع موارد، بل توزيع كرامة وفرص. المسؤولية تحول هذه العلاقات من أحلام إلى ممارسات يومية:

 الفرد المسؤول لا ينتظر الدولة ليكون رفيقاً أو عادلاً، بل يبدأ بنفسه ومجتمعه. هذا التكامل يخلق دائرة إيجابية معاكسة لحلقات الخوف: الصداقة تولد الثقة → الثقة تمكن العدالة → العدالة تعزز الأمل → الأمل يشجع على تحمل المسؤولية → المسؤولية تعمق الصداقة.

بهذا ينهار البطش لأنه يفقد أساسه النفسي (الخوف) وأساسه الاجتماعي (الانفصال).

خامساً: التطبيق على المستويات المختلفة

على مستوى الفرد: يبدأ التغيير بممارسة الرفق الذاتي (عدم الإفراط في لوم النفس) والأمل الشخصي (وضع أهداف صغيرة قابلة للتحقيق)، مدعوماً بمسؤولية يومية تجاه الآخرين.

على مستوى المجتمعات: تشكيل مجالس حوار محلية، مشاريع تعاونية، وبرامج تبادل ثقافي تبني صداقات عابرة للانقسامات، مع ضمان عدالة في توزيع الموارد المحلية.

على مستوى الدول: إصلاح دستوري وتشريعي يعطي الأولوية للرفق في النظم القضائية والسجنية، واستثمار كبير في التعليم والثقافة كبرامج أمل وطنية، مع سياسات خارجية تعتمد التعاون والصداقة الدولية بدلاً من التهديد المتبادل.

على المستوى العالمي: تعزيز منظمات دولية تعمل بمنطق الصداقة بين الشعوب، وبرامج تنمية تعتمد العدالة البيئية والاقتصادية كأساس للأمل المشترك.

سادساً: التحديات والاستدامة

تواجه هذه المقاربة تحديات:

مقاومة القوى المستفيدة من الخوف، صعوبة قياس النتائج على المدى القصير، وخطر تحول الرفق إلى استغلال.

يُعالج ذلك بتوازن دقيق: رفق قوي (يحمي الحقوق) وأمل واقعي (يبني على إنجازات ملموسة) ومسؤولية جماعية (توزع الأعباء بعدالة).

 الاستدامة تتطلب مؤسسات تحمي هذه القيم، وثقافة تحتفل بها، وتربية تنقلها عبر الأجيال.

خاتمة

سياسات الرفق وبرامج الأمل ليست خياراً أخلاقياً رومانسياً، بل الاستراتيجية الأنجع والأكثر استدامة لتفكيك حلقات الخوف وهدم قلاع البطش. عندما تتلاقى الصداقة (كعلاقة) والعدالة (كبنية) والمسؤولية (كممارسة) في نسيج واحد، يصبح الإنسان قادراً على تجاوز مخاوفه وبناء عالم يستحق العيش فيه.

هذه المقاربة تدعو إلى تحول جذري في النظر إلى السياسة: من فن السيطرة إلى فن الرعاية، ومن إدارة الصراع إلى بناء التعاون. إنها ليست حلماً، بل مشروعاً عملياً يبدأ بخطوات صغيرة اليوم ليبني غداً مجتمعات ودولاً تكون فيها الكرامة الإنسانية والأمل المشترك أساس الاستقرار الحقيقي. الرفق والأمل، مدعومان بالصداقة والعدالة والمسؤولية، ليسا مجرد علاج للجراح القديمة، بل وقاية من الجراح المستقبلية، وبناءً لعالم إنساني أعمق وأرحب. فما دور الثقافة الاعلامية في تعزيز سياسات الامل؟ وكيف يمكن تطبيق مقاربة الصداقة والعدالة والمسؤولية على الصعيد الدولي لتعزيز السلام بين الشعوب؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

(كونوا فضلاء لان هذا من واجباتكم).. زينون

مرت الفلسفة اليونانية بثلاثة ادوار:

1 - دور النشوء وهو دور نشوء العلم الطبيعي وانتهى بظهور سقراط حيث اخذ التوجه يميل الى مسائل المعرفة والاخلاق

2 - دور النضوج وهو دور النضوج الكامل بظهور افلاطون وارسطو.

3 - دور الذبول وهو الدور الذي مالت فيه الفلسفة إلى التصوف والعناية بالعلوم الواقعية ولم تأت بشيء جديد وفي هذا الدور وهنت فيه احوال اليونان السياسية واخذت تشرع في الاختفاء امام عظمة روما ولكن شمس اليونان لن تغرب نهائياً بل ظل علماء وشعراء اليونان يعلمون في المدارس الرومانية لعدة قرون مثل الفيلسوف (زينون) الذي جعل من الفضيلة غاية الغايات.

 وزينون هو مؤسس المدرسة الرواقية التي سميت بهذا الاسم لان زينون كان يجتمع بتلاميذه في رواق مزخرف ذات اعمدة وقد ركزت الفلسفة الرواقية على الاخلاق باعتبارها قمة الفضيلة

علم الأخلاق

جاء في كتاب (مبادئ الفلسفة) لمؤلفه رابوبرت، ترجمة احمد امين: (علم الاخلاق العلم الذي يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه الانسان، وماذا ينبغي ان يعمل وان يوجه ارادته واعماله الى اي جهة اراد). لقد ابتدأت الفلسفة الاخلاقية اليونانية في اقوال افلاطون ثم ارسطو الذي قال: (ان الانسان هو من بين سائر المخلوقات قد جمع العقل والرغبة وهو بذلك يشبه الحيوان وبعقله يشبه الله باتحاد هاتين القوتين يكون كائناً أخلاقياً) وقد استند زينون على قول سقراط هذا وعمل على وصول الانسان الى السعادة عن طريق الاخلاق وليس عن طريق اللذة بل بالفضيلة.

زنون وفلسفته الرواقية

ذكرت ان الفيلسوف زيتون (334 -٢٦2(قبل الميلاد وهو مؤسس الفلسفة الرواقية في عصر اضمحلال الفلسفة اليونانيه و جنوح الفلاسفة الاغريق إلى التصوف قد اسس مدرسته الرواقية واخذ على عاتقه مهمة اعدة مجد الفلسفة خوفاً من ضياعها في دهاليز التصوف والمتصوفين - تشير المصادر التاريخية الى ان زينون ينحدر من اب سوري ويقال قبرصي يعمل في التجارة كان يزور اليونان بين فترة ما و اخرى وكان معجباً بالفلسفة اليونانية حتى اصبح من ابرز رجالها وكان هدف الروائي في هو الزهد في الحياة او الدعوة إلى الترهب والتصوف فهو يحيا كما يحيا المجتمع والرواقي يقيم الاخلاق على الواجب وبذلك يتعارض مع مذهب ابيقور الذي يقيم الاخلاق على اللذة - والرواقي يتعهد بالعناية بحديقته الداخليه اي نفسه ولا يحزن لفقدا الاشياء التي يمتلكها او لفقد عزيز عليه فقد قيل لرواقي ان ولدك قد مات

فقال: لا بأس اني لم اتصور اني ولدت ولداً خالداً وهكذا فانهم كانوا يدربون انفسهم على احتمال كل ما يقدره لهم القدر بصبر كبير ويعتبرون الحزن عليه خروجاً على مبادئ الرجولة والشجاعة التي يجب ان يتحلى بها الرواقي.

وهكذا كان الفيلسوف الرواقي يتصور حاله كحال المسافر الذي ينزل في فندق فيتمتع بما في الفندق من طعام واثاث ووسائل متعه ولكنه لا يتأثر به لانه مستعد في كل لحظة للرحيل عنه بدون ان يأسف على تركه او يرغب في البقاء فيه وبدون ان تسيل دموعه لتركه

لقد كان زينون يرى ان كل شيئ يحدث في الطبيعة انما يقع بالعقل الكلي او بالقدر وكان يقبل مفاعيل القدر بصورة طوعية، كما كان زينون متأثراً بالمذهب الكلبي وهو مذهب خاص بالاكتفاء

الذاتي لكنه ادمج الكثير من المصادر الاخرى في مذهب شامل مبتكر مستوعباً بذلك جميع انواع الفلسفة كما كانت اخلاق الفلاسفة المشائين لھا اكبر الأثر في فلسفته حتى انه رفض دعوة الملك لزيارته في مقدونيا وكان الملك معجباً به ليكون معلماً له ولكن زيتون ارسل اليه احد تلاميذه بدلاً عنه.

***

غريب دوحي

حين تصبح الكلمة مرآةً للذات وذاكرةً للوجود

ليست اللغة مجرّد وسيلةٍ للتواصل بين البشر، ولا أداةً حياديّةً لنقل المعاني والأفكار، بل هي الكيان الرمزي الذي يتشكّل فيه الوعي، وتنبني عبره صورة الإنسان عن نفسه والعالم. إنّ اللغة ليست أصواتاً تُنطَق فحسب، بل هي «بيت الوجود» كما قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وهي الفضاء الذي تسكنه الروح البشرية، وتتموضع داخله الهوية الفردية والجماعية. فحين يفقد الإنسان لغته، لا يفقد مفرداتٍ وألفاظاً فقط، بل يفقد جزءاً من ذاكرته الوجودية، ومن طريقته في الإحساس بالعالم وتأويله.

لقد أدرك الفلاسفة والمفكرون منذ زمنٍ بعيد أنّ العلاقة بين اللغة والفكر علاقة عضوية لا انفصام فيها. فاللغة ليست وعاءً للفكر، بل هي التي تمنحه صورته وحدوده وإمكاناته. ولهذا رأى الفيلسوف واللغوي الألماني فيلهلم فون هومبولت أنّ اختلاف اللغات ليس اختلافاً في الأصوات والتراكيب فحسب، بل اختلافٌ في الرؤى الكونية ذاتها، لأنّ كلّ لغة تحمل داخلها تصوّراً خاصّاً للعالم. فالإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تسمح له لغته أن يراها ويعبّر عنها.

ومن هنا تتجلّى العلاقة العميقة بين اللغة والأدب؛ فالأدب ليس استعمالاً عادياً للغة، بل هو لحظةُ تجاوزٍ للغة نحو أفقها الجمالي والرمزي والإنساني. إنّ اللغة في الخطاب اليومي تؤدّي وظيفة الإخبار والتواصل، أمّا في الأدب فإنّها تتحوّل إلى كائنٍ حيّ ينبض بالإيحاء والدهشة والتأويل. ولهذا قال الناقد الفرنسي رولان بارت إنّ الأدب هو «اللغة وهي تحتفل بنفسها»، لأنّ النصّ الأدبي لا يكتفي بنقل المعنى، بل يعيد خلق العالم بالكلمات.

الأدب الحقيقي لا يكتب الواقع كما هو، بل يكشف طبقاته الخفيّة ويمنح الأشياء أسماءً جديدة. فالشاعر لا يصف الألم، بل يصنع له لغةً، والروائي لا يسرد الأحداث، بل يعيد بناء الإنسان من خلال السرد. ولذلك كان الأدب أعمق من مجرّد زخرفةٍ لغوية؛ إنّه فعلُ مقاومةٍ ضدّ الصمت، وضدّ التشيّؤ، وضدّ اختزال الإنسان إلى رقمٍ أو وظيفةٍ أو هويةٍ جامدة.

لقد فهم نجيب محفوظ أنّ اللغة ليست حيادية، بل هي حاملةٌ للروح الحضارية للأمم، لذلك استطاع أن يحوّل اللغة العربية في رواياته إلى مدينةٍ نابضةٍ بالحياة، تتكلّم فيها الأزقّة والحارات كما يتكلّم البشر. كما أدرك محمود درويش أنّ اللغة قد تصبح وطناً حين يُسلب الوطن، فقال: «نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا»، ليحوّل القصيدة إلى ذاكرةٍ جماعية تحفظ هوية شعبٍ مهدَّد بالاقتلاع.

إنّ الهوية ليست بطاقةً شخصية أو انتماءً بيولوجياً، بل هي وعيٌ ثقافيٌّ وتاريخيٌّ يتشكّل باللغة. فاللغة هي الوعاء الذي تحفظ فيه الشعوب أساطيرها، وأحلامها، وأمثالها، وحكمتها الشعبية، وذاكرتها الجمعية. ولذلك لم تكن الحروب الاستعمارية تستهدف الأرض فقط، بل اللغة أيضاً، لأنّ السيطرة على اللغة تعني السيطرة على الوعي. وقد تنبّه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى هذه الحقيقة حين كشف كيف استعمل الاستعمار اللغة لإنتاج صورةٍ مشوّهة عن الشرق، وتحويل الشعوب المستعمَرة إلى موضوعٍ للهيمنة الرمزية والمعرفية.

إنّ العلاقة بين اللغة والهوية ليست علاقةً ميكانيكية، بل علاقة تكوينٍ وجودي. فالإنسان يعبّر عن ذاته باللغة، لكنّه في الوقت نفسه يُعاد تشكيله من خلالها. نحن لا نتكلّم اللغة فقط، بل اللغة تتكلّمنا أيضاً؛ فهي التي تمنح مشاعرنا أسماءها، وتصوغ وعينا بالحبّ والخوف والحنين والحرية. ولذلك فإنّ تدهور اللغة ليس أزمةً لغوية فحسب، بل أزمةُ وعيٍ وثقافةٍ وهوية.

وحين تنحطّ اللغة ينحطّ معها الذوق والفكر والخيال. ولهذا كان طه حسين يرى أنّ نهضة الأمم تبدأ من نهضة لغتها، لأنّ اللغة ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط الوجود الحضاري. فاللغة الضعيفة تنتج فكراً هشّاً، أمّا اللغة الحيّة فتنتج إنساناً قادراً على النقد والإبداع وإعادة اكتشاف ذاته.

إنّ الأدب العظيم هو الذي يحوّل اللغة من أداة استعمال إلى أفق كشفٍ وجودي. ففي روايات فيودور دوستويفسكي تتحوّل اللغة إلى مختبرٍ نفسي يكشف أعماق الإنسان، وفي شعر أدونيس تصبح اللغة تمرّداً على القوالب الجاهزة، وبحثاً عن إنسانٍ جديد لا تسجنه الهويات المغلقة.

لقد أصبحت اللغة اليوم مهدّدةً بالاستهلاك السريع والاختزال الرقمي، حيث تُختزل الأفكار العميقة إلى شعاراتٍ عابرة، ويتحوّل التعبير إلى ردود فعلٍ آنية. وفي هذا السياق يفقد الإنسان قدرته على التأمّل، لأنّ اللغة الفقيرة تنتج وعياً فقيراً. إنّ اختزال اللغة هو اختزالٌ للإنسان نفسه، لأنّ الإنسان لا يرتقي إلا بقدر ما ترتقي لغته.

ومن هنا فإنّ الدفاع عن اللغة ليس تعصّباً للماضي، بل دفاعٌ عن الحقّ في التفكير الحرّ والتعبير العميق. فالأمم التي تفقد لغتها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج رؤيتها الخاصة للعالم، وتتحوّل إلى مستهلكةٍ لخطابات الآخرين ومفاهيمهم.

إنّ الأدب، في جوهره، هو أعلى أشكال التعبير عن الذات الإنسانية، لأنّه يحوّل التجربة الفردية إلى معنى كونيّ. فحين يكتب الشاعر حزنه بلغةٍ صادقة، يصبح حزنه جزءاً من التجربة البشرية العامة. وهنا تكمن عظمة الأدب: إنّه يجعل الإنسان يرى نفسه في الآخر، ويرى الآخر في نفسه.

وهكذا تبقى اللغة أكثر من مجرّد كلمات، ويبقى الأدب أكثر من مجرّد كتابة؛ إنّهما معاً فعلُ وجودٍ ومقاومةٍ ووعي. فاللغة هي الذاكرة التي تحفظ الإنسان من التلاشي، والأدب هو الروح التي تمنح تلك الذاكرة معناها الإنساني العميق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الكتابة من ندبة الاستعمار

ينطلق هذا البحث من تصور للكتابة بوصفها ممارسة فكرية لا تصدر عن حياد معرفي، أو مسافة تأملية آمنة، بل تتأسس داخل أثر تاريخي عنيف لم يُغلق بعد. فالاستعمار، وإن انقضت صورته المباشرة، يظل حاضرًا في الوعي واللغة والتمثلات والبنى النفسية والثقافية، وتنبثق الكتابة من هذا الحضور المستمر، لا من خارجه، بوصفها صادرة عن ذات تشكلت في قلب التجربة الاستعمارية وتحمل آثارها العميقة.

في هذا السياق، ينظر البحث إلى الفعل الكتابي على أنه ممارسة نقدية فاعلة، تنطلق من التجربة الجريحة بوصفها أساسًا لتوليد الدلالة، لا بوصفها مادة للعرض فقط. فالكتابة تنخرط في تفكيك آليات الهيمنة، وتعيد مساءلة الصلة بين الذات والتاريخ واللغة، داخل خطاب متوتر ينبع من تشقق الهوية واغتراب الذات، لكنه يتجه في الآن نفسه إلى تخطي هذا التشقق عبر الوعي وإعادة بناء المعنى والتسمية.

كما يفترض البحث أن هذه الكتابة لا تتجه نحو المصالحة السطحية مع الماضي الاستعماري، ولا نحو محوه أو تلطيف آثاره، بل تحتفظ بالألم باعتباره شرطًا للذاكرة والنقد والمساءلة. فهي كتابة ترفض النسيان، وتقاوم إعادة إنتاج الهيمنة في أشكال رمزية وثقافية جديدة، وتحول أثر العنف التاريخي إلى أفق للتفكير في الذات والعالم.

وبهذا المعنى، تندرج هذه الرؤية ضمن مقاربة ترى في "الكتابة من ندبة الاستعمار" فعلًا معرفيًا ونقديًا، يجعل من أثر الاستعمار منطلقًا لإعادة بناء المعنى، واستعادة الصوت، ومواجهة التشوهات التي خلّفها في الوعي والهوية. ويُنظر إلى هذا النوع من الكتابة على أنها فعل معرفي يتجاوز حدود التعبير الأدبي أو الشهادة التاريخية، ليغدو نمطًا من التفكير النقدي المتجذر في تجربة تاريخية مجروحة. فالندبة هنا لا تُستحضر باعتبارها أثرًا نفسيًا أو رمزيًا فحسب، بل بوصفها موقعًا لإنتاج المعرفة؛ إذ تنطلق الكتابة من وعيٍ بما خلّفه الاستعمار من تصدعات في أنماط الإدراك، وتمثلات الذات والعالم، وفي العلاقة بالزمن والتاريخ واللغة. ومن هذا المنظور، تتحول الكتابة إلى أداة لمساءلة المسلّمات التي فرضها الخطاب الاستعماري، وكشف ما رسّخه من تصنيفات هرمية، وتمثيلات مشوّهة للذات المستعمَرة.

كما تتأسس هذه الكتابة على فعل نقدي، يسعى إلى تفكيك البنى الرمزية والمعرفية التي استمر بها الاستعمار بعد انقضاء شكله المباشر. فالندبة لا تحيل إلى الماضي المنقضي، بل إلى حضور مستمر للعنف في أشكال ثقافية ولغوية ونفسية، تجعل من الذات الاستعمارية سابقًا والذات المستعمَرة لاحقًا غير قادرتين على الانفصال التام عن تلك التجربة. ومن هنا، تعمل الكتابة من الندبة على مواجهة هذه الاستمرارية عبر تعرية آليات الهيمنة المضمَرة، سواء في اللغة، أو في أنماط التفكير، أو في تمثيل التاريخ، بما يسمح بإعادة بناء المعنى على أسس نقدية لا تستنسخ المنظور الاستعماري ولا تقع في فخ النفي المطلق للذات.

وأيًّا ما كان الحال، يقوم مشروع فرانز فانون على تعرية الفكر الاستعماري، ونزعته العنصرية القائمة على التمييز العرقي، كما عالجها في كتاب "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء"، ومن ثم بيان الأضرار النفسية للممارسة العرقية على الإنسان المستعمر والمضطهد والمستعمَر على حد سواء، من خلال دراسات أقامها على مرضى من كلا الطرفين، و يتضح ذلك في كتابه " معذبو الأرض"، بالإضافة إلى تحليل للبنى الاجتماعية والاقتصادية عبر المنظور الماركسي، إذ نعثر على نقد للنخب الوطنية الحاكمة، التي تمارس الآلية ذاتها التي جاء بها المستعمر، دون أي اهتمام ببناء المجتمع الذي تم تقويضه بسبب الاستعمار، فهذه النخبة كما يصورها فانون ترتدي البشرة السوداء كأقنعة للقوى الإمبريالية البيضاء  لتبقى محافظة على القواعد الإمبريالية، أو لتوظيف الآلية ذاتها في سبيل مصالحها الخاصة،

ومن جهة أخرى، تتخذ هذه المقاربة من استعادة الصوت رهانًا مركزيًا؛ إذ تسعى الكتابة إلى تحرير الذات من الصمت المفروض عليها، ومن اللغة التي صاغها المستعمِر لتمثيلها. فالكتابة من ندبة الاستعمار ليست استرجاعًا نوستالجيًا لصوت مفقود، بل فعل إعادة امتلاك للغة والمعنى، يسمح للذات المجروحة بأن تسمي تجربتها بذاتها، وأن تعيد صياغة علاقتها بتاريخها وهويتها بعيدًا عن القوالب الجاهزة. وفي هذا السياق، تتحول الكتابة إلى فضاء مقاومة رمزية، تُستعاد فيه القدرة على السرد والتأويل بوصفهما شكلين من أشكال الفعل.

وتبعًا لذلك، فإن هذه المقاربة ترى في "الكتابة من ندبة الاستعمار" ممارسة معرفية ونقدية مزدوجة: فهي من جهة تكشف التشوهات التي خلّفها الاستعمار في الوعي والهوية، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجاوزها عبر بناء خطاب واعٍ بجراحه، قادر على تحويل أثر العنف إلى أفق للفهم وإعادة التأسيس. إنها كتابة لا تنكر الندبة ولا تمحوها، لكنها تجعل منها منطلقًا لإنتاج معرفة نقدية، تستعيد للذات حضورها، وتعيد وصل ما انقطع بينها وبين تاريخها ولغتها ومعناها.

فضلا عن ذلك، يقتضي الحديث عن "الكتابة من ندبة الاستعمار" في خطاب فرانز فانون  تجاوز النظر إلى كتابته بوصفها تعبيرًا فكريًا أو تنظيرًا سياسيًا، والانتباه إليها باعتبارها فعلًا معرفيًا ينبثق من جرح لم يلتئم، ومن تجربة استعمارية محفورة في الجسد والوعي واللغة. فالندبة هنا أبعد من أن تكون حالة استعارة بلاغية، بل علامة دائمة على عنف بنيوي، أثرٌ باقٍ للاستعمار بعد انقضاء لحظة القهر المباشر، وهو الأثر الذي تتحول فيه الكتابة عند فرانز فانون إلى وسيلة لكشفه، وتعريته، ومحاولة تجاوزه.

تنطلق كتابة فانون من وعي حاد بأن الاستعمار لا ينتهي بانسحاب المحتل، بل يستمر في صورة تشوهات نفسية، وتمثلات مشروخة للذات، وانقسام داخلي يعيش فيه المستعمَر بين ما هو عليه وما فُرض عليه أن يكونه. في هذا السياق، تصبح الندبة الاستعمارية أثرًا مزدوجًا: فهي من جهة علامة على العنف الذي مورس على الجسد والهوية، ومن جهة أخرى موضعًا لإنتاج المعنى، إذ إن فانون يكتب من هذا الموضع الجريح، لا من خارجه، ويجعل من الندبة منطلقًا للتفكير، لا عائقًا أمامه.

وفي كتابه بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، تتجلى الكتابة من الندبة بأوضح صورها. فالنص ليس دراسة أكاديمية محايدة، بل خطاب متوتر، مشحون بالخبرة الوجودية للذات السوداء داخل عالم أبيض يُعيد إنتاج الهيمنة عبر اللغة والنظرة والتمثيل. هنا، تتحول الكتابة إلى تشريح للندبة النفسية التي يخلفها الاستعمار: شعور النقص، الاغتراب عن الذات، الرغبة في التشبه بالمستعمِر، والانقسام بين الجسد الأسود واللغة البيضاء. وفي هذا الشأن يرى فانون أن ما يطلق عليه في كثير من الأحيان اسم الروح السوداء هو في حقيقة الأمر من صنع الإنسان الأبيض

 فانون لا يصف هذه الحالة من الخارج، بل يكتب من داخلها، من تمزقها، ولذلك تأتي لغته حادة، متكسرة أحيانًا، متوترة دائمًا، وكأن النص نفسه يحمل آثار الجرح الذي يحلله؛ ذلك أن ما يسميه فانون بـ"الزنجي" ليس توصيفًا اصطلاحيًا مألوفًا، بل هو مفهوم إشكالي يُحدث قطيعة منهجية، على نحو ما يشبه القطيعة التي أحدثها فكره بشأن "البيض". فخطاب فانون يقوم على تفكيك الانقسام الآخر، ذاك الذي يقطع خط التفكير السائد، ويزعزع اصطفافات الذات المستقرة. ومن ثمّ، يظل الإحساس الدرامي، المقرون بالحافز إلى التغيير، حاضرًا بقوة في كتاباته. ويضطرب هذا الإحساس بفعل ثنائيات الكولونيالية المألوفة: أسود/أبيض، ذات/آخر، وهي ثنائيات تتكئ - كلما بدا ذلك جليًا - على أساطير التقاليد التي تُبنى عليها الهوية العرقية. ويبرز هنا الضغط الملموس لأسطورة التفوق الثقافي الأبيض، أو ما يمكن تسميته بالنرجسية البيضاء، بوصفه قوة قاهرة تدفع كتابة فانون إلى أقصى الحواف، إلى تخوم الأشياء، حيث يمارس الانقسام والانزياح حدّهما الأقصى. وفي هذا الحدّ الفاصل، لا يعود ممكنًا الحديث عن بياض نقي أو صفاء هويّاتي، بل ينكشف الانحدار العاري، ذلك الانحدار الذي لا يفضي إلى يقين، وإنما يعرّي البنية العميقة للهيمنة والاختلال

أما في معذبو الأرض، فإن الندبة تتخذ بعدًا جماعيًا وتاريخيًا. فالكتابة هنا تنبع من جسد جماعي معذَّب، من شعوب حُكم عليها بالعنف والإقصاء، ومن عالم قُسِّم تقسيمًا مانويًا• بين مستعمِر ومستعمَر. غير أن فانون لا يتعامل مع الندبة بوصفها قدرًا أبديًا، بل بوصفها أثرًا يمكن تفكيكه عبر الفعل الثوري. فالكتابة من الندبة لا تعني الاستغراق في الألم، بل تحويله إلى وعي نقدي، وإلى طاقة تحررية قادرة على قلب معادلة الهيمنة. لذلك يرتبط خطاب فانون بالعنف الثوري، لا باعتباره تمجيدًا للدم، بل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل الذات المستعمَرة، وتحريرها من آثار العنف الاستعماري المتراكم في النفس والوعي.

وربما بفعل ذلك، تتسم كتابة فانون، في هذا الإطار، بطابع هجين؛ إذ تتقاطع فيها اللغة الطبية بالتحليل النفسي، والخطاب الفلسفي بالتجربة السياسية، والاعتراف الذاتي بالتشخيص الجماعي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الهجنة ليست ضعفًا أسلوبيًا، بل تعبير عن طبيعة الندبة نفسها، فهي ندبة متعددة المستويات، لا يمكن القبض عليها بلغة واحدة أو منهج واحد. ومن هنا، تصبح الكتابة عند فانون ممارسة علاجية بقدر ما هي ممارسة نقدية، ومحاولة لإعادة ربط الذات بذاتها بعد أن فُصلت قسرًا عن تاريخها وجسدها ولغتها.

إن "الكتابة من ندبة الاستعمار" في خطاب فانون تعني، في عمقها، رفض الكتابة المطمئنة، المحايدة، المتصالحة مع الواقع. إنها كتابة قَلِقة، مشروخة، لا تخفي توترها؛ لأنها تنبع من واقع لم يُحسم بعد. فالندبة تظل مفتوحة ما دامت البنى الاستعمارية قائمة بأشكال جديدة، ثقافية ورمزية واقتصادية. ولذلك تظل نصوص فانون ذات صلة بالواقع، ليس لأنها ترصد زمن الاستعمار الكلاسيكي فحسب، بل لأنها تكشف استمرار آليات الهيمنة في أطر جديدة.

بهذا المعنى، لا يكتب فانون عن الاستعمار فحسب، بل يكتب منه، من أثره الباقي في الذات، ومن شقوقه العميقة في الوعي. وتتحول الكتابة إلى فعل مقاومة معرفية، وإلى محاولة مستمرة لتحويل الندبة من علامة على القهر إلى أفق لإعادة بناء الذات والإنسان.

الكتابة والتحرر عند فرانز فانون

ترعرعت الدراسات ما بعد الكولونيالية في أعقاب انهيار الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى خلال أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن العشرين، في سياق التحولات العالمية الكبرى التي أحدثتها الحرب الباردةThe Cold War  وبروز ما يُعرف بـالدول النامية أو دول العالم الثالث The Third World Countries، المصطلح الذي صاغه عالم الديمغرافيا الفرنسي Alfred Sauvy  عام 1950، ونشره الفيلسوف سارتر Jean-Paul Sartre ليصبح إطارًا تحليليًا يتيح النظر إلى التجارب التحررية للشعوب المستعمَرة. وفي هذا السياق، برز فرانز فانون (1925–1962)  ليس فقط كمناضل وطبيب نفسي، بل كمرجع فكري أساسي لفهم آثار الاستعمار على الوعي والهوية. فقد ارتقى إلى مصاف "وكيل الحقيقة المنتهكة والمتحولة"، باعتباره أحد الرواد الذين أسسوا لما بعد الاستعمار كمنهجية تحليلية وأداة نقدية، وجعل من كتابه "معذبو الأرض" (1961) حجر الزاوية لفهم العلاقة بين الهيمنة والتمثيلات النفسية والثقافية للذات المستعمَرة، مع تقديم سارترJean-Paul Sartre الذي ساهم في توسيع نطاق التداول النقدي للكتاب على المستوى العالمي.

يؤكد فرانز فانون أن الاستعمار لا يقتصر على كونه نظامًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل هو فعل شامل يترك أثره العميق في البنية النفسية والثقافية للإنسان، ويعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية والهيكلية للسلطة داخل المجتمع المستعمَر. ويمتد هذا الأثر إلى اللغة نفسها، وإلى تمثلات الفكر والخيال، بحيث يصبح التفكير الفردي والجماعي مشحونًا بإرث الهيمنة والاغتراب. ومن هذا المنظور، لا يتجلّى الاستعمار في السيطرة المادية المباشرة، فقط، بل في تشكيل آليات الإدراك والوعي، وإعادة إنتاج أنماط الهيمنة داخل النفس والوعي الجمعي. وهذا فعل استراتيجي يهدف له المستعمر في سبيل خلق حالة من الاغتراب عن الواقع الثقافي، كما أشار إلى ذلك نغوجي واثينغو في دراسته “تصفية استعمار العقل”، حين أسهب في بيان الآثار السلبية لثقافة المستعمر ولغته على الشعوب الأصيلة.

من هنا ينبثق مفهوم "الكتابة والتحرر"، الذي يرى في النص الأدبي والفكري أداة معرفية نقدية، لا لتسجيل المعاناة التاريخية فحسب، بل لتحويلها إلى مساحة لإعادة بناء المعنى واستعادة الصوت، وفضح التشوهات التي خلفها الاستعمار في وعي الأفراد وهويتهم. وتعمل هذه الكتابة على استثمار تجربة الانكسار النفسي والاجتماعي لتصبح أداة تحررية، تسمح للذات المستعمَرة أن تعيد تشكيل علاقتها بالزمن والتاريخ واللغة، وأن تتجاوز التهميش الرمزي الذي فرضه الاستعمار. فالكتابة والتحرر في هذا السياق ليست تسجيلًا للواقع، بقد ما هي فعل فلسفي ووجودي، يضع النص في قلب عملية المقاومة والوعي النقدي.

وتتلاقى هذه الرؤية مع مقاربة إدوار سعيد في كتابه "الاستشراق "Orientalism 1978، حيث يؤكد سعيد أن الخطاب الاستعماري ليس حياديًا أو موضوعيًا، بل يحمل آليات للهيمنة الرمزية والثقافية، ويعمل على إنتاج "الآخر" وفق تصنيفات هرمية مفروضة. هنا يصبح الخطاب أداة للتحليل النقدي، مشابهًا لفرانز فانون، لكنه يوسع الإطار ليشمل البعد المؤسسي والثقافي والسياسي، ويكشف كيف أن اللغة نفسها، والنصوص الأكاديمية والأدبية، كانت وسائط لإعادة إنتاج القوة الاستعمارية. وفي هذا السياق، تصبح الكتابة من ندبة الاستعمار أداة لسبر العلاقة بين النص والسلطة، بين اللغة والهوية، وتأكيدًا أن اللغة تتخطى حدود التعبير لتصبح فضاءً نشطًا لإعادة تشكيل الوعي ومواجهة السيطرة الرمزية.

وتأسيسًا على هذه الرؤية، يمكن النظر - من الناحية السيميائية واللسانية - إلى هذا الفعل الكتابي بوصفه عملية ترميز معقدة، تتحرك بين المضمر والدال، بين التجربة الداخلية والفعل اللغوي. فالصدمة الاستعمارية، بصفتها أثرًا مستمرًا في الوجدان والوعي، تشكّل البنية الكامنة التي تسبق اللغة وتؤسس للدلالة، حيث يصبح النص شبكة من الرموز التي تعيد إحياء الصوت الغائب، وتعيد تشكيل المعنى داخل إطار معرفي وجداني واجتماعي متكامل. ومن هنا يظهر أن الكتابة لا تقتصر على كونها انعكاسًا للعالم أو تجربة الحياة، بل هي عملية إنتاج دلالي تتشابك فيها التجربة الفردية والجماعية، والذاكرة، والحدس، والخيال، فتتحول النصوص إلى أدوات للانعتاق المعرفي، وإعادة تكوين الوعي والهوية، وتجسيد المقاومة الرمزية للهيمنة الاستعمارية.

بالإضافة إلى ذلك، توضح هذه المقاربة كيف أن الخطاب ما بعد الكولونيالي لا ينظر إلى الاستعمار كحدث ماضٍ منتهٍ، بل كتركيب طويل الأمد من العلاقات والتمثلات واللغة، يمكن أن يُعاد انتاجه في أشكال رمزية وثقافية جديدة إذا لم يتم مواجهته نقديًا. ومن ثمة، تصبح الكتابة من الجرح الاستعماري فعلًا معرفيًا - تحرريًا، يمزج بين البعد النفسي والاجتماعي والسياسي، ويعيد توزيع القوة الرمزية، كما يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والتاريخ واللغة، ويؤسس لرؤية نقدية جديدة تتجاوز السرد التاريخي أو التعبير الأدبي إلى ممارسة فلسفية نقدية عميقة.

ومع تبلور خطاب ما بعد الاستعمار، انتقلت المقاربات المرتبطة به من المعالجة الوصفية إلى بناء نسق معرفي أكثر انتظامًا وصرامة منهجية، حيث احتلت إسهامات فرانز فانون موقعًا مفصليًا، بوصفها لحظة تأسيسية أعادت توجيه النقد ما بعد الاستعماري، وفتحت أفقًا نظريًا جديدًا لفهم آليات الهيمنة، وتشكل الذات، وإنتاج الخطاب في السياقات الاستعمارية وما بعدها؛ بخاصة حين قدّم أدوات تحليلية دقيقة لفهم الخطاب الاستعماري، موضحًا كيفية إنتاج المعرفة وإرساء السلطة الرمزية من خلال اللغة والسرد، ومؤكدًا أن الثقافة ليست انعكاسًا محايدًا للواقع، بل فضاء صراع تتقاطع فيه القوة والتمثيلات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى أعمال فانون كركائز لتأسيس قاعدة معرفية متكاملة للخطاب الاستعماري ونظرية ما بعد الاستعمار، حيث يلتقي الفعل النقدي والتحرري مع التأويل الفلسفي للهوية واللغة والبنى الاجتماعية.

ومن شأن هذا الإطار الفلسفي أن يمكّن الباحث من التعامل مع التجربة الاستعمارية ليس كماضٍ مغلق، بل كأثر ديناميكي ومستمر، ينسج وعي الذات ويشكّل مجال الخطاب، حيث لا تتوقف وظائف اللغة عند حدود التعبير أو التمثيل، بل تتسع لتصبح أداة لفهم التمثلات النفسية والثقافية التي خلّفها الاستعمار. في هذا السياق، تتحول الكتابة النقدية ما بعد الكولونيالية إلى فعل معرفي حيّ، يربط بين البذور التأسيسية للألم التاريخي وآليات التأويل المعاصر، ويعيد إنتاج معنى يُمكن من خلاله للصوت المستعمَر استعادة حضوره في التاريخ والهوية والثقافة والسياسة، مواجِهًا التشوهات الرمزية والتمثيلية التي فرضها الاستعمار.

وفي هذا السياق، يقتضي الأمر الإقرار بأن خيار الكفاح المسلح، الذي اعتبره فرانز فانون مسارًا حتميًا لا غنى عنه في مواجهة الإمبريالية الكولونيالية، وقد انتفت اليوم ضرورته التاريخية، وذلك بعد أن نالت معظم دول العالم الثالث استقلالها السياسي، وإنْ بقي استقلالُها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي موضع تجاذبات لا تخلو من العنف أحيانًا، خصوصًا على المستوى الثقافي الحضاري، بما يستولده من نزاع (صراع الأصوليات الشرقية مع الأصوليات الغربية على المستوى السياسي– الديني مثلاً)؛ كما أن انهيار المعسكر الاشتراكي في التسعينيات طرح حسابات وتوازنات صراعية جديدة على المستوى الدولي لم تكن مطروحةً في مرحلة الخمسينيات. ولكن تلك الحقيقتين لا تلغيان الأهمية التوثيقية لهذا الكتاب الذي يغطي تلك المرحلة الملتهبة من تاريخ التحرر الوطني الجزائري والأفريقي.

ولعل تجليات هذا الفعل الكتابي تظهر بوضوح في أعمال فرانز فانون، الذي أبرز كيف يُحفر الاستعمار في البنية النفسية والثقافية للإنسان، ويحوّل الألم إلى مجال للتحليل النقدي وإعادة بناء الوعي، كما في كتابه معذبو الأرض، حيث تتحوّل التجربة الشخصية والجماعية للألم إلى خطاب تحرري معرفي. ومن جانب آخر – في المقابل - يقدم إدوار سعيد، في كتابه الاستشراق، منهجًا دقيقًا لفهم كيف تُنشأ السلطة الرمزية وتُفرض عبر اللغة والسرد، مؤكّدًا أن الثقافة هي فضاء صراع يتم فيه تمثيل القوة والمعرفة، وأن الخطاب الاستعماري لا يقتصر على سيطرة سياسية أو اقتصادية، بل يمتد إلى فرض تصنيفات معرفية وهوياتية تتحكم في وعي المستعمَر.

ومن هذا المنظور، تصبح الكتابة النقدية ما بعد الكولونيالية تفاعلًا مستمرًا بين الوعي الفردي والجماعي، بين الذكرى التاريخية وآليات التأويل، بين الألم والصوت، لتؤسس لنموذج معرفي تحرري قادر على إعادة تركيب الهوية المستعمَرة، وكشف آليات الهيمنة، واستعادة قدرة اللغة على إنتاج معنى يحفظ حضور المستعمَر في سياق التاريخ والثقافة والسياسة.

وفي تدقيق ما سبق، يُعد فرانتز فانون أحد المفاصل الفكرية الحاسمة في تشكّل الوعي ما بعد الكولونيالي في القرن العشرين، لا لكونه منظّرًا فحسب، بل باعتباره مثقفًا عضويًا فاعلًا، خاض الاشتباك المباشر مع البنية الاستعمارية، كونها منظومة شاملة لإنتاج الهيمنة، ماديًا ورمزيًا، وإعادة توزيع السلطة والمعنى؛ بخاصة حين انطلقت كتاباته من تجربة ذاتية وجماعية معًا، حيث التقت المسألة العرقية بالاستعمار، والتحليل النفسي بالسياسة، واللغة بالعنف، ليصوغ خطابًا نقديًا كشف الآليات العميقة التي يشتغل بها الاستعمار في تشكيل الوعي، وتشويه الهوية، وإنتاج الخضوع. وقد تحولت نصوصه إلى مرجعيات مركزية لحركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لما حملته من تصور جذري للتحرر لا يقتصر على استعادة الأرض، بل يستهدف تفكيك البنية النفسية والثقافية للاستعمار.

ومن الجليّ، إذن، أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي تبلورت، في صيغتها الأكاديمية المنهجية، داخل الفضاء الجامعي الأنجلوفوني، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتبطت على نحو لافت بجامعة كولومبيا، في مقابل ارتباط "الأرسطية الجديدة" في النقد بجامعة شيكاغو، ودراسات الجندر والكتابة النسوية بجامعة إنديانا. وقد دشن هذا الحقل المعرفي باحثون ينحدرون في غالبيتهم من مجتمعات ما بعد كولونيالية، أو من أقليات مهاجرة، حملوا معهم إلى "العالم الأول" تجارب تاريخية مجروحة وذاكرة استعمارية مثقلة بما يمكن تسميته بـ"الندوب الكولونيالية" (Cicatrices). وفي مقدمة هؤلاء يبرز الثالوث المعروف: إدوار سعيد، وهومي ك. بابا، وجاياتري سبيفاك، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في توسيع أفق النظرية وربطها بحقول معرفية متداخلة كالتاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا والأدب والنقد، مثل ساندرا هاردينغ Sandra Harding، وبنيتا باري Benita Parry، وإيلا شوهات Ella Shohat، وروبرت يونغ Robert J. C. Young. غير أن هذا التشكل الأكاديمي المتأخر نسبيًا لا يمكن فصله عن الجذور الفكرية والنضالية السابقة التي مهّد لها فرانز فانون، ومالك بن نبي ، بوصفهما من أوائل من انتبهوا إلى الطابع الخطابي والرمزي للاستعمار، وإلى الدور المركزي للثقافة والأدب واللغة في إنتاج الهيمنة الكولونيالية وإعادة إنتاجها.

فقد مهّد فانون مبكرًا للمنعطف الأكاديمي لما بعد الكولونيالية، من خلال ما قدّمه في كتاباته الأساسية، ولا سيما معذبو الأرض؛ وبشرة سوداء، أقنعة بيضاء، أن الاستعمار لا يقوم فقط على السيطرة العسكرية أو الاقتصادية، بل يؤسس عالمًا رمزيًا ولغويًا يقوم على تقسيم مانوي صارم: مستعمِر متحضّر في مقابل مستعمَر متخلّف، ذات عليا في مقابل ذات دنيا. بهذا المعنى، كان فانون من أوائل من لفتوا الانتباه إلى ما يمكن تسميته اليوم بـ"الأدب الكولونيالي" انطلاقًا من كونه جزءًا من جهاز الهيمنة، وإلى ضرورة تفكيك تمثلاته السردية واللغوية والنفسية.

وفي هذا الأفق الفكري، يتبدّى فرانز فانون على أنه أحد المنعطفات التأسيسية العميقة في تشكّل الوعي ما بعد الكولونيالي؛ إذ سبق بلورة هذا الحقل في صورته الأكاديمية، وكشف مبكرًا عن الطبيعة المركّبة للكولونيالية بما أنها بنية شاملة تتجاوز كونها حدثًا تاريخيًا أو نظامًا سياسيًا عابرًا. فقد رأى فانون في الاستعمار جهازًا معرفيًا، ونفسيًا، ورمزيًا يصنع الذوات بقدر ما يصنع التمثيلات، ويعيد تشكيل وعي المستعمَر بذاته وبالعالم. ومن خلال تحليلاته، بيّن أن المعرفة الكولونيالية والخطابات التي أنتجتها لم تكن بريئة أو محايدة، بل انخرطت بعمق في آليات الهيمنة، وأسهمت في ترسيخ ثنائيات مانوية حادّة تقوم على الفصل بين المتحضّر والمتخلّف، والعقلاني والغرائبي، والمركز والهامش. غير أن خصوصية إسهام فانون تكمن في انتقاله من مستوى تحليل النصوص والتمثيلات إلى تفكيك آثارها المتجسدة في اللغة والجسد والوعي، حيث أظهر كيف يُجبر المستعمَر على النظر إلى ذاته من خلال منظار الآخر، وكيف تتحول اللغة الاستعمارية إلى أداة لإعادة إنتاج الاغتراب والانقسام الداخلي. وبهذا المعنى، فإن فانون لم يقرأ الكولونيالية كنص فحسب، بل كبنية تعيد كتابة الإنسان نفسه، ممهدًا بذلك الطريق لتحليل الخطاب الاستعماري بوصفه ممارسة معرفية وسلطوية، وهو ما سيجد امتداده المنهجي لاحقًا في أعمال إدوار سعيد وسواه، ضمن إطار نقدي ينظر إلى ما بعد الكولونيالية انطلاقًا من كونها وعيًا حيًا مستمرًا، لا مراجعة لماضٍ منتهٍ.

ولعلّ أوضح تجليات وعي فرانز فانون النقدي تتبدّى في رسالته الموجّهة إلى الحاكم الفرنسي في الجزائر، والتي كتبها عقب عمله في مستشفى البليدة؛ إذ فضح فيها بجرأة كيف تحوّل المناضلون الثوريون، في الخطاب الاستعماري، إلى "حالات مرضية" و"خارجين عن القانون"، في محاولة ممنهجة لنزع الشرعية عن فعل المقاومة، على نحو ما جاء في الرسالة ما مفاده: "يأتي وقت يصبح فيه الصمت خيانة"؛ فقد كان مصممًا على توظيف معرفته الطبية ومهاراته العملية كوسيلة فاعلة لدعم تحرير الجزائر ومجابهة كل أشكال الاستعمار، مدركًا أن الجهد الطبي والسياسي وجهان متكاملان لنفس الصراع التحرري، وهو ما تتجلى إشاراته بوضوح في مضامين هذه الرسالة ، حيث قال:

سيدي الوزير،

بناء لطلبي، ووفقا لقرار رسمي بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر 1953، أراد السيد وزير الصحة العامة والإسكان أن يضعني تحت تصرف السيد الحاكم العام في الجزائر لتعييني في مستشفى للأمراض النفسية في الجزائر. ورغم أن الظروف الموضوعية لممارسة طب الأمراض النفسية في الجزائر تشكل لوحدها تحديدا للعقل السليم، فقد تبين لي أنه لابد من بذل جهود للحد من فساد نظام تتعارض مبادئه العقائدية بشكل يومي مع الأبعاد الإنسانية الحقيقية.

وما مصير النوايا إذا كان تجسيدها مستحيلا بفعل انعدام المشاعر وعجز الفكر وكره سكان هذا البلد الأصليين؟ الجنون هو أحد السبل المتاحة أمام المرء لفقدان حريته. ويمكنني القول إني من على هذا التقاطع شعرت بالرعب حين تبين لي مقدار الحرمان لدى سكان هذا البلد. وإذا كانت المعالجة النفسية تقنية طبية هدفها أن تسمح للإنسان بعدم البقاء غريبا عن محيطه، فعلي أن أؤكد أن العربي المحروم دوما في بلده يعيش في حالة ضياع مطلق لشخصيته.

سيدي الوزير، إن الأحداث الحالية الدامية في الجزائر لا تشكل فضيحة لمن يراقبها. فهي ليست ناجمة عن عارض طارئ أو عن عطل في النظام. إن الأحداث في الجزائر تشكل النتيجة المنطقية لمحاولة غسل دماغ جماعي باءت بالفشل.

سيدي الوزير، إن قرار معاقبة المشاركين في إضراب 5 تموز/ يوليه 1956 يبدو لي إجراء مخالفا للمنطق بالكامل. وهكذا، فإن ضميري يشهد منذ شهور طويلة مشادات لا ترحم. وخلاصتها الرغبة في عدم اليأس من الإنسان أي من نفسي. وقررت ألا أتحمل مسؤولية بأي ثمن وبحجة خادعة مفادها أن هذا أفضل ما يمكنني إنجازه.

ومن هذا المنطلق، تُقرأ دراسته للخطاب الاستعماري باعتبارها تفكيكًا لمشروع ثقافي غربي متكامل، خطابًا أُنتٍج في خدمة البنية المعرفية والإيديولوجية للغرب، ويعمل على تبرير هيمنته وإدامة سلطته، أكثر مما يعكس فهمًا موضوعيًا للواقع الذي يدّعي تمثيله. وفي ظل هذه الأحادية الثقافية، لا تعود العلاقة بين الشرق والغرب علاقة تبادل معرفي، بل علاقة قوة وهيمنة، تقوم على ما يسميه إدوارد سعيد "التمييز الإبستيمولوجي والأنطولوجي" بين الطرفين، مدعومًا بأغلوطة إيديولوجية راسخة، عبّر عنها روديارد كيبلنغ Rudyard Kipling - نهاية القرن التاسع عشر - في مقولته الشهيرة: "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا". وتشير المقولة إلى أن الاختلاف بين الشرق والغرب ليس مسألة ثقافية أو تاريخية، فحسب، بل يمتد إلى السياسة والعلاقات الجيوسياسية، حيث يبقى الشرق شرقًا والغرب غربًا، ولا تتجاوز التهدئات المؤقتة حقيقة الصراع والتباين المزمنين بينهما. وتوضح أن الهيمنة الغربية واستمرارية تدخلاتها في شؤون الشرق تعكس رغبة مستمرة في السيطرة والاستغلال، في حين يسعى الشرق إلى الحفاظ على هويته التقليدية ومصالحه الاستراتيجية، كما يتجلى ذلك في مواقف الدول الشرقية تجاه النزاعات والمعارك الحديثة. ما يعني أن هذه المقولة، تؤكد استمرارية الصراع بين الشرق والغرب عبر التاريخ والحاضر، واستحالة إلغاء الاختلافات الجوهرية التي تحدد طبيعة العلاقات بينهما.

هكذا، يلتقي فانون وسعيد، كلٌّ من موقعه، في تفكيك هذا التقسيم المانوي الذي حكم الخطاب الكولونيالي: فالأول كشف آثاره النفسية والثقافية واللغوية في بنية الذات المستعمَرة، والثاني فضح آلياته الخطابية والمعرفية في إنتاج صورة الشرق. ومن هذا الالتقاء تشكّلت الأرضية الفلسفية والمعرفية التي قامت عليها نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، كونها مشروعًا نقديًا يسعى إلى مساءلة السلطة في اللغة، وتفكيك تمثلات الهيمنة، واستعادة صوت الذات التي طال إخضاعها داخل التاريخ والخطاب.

واعتبارًا لذلك، فإن البحث في موضوع الاستشراق والدراسات ما بعد الكولونيالية لا يزال مستمرًا، فرغم تراجع النفوذ المعرفي لـ"الاستشراق الكلاسيكي"، برز نوع جديد منه يُمكن تسميته بـ"الاستشراق العملي"•، الذي يقوم على الخبرة والتخصص، ويتوافق مع منطق السياسة الأمريكية التي حولت الشرق إلى "قضية إدارية"، تُدار وفق حسابات استراتيجية ومصالح سياسية أكثر من كونها موضوعًا ثقافيًا بحتًا . غير أن ذلك لا يعني بأي حال التنازل عن "البعد الثقافي الاستراتيجي" في العلاقة التوترية بين الغرب والعالم العربي. وفي ضوء ذلك، يوضح سعيد هذه الفكرة قائلاً: "ومع الاعتراف بأن التوسع الأمريكي يقوم أساسًا على أبعاد اقتصادية، إلا أنه في الوقت نفسه يرتكز بشكل كبير على تصورات وعقائد ثقافية عن أمريكا نفسها، تتحرك وفقها وتتغذى منها، وهي تصورات تُعاد صياغتها علنًا بلا أي توقف أو مراجعة داخلية"

فرانز فانون: الصراع التحرري وصوت المستعمَر

تتضح أهمية فرانز فانون في سياق نشأته وانتمائه إلى أحد المستعمرات الفرنسية؛ إذ أسهمت خلفيته الشخصية وتجربته المبكرة في بلورة وعيه بالمعاناة التي يختبرها المستعمرون، سواء من حيث التمييز العنصري أو الاستلاب الثقافي. وخلال ممارسته لمهنة الطب النفسي، تعمّق فانون في دراسة جذور هذه المشكلات النفسية والاجتماعية، فاكتشف أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة السياسية أو الاقتصادية، بل يمتد ليغرس أضراره في البنية النفسية والثقافية للإنسان، معيدًا إنتاج آليات الهيمنة والاضطهاد. وقد وضع فانون تصورًا ديناميكيًا للثورة التحررية يتكون من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تتسم بعنف المستعمر المباشر، المرحلة الثانية بصعود الانقسامات الداخلية بين المستعمَرِين أنفسهم، والمرحلة الثالثة هي تحويل هذه الانقسامات والتناقضات الداخلية ضد المستعمر، لتصبح قوة متجهة نحو التحرر. كما أولى فانون أهمية كبيرة لدور المثقف في هذه العملية، معتبرًا أن الفكر الواعي والتحليل النقدي يشكلان أدوات حاسمة في مواجهة الانسحاق الاجتماعي والسياسي وبناء مشروع تحرري متكامل.

يرى فانون أن المثقف يلعب دورًا جوهريًا في مواجهة الانسحاق الاجتماعي والسياسي من خلال الفكر الواعي والتحليل النقدي، حيث يمر أولاً بمرحلة التماهي مع ثقافة المستعمِر والشك والقلق، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى فاعل تحرري وداعٍ للتغيير، مساهمًا في بناء مشروع تحرري متكامل، ومن ثم فإن " أعمال فانون في جملتها تنشطر بين دياليكتيك هيغلي/ ماركسي، وتأكيد ظاهراتي على الذات والآخر، وتحليل نفساني لما يعتري اللاوعي من تجاذب" ؛ نظرًا إلى أن حدة هذا الاغتراب الاستعماري الذي يختبره الفرد ليست إلا تجسيدًا لفكرة تتجاوز البعد الشخصي لتكتسب أبعادًا مفاهيمية أوسع. فهذه الحالة تولّد إلحاحًا قلقًا في البحث عند فانون عن شكل نظري ملائم، يستوعب ما تنطوي عليه العلاقة الكولونيالية من تناحر اجتماعي عميق. ومن ثمّ، فإن أعمال فانون في مجملها تنشط ضمن جدلية مركّبة، تتقاطع فيها الديالكتيك الهيغلية مع المنظور الماركسي، مقرونة بتأكيد ظاهراتي على علاقة الذات بالآخر، وتحليل نفسي نافذ لما يعتري اللاوعي من توترات وانشطارات.

وفي هذا السياق، ينشغل فانون، في بحثه اليائس والمضني عن ديالكتيك للخلاص، باستكشاف حدٍّ صعب بين الأمل واليأس؛ إذ يعيد، من جهة، هيغلية الأمل إلى التاريخ، ويستعيد، من جهة أخرى، نبرة الوجودي في التفكير في "الآن" المهمَّش، بما يحمله من كثافة معيشة، وضغط وجودي. كما يسلط إطارُه التحليلي النفسي الضوء على جنون المعاناة، وعلى جدلية اللذة والألم، وعلى استيهام القوة السياسية المتوترة والصراعية، كدلالة على اختلال عميق في البنية النفسية والاجتماعية معًا.

وبحكم تخصصه اللاحق بالطب النفسي أدرك - فانون - أن العالم الكولونيالي معقد، ويعتمد دوامه على تسليم الطرفين به، فلو لم يوافق المستعمَر (بفتح الميم) على استمرار هذا العالم لانهار على الفور.  ذلك أن اصطفاف الذوات الكولونيالية المألوف - أبيض /أسود، ذات/آخرـ يضطرب بتلك الوقفة الوجيزة كما تتبدد الأسس التقليدية التي تقوم عليها الهوية العرقية، كلما تبين أنها ترتكز على أساطير الزنوجة، وأساطير التفوق الثقافي الأبيض للنرجسية؛ فحضور الأسود يطلق السرد التمثيلي المتعلق بالمفهوم الغربي عن الشخصية؛ لأن هذا الوجود الأسود المقيّد بصورة نمطية تمثل البدائية والانحلال؛ إذ يرى أن هذا الواقع السلبي لا يمكن أن يولد مسارًا للتقدم الحضاري.. أما السؤال الآخر الصورة النمطية، والتمييز، وخطاب الكولونيالية، فقد سخره لتوجه النقد للخطاب الكولونيالي ولبنياته الثقافية والمعرفية المتحكمة في الترويج لفكرة الهيمنة، والمسؤولة عن الصورة النمطية للشرق من خلال "مفهوم الثبات في البناء الإيديولوجي للآخرية" باعتبارها سمة من سمات الخطاب الكولونيالي. يعتبر هومي بابا صفة الثبات في هذا السياق دالول الاختلاف الثقافي/التاريخي/العرقي، ونمطا متناقضا من أنماط التمثيل الذي يتضمن معنى الصلابة، والنظام الذي لا يتغير. كما يتضمن معنى اختلال النظام، والتفسخ والتكرار الشيطاني. ويؤكد أن ما قيل عن الثبات يقال عن الصورة النمطية "التي تمثل استراتيجيته الخطابية الكبرى، هي شكل من المعرفة وتعيين الهوية يترجح بين ما هو في مكانه على الدوام.. وبين ما ينبغي تكراره على نحو قلق"  .

وفي ضوء ما سبق، يقوم مشروع فرانز فانون على تعرية الفكر الاستعماري، ونزعته العنصرية القائمة على التمييز العرقي، كما عالجها في كتاب بشرة سوداء أقنعة بيضاء Black skin white masks ، حيث ذكر في هذا الكتاب " الزنجي ليس كذلك، شأنه شأن الأبيض"  ، ومن ثم بيان الأضرار النفسية للممارسة العرقية على الإنسان المستعمِر، والمضطهَد والمستعمَر على حد سواء، من خلال دراسات أقامها على مرضى من كلا الطرفين، ويتضح ذلك في كتابه معذبو الأرض 1961، بالإضافة إلى تحليل للبنى الاجتماعية والاقتصادية عبر المنظور الماركسي؛ إذ نعثر على نقد للنخب الوطنية الحاكمة، التي تمارس الآلية ذاتها التي جاء بها المستعمر، دون أي اهتمام ببناء المجتمع الذي تم تقويضه بسبب الاستعمار، فهذه النخبة كما يصورها فانون ترتدي البشرة السوداء كأقنعة للقوى الإمبريالية البيضاء .

أعاد فانون قراءة الكولونيالية بما يتجاوز النص الظاهر، متوغّلًا في أعماق الإشكاليات التاريخية والعرقية والإنسانية، ليكشف عن حجم الضرر الذي يطال البنية النفسية للفرد الأسود. ومن هنا، انطلق في دراسة أثر هذا العطب النفسي على كل من المستعمَر والمستعمِر، مستعينًا بالممارسة العلاجية النفسية كأداة مركزية لفهم انعكاسات الاستعمار على الوعي والذات، ومعالجته، وهنا يسرد فرانز فانون تجربة إدراك معنى الاختلاف عند مشاهدة فتاة بيضاء له، ورَدَّةَ فعلها على لون بشرته قائلة: " انظري، زنجي ماما، انظري الزنجي!.. أنا خائفة… إنه زنجي Look, a] [Negro!.

فإذا كان فانون يملك القدرة على مواجهة العنصرية بالتحدي فإن توني موريسون  Toni Morrison جعلت من شخصيتها "سيث" في قصة محبوبة، العبدة السابقة تجبر على قتل طفلها كي تنقذه من كل ما هو بشِع، والفظائع التي لا تعد ولا تحصي للكولونيالية. لكن توني موريسون تصورت أوضاع السود تصويرا فيه كثير من الواقعية والعمق والتعاطف حين تقول على لسان شخصية (محبوبة): "لقد أخذ البيض كل ما معي وكل ما أحلم به، وحطموا قلبي. ليس هناك حظ سيئ في العالم، ولكن هناك شعبًا أبيض فقط"

وبناءً على ذلك، قدم إدوار سعيد فكر فرانز فانون باعتباره المدافع عن سرد التحرير المضاد المرتبط بحقبة ما بعد الحداثة، في حين استثمر هومي بابا أفكار فانون لتشييد إطار نظري للعالم الثالث وفق مقاربة ما بعد البنيوية. أما عبد الرؤوف جان محمد فقد رأى فيه منظرًا مانويًا للاستعمار والنفي المطلق.

وفي الوقت نفسه، سلطت بينيتا باري Benita Parry. في كتابها Postcolonial Studies: A Materialist Critique الضوء على الدلائل البارزة للنظرة الثقافية للأدب ودوره الاجتماعي. وعلى نحو آخر، تجلت صورة فرانز فانون لدى الباحثة الهندية غاياتري سبيفاكGayatri Chakravorty Spivak  بأوضح وأصدق صورها، باعتباره الطبيب النفسي الذي انبثق من بين أبناء وطنه ليقوم بتحليل عميق ودقيق لما تعكسه تلك المرآة المعقدة للإمبريالية الثقافية.

وفي السياق ذاته، أبرزت بينيتا باري المؤشرات الدالة على المقاربة الثقافية للأدب، وما ينهض به من وظائف اجتماعية ومعرفية. وعلى نحو آخر، تجلت صورة فرانز فانون لدى الباحثة الهندية سبيفاك بأوضح وأصدق صورها، باعتباره الطبيب النفسي الذي انبثق من بين أبناء وطنه ليقوم بتحليل عميق ودقيق لما تعكسه تلك المرآة المعقدة للإمبريالية الثقافية.

ولا يخفى أن فرانز فانون، ورغم أن ما سماه إدوار سعيد بـ"القراءة الكبرى" لأعماله لم يتحقق بعد، قد طرح موضوعات مركزية تمس جوهر نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، بما في ذلك ما أشار إليه مالك بن نبي بمفهوم "عقدة قابلية الاستعمار" (Colonisabilité) التي تعبّر عن استعداد المجتمعات والشعوب للاستيعاب الاستعماري، و"عبيد الأزمنة الحديثة"؛ أي المستعمَرين الذين وجدوا أنفسهم مقيدين بأنظمة الهيمنة الخارجية. كما تناول قضية "فك الاستعمار" باعتبارها عملية تاريخية مستمرة، ليست مجرد حدث لحظي، بل ظاهرة متشابكة تتسم بالعنف، حيث يتطلب تحقيق التحرر مواجهة العنف المطلق، كضرورة تاريخية وأداة لتحطيم أسس الهيمنة الإمبريالية. 

إن ما أطلق عليه إدوار سعيد مصطلح "العنف الفانوني " (Fanonian Violence) في كتابه Reflections on Exile (ص 296) يمثل، من جهة، العنف الذي طالما اتهم جان بول سارتر بتأييده، حيث وصفه بول جونسون في كتابه Intellectuals (ص 256) بأن مقدمته لأعمال فانون كانت "أكثر عطشًا للدماء من النص ذاته". هذا العنف، كما يظهر في كتابات فانون ومواقفه العملية، لا تُحدَّد حصريًا بـفعل متطرف أو لحظي، بل هو استجابة منهجية لهيمنة الاستعمار، واستراتيجية تحررية تسعى إلى إعادة تأسيس الكرامة الإنسانية في المجتمعات المستعمَرة.

وعلى صعيد الممارسة الفكرية، لا ينافس فرانز فانون في مستوى السبق بنظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي إلا عدد محدود من المفكرين والكتّاب الثوريين، من بينهم الشاعر المارتينيكي Aimé Césaire في Discours Sur Le Colonialisme (1955)، الذي جهر بمعارضته الاستعمارية بصوت شعري وفلسفي يجمع بين النقد الثقافي والنداء السياسي؛ وكذلك اليهودي التونسي Albert Memmi في Portrait Du Colonisateur (1957)، الذي قدم له سارتر مدخلاً تحليليًا بالغ العمق؛ ولا يمكن تجاهل مساهمات "شاعر إفريقيا" والرئيس السنغالي الأسبق Léopold Sédar Senghor (1906–2001)، الذي مزج في أعماله بين النضال الثقافي والسياسي، مقدمًا تصورًا للشعوب الإفريقية في سياق استعماري معقد.

هؤلاء وغيرهم من المفكرين والمثقفين الثوريين، الذين يندرجون ضمن فئة روّاد الثورة ضد الاستعمار Colonial Révolutionnaires أو الناشطون في مقاومة الاستعمارAnti-Colonial Activists، شكّلوا معا شبكة فكرية عالمية استطاعت صياغة خطاب مضاد للاستعمار، يجمع بين النقد الفلسفي، والوعي الاجتماعي، والممارسة السياسية، بما يعكس طبيعة الاستعمار كظاهرة عنيفة تستلزم مقاومةً شاملة، عميقة وجذرية، تتجاوز حدود الأدب لتصبح مشروعًا تحرريًا متكاملاً.

إن الإشكال المرتبط بالحضور المادي للجسد الأسود – في نظر فانون - لا يشكّل في ذاته جوهر المأزق؛ إذ لا تكمن المعضلة في لون البشرة بوصفه معطًى بيولوجيًا خالصًا، بل فيما يُسقط عليه من دلالات ومعانٍ داخل البنى الاجتماعية والثقافية. فالسواد، وفق هذا المنظور، لا يُختبر كصفة جسدية محايدة، وإنما يُعاد إنتاجه كعلامة رمزية محمّلة بتاريخ من الإقصاء والهيمنة والتشييء. ومن ثمّ، فإن ما يثقل كاهل الإنسان الأسود ليس وجوده الجسدي في حدّ ذاته، بل الشبكة المعقّدة من التمثلات والخطابات التي تصوغ تجربته في العالم، وتحدد موقعه داخل نظام اجتماعي وثقافي غير متكافئ. وفي هذا السياق، يذهب فرانز فانون إلى تأكيد أن المسألة الحقيقية لا تتعلق بالبشرة السوداء كواقع مادي، بل بما تخلقه هذه البشرة من انعكاسات عميقة على وعي الذات السوداء بذاتها، وعلى تموضعها القسري داخل منظومة رمزية تجعل من السواد عبئًا وجوديًا قبل أن يكون توصيفًا جسديًا، وهو ما يعبّر عنه فانون بقوله في هذا الصدد: "عندما أتحدث إلى من يحبونني، يقولون إنهم يحبونني على الرغم من لوني، وحينما أتحدث إلى من يكرهونني، يعتذرون بأنهم لا يكرهونني بسبب لوني، وفي كلتا الحالتين أجدني حبيس الحلقة نفسها" .

لقد جاءت كتابات فرانز فانون، منذ عناوينها الأولى، مشحونة بإدانة صريحة للممارسات التي وسمت الأنظمة الاستعمارية، تلك الممارسات التي لم تكتفِ بإخضاع الشعوب، بل عملت على غرس جرثومة تفوّق الرجل الأبيض، وترسيخها، فضلا عن صناعة أسطورته بوصفه مركزًا للإنسانية والمعنى. ويتجلّى هذا النقد بوضوح في أعماله الأساسية، ولا سيما في كتابيه الأشد تأثيرًا: "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" و "معذبو الأرض"، حيث يكشف فانون البنية الرمزية والنفسية التي يقوم عليها الخطاب الاستعماري.

وفي السياق نفسه، يؤكد  Aimé Césaire أن الاستعمار لا يقتصر على الاحتلال السياسي أو هيمنة اقتصادية، فقط، بل هو قبل ذلك وبعده عملية نزع للإنسانية (déshumanisation)، يتم من خلالها إقصاء الشعوب المستعمَرة من مجال الكائن الإنساني وتحويلها إلى موضوعات وأشياء، أو بتعبيره الحاد، "تحويل الإنسان إلى جماد".

وهكذا يمكن الوقوف عند الأثر العميق الذي خلّفه هذا الكاتب والمناضل في بلورة أفقٍ واسع لمقاومة الاستعمار، وهو أثر لا يقتصر على تفكيك خطاب المستعمِر الأبيض أو مواجهة ممارساته القمعية، فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة البنى الداخلية التي أعاد الاستعمار تشكيلها وترسيخها داخل المجتمعات الخاضعة له. فقد انصرف هذا الفكر إلى نقد مواقع الهيمنة من الداخل، كاشفًا عن آليات إعادة إنتاج التبعية والاغتراب، ومشيرًا إلى أن التحرر الحقيقي لا يتحقق فقط بطرد المستعمِر، بل بإعادة بناء الوعي الجمعي على أسس جديدة. ومن هنا تبرز محاولاته الجادة لإعادة تعريف مفهوم الوطنية بوصفها مشروعًا تاريخيًا وأخلاقيًا، لا شعارًا أيديولوجيًا فارغًا، وكذلك تصوره لعملية تشكّل الذات والهوية الوطنية باعتبارهما مسارًا ديناميكيًا يتأسس على استعادة الإنسان لكرامته وفاعليته في التاريخ. وضمن هذا الأفق، يغدو بناء الدولة الحرة مشروطًا بقدرتها على صون كرامة الفرد وضمان حريته، لا باعتبارهما امتيازًا ممنوحًا، بل حقًا أصيلًا يشكّل جوهر أي مشروع تحرري حقيقي.

فانون والرهان الإنساني للتحرر

يُعدّ فرانز فانون من أكثر المفكرين عمقًا وإلحاحًا في تفكيك شرط الإنسان الحديث في سياق الهيمنة الاستعمارية، لا بصفته منظّرًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره مفكرًا وجوديًا عاين من داخل التجربة الاستعمارية انكسار المعنى الإنساني، وتصدّع الذات تحت أنظمة السيطرة الكولونيالية. فقد تشكّل مشروعه الفكري عند تقاطع التجربة الشخصية والمعاينة السريرية والممارسة الثورية، الأمر الذي منح كتاباته كثافة استثنائية جعلت من سؤال الإنسان محورًا ناظمًا لكل أطروحاته. ولم يكن فانون معنيًا بتحليل الاستعمار كظاهرة خارجية فقط، بل انشغل، على نحو أعمق، بتفكيك آثاره النفسية والرمزية التي تصيب الذات المستعمَرة، وتعيد تشكيل وعيها بذاتها وبالعالم على أسس من النقص والاغتراب والتشييء.

واستنادًا إلى هذا التصور، يقوم الرهان الإنساني للتحرر عند فانون على قناعة أساسية مفادها أن الاستعمار لا يقتصر على كونه منظومة للهيمنة السياسية أو الاقتصادية، بل يتجاوز ذلك ليغدو بنية كلية لنزع الإنسانية، تقصي الإنسان المستعمَر من أفق الاعتراف، وتختزله في كيان وظيفي أو موضوع قابل للتشييء والاستعمال.

 ومن هنا، فإن معركة التحرر، في تصور فانون، لا تُختزل في استعادة الأرض أو السلطة، بل تتجسد أساسًا في استعادة الإنسان لإنسانيته المصادَرة، وفي إعادة بناء الذات على أنقاض ما خلّفه العنف الكولونيالي من تشوهات نفسية ووجودية. فالتحرر الحقيقي، في هذا الأفق، هو فعل مزدوج يطال البنية الاجتماعية بقدر ما يطال البنية الداخلية للذات، ويعيد للإنسان قدرته على الفعل والمعنى والمسؤولية، حيث تتميز رؤى فرانز فانون الإنسانية بخصوصيتها المتفردة، وهو أمر يمكن فهمه عبر مسار حياته الثوري في المارتينيك Martinique، حيث عايش الاستعمار بكل عنفه، وسعى إلى مواجهته مباشرة. في خضم هذه التجربة الكثيفة، تبلورت رؤيته الفكرية، فغدا ينفي أي فهم للاستعمار بوصفه مسارًا طبيعيًا أو تسوية سلمية، مؤكّدًا أنه فعل عنيف بنيوي، وصراع جذري بين قوتين متناقضتين في الأساس. كل من هاتين القوتين تنبثق صفاتهما من دينامية العنف الاستعماري ذاته، فهو الذي يحدد معالم الصراع ويغذيه، مما يجعل عملية التحرر والتحطيم الاستعماري حدثًا مستعصيًا على الحلول السحرية أو التفاهمات الودية. فمحو الاستعمار يبث في الوجود – والكلام لفانون – إيقاعًا خاصًا يجيء به الرجال الجدد، ويحمل إلى الوجود لغة خاصة وإنسانية جديدة، كما أنه يحول متفرجين مسحوقين يعانون من فقدان الماهية إلى عناصر فعالة متميزة تدخل تيار التاريخ دخولاً رائعًا، يخلقهم رجالاً جددًا حقًا، وهو خلق لا يستمد مشروعيته من أية قوة فوق الطبيعة، فالمستعمَر (بفتح الميم) يصبح إنسانًا في خضم العملية التي يحرر بها نفسه، وذلك لتجريد المستعمِر (بكسر الميم) إياه من إنسانيته، حتى أنه ليعده حيوانًا، يستخدم معه اللغة المستعملة في وصف الحيوانات!

وتتخذ النزعة الإنسانية عند فانون طابعًا راديكاليًا يميّزها عن النزعات الإنسانية الكلاسيكية التي كثيرًا ما ادّعت الكونية وهي تُقصي الإنسان غير الأوروبي. ففانون لا يدافع عن إنسان مجرد أو متعالٍ عن التاريخ، بل عن إنسان مُعَنّى، مجروح، ومشوَّه بفعل العنف الاستعماري، إنسان لا يمكن استعادته إلا عبر مواجهة جذرية مع شروط القهر التي أنتجته. ومن ثمّ، تَشَكَّل خطابه الإنساني في اقترانٍ جدلي مع مسألة العنف، لا باعتباره تمجيدًا للفوضى أو انغماسًا في التدمير، بل كفعل قطيعة تاريخية يزعزع البنية الهرمية الكولونيالية، ويقوّض نظامًا يتأسس في عمقه على الإقصاء المنهجي، والقهر البنيوي، ونفي الاعتراف الإنساني.

وفي هذا السياق، تتجلى كتابات فانون، ولا سيما بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" و "معذبو الأرض Black Skin, White Masks وThe Wretched of the Earth، كمحاولة حثيثة لإعادة صياغة مفهوم الإنسانية خارج المركزية الأوروبية، وفتح أفق لإنسانية جديدة تتأسس على المساواة الفعلية والكرامة المشتركة. يُعدّ الرهان الإنساني للتحرر عند فانون مشروعًا مستقبليًا يوازيه تفكيك للماضٍ الاستعماري؛ إذ يسعى إلى تحرير الإنسان من الأدوار المصطنعة المفروضة عليه - سواء تلك المرتبطة بالهيمنة أو الخضوع - ليتجلى بذلك وعي جديد بذاته الإنسانية، قادر على الوجود المشترك بلا هيمنة ولا استلاب. ومن هنا، يظل فكر فانون راهنًا، لا لأنه قدّم أجوبة جاهزة، بل لأنه أبقى سؤال الإنسان مفتوحًا في قلب الصراع من أجل الحرية.

تأكد فرانز فانون، من خلال تجربته الفكرية والميدانية على السواء، أن العالم الكولونيالي يقوم على نفي جذري لقيم المساواة والعدالة، وأنه عالم مشطور بنيويًا على أساس ثنائيات صارمة لا تقبل التداخل أو التكافؤ. فهو فضاء مقسوم إلى بيض وسود، لا بوصف هذا التقسيم توصيفًا لونيًا بريئًا، بل باعتباره تراتبية رمزية وأخلاقية تُسنِد الامتياز والإنسانية الكاملة إلى طرف، وتحكم على الطرف الآخر بالدونية والإقصاء. ومن ثمّ، ينقسم هذا العالم إلى مستغِلّين ومستغَلّين، وإلى مستعمِرين يمارسون السيطرة باسم الحضارة والتقدم، ومستعمَرين يُدفعون قسرًا إلى موقع الخضوع والتبعية، ويُعاد تعريف وجودهم وفق حاجات النظام الاستعماري لا وفق إنسانيتهم الخاصة.

وفي هذا السياق الفكري، يتجاوز فانون فهم الاستعمار كعلاقة قوة مفروضة من الخارج، ليكشف عنه كبنية كلية تنظم الواقع المادي، وتعيد صياغة أنماط الإدراك والوعي، وتنتج نمطًا من العلاقات يقوم على العنف المادي والرمزي في آن واحد. فالعالم الكولونيالي، في تصوره، عالم مانوي مغلق، لا يتيح إمكان اللقاء أو الحوار؛ لأن حدوده مرسومة مسبقًا بالقهر والعزل؛ ولأن كل محاولة للمساواة داخله تتحطم على جدار الامتياز العنصري والاقتصادي. ولهذا، فإن خطاب الاستعمار لا يكتفي بتبرير الهيمنة، بل يعمل على تطبيعها، وتحويلها إلى قدر تاريخي أو ضرورة حضارية.

ومن هنا، تأتي أهمية كتابه "معذبو الأرض"، حيث سعى فانون إلى مساءلة الأسس الأخلاقية والفكرية التي تقوم عليها الإنسانية الغربية الحديثة، كاشفًا عن تناقضها العميق بين ادعاء الكونية وممارسة الإقصاء. لقد عمل فانون في هذا الكتاب على تحرير هذه الإنسانية من فرديتها النرجسية، التي جعلت من الذات الغربية معيارًا أوحد للإنسانية، ومن نزعتها الذاتية الاستعمارية التي تبرر السيطرة على الآخرين باسم العقل، أو التقدم، أو الرسالة الحضارية. فالإنسانية التي تُبنى على نفي إنسانية الآخر، في نظر فانون، ليست سوى قناع أيديولوجي يخفي علاقات الاستغلال والعنف.

إن نقد فانون للإنسانية الغربية لا يستهدف الإنسان الغربي في ذاته، بل يستهدف النموذج الفكري الذي حوّل الإنسان إلى مركز مغلق على ذاته، عاجز عن الاعتراف بالآخر إلا بوصفه موضوعًا للهيمنة أو مادة للتجربة. وفي مقابل ذلك، يدعو فانون إلى أفق إنساني جديد، تتأسس فيه المساواة على الاعتراف المتبادل، لا على التفوق، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الشعوب على قاعدة التحرر المشترك من منطق السيطرة. وهكذا يغدو تفكيك العالم الكولونيالي شرطًا أوليًا لإعادة بناء إنسانية حقيقية، قادرة على تجاوز انقسامات اللون والقوة، وصون كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا، لا تابعًا ولا سيّدًا.

ينطلق مشروع فرانز فانون الفكري والنقدي من إدراك مبكر بأن الخطاب الإنساني الغربي، على الرغم من ادعائه الانتساب إلى قيم التنوير والعقل والعالمية، قد تشكّل تاريخيًا داخل سياق كولونيالي غير بريء، تحكمه علاقات الهيمنة، وتؤطره مركزية أوروبية نصّبت ذاتها معيارًا للإنسانية، وحوّلت الإنسان المستعمَر إلى كائن ناقص أو موضوع للتقويم والسيطرة. ولم يكن نقد فانون للاستعمار موجّهًا إلى مظاهره السياسية أو العسكرية فحسب، بل استهدف، في عمقه، البنية المعرفية والرمزية التي أنتجت هذا الاستعمار، وجعلت من الخطاب الإنساني ذاته أداة لتبرير الإقصاء والعنف.

ففي كتاباته، ولا سيما في "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" و "معذبو الأرض"، لا يكتفي فانون بتفكيك الصور النمطية التي صاغها الغرب عن الآخر الأسود، بل يعمل على كشف المنطق الثقافي والنفسي الذي يسمح بتحويل المعرفة إلى جهاز للهيمنة، ويجعل من القيم الإنسانية خطابًا انتقائيًا يُستخدم لتكريس التفوق العرقي والحضاري. ومن هذا المنظور، تصبح مساءلة فانون للخطاب الكولونيالي مساءلة جذرية لفكرة الإنسانية نفسها، حين تنفصل عن العدالة التاريخية، وتتحول من أفق للتحرر إلى أداة لإضفاء الشرعية على الإقصاء والاستلاب باسم الكونية والعقل.

وبذلك، لا يدافع فانون عن إنسانية مجردة أو متعالية عن الصراع، بل عن إنسانية متجذّرة في التجربة التاريخية للمقموعين، إنسانية لا تُستعاد إلا عبر تفكيك الشروط التي أنكرتها، وإعادة بناء الذات المستعمَرة بوصفها ذاتًا فاعلة قادرة على إنتاج المعنى وصناعة تاريخها خارج منطق الوصاية والتشييء.

وجريا على ذلك، يتأسس دور فرانز فانون في مشروعه الفكري والنضالي على رؤية إنسانية أممية تتخطّى الحدود الضيقة للهويات العرقية والدينية والجغرافية، وتنطلق من إيمان راسخ بوحدة المصير الإنساني في مواجهة كل أشكال القهر والاستغلال. ففانون لا ينظر إلى الإنسان من زاوية الانتماء البيولوجي أو الثقافي، بل من حيث كرامته وحقه في الوجود الحر، وهو ما جعله ينحاز، في كتاباته وممارساته، إلى قيم الحق والعدالة والحرية بوصفها مبادئ كونية لا تقبل التجزئة أو الانتقاء. ومن هذا المنطلق، يرفض فانون رفضًا جذريًا كل نظام يقوم على استعباد الآخر، أو مصادرة حقه في تقرير مصيره، أو نهب ثرواته، أو إنكار وجوده الرمزي والمادي معًا.

ولا تظل هذه الرؤية الإنسانية عند فانون حبيسة التنظير المجرد، أو التحليل المفاهيمي، بل تتحول إلى التزام عملي يتجسد في اختياراته السياسية والأخلاقية. فقد أدرك، من خلال تجربته في العالم الكولونيالي، أن الاستعمار لا يُختزل في احتلال الأرض، بل هو مشروع شامل لنزع الإنسانية، يستهدف الإنسان في وعيه وجسده وتاريخه. لذلك رأى أن التزام الحياد في مثل هذا السياق يعد شكلاً من أشكال التواطؤ، وأن الانحياز إلى المقهورين يصبح واجبًا إنسانيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. فالاستعمار كما أشار إيميه سيزار  Aimé Césaire، هو عبارة عن عملية يتم من خلالها نفي الصفة الإنسانية عن الشعوب المستعمرة، وتحويلها إلى أشياء، أو كما يقول "تحويل الإنسان إلى جماد". 

ومن هنا، نفهم سبب انخراط فانون في حركة التحرير الجزائرية، وتمثيله لها في المحافل الدولية، بعد سنوات من النضال العملي والفكري ضد الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على الجزائر. لقد وجد فانون في الثورة الجزائرية تجسيدًا حيًا للصراع من أجل استعادة الإنسان لإنسانيته، لا مجرد معركة وطنية معزولة، بل جزءًا من حركة تحرر عالمية تستهدف تفكيك البنية الكولونيالية أينما وُجدت. فموقفه من القضية الجزائرية لم ينبع من انتماء قومي أو عاطفي ضيق، بل من قناعة فكرية عميقة بأن تحرير الجزائر هو لحظة كاشفة لإمكان تحرر الإنسان المستعمَر في كل مكان.

وهكذا يتجلى دور فرانز فانون بوصفه مثقفًا عضويًا جمع بين الفكر والممارسة، بين التحليل النقدي والموقف الأخلاقي، وأسهم في صياغة خطاب تحرري يتجاوز السياق الجزائري ليكتسب بعدًا كونيًا. فقد جعل من تجربته مع الثورة الجزائرية مختبرًا فكريًا لإعادة التفكير في مفاهيم الحرية والعدالة والإنسانية، وربط بين التحرر الوطني والتحرر الإنساني الشامل، مؤكدًا أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حرية الآخر هو في جوهره دفاع عن إنسانية الجميع.

وعلى هدي ما سبق، يرى فرانز فانون أن الاستعمار لم يكتفِ بالسيطرة على الأراضي والشعوب، بل تجاوز ذلك إلى الاعتداء على جوهر الإنسان نفسه. لقد جرد الاستعمار السكان الأصليين من وظائفهم الحيوية، وهشّم وحدة الإنسان، وأفرز في بنية المجتمع شروخًا عميقة وصراعات متواصلة، تغذيها أبعاد طبقية متعددة. وعلى الصعيد الإنساني، أسفر الاستعمار عن تكريس الكراهية العرقية والاستغلال المنهجي، وصولًا إلى ارتكاب مجازر مروعة ضد من وُضعوا في أدنى مراتب الوجود الإنساني.

من هنا، يشدد فانون على أن مأزق الإنسان الأسود ينبع من علاقته بالآخر الأبيض، أو حتى من تفاعله مع البيئة المحيطة، حيث يُجبر على تقليد صورة مُصاغة له مسبقًا في ذهن الرجل الأبيض. تجسد هذه الصورة النمطية، المشحونة بالدونية والتخلف والحقارة، نموذجًا جاهزًا لفرض قيود على شخصية ووجود الإنسان الأسود، وفرض إطار سلوكي محدد يتحكم في سلوكه وهويته. ومن هذا المنطلق، يرى فانون أن المقاومة الحقيقية لا تبدأ إلا بإزالة هذه الصورة المفروضة، ليس فقط على مستوى الجسد والسلوك، بل قبل ذلك على مستوى الإدراك والفكر في وعي الآخر؛ أي تفكيك التمثيل المسبق للهوية السوداء في ذهن الرجل الأبيض، بما يتيح للإنسان المستعمَر استعادة وعيه بذاته، وإعادة بناء وجوده وفق شروطه الإنسانية الخاصة، بعيدًا عن الإكراه الرمزي والمعياري الذي فرضه الاستعمار.

لقد صاغ فرانز فانون رؤاه حول الاستعمار والحرية الإنسانية من منظور يجمع بين الفلسفة العميقة والتحليل النفسي المتقدم، حيث لم يكن يستوعب التجربة الاستعمارية على أنها حدث سياسي أو تاريخي، فحسب، بل كمخطط شامل يؤثر في بنية وعي الإنسان المستعمَر وهويته. في هذا السياق، يرى فانون أن التاريخ الإنساني، كما يُفهم من خلال منظور الاستعمار، ليس سلسلة متتابعة من الأحداث، بل فضاء صراعي دائم بين الهيمنة والتمرد، بين الظلم والتحرر، حيث تتشابك البنى السياسية والاجتماعية مع البنية النفسية للإنسان.

من خلال هذا التناول، يقدم فانون مقاربة ترى أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة الاقتصادية أو العسكرية، بل هو مشروع معرفي وثقافي ونفسي يخلق أنماطًا من الاغتراب والاضطراب الذاتي، ويعيد تشكيل وعي الإنسان ليجعله يقبل صورته النمطية في ذهن الآخر المسيطر. وهنا يتجلى الجانب الفلسفي لموقفه؛ إذ يشدد على أن تحرير الإنسان المستعمَر يستلزم تفكيك هذه الصورة المسبقة، ليس فقط على مستوى السلوك الجسدي، بل على مستوى الإدراك والفكر، كخطوة أولى نحو إعادة الاعتراف بالذات الإنسانية واستعادة كرامتها.

من جهة أخرى، يعكس فانون في كتاباته إرثًا معرفيًا متقدمًا؛ إذ يربط بين تحليل الاستعمار والتحليل النفسي للضحايا، ليوضح أن المقاومة والتحرر يتجاوزان حدود السياسة إلى أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية أوسع، بل يشملان إعادة بناء الهوية الفردية والجمعية، واستعادة القدرة على إنتاج المعنى والاختيار الحر.

وتبعًا لذلك، تسلط مقاربته الضوء على دور المثقف والفكر الواعي كأدوات مركزية في هذه العملية، فهو يرى أن الوعي النقدي والتحليل العميق يمكّنان الإنسان من تجاوز القيود الرمزية والاستلاب الفكري، ليكون بمثابة عامل تحرر يفتح الطريق أمام مشروع إنساني جامع قائم على العدالة والمساواة والكرامة.

وبذلك، يشكل موقف فانون نقطة ضوء في دراسة الهوية والمقاومة والتحرر البشري، فهو يقدّم رؤية متكاملة تضع الإنسان في مركز التاريخ، لا ككائن مسلوب أو تابع، بل كفاعل قادر على إعادة صياغة وجوده ووعي الآخر به، في مواجهة إرث طويل من الظلم والقهر. والحال هذه، أن رؤية فانون لا تقتصر على نقد الماضي، بل تمثل مشروعًا مستقبليًا يتجاوز قيود الزمان والمكان، ليضع أسس فهم متجدد للتاريخ البشري، ويفتح آفاقًا واسعة أمام إمكانيات التحرر الفردي والجماعي.

إجمال استنتاجي:

ينطلق فانون من فهم أن الاستعمار لا يقتصر على علاقة قوة مؤقتة أو سيطرة سياسية واقتصادية، بل يشكّل بنية شاملة تغرس آثارها العميقة في النفس، والوعي، والثقافة، واللغة، وفي كل مستويات العلاقة بين الذات والآخر. فالهيمنة الاستعمارية لا تقتصر على الظاهر المادي، بل تمتد لتشمل إنتاج التمثلات، وصياغة المعايير الرمزية والاجتماعية التي تتحكم في تحديد قيمة الإنسان المستعمَر، وتحويله إلى كائن وظيفي أو مادة مطواعة للسيطرة، بما يعكس مشروعًا منهجيًا للسيطرة النفسية والمعرفية إلى جانب السيطرة المادية. من هنا، يمكن النظر إلى الكولونيالية على أنها "آلة إنتاج للاغتراب"، تتجاوز الاستلاب السياسي لتستثمر في تشكيل وعي الذات وهويتها، وفرض صورة نمطية مشوهة للإنسان المستعمَر في ذهن المستعمِر وفي وعيه الذاتي.

ويقوم الفكر الفانوني على ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد النفسي، الذي يكشف عن تشوهات الذات الناجمة عن التجربة الاستعمارية وعن انقسام الإنسان بين ما هو عليه وما فُرض عليه أن يكونه؛ البعد الاجتماعي والسياسي، الذي يوضح كيف يعاد إنتاج الهياكل الطبقية والتمييزية داخل المجتمع المستعمَر، حتى بعد انتهاء الاحتلال المباشر؛ والبعد الرمزي والمعرفي، الذي يكشف دور الخطاب الاستعماري في إعادة تشكيل اللغة، والتاريخ، والذاكرة الثقافية، بحيث تتحول المعرفة إلى أداة للهيمنة، والوعي إلى ساحة صراع دائم بين الاستلاب والتحرر.

ويُعدّ الفعل الكتابي والتحليلي عند فانون جوهريًا في هذا السياق؛ فهو لا يقتصر على تدوين الأحداث أو تسجيل الشهادات التاريخية، بل يمثل ممارسة معرفية نقدية تنبثق من تجربة الجرح الاستعماري. فالكتابة من ندبة الاستعمار، كما يوضح فانون، فعل وجودي معرفي مزدوج، يكشف عن التشوهات والتمثلات المشوهة في وعي الفرد والجماعة، ويحوّل أثر العنف إلى مادة للتفكير النقدي، ومجال لإعادة بناء الذات والهوية. وفي هذا الصدد، تصبح الكتابة أداة تحريرية تمكن الإنسان المستعمَر من استعادة صوته، ومن إعادة صياغة علاقته بالزمن والتاريخ واللغة، بعيدًا عن الإكراه الرمزي والمعياري الذي فرضه الاستعمار.

ويكمن العمق الفلسفي في مقاربة فانون في أنه لا يقتصر على النقد الظاهري للممارسات الاستعمارية، بل يمتد إلى تفكيك أسس المعرفة والهوية التي أنتجها المستعمِر. فخطابه يفضح كيف يُخضع الاستعمار الإنسان للتمثيل المسبق في ذهن الآخر، ويجبره على تقليد صورة نمطية مشوهة، تتسم بالدونية والحقارة، وتفرض إطارًا سلوكيًا يحدّد شروط وجوده. ومن هنا، يرى فانون أن المقاومة الحقيقية تبدأ بتفكيك هذه الصورة المسبقة على مستوى الإدراك والفكر، لتصبح الذات المستعمَرة قادرة على استعادة وعيها بذاتها، وإعادة بناء وجودها وفق شروطها الإنسانية الخاصة. وهكذا يتضح أن التحرر عند فانون لا يقتصر على استعادة الأرض أو السلطة، بل يمتد إلى إعادة بناء الإنسان ككائن فاعل قادر على إنتاج المعنى وإعادة صياغة التاريخ والوعي.

كما أن الفكر الفانوني يربط بين التحرر الشخصي والتحرر الجماعي؛ فالوعي النقدي والتحليل العميق للذات المستعمَرة يمتدان ليشمل المجتمع بأسره، ويحوّل تجربة الألم الجماعي إلى فعل مقاومة منهجي، يُعيد توزيع القوة الرمزية والثقافية، ويتيح للخطاب التحرري أن يصبح أداة لتفكيك البنى الاستعمارية المستمرة في الثقافة واللغة والتاريخ. وفي هذا السياق، يلعب المثقف دورًا محوريًا، فهو ليس مراقبًا أو ناقلًا للخبرة التاريخية فحسب، بل فاعلًا معرفيًا يحوّل التجربة إلى فعل نقدي وتحريري، ويعيد للوعي قدرته على الفعل والإنتاج الحر للمعنى.

إن مقاربة فانون ما بعد الكولونيالية تضع الإنسان في قلب التاريخ، ليس ككائن مسلوب أو تابع، بل كفاعل قادر على استعادة كرامته، وبناء وعيه، والتحرر من قيود المركزية الأوروبية التي أسست فكرة "الإنسان الكامل" على حساب الآخر المستعمَر. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع فانون الفكري لا يكتفي بنقد الماضي، بل يتجاوز ذلك ليضع أسس فهم متجدد للتاريخ الإنساني، ويمد آفاقًا واسعة أمام إمكانيات التحرر الفردي والجماعي، مؤكدًا أن إنسانية الإنسان المستعمَر ليست هبة من الاستقلال السياسي فحسب، بل نتاج صراع مستمر لإعادة بناء الذات وتحريرها من كل أشكال الهيمنة المادية والرمزية والمعرفية.

ويمكن القول إن فانون، من خلال أعماله الأساسية (بشرة سوداء، أقنعة بيضاء ومعذبو الأرض)، أرسى أفقًا معرفيًا وفلسفيًا يتجاوز الأدب أو الممارسة السياسية الضيقة، ليصبح نموذجًا متكاملًا لفهم الكولونيالية كنسق شامل للهيمنة، وللتفكير النقدي كأداة للتحرر، وللخطاب التحرري كوسيلة لإعادة تعريف الإنسانية والهوية خارج إطار الاستلاب التاريخي والثقافي. وهكذا، يقدم فانون رؤية فلسفية متماسكة تقوم على ربط التحليل النفسي والاجتماعي والسياسي مع الممارسة النقدية والمعرفية، لتشكل قاعدة متينة لأي دراسة أكاديمية متعمقة حول الاستعمار، والتحرر، وما بعد الكولونيالية.

***

عبد القادر فيدوح - الجزائر

في المساقات الماضية، انتهينا مع (ذي القُروح) إلى اتفاق قَيصري- كاتفاق (ترمب) مع (إيران)- خلاصة بنوده، أنَّه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل المسكوت عنه على الملأ. بل إنَّ في هذا خطأً في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب خاصَّة. وأنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة ووظيفتها إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه نفسه والإغراء به. قلتُ:

- قرِّب الصُّورة!

- لنأخذ هنا نموذج مواسمنا الرمضانيَّة للضحك والتهريج. ويا للمفارقة، أن يصبح رمضان موسم لهوٍ ولعبٍ وقِلَّة أدبٍ أحيانًا!

- حسنًا أن احترزتَ ب-«أحيانًا»!

- أنت لَمِظٌ لَماظًا عجيبًا، يا صديقي! نعم، لقد صار رمضان موسمًا يُعَدُّ له طوال العام، من أجل بثِّ أعمال هابطة غالبًا، بمقاييس العقل والتربية والفنِّ والقِيَم كافَّة. واستمرأتْ المسلسلاتُ الرمضانيَّة الإثارة، والضَّحك للضَّحك على ذقون المشاهدين، وبأيَّة صورةٍ من الصُّوَر، تكرُّها القنوات على أدمغتهم كلَّ عام. ومن ثَمَّ تأخذ على عاتقها الترويج لقِيَمٍٍ فاسدةٍ لمجرَّد لفت الأنظار، وإثارة الجدل، وفتح الأفواه بشكلٍ أو بآخر، عِوض أن تحاول معالجة قضايا المجتمع بمسؤوليَّة. ولستُ أدري هل القائمون على ذلك قد بلغ بهم تدنِّي الرؤية إلى ذلك الحدِّ، الذي لا يُتيح لهم التنبُّه إلى خطورة ما يفعلون؟ ولاسيما بحقِّ فئاتٍ هي معظم المشاهدين، كالأطفال والمراهقين ومَن لم يُؤتَوا حظًّا كافيًا من الثقافة والحِسِّ النقديِّ للتمييز بين غَثِّ الأمور وسمينها، وبين حقِّها وباطلها، وحقيقتها وخيالها. أم أنَّ المغرِيات باتت تُسوِّغ ذلك كلَّه رغم الأنوف؟ وإلَّا فكيف يُسوَّغ لها تكرار الفكاهات السمجة، عن طريق إبراز قيم ثقافيَّة سيِّئة، كالعنصريَّة ضِدَّ شعوبٍ أخرى، ومنها العَرَبيَّة والإسلاميَّة، تنقُّصًا وسخرية؟ وهل تنقُص مجتمعنا العَرَبي تلك الأمراض العريقة المزمنة؟! أم كيف يُسوَّغ تكرار استثارة الضَّحك بتمثيل سلوكيَّات اجتماعيَّة مُضِرَّة بالأمن الاجتماعي، مثيرة لبعض الشباب، كمهارات «التفحيط/ التقحيص/ التشفيط»؟ وكيف يُسوَّغ البحث عن ضحكة المشاهد بالتهكِّم بكبار السن، وبالوالدَين، أو تشخيص المقالب بين الأصدقاء، وبطرائق مشينة، ربما بدت أقرب إلى الترويج للجريمة؟ حتى لقد بلغ من طرائف أحد مسلسلاتنا المشهورة محليًّا عبر قرابة عقدين من السنوات- وبحسب ذوق القائمين عليه- أن قدَّم مشهدًا في أحد الرمضانات لصديقَين يشوي أحدهما للآخَر كلبًا، ويقدِّمه له على أنه لحمٌ حلال، ثمَّ يُقدِّم أباه الأعمى للصَّلاة أمام حوض سباحة، لينكبَّ عند سجوده على وجهه في الحوض، والمشاهدون في أثناء ذلك يشاهدون ويضحكون في بلاهة! قد يتقزَّزون بادئ الأمر، ثمَّ يصبح الأمر اعتياديًّا لديهم بعد حين، ويدخل في باب المعابثات الممكنة بين الناس. وسيظهر من السُّفهاء من يحاكي ذلك. ألَ-م يأت ذلك في أشهر مسلسلٍ محلِّي، وفي أكرم شهور الله، شهر رمضان المبارك؟ وماذا في ذلك؟!

- معك حق «أحيانًا»! ثَمَّة مشاهد متلفزة تُرمَى في وجه المُشاهد بصفاقة، وبلا هدف، سِوَى انتزاع ضحكةٍ ساذجةٍ من هنا، أو كالحة من هناك، ليُفطر الصائم عمَّا أحلَّ الله على بعض ما حرَّم، وقد أَعَدَّ مائدته له بعض فنَّانينا «العظماء»!

- وما فتئ ذلك النوع من الفنِّ الهزليِّ الهزيل يُلقي بكلِّ القيم الدِّينيَّة والنفسيَّة والعقليَّة والتربويَّة والاجتماعيَّة، وبمشاعر الناس ومبادئهم المرعيَّة، عُرض الحائط ، من أجل كسب مالٍ أو جماهيريَّةٍ غوغائيَّة، عبر أعمال لا إسراف في وصفها بأنها هابطة، شكلًا ومضمونًا، لا غاية لها ولا رسالة، إلَّا غاية الرِّبح ورسالة الاستفزاز.

- أ فهذا فنٌّ أم [ع]فن؟

- حقًّا، إنَّ أصحاب الفنون والآداب كثيرًا ما يخذلون المدافعين عنهم، في عالمنا العَرَبي خاصَّة، حين يُصِرُّون على إثبات أنهم بالفعل بلا مسؤوليَّة، وبلا حسٍّ إنسانيٍّ أو اجتماعيٍّ. إذ يتعرَّون على الملأ بضحالة ما يحملون من وعيٍ، وما يتمخَّضون عنه باسم الفن والأدب من سفاهة؛ كي يرَى كلُّ ذي عينَين، إنْ كانت وراءهما مسكة من عقل، أنَّ الأمر يختلف لدينا عن ذلك الصراع حول بعض الفنون في المجتمعات المتحضِّرة لأسباب فكريَّة جادَّة، فيشهد أنَّ ما لدينا لا يعدو في الغالب أمر فئتين: فئة متزمِّتة، تحرِّم كلَّ شيء، وأخرى تقابلها من صبيةٍ ومهرِّجين، يعيشون على تصفيق أمثالهم.

- وعليه، فإنَّ أجواءنا التي تعجُّ بالدعاوَى ينبغي أن تُمحَّص، وأن تقال كلمة الحقِّ فيها، ولو كَرِه الكارهون، بعيدًا عن المجاملات والخيانات لمسؤولية الكلمة.

- ومن تلكم الدعاوَى، التي يتعلَّق بها مَن يستخدم شعارات حقٍّ للدفاع عن باطل: شِعار «كشف المسكوت عنه». إذ لا ريب أن «كشف المسكوت عنه» بالطرق المسؤولة الصحيحة فيه تهذيب وإصلاح، والنقد الاجتماعي: تهذيبٌ وإصلاح، وتوعية الناس عن طريق الفنون- ومرَّة أخرى بوسائط فنيَّة لا وَعْظِيَّة- تهذيبٌ وإصلاح كذلك. والثقافات كلُّها، والفنون والحضارات، إنَّما هدفها تهذيب الناس وإصلاح حياتهم، وتعزيز الحقِّ والخير والجمال في النفوس. والخلط في هذه المبادئ والمفاهيم لا يتأتَّى إلَّا عن جهلٍ وضيق عَطَن، أو عن مرضٍ نفسيٍّ، يدفع صاحبه إلى مراوغاتٍ متعمَّدة، ليُقنع نفسه قبل غيره أنَّه على جادَّة الحق، فيذهب إلى تبرير الانحرافات الأخلاقيَّة التي تُعُجُّ بها الأعمال الأدبيَّة- ولاسيما الروائيَّة- على أنَّها إبداع، وفن، وثقافة، وحُرِّيَّة، وكشف مسكوت عنه... إلى آخر هذا الهذر التسويقي.

- قرأتُ مرَّةً اعتراضًا عليك من أحد «المبدعين الأمناء!»، جاء فيه: كيف تقول عن المبدعين إنهم مرضى نفسيون، ومنحرفون أخلاقيًّا، ومجرمون أدبيًّا! وترى أن ما يكتبه المبدع من خلال فضحه المسكوت عنه، ما هو إلَّا عدوان على المجتمع، يجب أن يُحاسَب مقترفه ويُعاقَب قانونيًّا، كأيِّ مرتكب جُنحةٍ تقع تحت طائلة القانون؟ اتقِّ الله!

- أوَّلًا، هذا تحريفٌ للكَلِم من بعد مواضعه. وتلحظ التحريف هنا لا من خلال حذف الجزئية القائلة «إن الكُتَّاب بشر، ومنهم أنفسهم مرضَى...» فحسب، ولكن أيضًا بإضافة: «ويرَى أن ما يكتبه المبدع من خلال فضحه المسكوت عنه، ما هو إلَّا عدوان...»، فيما أصل القول هو: «أيُّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنيَّة لا بطريقة وَعْظِيَّة مباشرة- هو عدوان...». وهذا المثال- على انكشاف أحابيله الساذجة- يلفتك إلى عِيٍّ في «القراءة»، يعاني منه بعض من يدَّعون الأدب، إلى جانب عجزهم عن استيعاب المفاهيم. وهما معوِّقان يجعلان من المتعذِّر الحِوار مع ذهنيَّات كتلك، لا تفهم ما يُقال، أو ربما لا تريد أن تفهم. هذا إنْ أُحسِن الظَّنُّ بأصحابها عن أن تكون جدليَّاتهم محض مغالطات، وانتقائيَّات، تسوِّق ما تريد لما تريد، على طريقة «ولا تقربوا الصلاة»! وهنا تنتقل الأزمة بنا، كما يتَّضح من هذا المثل، من ساحة الأدب- من حيث هو أدب- إلى ساحتَين جذريَّتين في البناء الثقافي العامِّ في عالمنا العربي: ساحة اللُّغة، ومَلكات التواصل، فهمًا وإفهامًا، وساحة الأمانة العِلميَّة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، كما قيلت، لا كما نودُّ لو قيلت. مع النزاهة في مقاربة قولهم، بعيدًا عن «الشخصنة»، وإنْ اختلفنا معهم كلَّ الاختلاف! أمَّا من حيث علاقة الأدب والأدباء بعِلم النفس والاجتماع، فهو ما لا يُنكِره عاقل. بل إنَّ نظرية (سيجموند فرويد) في التحليل النفسي قد أقيمت على تحليل حالات الأدب والأدباء. وكان يقول: إنَّ الأديب (عصابيٌّ) يعالج نفسَه بأدبه، فلا يُصيبه ما يصيب غيره، ممَّن لا ينفِّسون عن عُقَدهم، أو حالاتهم، بوسائل تشفيهم ممَّا في نفوسهم. وهكذا كان الأدب مادَّةً أساسًا في عِلم النفس، وعِلم الاجتماع، والدراسات حول الأخلاق والقِيَم. وليس ذلك من فراغ!

 مرفأ

ولَوْ أَنَّ الحِجابَ شَذَاهُ زَالا

لَما ازْدَدْنا بِطَلْعَتِهَا هِلالا

*

مُدَجَّجَةً صَبَاحًا مِنْ عَبِيْرٍ

يُبَدِّدُ في المَدَى لَيْلًا تَتَالَى

*

تُجَدِّدُ في الضُّلُوْعِ هُيَامَ صَبٍّ

قَدِيْمٍ في الهَوَى أَضْحَى مِثَالا

*

وتَحْتَ لِسَانِها لَيْلَى ولُبْنَى

بِغَيْمِ شَبَابِها ارْتَشَفَتْكَ آلا

*

ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مِنْ سَلْسَبِيْلٍ

يَذُقْ شَهْدًا بِه الدَّاءَ العُضَالا

*

ويُوْرِقُ غُصْنُهُ شَمْسًا وظِلًّا

ويُوْرِثُ في الوَرَى قِيْلًا وقَالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

سؤال المدرسة في زمن التحول التربوي

إنَّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرَح اليوم، في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، ليس فقط: هل يتعلَّم أبناؤنا داخل المدرسة؟، بل: أيُّ نوع من التعلُّم يتلقَّونه؟ وأيُّ إنسان تُسهم المدرسة في تشكيله؟

ذلك أنَّ الحديث عن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن اختزالُه في تعديل البرامج والمناهج أو الرفع من نسب النجاح، بل يجب أن ينطلق من مساءلة الفلسفة التي تؤطِّر المدرسة ووظيفتها داخل المجتمع.

لقد جاءت خارطة الطريق 2022-2026، وكذا مقتضيات القانون الإطار 51.17، بمجموعة من المرتكزات التي تُؤكِّد على ضرورة الانتقال من مدرسة التلقين إلى مدرسة التمكين، ومن منطق الحفظ والاستظهار إلى منطق بناء الكفايات والشخصية والاستقلالية الفكرية. ويتجلّى ذلك بوضوح في المادة 22 المتعلقة بالمواكبة النفسية والاجتماعية للمتعلمين، وفي الرافعة الخامسة المرتبطة بالتعلم الذاتي وبناء المشروع الشخصي والاندماج، إضافة إلى المشروع العاشر الهادف إلى حفز التفتح واليقظة لدى المتعلمين، والمشروع الرابع عشر المتعلق بإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتمكين المتعلمين من استعمالها بشكل عقلاني وفعّال.

غير أنَّ الواقع التربوي داخل عدد كبير من المؤسسات التعليمية ما يزال بعيدًا عن هذه الرهانات. فما يزال التعليم، في كثير من الأحيان، محكوما بمنطق التبليغ الأحادي للمعرفة، حيث يتحول المدرس إلى ناقل للمضامين الدراسية، ويتحول المتعلم إلى متلقٍّ سلبيٍّ لا يُطلَب منه سوى الحفظ وإعادة الإنتاج أثناء الامتحانات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة المدرسة هي ملء أذهان المتعلمين بالمعلومات، أم بناء إنسان قادر على التفكير، والتحليل، والنقد، والاختيار؟

إنَّ الأزمة الحقيقية التي تعيشها المدرسة ليست أزمة مقررات أو ساعات دراسية فحسب، بل هي أزمة رؤية وفلسفة. فالمعرفة التي تُنقَل داخل المدرسة غالبًا ما تُقدَّم للمتعلمين باعتبارها حقائق ثابتة ونهائية، في حين أن المعرفة الإنسانية، في جوهرها، نسبية ومتطورة وقابلة للنقاش والتجاوز. فالمعارف العلمية لا تسقط من السماء، بل يُنتجها الإنسان داخل سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية محددة، وتتأثر بشروط الزمان والمكان وبالخلفيات الفكرية للباحثين أنفسهم.

ومن هنا، فإنَّ أخطر ما يمكن أن تقع فيه المدرسة هو تجريد المعرفة من سياقها الفكري والتاريخي، وتحويلها إلى معطيات جامدة يُطلب من المتعلم استظهارها دون مساءلة أو تفكير. لأنَّ هذا النمط من التعليم لا يُنتج عقولا مفكرة، بل يُنتج ذهنيات استهلاكية عاجزة عن النقد والإبداع والمبادرة.

لقد أثبتت نظريات التربية الحديثة، من البنائية عند “بياجي” إلى السوسيوبنائية عند “فيغوتسكي”، أنَّ التعلُّم الحقيقي لا يتحقق عبر التلقين، بل عبر بناء المتعلم للمعرفة بنفسه، من خلال التفاعل، والتجريب، وحل المشكلات، وربط التعلمات بالواقع. كما أنَّ التربية المعاصرة لم تعد تعتبر المتعلم وعاءً فارغًا، بل ذاتًا فاعلة تمتلك تمثلات وتجارب وقدرات ينبغي استثمارها داخل العملية التعليمية التعلمية.

ولذلك، فإنَّ المدرس لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح مطالبًا بأن يكون موجِّهًا ومؤطِّرًا ومُيسِّرًا للتعلُّم، ومساهمًا في بناء شخصية المتعلم نفسيًا وفكريًا واجتماعيًا. وهذا الدور لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان المدرس نفسه ممتلكًا لوعي تربوي وفلسفي يجعله قادرًا على مساءلة المعرفة التي يُدرّسها، وفهم طبيعتها وحدودها وخلفياتها الفكرية.

إنَّ المدرسة التي تُعلِّم المتعلم كيف يحفظ فقط، تُخرِّج أفرادًا قابلين للتوجيه والانقياد، أما المدرسة التي تُعلِّمه كيف يفكر، فإنها تُخرِّج مواطنين أحرارًا قادرين على الإبداع والمشاركة في بناء المجتمع. ولذلك، فإنَّ تنمية الفكر النقدي لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة حضارية في عصر الانفجار المعرفي والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ولعلَّ من المفارقات الكبرى أنَّ المدرسة ما تزال تُركِّز على كمٍّ هائل من المضامين المعرفية، في وقت أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر. فلم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى المعرفة، بل القدرة على تحليلها، وتمحيصها، واستثمارها، والتمييز بين الصحيح والزائف منها. وهذا ما يفسر التحول العالمي نحو تعليم الكفايات، والمهارات الحياتية، والتعلم الذاتي، والتربية على التفكير النقدي والإبداعي

إنَّ الاقتصار على التبليغ الجاف للمعرفة يجعل المدرسة مؤسسة منفصلة عن المجتمع، وعن التحولات التي يعرفها العالم. كما يجعل المتعلم يشعر بأن ما يتلقاه داخل القسم مجرد مضامين مفروضة عليه لا علاقة لها بحياته اليومية ولا بمشاريعه المستقبلية. وهنا تتراجع الدافعية نحو التعلم، ويتحول التعليم إلى عبء نفسي بدل أن يكون أداة للتحرر والارتقاء الاجتماعي.

ومن جهة أخرى، فإنَّ بناء شخصية المتعلم لا يتحقق عبر الدروس فقط، بل عبر طبيعة العلاقات البيداغوجية والتربوية التي يعيشها داخل المؤسسة التعليمية. فالمتعلم الذي يُسمح له بالتعبير، والنقاش، وطرح الأسئلة، والخطأ، والتجريب، ينمو لديه الإحساس بالثقة والاستقلالية والقدرة على المبادرة. أما المتعلم الذي يُختزل دوره في الصمت والحفظ والطاعة، فإنه يفقد تدريجيًا فضوله الفكري ورغبته في الاكتشاف.

إنَّ المدرسة الحديثة مطالبة اليوم بأن تُعيد الاعتبار للإنسان داخل العملية التعليمية، وأن تجعل من المعرفة وسيلة لبناء الذات لا غايةً في حد ذاتها. فالمعارف قد تُنسى، وقد تصبح متجاوزة مع مرور الزمن، لكن ما يبقى راسخًا هو طريقة التفكير، والقدرة على التحليل، والكفايات الحياتية، والقيم التي يكتسبها المتعلم خلال مساره الدراسي.

ولهذا، فإنَّ إصلاح المدرسة لا ينبغي أن ينحصر في تغيير المناهج أو الكتب المدرسية فقط، بل يجب أن يشمل إعادة النظر في فلسفة التكوين الأساس والمستمر للمدرسين، حتى يصبح المدرس مثقفًا تربويًا واعيًا برسالته، لا مجرد منفذ تقني للمقررات الدراسية. لأنَّ المدرس الذي لا يمتلك رؤية تربوية واضحة، غالبًا ما يسقط في رتابة الممارسة اليومية، ويُحوِّل القسم إلى فضاء للحفظ والاستظهار بدل أن يكون فضاءً للحوار والتفكير وبناء المعنى.

إنَّ المجتمعات التي حققت تقدُّمًا حقيقيًا لم تصل إليه بكثرة الشهادات ولا بحشو الأدمغة بالمعلومات، بل ببناء إنسان يمتلك العقل النقدي، والقدرة على الإبداع، وروح المبادرة، والوعي بقضايا مجتمعه. ولذلك، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يوجِّه كل إصلاح تربوي هو: أيُّ مواطن نريد أن تُنتجه المدرسة؟

هل نريد متعلمًا يُجيد استرجاع الدروس أثناء الامتحان فقط؟ أم نريد إنسانًا قادرًا على التفكير الحر، والتعلُّم الذاتي، والمساهمة في التنمية العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لوطنه؟

إنَّ المدرسة التي لا تُعلِّم أبناءها كيف يفكرون، ستجد نفسها عاجزة عن إعدادهم لمواجهة عالم شديد التعقيد والتغير. أما المدرسة التي تجعل من المتعلم محورًا حقيقيًا للعملية التعليمية، وتربط المعرفة بالحياة، وتُنمِّي الفكر النقدي والوعي والابتكار، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل وبناء مجتمع المعرفة.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية

 

تأخذ أسطورة "أنشودة النيبلونغ" (The Nibelungenlied) مكانها وأهميتها بين أكثر الأساطير الجرمانية في أوروبا شهرة واهتماما، وقد أبدع ريتشارد فاغنر (Richard Wagner) في إعادة بنائها فنيًا وتوظيفها جماليا وفكريا في عمله الفريد "خاتم النيبلونغ" (Der Ring des Nibelungen). ويرى معظم النقاد أن هذه الأسطورة ليست مجرد حكاية خيالية، بل تحتضن عالما رمزيا مفعما بالدلالات والمعاني التي تدور حول السلطة والقوة والطمع واللعنة والمصير وسقوط الحضارات. وترجع جذور الأسطورة إلى التراث الجرماني والإسكندنافي القديم، وقد تداخلت فيها الأساطير النوردية عن الآلهة مثل أودين (Odin) ولوكي (Loki)، وقصص الأبطال الجرمان، والحكايات الشعبية عن الذهب والخواتم السحرية والتنانين. وترمز كلمة "نيبلونغ" (Nibelung) إلى أصحاب الكنز الملعون. وأصبحت الكلمة لاحقًا مرتبطة بالخاتم السحري واللعنة التي ترافقه (1) .

تبدأ الأسطورة بوجود كنز سحري من الذهب موجود في نهر الراين (Rhine). يقوم أحد أبطال الأسطورة القزم ألبريش (Alberich) بسرقة الذهب ومن ثم يصنع منه خاتما يمنح صاحبه قوة هائلة للسيطرة على العالم، لكن الحصول على هذه القوة يتطلب التخلي عن العاطفة والحب والمشاعر الإنسانية. ومن هنا تبدأ اللعنة: إذ كان على كل من يمتلك الخاتم أن يصبح أسيرًا للطمع والرغبة في الهيمنة،وفي ظل هذا الطمع البشري يسعى الأبطال إلى امتلاك الخاتم فتنشب الحروب وتنمو الخيانة وترتكب المجازر البشرية ويرتفع منسوب القتل، وتسقط الآلهة والأبطال تباعًا، وينتهي العالم القديم إلى الدمار (2).

وقد جُمعت هذه العناصر القصصية في الملحمة الألمانية الوسيطة "أنشودة النيبلونغ" (The Nibelungenlied)، ثم أعاد فاغنر (Wagner) تحويلها إلى ملحمة أوبرالية فلسفية ساحرة. و تنطوي هذه الملحمة على منظومة رمزية متكاملة في حبكة محكمة إذ يرمز الخاتم إلى السلطة المطلقة والقوة والسيطرة والتملك المطلق. لكن هذه السلطة تحمل لعنة داخلية؛ فكل من يسعى للهيمنة يفقد إنسانيته تدريجيًا. ولهذا قرأ كثير من الفلاسفة هذا العمل بوصفه نقدًا للطمع السياسي والاقتصادي. وفي هذه الملحمة الشعرية يرمز الذهب إلى إغواء المادة والثروة والطمع، فذهب الراين ليس مجرد معدن، بل رمز للثروة والجشع والرغبة في تحويل العالم إلى ملكية قابلة للسيطرة.

وهنا تظهر فكرة قريبة من نقد الحداثة والرأسمالية عند مفكري النظرية النقدية. إذ تتضمن الأسطورة فكرة التخلي عن الحب من أجل صنع الخاتم والحصول عليه، وهذا يعني رمزيًا أن الهيمنة المطلقة تتطلب التضحية بالعاطفة والإنسانية. لذلك ترتبط الأسطورة بفكرة اغتراب الإنسان عن ذاته. وفي النهاية نهاية الأسطورة ينهار عالم الآلهة نفسه ويؤدي هذا السقوط إلى نهاية النظام القديم، وانهيار السلطة المتعالية، وعجز القوة عن تحقيق الخلاص. وقد رأى بعض الباحثين أن فاغنر (Wagner) كان يصوّر أزمة الحضارة الأوروبية الحديثة.(3) وصف فاغنر خاتم النيبلونغ (The Ring Of The Nibelungen) بأنه " صورة كاملة لتاريخ البشرية من بدايات المجتمع إلى الانهيار الضروري للدولة"(4).

وعندما يُسرق خاتم النيبلونغ، الذي يمنح من يمتلكه سلطة على العالم وإمكانية الوصول إلى كنز النيبلونغ، يسيطر فوطان سيد الآلهة على الخاتم فينتشر الشر والبلاء الذي لا يمكن أن يتوقف إلا بعد قبل سقوط الآلهة وإعادة الخاتم إلى الطبيعة. يسعى الإله فوطان بكل الوسائل الممكنة لتوسيع سلطته، ومن خلال إخضاع الآخرين لإرادته عبر التفكير الحسابي وعقد التحالفات والمعاهدات، لفرض نظام دائم على العالم. لكن مشروعه محكوم عليه بالفشل وغارق في الخطيئة التي لا يستطيع التكفير عنها، وينتهي به الأمر إلى الاستسلام لمصيره(5). وترمز الأسطورة في هذا السياق إلى فكرة مركزية قوامها : أن السعي إلى السيطرة المطلقة يتطلب التخلي عن القيم الإنسانية، وهذا بدوره يقود حتمًا إلى الفساد والانهيار والسقوط الإنساني والحضاري ، وغني عن البيان أن هذه الأسطورة قد وضعت لنقد للسلطة وللطمع والجشع والعقل الأداتي الذي يضع القوة فوق الإنسان.

أما عن كيف عاد الخاتم إلى الأرض، ففي نهاية ملحمة “خاتم النيبلونغ "يعود الخاتم إلى الأرض عبر حدث درامي رمزي قوي؛ كيف حدث ذلك؟ البطلة برونهيلده (Brünnhilde) تدرك أن الخاتم جلب الدمار بسبب لعنة السلطة والطمع والجشع ، فتقرر إنهاء هذه اللعنة، فتأخذ الخاتم وتلقي بنفسها في النار (محرقة جنازة زيغفريد)، وتمتد النيران لتدمّر عالم الآلهة (فالهاﻻ)، وبعد ذلك يفيض نهر الراين (Rhine) وتعود حوريات الراين لاستعادة الخاتم فيُعاد إلى موضعه الطبيعي في الماء؛ وهنا نجد أن المعنى الرمزي لعودة الخاتم إلى الأرض والماء يدل على نهاية هيمنة القوة الفاسدة واستعادة الطبيعة لما سُلب منها وسقوط عالم قائم على الطمع والسلطة؛ وباختصار عاد الخاتم إلى الأرض عندما ضحّت برونهيلده بنفسها وأعادته إلى نهر الراين، في إشارة إلى نهاية اللعنة واستعادة التوازن الطبيعي.

وعلى هذه الصورة الأسطورية لـــ “خاتم النيبلونغ " يعتمد كل من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما "جدلية التنوير" هذا التصور لتفسير نشأة العقل الأداتي وسطوته. وعلى هذا الساس يطوران البداية أطروحتها القائلة : إن الأشكال الصارمة للوعي " الأسطوري" تفسر لنا أن التغلب على الطبيعية يعقبا التغلب على الإنسان وتدمير الجانب الإنساني في الحضارة . فالعقل الأداتي الذي يتمثل في خاتم النيبلونغ يمثل يتحول في النهاية إلى قوة استلابية يمارسها الإنسان على نفسه وعلى الآخرين في محاولة السيطرة على العالم واستغلال الطبيعة. إن ظهور العلم والتفكير التنويري يكتسح الأساطير القديمة مدعيًا استبدالها بمعرفة حقيقية بالعالم وآلياته. لكن العلم والتنوير هما ورثة قوة الهيمنة، أي الأسطورة اللاحقة. إن قوة الطبيعة التي كان " البدائيون" يخشونها تتجلى في الخلايا الداخلية للتنوير، في القوى الأسطورية للعلم التي من خلالها يهبط الرجال والنساء بحياتهم إلى مستوى الأشياء.

وكلما ازداد هذا التحكم بالطبيعة اكتمالًا، ازداد شمول نظام الهيمنة الاجتماعية الذي يتحقق من خلاله هذا التحكم. فالعلم والتكنولوجيا جزء لا يتجزأ من البنى الإدارية التقنية-العقلانية للمجتمعات الرأسمالية الحديثة. علاوة على ذلك، فإن القوة التلاعبية للمجتمع الحديث تدخل في تشكيل الذاتية الحديثة. ومن خلال العمل المتواصل لصناعات الثقافة، تُسلَّع الثقافة الشعبية وتُحوَّل إلى ثقافة صنمية فيتشية ضد الإنسان والإنسانية . وتتجلى فيما أطلق عليه أدورنو " المدّ القذر لصناعة الترفيه" التي تشكل نظاما مدمرا لصياغة التأثيرات على جسد الفرد وروحه من أجل تفكيك عناصر وجوده الإنساني وتحويله إلى كائن مستلب يزداد تفككًا ونرجسية وأنانية. إن عمل صناعات الثقافة، هو النقيض التام لمفهومهم للفن الحقيقي. فهو يقف إلى جانب التلاعب الشمولي بقدر ما يقف الفن – في أفضل أشكاله الحداثية – إلى جانب المقاومة والحرية.

إن الأسطورة والوعي الأسطوري هما الوسيلة ذاتها التي يروي بها فاغنر هذه القصة عن الانفصال الأصلي عن الطبيعة، نسخة من السقوط الأولي من النعمة التي كان الإنسان فيها على توافق مطلق مع الطبيعية . ومثل أدورنو وهوركهايمر، وقف فاغنر ضد القوة القمعية والصلبة لهيمنة البرجوازية على العالم. وقد عرّف الحرية بالعفوية والتحرر من كل الروابط المقيِّدة لتلك الشبكة الواسعة من المعاهدات والعقود الاجتماعية التي قيّدت الفرد في العالم البرجوازي(6).

وقد شدّد فاغنر هنا على أهمية الانفتاح على التغيير والتجدد وعلى تعددية الحياة؛ وركز على) الطابع الإنساني للحياة الاجتماعية ووجد أن طبيعة الإنسان الحقيقية طبيعة اجتماعية وليست أنانية، كما أكد فاغنر؛ والعمل المشترك والتعاطف المتبادل هو الحالة الطبيعية للبشر؛

إن الغاية التي يسعى إليها فاغنر هي ضرورة الاعتراف بالتغير والتعددية والتجدد الدائم للواقع والحياة. وهكذا وعلى هذا النحو فإن فاغنر يرى أن الانحدار الأخلاقي للمجتمع يتجسد في مبدأ الإخضاع إذ يتم إدماج الأفراد داخل كلية مجردة تفقدهم حرية التغير والتطور بحرية في علاقاتهم مع الآخرين. إن التهديد الذي يشكله تطور الدولة الحديثة لحرية الذات الحديثة يهيمن على تفكير فاغنر في بناء الخاتم، كما هيمن على تفكير أدورنو وهوركهايمر في جدلية التنوير. ففي كتابه " عمل الفن في المستقبل"، يربط فاغنر أيضًا بوضوح بين الدولة الحديثة " المفرطة الإدارة" وتطور العلم والتفكير التنويري. علاوة على ذلك، يوجد هناك صدى لافت بين عرضه لتطور القطيعة مع الطبيعة والتطور اللاحق للوعي الأسطوري والديني: فالإنسان عندما واجه الطبيعة طوّر ملكة التفكير منذ تلك اللحظة بدأ الخطأ، بوصفه أول تعبير عن الوعي. لكن الخطأ هو أم المعرفة؛ وتاريخ ولادة المعرفة من الخطأ نشأ تاريخ الجنس البشري من صلب أساطير العصور البدائية إلى يومنا هذا(7).

***

د. علي أسعد وطفة - كلية التربية

..........................

هوامش المقالة:

(1)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.33.

(2)- Anonymous, The Nibelungenlied, translated by A. T. Hatto, (Harmondsworth: Penguin Books, 1965).

(3)- Richard Wagner, Der Ring des Nibelungen, (Leipzig: B. Schott’s Söhne, 1876).

(4)- Richard Wagner, Opera and Drama, (Lincoln, Nebraska: University of Nebraska Press, 1995).

(5)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.34.

(6)- Robert W. Witkin, ibid . P.34.

(7)- Richard Wagner, Religion and Art, translated by William Ashton Ellis, (Lincoln and London: University of Nebraska Press, 1993), p. 70.

مما لا شك فيه أن صدور كتاب الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) " الخلافة أو الإمامة العظمى" عام 1922 كان بمثابة الميلاد الرسمي للخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، وكان كذلك الإيديولوجيا التي بررت ظهور ونشأة جماعات الإسلام السياسي. والحقيقة أنه في عام 1922صدرفي اسطنبول قرار الفصل بين السلطنة والخلافة، كما شهد نفس العام نهاية الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين.  وشاءت الظروف أن يكون أول من دشَّن القول في الخلافة بعد قرار الفصل هو الشيخ محمد رشيد رضا وذلك في سلسلة مقالات بدأها في عام 1922، وجمعها في كتابه المذكور أعلاه.   ومن مفارقات التاريخ، أن الشيخ محمد رشيد رضا لم يكن يدري أن كتابه عن الخلافة سيكون هو الخط الفاصل بين خطابين كل منهما يسير في الاتجاه المعاكس للخطاب الأخر، خطاب الإصلاحية العربية يسير في اتجاه المستقبل وخطاب الإسلام السياسي يسير في اتجاه الماضي.  وتجدر الإشارة إلى أن خطاب الإسلام السياسي يختلف عن خطاب الإصلاحية العربية في عدة نقاط، أهمها في المنهج وفي الرؤية وفي المفاهيم وفي الإشكالية، إختلافًا يكاد يكون جذريًا. ولشرح الفكرة أكثر نقول أن خطاب الإصلاحية، خطاب نهضوي يسعى للنهوض، خطاب متصالح مع الدولة الحديثة ومع العصر الحديث، خطاب لم يجد غضاضة من الغرف من معين الفكر السياسي الليبرالي الدافق ومن الإستفادة من قاموس الفلسفة السياسية الحديثة وما أبدعه فلاسفة الأنوار ما رفعته الثورة الفرنسية من مبادئ ديمقرطاية وقيم الحرية والمساواة، وما قدمه مفكرو العقد الإجتماعي من مفاهيم وحلول لمشكلات الحكم والتسلط والإستبداد والقمع السياسي والقهر الإجتماعي مثل الدستور والعقد الاجتماعي والمواطنة والبرلمان وحقوق الإنسان، كما أنه خطاب منفتح على الفكر الإنساني ومُقبل على الحضارة المعاصرة.  وما يلاحظ على خطاب الإصلاحية كذلك، أنه لم يستخدم مقولات ومفاهيم الفكر الإسلامي الوسيط، فكر الآداب السلطانية والسياسة الشرعية، أما خطاب ا لإحيائية الإسلامية فقد أعاد خطوط الاتصال، ولو بطريقة غير مباشرة مع مفاهيم ومقولات الفقه السياسي السني الوسيط والسياسة الشرعية، أي مع فكر أبي الحسن الماوردي والطرطوشي وابن تيمية والقرافي. الذي تتردد فيه مفاهيم ومقولات الفكر السياسي الإسلامي الوسيط، مثل الشورى، البيعة، وأهل الحل والعقد والإجماع.  وزيادة في التوضيح نقول أن خطاب الإسلام السياسي المعاصر رفض رفضًا قاطعا مفاهيم الحداثة السياسية بل وناصب مقولات ومبادي الفلسفة السياسية الأنوارية العداء، وفي نفس الوقت إستعاد بقوة مفاهيم الفقه السياسي السُّني، بل وتبنى مسلمة أساسية من مسلمات الفقه السياسي الشيعي وهي أن الخلافة أو الإمامة كما تسمى في الاسلام الشيعي، ركن من أركان الدين، بمعنى أنها مسألة عقدية وليس مسألة فقهية. وهكذا نستنتج، أن توقيت بدايات خطاب الإسلام السياسي المعاصر هي نفسها نهايات خطاب الإصلاحية العربية.  والمفارقة كذلك، أن من أعطى إشارة انطلاق خطاب الإسلام السياسي، كانت مع هو الشيخ محمد رشيد رضا، أحد رموز الإصلاحية العربية وكان في نفس الوقت تلميذ الشيخ المستنير محمد عبده وذلك في مقالاته التي نشرها في مجلة المنار، في أولى سنوات عشرينيات القرن الماضي.  وبذلك يكون الشيخ الإصلاحي بكتابه عن الخلافة قد عاد القهقرى إلى الوراء، عندما قطع مع الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب النهضة العربية، خطاب العقلانية والتنوير الذي قدمه رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وبطرس البستاني وفرح أنطون وسلامة موسى، خطاب صدمة الحداثة، الخطاب ورغم الصدمة اكتشف نموذج حديث للدولة، وأُعجب بهذا النموذج الحداثي للدولة وبهذه الدولة القوية، دولة المؤسسات وإنبهر بالجيش النظامي، الجيش المنضبط والمسلح، واستحسن الخطاب النهضوي كذلك تطور المجتمع من حيث الحقوق والحريات، وكذلك سيادة القانون والدستور.  والحقيقة أن مفكري عصر النهضة العربية، كانوا يحلمون بالنهضة ويسعون للرقي ويبحثون عن أسس التقدم، وليس غريبا أن يكون أن تكون الكلمات /المفاهيم السائدة في نصوصهم هي النهضة والتمدن والترقي والتقدم، لأن التناقض الرئيس عند المسلمين والعرب كان وما يزال هو ثنائية التخلف والتقدم.  والجدير بالذكر كذلك أن الفكر النهضوي ما كانت تشغله إطلاقا مسألة الخلافة ولا كان يفكر في إقامة الدولة الإسلامية ولا كان مهموما في تطبيق الشريعة الإسلامية، بل كانت تحركه هواجس أخرى، من بينها كيفية غرس نموذج الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة العربية، وكانت تؤرقه كيفية توطين مفاهيم الفلسفة السياسية الليبرالية، وبالأخص فلسفة القرن الثامن عشر الأنوارية، وبالتحديد الديمقراطية وحقوق الإنسان.  والمفارقة العجيبة، أن خطاب رشيد رضا الشاب، يَنتمي فكريًا وإيديولوجيا للإصلاحية العربية، وبقي يسير في نفس الإتجاه الإصلاحي حتى عام 1920 عندما غير الوجهة الإيديولوجية وتحول إلى الإتجاه السلفي/الوهابي، وانقلب رأسًا على عقب، ليس فقط على فكر أستاذه الشيخ محمد عبده الإصلاحي، صاحب المنهج التربوي والفقه المقاصدي، بل انقلب على خطاب الإصلاحية العربية برمته.  وبهذا الانقلاب يكون قد أعطى إشارة الانطلاق لما يسمى في أدبيات تاريخ الأفكار بالفكر السياسي الإسلامي المعاصر، الذي يشكل إيديولوجية الحركات الإسلامية، التي يسميها البعض بالإسلام السياسي، أو كما يطلق عليها الأستاذ عبد الإله بلقزيز عبارة الإسلام الحزبي، أو بالإحيائية الإسلامية كما يحلو للأستاذ رضوان السيّد أن يسميها.

الوَهّم.. والخطاب

و ما يلاحظ على الفكر السياسي الإسلامي، أنه فكر منغلق على الحداثة ومعادِ للحضارة المعاصرة ورافض للثقافة والأداب والفنون، كما تميز بأنه ليس فقط لم يقم بمراجعة طروحاته الفكرية ولم يجدد في الفقه السياسي ولم يجتهد في التشريع ولم يتفاعل إيجابيا مع النزعة العقلانية التجديدية/ النقدية الجديدة التي كانت تخطو خطواتها الأولى في الفكر العربي الحديث والمعاصر، بل إنه حارب بلا هوادة كل من تسول له نفسه من مفكري تيار التحديث والتنوير والتجديد، في الفكر العربي المعاصر. كما سعى مفكرو الإسلام السياسي إلى وأد هذا التيار الفكري الوليد في المهد، أقصد الخطاب الليبرالي العربي المتواصل مع خطاب الإصلاحية، الخطاب الذي انتقد التراث العربي/الإسلامي مع طه حسين في كتابه في" الشعر الجاهلي" وإنتقد نظام الخلافة مع علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" وانتقد الوضع الاجتماعي مع الطاهر الحداد في كتابه " إمرأتنا بين الشريعة والمجتمع " وانتقد الاوضع الحقوقي البائس للمرأة مع قاسم أمين في كتابيه ” تحرير المرأة ” و“ المرأة الجديدة”.  والحقيقة التي لا مراء فيها، أنه منذ بداية عشرينيات القرن الماضي تصاعدت حدة النقاش في قضايا الدولة والدين والخلافة والسياسة والعروبة والإسلام والتاريخ، وكانت بداية الاستقطاب في الفكر العربي – الإسلامي المعاصر بين تيارين إيديولوجيين، التيار العلماني/ الليبرالي والتيار الإسلامي/الديني.  ولن نأت بجديد، إذا قلنا أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد الشيخ الداعية حسن البنا (1906-1949) عام 1928 بمدينة الإسماعيلية بمصر، كانت من أهم تداعيات السقوط المدوي للخلافة العثمانية السنية، بالتزامن مع نشوء نظام سياسي جديد لم يعهده العرب ولا خطر ببال المسلمين، هو نظام الدولة الوطنية الناشئة، ليس فقط في مصر والعراق وسوريا، بل في بلاد الترك في حد ذاتها، عندما أعلن مصطفى كمال عن قيام الجمهورية التركية عام 1924.  والشيء المؤكد أن إعلان قيام الجمهورية التركية بحدودها الحالية، كان بمثابة نهاية نظام الدولة السلطانية، القائمة على شرعية "سياسة الدنيا وحراسة الدين"، كما تزامن هذا الإعلان مع نشوء الدولة الوطنية. القائمة على قاعدة الموطن /الأرض وعلى مبدأ المواطنة، أي الفرد /المواطن الذي ينتمي للدولة القطرية، المواطن الذي ولاءه للدولة أولا وليس للدين أو الطائفة أو العشيرة.  ومن المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين ظهرت في مناخ سياسي مشحّون بالتدافع السياسي والتنافس الحزبي وبالصراع الإيديولوجي في الداخل المصري، صراع من أجل دولة وطنية ليبرالية ضد القوى الرجعية المحافظة من جهة ونضال وطني ديمقراطي من أجل ملكية دستورية وضد الإستبداد السياسي وصراع الحركة الوطنية ضد القوى الاستعمارية/الامبريالية من أجل الاستقلال الوطني.  ومن البديهي القول، أن فكر حسن البنا هو فكر الجماعة وفكر الجماعة هو فكر حسن البنا، وخطاب سيد قطب هو خطاب الجماعة وخطاب الجماعة هو خطاب سيد قطب.  وبناءً عليه وعلى المستوى السياسي رفض الأب المؤسس للجماعة تسمية جماعته بإسم "حزب الإخوان" كما رفض تماما مصطلح الحزب، بدعوى أن الأحزاب السياسية عجزت عن تحقيق مطالب الأمة وتطلعاتها في الاستقلال والحرية والإصلاح.  والذي لا يختلف عليه إثنان، أن المطالبة بخنق الحريات ورفض الاختلاف السياسي وعدم قبول التنوع الثقافي وكراهية التعدد لإيديولوجي، هو إشارة واضحة لعدم القبول بالنظام السياسي البرلماني الديمقراطي، نظام التعددية الحزبية وعدم الرضا بالمناخ الليبرالي السائد في المملكة المصرية، بل ووصل الأمر بحسن البنا والجماعة لى حد المطالبة بحل الأحزاب السياسية، ويكون بذلك الشيخ/ الداعية وجماعته قد أعلنا بوضوح عن كراهية غير مبررة للدولة الوطنية الناشئة في عشرينيات القرن الماضي، وعداء غير مفهوم للفكر السياسي الديمقراطي الليبرالي. والأحقيقة التاريخية التي لانقاش فيها أن حسن البنا هو الذي قام شخصيا بإنشاء التنظيم الخاص أو الجناح العسكري للجماعة بقيادة عبد الرحمن السندي الذي حمل السلاح وأطلق الرصاص وإغتال شخصيات وطنية مصرية بارزة منهم القاضياأحمد الخزندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي.   ولهذا أخذ الفكر السياسي الإسلامي المعاصر عموما والإسلام السياسي منه خصوصا، منذ بداية عقد الثلاثينات وحتى نهاية عقد الخمسينيات، مَسلك راديكالي/ عدائي، متوجس خيفة من النظام السياسي الجديد الذي تمثله الدولة الوطنية في مصر وسوريا والعراق، وما تحتويه هذه الدولة من مبادئ سياسية ليبرالية لم يعهدها العرب ولم يعرفها المسلمون منذ أن دخلوا معترك الدولة والسياسة والسلطان في القرن السابع الميلادي، وما تتضمنه من مبادئ ومن قيم ثقافية عصرية وفلسفية حديثة.  ومن المعروف أن من أهم مبادئ النظام السياسي الليبرالي، مبدأ سيادة الأمة ومبدأ المواطنة. واللافت للإنتباه أن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر سلك مسلك العداء الشديد للغرب وللحضارة الغربية وللثقافة المعاصرة عداء يصل إلى حد المرض. بدعوى أن النظام الإجتماعي/الثقافي في العالم العربي يتعرض يوما بعد يوم منذ بداية الإختراق الأوروبي، للإنحلال والتفكك بسبب سياسات التغريب- occidentalisation - أو ما يسمى في أدبيات مفكري الإسلام السياسي بالغزو الثقافي والأفكار المستوردة.  والغريب في الأمر أن حسن البنا، وهو يطالب بإلغاء الأحزاب السياسية ويُدين ويشجب الحركة الحزبية والسياسية الوليدة عقب ثورة عام 1919 التي تمخض عنها حزب الوفد الليبرالي/العلماني ودستور 1923، كان هو وجماعته ينشطون في الحياة السياسية المصرية ويشاركون في الانتخابات البرلمانية بقوة ويعقدون الصفقات مع القصر الملكي وحتى مع الاحتلال الانكليزي ويتحالفون مع هذا الحزب السياسي ضد ذاك الحزب ولا ننسى كذلك أن دستور 1923 الذي يعتبره البعض، الدستور الأكثر ديمقراطية في تاريخ مصر. قبله حسن البنا وجماعته على مضض.

عودة الخلافة أم دولة اسلامية

ولن نجانب الصواب إذا قلنا، أن حسن البنا هو التلميذ غير مباشر للشيخ محمد رشيد رضا، فلقد أخذ منه وتأثر به كثيراً، ومن بين ما أخذ منه فكرة ضرورة عودة الخلافة لأنها ركن من أركان الدين، أي أكد له أنها مسألة عقدية وليست فقهية. ومن هذه الناحية كانت مسألة عودة الخلافة في البداية عند جماعة الإخوان قضية مركزية، وعلى أساس الموقف منها يتحدد الأعداء والأصدقاء.  والحقيقة أن جماعة الإخوان في الثلاثينيات من القرن الماضي لم يؤرقها مشهد سقوط الخلافة وما كانت تشغلها فكرة الخلافة، لأنها فكرة طوباوية مستحيلة التحقيق، وإن أبدى حسن البنا في البداية حماسًا شديدًا في الدفاع عنها وفي توجيه سهام النقد لكل من تسول له نفسه التشكيك في قداسة فكرة الخلافة، فما كان يشغله أكثر هو فكرة الدولة الإسلامية. ومن هنا كان لا بد للجماعة من رفع شعار عودة الخلافة في عام 1928 لكسب التأييد الشعبي، لكن سرعان ما رفع شعار أخر أكثر واقعية ويتوفر على إمكانية التنفيذ على أرض الواقع هو شعار الدولة الإسلامية.  وبالتالي كانت فكرة الخلافة عند جماعة الإخوان المسلمين، مجرد مقدمة ولكنها ضرورية للقيام بوظيفتين :  الوظيفة الأولى هي رفع شعار الدولة الإسلامية، الدولة التي تتوفر على المرجعية الدينية والتي تكون فيها السيادة لله، بالإضافة إلى أن مقولة الدولة الإسلامية مقولة أكثر واقعية وأكثر معقولية، كما أنها فكرة مشحونة بالعاطفة الدينية وبالتالي هي الشعار الأكثر جذبا للأنصار والأتباع.  الوظيفة الثانية هي الدخول في معركة كسر عظام مع الدولة الوطنية الناشئة في المنطقة العربية، وهي الدولة ذات المرجعية الفلسفية الأوروبية الحديثة.  والحقيقة أن الجماعات الدينية- السياسية التي نشأت في عشرينيات القرن الماضي كلها بدأت بالدعوة الدينية ثم تحولت الى دعوة سياسية، على غرار ما كان يحدث في التاريخ العربي –الإسلامي.  أقول هذه الجماعات كانت تكبر وتنتشر انتشار النار في الهشيم في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، وبرفعها شعار الدولة الإسلامية تكون هذه الجماعات قد تخلت مؤقتا عن مطلب عودة الخلافة. وتكون قد قطعت كل خطوط الإتصال مع فكر النهضة العربية، وتكون أيضا قد أكدت رفضها التام للدولة الوطنية الناشئة في مصر والعراق وسوريا.

و لهذا، فالدعوة إلى الدولة الإسلامية معناه إعادة الارتباط بالتاريخ الإسلامي وإعادة خطوط الوصل مع التجربة السياسية النبوية في المدينة ومع دولة الإسلام المبكر، دولة الخلفاء الراشدين.  خلاصة القول، ما يبغي الشيخ حسن البنا قوله، أن فكرة الدولة الإسلامية هي دولة المسلمين، دولة المؤمنين، دولة ليست غريبة عن المجتمع، بل إنها دولة تنتمي إلى تاريخ العربي /الإسلامي، هي دولة تنتمي إلى التراث الفقهي السياسي الإسلامي. أما هذه الدولة الوطنية الناشئة، فهي دولة الغرب الأوروبي، هي دولة أنشأها الاستعمار وتنتمي الى فصيلة الأفكار المستوردة!  ولا بد لهذه الدولة الوطنية المُفبركة أن تزول عاجلا أم أجلا! وكأن حسن البنا يريد أن يقول " من كان يؤمن بالخلافة فالخلافة قد ماتت ومن كان يؤمن بالدولة الإسلامية، فالدولة الإسلامية حية لا تموت"!  وهكذا وكما يشير باحث معاصر، قام حسن البنا وجماعته بإزاحة لاهوت الخلافة شيئا فشيئا، وتم إستبداله بلاهوت مختلف بعض الإختلاف، كما أنه أكثف من ناحية الرمزية والقداسة، هو النص الديني المؤسس، هو القرآن، وبالتالي ليس صدفة أن يعتبر حسن البنا القرآن هو دستور المسلمين رافعا شعار" القرآن دستورنا " وذلك بقصد الإطاحة بدستور 1923 والذي من وجهة نظر هو دستور علماني/ليبرالي/وضعي، وبعبارة أصح كان يعتبره دستور مستورد! ونحن نعرف أن الدستور الحديث يقوم على مبدأ أساسي هو مبدأ سيادة الأمة، بينما دستور الدولة الإسلامية المتخيلة، فيقوم على مبدأ السيادة الإلهية.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر الإسلامي/الجزائر

في الظاهر يبدو الإنسان كائنا عاقلا، يمتلك القدرة على التفكير واتخاذ القرار وتحليل ما يراه حوله، لكن حين نتأمل الواقع بعمق نكتشف مفارقة غريبة: أغلب البشر لا يخافون من الجهل بقدر ما يخافون من التفكير الحقيقي. الإنسان قد يتحمل الفقر والتعب والقيود الاجتماعية، لكنه يشعر بقلق عميق عندما يبدأ في مساءلة الأفكار التي تربى عليها. وكأن العقل حين يقترب من الحرية يدخل منطقة محظورة تهدد استقرار العالم الذي بناه داخله منذ سنوات. التفكير الحر ليس مجرد أن يختلف الإنسان مع الآخرين، بل أن يمتلك الشجاعة الكافية ليعيد النظر في كل ما اعتبره بديهيا. هنا تبدأ الأزمة، لأن معظم الناس لا يبنون أفكارهم بأنفسهم، بل يرثونها جاهزة من العائلة والمجتمع والمدرسة والدين والسياسة والإعلام. ينمو الإنسان وهو يعتقد أن ما يؤمن به هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، ثم يكتشف لاحقا أن هناك آلاف البشر الذين تربوا على حقائق مختلفة تماما، وكل واحد منهم يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة. هذه الصدمة هي بداية الخوف.

منذ الطفولة يتعلم الإنسان كيف يطيع أكثر مما يتعلم كيف يفكر. المدرسة غالبا تكافئ من يحفظ لا من يناقش، والأسرة ترتاح للابن المطيع أكثر من الابن الذي يسأل كثيرا. حتى المجتمع ينظر أحيانا إلى الشخص الذي يطرح الأسئلة باعتباره متمردا أو مزعجا أو قليل الاحترام. وهكذا يكبر الإنسان وهو يربط الأمان بالطاعة، ويربط الاختلاف بالخطر. لهذا حين يبدأ أحدهم بالتفكير بحرية يشعر وكأنه يخون الجماعة التي ينتمي إليها. ليس لأن التفكير جريمة، بل لأن الانتماء النفسي للجماعة أقوى مما نتصور. الإنسان لا يخاف فقط من الخطأ، بل يخاف من العزلة التي قد تأتي مع الاختلاف. أحيانا يفضل الإنسان أن يعيش داخل وهم جماعي على أن يواجه الحقيقة وحده.

التاريخ مليء بأشخاص تمت محاربتهم فقط لأنهم فكروا بطريقة مختلفة. كثير من الفلاسفة والعلماء والمفكرين لم تكن مشكلتهم أنهم ارتكبوا جرائم، بل أنهم طرحوا أسئلة أقلقت المجتمع. حين قال سقراط إن الإنسان يجب أن يفحص حياته وأفكاره، اعتبره البعض خطرا على عقول الشباب. وحين دافع غاليليو غاليلي عن فكرة دوران الأرض، لم يكن الصراع علميا فقط، بل كان صراعا بين العقل والسلطة. المجتمع غالبا لا يخاف من الفكرة الجديدة بحد ذاتها، بل يخاف مما قد تسببه من تغيير. التفكير الحر مرهق لأنه يجبر الإنسان على مواجهة نفسه. هناك فرق بين أن تعيش داخل أفكار مريحة، وأن تدخل في مواجهة حقيقية مع تناقضاتك الداخلية. كثير من الناس يرفعون شعارات الحرية، لكنهم يرفضون أي رأي مختلف عنهم. يتحدثون عن التسامح، لكنهم لا يحتملون النقد. يطالبون بالحقيقة، لكنهم يبحثون فقط عن الكلام الذي يؤكد ما يؤمنون به مسبقا.

الإنسان بطبيعته يميل إلى حماية صورته عن نفسه. لذلك عندما يسمع فكرة تهدد قناعته، يشعر وكأن هويته كلها تتعرض للهجوم. هنا يتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى معركة دفاع نفسي. ولهذا السبب نادرا ما تغير الحجج وحدها قناعات الناس، لأن المشكلة ليست دائما في نقص المعلومات، بل في الخوف من فقدان اليقين. اليقين يمنح الإنسان شعورا بالاستقرار، حتى لو كان زائفا. أما التفكير الحر فيفتح أبواب الشك، والشك مرهق. عندما يبدأ الإنسان بالتساؤل، قد يكتشف أن كثيرا مما كان يؤمن به ليس صلبا كما ظن. قد يكتشف أن بعض آرائه مجرد تكرار لما سمعه من الآخرين. وقد يكتشف أيضا أنه عاش سنوات طويلة يدافع عن أفكار لم يخترها بنفسه.

لهذا يهرب البعض من التفكير العميق نحو الضجيج المستمر. العالم الحديث يوفر للإنسان وسائل لا نهائية للهروب من مواجهة ذاته: الهاتف، مواقع التواصل، الأخبار السريعة، المقاطع القصيرة، الجدل المستمر، الاستهلاك المتواصل. لم يعد الإنسان يملك وقتا كافيا للتأمل، لأنه يخشى الصمت أحيانا أكثر من الضوضاء. الصمت مخيف لأنه يكشف ما نحاول الهروب منه. حين يجلس الإنسان وحده بعيدا عن التشتيت، تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور: من أنا؟ ماذا أريد فعلا؟ هل أعيش حياتي أم حياة رسمها لي الآخرون؟ هل اختياراتي نابعة مني أم من ضغط المجتمع؟ هذه الأسئلة ليست مريحة، لذلك يفضل كثير من الناس البقاء منشغلين طوال الوقت حتى لا يضطروا لمواجهتها.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من أزمة التفكير الحر بطريقة معقدة. في الماضي كان الإنسان يسمع آراء متعددة بحكم احتكاكه بالناس المختلفين، أما اليوم فالخوارزميات تصنع لكل شخص عالما يشبهه. إذا كنت تؤمن بفكرة معينة، ستقترح عليك المنصات محتوى يؤكدها باستمرار، حتى تشعر أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها. ومع الوقت يصبح الإنسان أسير فقاعة فكرية مغلقة. المشكلة ليست فقط في أن الإنسان يسمع ما يحب، بل في أنه يبدأ باعتبار أي اختلاف تهديدا شخصيا. لذلك أصبحت النقاشات الحديثة مليئة بالغضب أكثر من الفهم. الناس لا تدخل الحوار لتتعلم، بل لتنتصر. كل طرف يريد إثبات أنه على حق، لا اكتشاف الحقيقة. تظهر أزمة أخرى الخلط بين الهوية والفكرة. حين تتحول الفكرة إلى جزء من هوية الإنسان، يصبح نقدها أشبه بنقد شخصه نفسه. لهذا تجد البعض يدافع عن آرائه بعنف حتى عندما تكون الأدلة ضده، لأن الاعتراف بالخطأ بالنسبة له ليس مجرد تغيير رأي، بل انهيار صورة كاملة بناها عن نفسه.

التفكير الحر يحتاج إلى شجاعة نادرة، لأنه يتطلب من الإنسان أن يقول أحيانا: ربما كنت مخطئا. وهذه الجملة البسيطة أصعب مما تبدو. الاعتراف بالخطأ يجرح غرور الإنسان، ويجعله يشعر بالهشاشة. لذلك يفضل كثيرون الدفاع عن الوهم على مواجهة الحقيقة. المجتمعات أيضا تلعب دورا كبيرا في صناعة الخوف من التفكير. بعض المجتمعات تبني استقرارها على الطاعة الجماعية، ولهذا تنظر إلى التفكير المستقل باعتباره تهديدا. الشخص الذي يسأل كثيرا يزعج النظام، لأنه قد يدفع الآخرين للتساؤل أيضا. ولهذا نجد أن الأنظمة المغلقة دائما تخاف من الكتب والأسئلة والنقاش الحر أكثر من خوفها من أي شيء آخر. السلطة تدرك أن الإنسان الذي يفكر بحرية يصعب التحكم فيه. لهذا عبر التاريخ كانت السيطرة على التعليم والإعلام والثقافة جزءا أساسيا من السيطرة على المجتمع. حين تحدد للناس ما يجب أن يفكروا فيه، تصبح قدرتهم على المقاومة أضعف. لكن المشكلة لا تتعلق بالسلطة فقط، بل بالإنسان نفسه. أحيانا يكون الإنسان سجانه الخاص. قد يعيش في مجتمع مفتوح نسبيا لكنه يظل خائفا من التفكير المختلف بسبب القيود الداخلية التي بناها في عقله. هناك أشخاص يمتلكون حرية الكلام لكنهم لا يمتلكون حرية التفكير، لأنهم يخشون مواجهة أنفسهم.

الفيلسوف رينيه ديكارت حاول أن يبدأ مشروعه الفكري بالشك في كل شيء حتى يصل إلى حقيقة لا يمكن إنكارها. كانت فكرته أن الإنسان لا يجب أن يقبل أي شيء دون فحص. لكن أغلب البشر يفعلون العكس تماما: يقبلون معظم الأفكار دون اختبار، ثم يدافعون عنها طوال حياتهم وكأنهم اختاروها بأنفسهم. تكمن إحدى أكبر المآسي الإنسانية: أن يعيش الإنسان عمره كله داخل أفكار لم يفكر فيها حقا. الخوف من التفكير الحر لا يظهر فقط في السياسة أو الدين أو الفلسفة، بل حتى في العلاقات اليومية. كثير من الناس يعيشون وفقا لتوقعات المجتمع لا وفقا لما يريدونه فعلا. يختارون تخصصاتهم خوفا من نظرة الآخرين، ويتزوجون أو ينفصلون أو يغيرون حياتهم بناء على ضغط اجتماعي أكثر من قناعات داخلية. الإنسان أحيانا لا يريد الحقيقة، بل يريد القبول الاجتماعي. يريد أن يشعر أنه جزء من الجماعة، حتى لو كان ذلك على حساب ذاته الحقيقية. ولهذا السبب نجد أن بعض الأشخاص يغيرون آراءهم بالكامل حسب البيئة التي يعيشون فيها، ليس اقتناعا، بل خوفا من الرفض.

الخوف من الرفض واحد من أقوى القوى التي تتحكم بالبشر. الإنسان كائن اجتماعي، والعزلة النفسية مؤلمة. لذلك قد يصمت عن أفكاره الحقيقية كي لا يخسر الآخرين. ومع الوقت يعتاد ارتداء الأقنعة حتى ينسى وجهه الأصلي. لكن التفكير الحر لا يعني أن يتحول الإنسان إلى شخص متعجرف يرفض الجميع. الحرية الفكرية ليست عداء للمجتمع، بل قدرة على التمييز بين ما تؤمن به فعلا وما فرض عليك دون وعي. الشخص الحر فكريا ليس من يرفض كل شيء، بل من يملك القدرة على الفحص والاختيار. وهذا يتطلب التواضع أيضا. لأن التفكير الحر الحقيقي يجعل الإنسان يدرك حدود معرفته. كلما ازداد وعيا، أدرك كم يجهل. أما الشخص الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة غالبا ما يكون أقل الناس استعدادا للتعلم.

الفيلسوف فريدريك نيتشه كان يرى أن الإنسان يعيش غالبا داخل أوهام جماعية تحميه من مواجهة قسوة الحقيقة. وربما لهذا السبب يفضل كثير من الناس الراحة النفسية على الحرية الفكرية. الحرية ليست دائما مريحة، لأنها تحمل مسؤولية الاختيار. حين تفكر بنفسك، لن يعود بإمكانك تعليق أخطائك دائما على الآخرين. ستصبح مسؤولا عن قراراتك، عن قناعاتك، وعن الطريقة التي ترى بها العالم. وهذه المسؤولية ثقيلة، لذلك يهرب منها البعض نحو التقليد الأعمى. ومع ذلك، يبقى التفكير الحر ضرورة إنسانية. لأن الإنسان الذي لا يفكر بنفسه يتحول بالتدريج إلى مجرد صدى لأصوات الآخرين. يكرر ما يسمعه، يغضب عندما يغضبون، ويصفق عندما يصفقون، دون أن يسأل نفسه لماذا. المشكلة ليست أن يختلف الناس، بل أن يتوقفوا عن التفكير تماما. المجتمع الذي يخاف من الأسئلة يتحول مع الوقت إلى مجتمع جامد، يعيد إنتاج أخطائه باستمرار لأنه لا يملك الشجاعة لمراجعتها. أما الفرد الذي يتخلى عن عقله، فإنه يفقد أهم ما يميزه كإنسان.

ربما التفكير الحر لن يمنح الإنسان راحة كاملة، لكنه يمنحه شيئا أعمق: أن يعيش حياته بوعي لا كنسخة مكررة من الآخرين. وربما الحرية الحقيقية لا تبدأ من تغيير العالم، بل من امتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة الأفكار التي تسكن داخلنا نحن.

***

زكريا - نمر

 

منذ لحظة دخول الطفل إلى المدرسة في كثير من المجتمعات الإفريقية، تبدأ عملية تشكيل عقله وفق نموذج تعليمي قديم يقوم على الحفظ والطاعة أكثر مما يقوم على التفكير والوعي. فالطفل الذي يدخل الفصل لأول مرة بعينين مليئتين بالفضول والأسئلة، يخرج بعد سنوات طويلة وهو أكثر خوفا من السؤال، وأكثر ميلا إلى تكرار ما يسمعه دون مناقشة. وتكمن الأزمة الحقيقية للتعليم في إفريقيا والعالم الثالث عموما أزمة فلسفة، لا أزمة كتب أو مبان فقط.

إن الحديث عن التعليم في إفريقيا غالبا ما ينحصر في نقص المدارس وضعف التمويل وقلة المعلمين ورداءة البنية التحتية، وهي مشكلات حقيقية بلا شك، لكنها ليست أصل الأزمة. فحتى في بعض الدول التي توسعت في بناء الجامعات والمدارس، ما زال الواقع يكشف ضعفا في الإنتاج الفكري والعلمي والإبداعي. وهذا يعني أن المشكلة أعمق من الجدران والمقاعد الدراسية، وأن الخلل الحقيقي يكمن في السؤال الذي لا يطرحه أحد بجدية ما نوع الإنسان الذي نريد أن يصنعه التعليم؟ في كثير من الدول الإفريقية، ما زال التعليم يسير على فلسفة قديمة تعتبر الطالب مجرد وعاء فارغ يجب ملؤه بالمعلومات. المعلم يتحدث، والطالب يستمع ويحفظ، ثم تأتي الامتحانات لتقيس قدرة الطالب على الاسترجاع فقط. أما التفكير النقدي، والتحليل، والخيال، والقدرة على النقاش، فهي أمور غالبا ما تبقى خارج العملية التعليمية. وكأن العقل البشري مجرد آلة تخزين، لا أداة لفهم العالم وإعادة تشكيله.

هذه الفلسفة لم تأت من فراغ، بل هي امتداد تاريخي لنظام تعليمي استعماري صمم أساسا لخدمة الإدارة الاستعمارية. فالاستعمار لم يكن بحاجة إلى شعوب تفكر بحرية، بل إلى أفراد يجيدون تنفيذ الأوامر والعمل داخل مؤسسات الدولة التابعة للمستعمر. ولذلك تم بناء التعليم على الطاعة والانضباط أكثر من بنائه على النقد والإبداع. لكن المأساة الكبرى أن كثيرا من الدول الإفريقية احتفظت بنفس الروح حتى بعد الاستقلال. تغيرت الأعلام والنشيد الوطني، لكن المدرسة بقيت تحمل العقلية نفسها. ولهذا نجد أن الأنظمة التعليمية في كثير من الأحيان تنتج موظفين يبحثون عن وظيفة حكومية أكثر مما تنتج مفكرين أو باحثين أو صناع تغيير.

إن التعليم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يهدف إلى بناء الإنسان. والإنسان لا يصبح إنسانا كاملا بمجرد حفظ الكتب أو اجتياز الامتحانات، وإنما بامتلاكه القدرة على التفكير المستقل، واتخاذ القرار، وتحليل الواقع، والتمييز بين الحقيقة والزيف. لكن مدارسنا في المقابل تدرب الطالب منذ الصغر على الخوف من الخطأ، وكأن الخطأ جريمة، بينما الحقيقة أن الخطأ جزء أساسي من عملية التعلم. فالطفل حين يسأل كثيرا قد يوصف بالمزعج، وحين يناقش قد يتهم بقلة الاحترام، وحين يعترض قد يعامل كمتمرد. وهكذا يتعلم منذ سنواته الأولى أن السلامة في الصمت، وأن الطاعة أهم من التفكير. ومع مرور الوقت يفقد الفرد ثقته في عقله، ويصبح أكثر اعتمادا على السلطة، سواء كانت سلطة المعلم أو السياسي أو رجل الدين أو شيخ القبيلة.ويظهر الترابط الخطير بين أزمة التعليم وأزمة المجتمع كله. فالمجتمع الذي لا يعلم أبناءه التفكير النقدي، ينتج مواطنين يسهل تضليلهم وتحريكهم بالعاطفة والخوف والشعارات. ولذلك ليست مصادفة أن المجتمعات التي يضعف فيها التعليم النقدي تكون أكثر عرضة للقبلية والطائفية والتطرف والعنف السياسي.

إن الفلسفة ليست مادة مدرسية معقدة كما يظن البعض، بل هي طريقة في النظر إلى الحياة. إنها تدريب العقل على السؤال والشك والتحليل. ولهذا فإن المجتمعات التي تخاف من الفلسفة تخاف في الحقيقة من العقل الحر. لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير النقدي لن يقبل بسهولة الظلم أو الفساد أو الاستغلال. فإن المدرسة التقليدية في كثير من الدول الإفريقية تقوم على فكرة السلطة المطلقة للمعلم. فالمعلم لا يقدم المعرفة باعتبارها مجالا للنقاش، بل باعتبارها حقيقة نهائية لا يجوز الاقتراب منها. والطالب الجيد ليس هو الأكثر إبداعا أو تفكيرا، بل الأكثر قدرة على الحفظ والطاعة. ولهذا أصبحت الامتحانات نفسها جزءا من الأزمة. فهي في أغلب الأحيان لا تقيس الفهم الحقيقي، بل تقيس قوة الذاكرة فقط. الطالب يحفظ المادة ليلة الامتحان، ثم يفرغها على الورقة، وبعد أيام ينسى معظمها. وهكذا تتحول العملية التعليمية إلى سباق درجات لا إلى بناء وعي.أن هذا النموذج التعليمي يقتل روح الإبداع. لأن الإبداع يحتاج إلى حرية، بينما التعليم التقليدي يقوم على الخوف والعقاب. فالطالب يخشى الخطأ أكثر مما يحب الاكتشاف، ويخشى رأي المعلم أكثر مما يثق في قدرته على التفكير. ومع الوقت يصبح التقليد أسلوب حياة، ليس فقط داخل المدرسة بل داخل المجتمع كله.

إن كثيرا من الأنظمة التعليمية الإفريقية تفصل المعرفة عن الواقع. فالطالب يدرس نظريات كثيرة، لكنه لا يتعلم كيف يفهم المشكلات الحقيقية التي يعيشها مجتمعه، مثل الفقر، والبطالة، والنزاعات القبلية، وضعف الدولة، والفساد، والعنف، والهوية الوطنية. ولذلك يشعر كثير من الطلاب أن التعليم مجرد عبء للحصول على شهادة، لا وسيلة لفهم الحياة وتغييرها. كما أن اللغة تمثل واحدة من أعقد أزمات التعليم في إفريقيا. ففي دول كثيرة يتعلم الطفل بلغة أجنبية لا يستخدمها في بيئته اليومية، مما يجعل التعليم عملية حفظ لغوي أكثر من كونه فهما حقيقيا للمعرفة. فالطفل أحيانا لا يفشل لأنه غبي، بل لأنه يفكر بلغة ويتعلم بلغة أخرى. وهنا تصبح المدرسة مكانا للاغتراب الثقافي بدلا من أن تكون فضاء لبناء الهوية والثقة بالنفس.

إن أزمة التعليم ليست منفصلة أيضا عن الأزمة الاقتصادية. فالمجتمعات التي تعاني من الفقر غالبا ما تنظر إلى التعليم بوصفه وسيلة للترقي الاجتماعي فقط. ولهذا يصبح الهدف الأساسي للطالب هو الحصول على وظيفة، لا اكتساب المعرفة. ومع مرور الوقت تتحول الجامعة إلى مصنع للشهادات، بينما يتراجع البحث العلمي والإبداع الحقيقي. بل إن بعض الجامعات أصبحت تخرج آلاف الطلاب في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، بينما تظل قطاعات الإنتاج والتكنولوجيا والبحث العلمي ضعيفة. والسبب أن فلسفة التعليم نفسها لا تقوم على التفكير في احتياجات المجتمع، بل على إعادة إنتاج النموذج التقليدي نفسه.

إن التعليم الذي لا يزرع داخل الإنسان روح المبادرة يصنع جيلا ينتظر دائما من يقوده. ولذلك نلاحظ أن كثيرا من الشباب المتخرجين يمتلكون معرفة نظرية، لكنهم يفتقرون إلى مهارات التفكير المستقل وحل المشكلات والعمل الجماعي. لأن المدرسة لم تعلمهم كيف يواجهون الحياة، بل كيف ينجحون في الامتحان فقط. فإن الدول التي حققت تقدما حقيقيا لم تصل إليه عبر الحفظ والتلقين، بل عبر بناء عقلية نقدية. ففي الأنظمة التعليمية الحديثة أصبح الطالب مشاركا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلق لها. وأصبحت المدرسة مساحة للحوار والتجربة والاكتشاف والعمل الجماعي. بل إن بعض الدول أدخلت تعليم الفلسفة للأطفال منذ سن مبكرة، لأن الطفل الذي يتعلم كيف يناقش ويحترم الرأي المختلف سيكون أكثر قدرة على التعايش وبناء مجتمع ديمقراطي. أما الطفل الذي تربى فقط على الطاعة، فإنه غالبا سيخاف من الاختلاف، وقد يتحول بسهولة إلى شخص متعصب أو منغلق.

إن إفريقيا اليوم لا تحتاج فقط إلى مدارس جديدة، بل إلى ثورة فكرية في معنى التعليم. نحن بحاجة إلى تعليم يصنع إنسانا لا مجرد موظف. بحاجة إلى مدرسة تعلم الطفل كيف يفكر لا ماذا يفكر. بحاجة إلى معلم يفتح باب الأسئلة لا يغلقها. كما أننا بحاجة إلى تعليم يعيد للإنسان الإفريقي ثقته بنفسه وهويته وثقافته. فالتعليم لا ينبغي أن يكون مجرد تقليد أعمى للنماذج الأجنبية، بل يجب أن يرتبط بواقع المجتمع وتاريخه وتحدياته. لأن أي تعليم منفصل عن بيئته يتحول إلى معرفة باردة بلا روح. إن مستقبل إفريقيا لن تحدده الموارد الطبيعية وحدها، بل نوعية العقول التي تنتجها مدارسها. فالقارة التي تمتلك ملايين الشباب لا يمكن أن تنهض إذا بقي تعليمها قائما على التلقين والطاعة والخوف من التفكير. لأن الأمم لا تبنى بعدد الشهادات، بل بقدرة الإنسان على الإبداع والتغيير. ولهذا فإن أخطر سؤال يجب أن تطرحه مجتمعاتنا اليوم ليس: كم عدد الطلاب في المدارس؟ بل: ماذا يحدث داخل هذه المدارس؟ هل نصنع عقولا حرة أم عقولا خائفة؟ هل نعلم أبناءنا التفكير أم التكرار؟ هل نربي مواطنين قادرين على بناء الدولة، أم أفرادا ينتظرون دائما من يفكر نيابة عنهم؟

إن المدرسة التي تقتل السؤال تقتل المستقبل. والمجتمع الذي يخاف من الفلسفة يحكم على نفسه بالبقاء داخل دائرة التخلف مهما امتلك من ثروات وموارد. لأن الحضارة في النهاية ليست أبنية ضخمة ولا شعارات سياسية، بل عقل إنساني حر قادر على التفكير والنقد والإبداع. فإن إصلاح التعليم في إفريقيا ليس مشروعا تربويا فقط، بل معركة حضارية كاملة. معركة بين عقل يريد أن يبقى أسيرا للتلقين والخوف، وعقل آخر يريد أن يتحرر ويفكر ويصنع مستقبله بنفسه. وحين تنتصر الفلسفة الحقيقية للتعليم، لن تكون المدرسة مجرد مكان للحفظ، بل المكان الذي يولد فيه الإنسان الحر.

***

زكريا نمر

 

تحوّلات المفاهيم (1850 -2026)

اللقاء الثاني

***

إذا ما حاولنا الاقتراب من مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، نجد أنفسنا منذ اللحظة الأولى أمام مفهوم بالغ التعقيد والسيولة؛ لا بسبب غموضه في ذاته، بل بسبب ما طرأ عليه من انزياحات دلالية ووظيفية عميقة، نقلته من كونه تعبيراً عن العلاقة الروحية والأخلاقية بين الإنسان والدين، إلى كونه في كثير من السياقات المعاصرة علامة اجتماعية وأيديولوجية وهوياتية، بل وأحياناً صورة ذهنية مشوهة ارتبطت في وعي بعض المجتمعات بالتشدد والغلو والانغلاق.

وهذا الأمر بعينه هو الذي يجعل دراسة التدين اليوم ضرورة لفهم تحولات الوعي الجمعي ذاته، لا مجرد دراسة لسلوك ديني معزول. وذلك لأن التدين بخلاف الدين لا يشير إلى النص المقدس في ذاته، بل إلى الكيفية التي يتمثّل بها الإنسان هذا النص داخل الاجتماع والتاريخ والثقافة والسلطة.

ومن ثَمّ، فالتدين ليس حقيقة ثابتة، بل بناء بشري متغير، يخضع للأغيار والتحولات، ويتشكّل داخل نسق معقد تتداخل فيه المؤسسة الدينية مع السلطة السياسية، ويتشابك فيه الإعلام مع التعليم، كما تتقاطع فيه الحركات الأيديولوجية مع الأزمات الاجتماعية والنفسية. وهو ما كان يعنيه طلال أسد حين أثبت في كتابه (أنساب الدين) أن التديّن ليس جوهراً نقياً بل تقليد خطابي يُعاد إنتاجه داخل نسقية من علاقات السلطة والمعرفة، وأن الدولة الحديثة تعمل في أغلب الأحيان على رسم حدود ما يُعدّ تديّناً مشروعاً وما لا يُعدّ كذلك.

ولهذا فإن الخلط بين الدين والتدين يمثّل أحد أخطر المواطن التي وقع فيها بعض المجترئين والمتأوّلين، حين تعاملوا مع صور التدين التاريخية وكأنها التعبير النهائي عن الدين ذاته، بينما الحقيقة أن التدين ليس إلا تمثّلاً إنسانياً متحوّلاً للدين، قد يصيب وقد ينحرف، وقد يسمو وقد يبتذل.

ولهذا فإننا إذا ما حاولنا تتبّع مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وجب علينا ألّا نتعامل معه بوصفه مفهومًا ثابتًا أو نسقًا جامدًا خارج حركة التاريخ والأغيار، بل بوصفه بناءً متحوّلًا أعادت كل مرحلة تاريخية تشكيله وفق شروطها السياسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية. ومن ثَمّ، فسوف نتناول تحولات مفهوم التدين عبر الحقب الزمنية الممتدة من عام 1850م وحتى عام 2026م، من خلال تتبّع أبرز الانزياحات التي طرأت على وظيفته ودلالته وصور تمثّله داخل الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

أولاً: لحظة النهضة والتدين الإصلاحي العقلاني (1850 1918):

 إذا ما حاولنا الاقتراب من لحظة النهضة العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نجد أننا بإزاء نسق مغاير تمامًا لما آل إليه مفهوم التدين في حاضرنا المعيش؛ إذ لم يكن التدين آنذاك مشحونًا بهاجس المفاصلة أو الانغلاق الهوياتي كما وقع لاحقًا، بل كان يُقدَّم بوصفه قوة للنهوض الحضاري، وأداة لإحياء الوعي الجمعي، ومسارًا لإعادة بناء الإنسان المسلم في مواجهة الأغيار والتحديات التي فرضتها الحداثة الغربية والاستعمار معًا. والأمر الذي يستوقفنا هنا أن هاتيك اللحظة لم تكن لحظة انكفاء ديني كما يحاول بعض المجدفين والمتأولين تصويرها، بل كانت لحظة انفتاح عقلي واسع، سعت إلى التوفيق بين معطيات العصر وأصول الدين، بعيدًا عن نهوج الجمود أو الانسلاخ الكامل عن التراث.

فقد أدرك رواد الإصلاح آنذاك أن الأزمة الحقيقية لم تكن كامنة في الدين ذاته، بل في صور التدين الجامدة التي تراكمت عبر الأغيار التاريخية، حتى تحولت بفعل التكلس والتقليد إلى غرابيل تحول بين الإنسان وروح الدين الحقيقية. ومن ثَمّ، انصرف مشروع الإصلاح إلى تحرير العقل المسلم من النسقية المغلقة التي جعلت التدين مجرد طقوس شكلية وممارسات منفصلة عن العمران والمعرفة والحياة.

ولذلك نجد أن جمال الدين الأفغاني لم يكن معنياً بإحياء التدين الشكلي بقدر ما كان معنياً بإحياء الفاعلية الحضارية للأمة، بينما مضى محمد عبده إلى أبعد من ذلك حين ربط بين التدين والمدنية والتعليم والإصلاح المؤسسي، الأمر الذي يقودنا إلى القول بأن التدين في تلك المرحلة كان يُفهم بوصفه طاقة أخلاقية وعقلانية تُنتج العمران ولا تعوقه.

وإذا ما تأملنا الكتابات الإصلاحية في تلك المرحلة، نجد أنها لم تكن أسيرة لثنائية الحلال والحرام بالمفهوم الضيق الذي هيمن لاحقًا على بعض الحركات الجانحة المتأسلمة، بل كانت مشغولة بأسئلة النهضة الكبرى؛ من قبيل سؤال الحرية، والتعليم، والاستبداد، والتخلف، وموقع المسلم داخل العالم الحديث. ولذلك حري بنا ألّا نقرأ خطاب النهضة بمعايير اللحظة الراهنة؛ لأن التدين آنذاك لم يكن قد تحوّل بعد إلى هوية صراعية مغلقة، بل كان أقرب إلى مشروع أخلاقي حضاري مفتوح، يحاول إعادة بناء الذات الإسلامية من الداخل دون الوقوع في زيغ التقليد الأعمى للغرب أو نهوج الانغلاق الذي تمارسة أدعياء السلفية في الوقت ذاته.

ويبدوا أن هذا النسق الإصلاحي العقلاني هو الذي منح التدين في تلك اللحظة قدرة على التعايش مع التحولات الحديثة دون شعور حاد بالتهديد الوجودي، ناهيك عن أن المؤسسة الدينية نفسها لم تكن قد دخلت بعد في حالة الاستقطاب الحاد التي عرفتها المراحل اللاحقة. ومن هنا نفهم كيف كان المتفقهون والمثاقفون يتحركون داخل فضاء واحد نسبيًا، وكيف لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي صارمة كما أصبحت لاحقًا.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي، فما تقدم لا يمثل سوى مدخل أولي لفهم التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ إذ إن المسار لم يتوقف عند لحظة النهضة والإصلاح العقلاني، بل دخل لاحقًا في أطوار أكثر تعقيدًا وتشابكًا تحت ضغط الاستعمار والدولة الوطنية وصعود الأيديولوجيات والتحولات الاجتماعية المتسارعة.

ولذلك؛ فإن الحديث عن التدين لا يزال ممتدًا عبر الأغيار والتحولات التي أعادت تشكيله مرة بعد أخرى داخل الوعي الجمعي العربي.

وللحديث بقية... إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

فرش اشكالي: إنها "الضيافة" على طريقة بختي نفسه: نفتح له بابًا في لغتنا، وندعوه ليمارس بيننا "القلق" الذي كان يسكنه. لا لنخلده كأيقونة، بل لنستأنف السفر نحو المواقع الأكثر عتمة، في هذا اليوم الذي تتقاطع فيه، على مفارقة القدر*، ذكرى ميلاد قارئ وموت كاتب، يحق لنا أن نستلهم من بختي بن عودة سحر الكلمات.

الرصاصة الغادرة التي كان يراد لها ذات يوم ان تسكت الصوت الذي قال: "أنا زمان رمزي". وتغتال الجسد النحيل الذي كان يحمل "إيروس الحكمة" وشهوة المعرفة، الرصاصة التي ارادت قتل الأب الذي مزقته تجربة الانفصال، فتحت له ولنا عكس ما اريد لها كوة في جدار الصمت والظلمة فكان الضوء الذي ينبثق من خارز أكثر اشراقا.

لم يمت بختي بن عودة لأنه كان عاشقًا قبل أن يكون ناقدًا والعاشق حي في قلب المحبوب لا يموت، كان عاشقا للضيافة التي تعلمها من الخطيبي، عاشقا للغيرية الكريمة التي لا تبتلع الآخر ولا تذوب فيه. عاشقا لليل لأنه "حكمة"، لم يمت لأنه كان متيمًا بـ"التحاب (Aimance) لا بالحب.

لكن هذا العاشق كان، في الوقت نفسه، "مفجوعًا بمراثي الخيبة" فكان يقتل في اليوم مرات ومرات، مفجوعا بخيبة ثقافة تعيد إنتاج رداءتها و"تتكاثر وتنمو كورم سرطاني" يتألم وهو ينظر الى الديماغوجي والسياسي والاكاديمي المريض المتعفن الذي نصب نفسه إلهًا، متعب بخيبة "المشيمة" التي لا تلد، خيبة "اللا تأسيس واللا تجذر، لا هنا ولا هناك".

من هذا الجرح المزدوج – جرح العشق وجرح الخيبة – انبثق مشروعه الفكري الفلسفي وكانت مقالاته تولد وتنمو لا كجذور واغصان لشجرة" فكرية، بل "ريزومًا"، كتابات تتغذى من أسئلة واخزة وحارقة، تخترق النقد والفلسفة والتصوف والشعر، بلا مركز، وبلا أصل واحد، متحررة من كل وصاية. هناك في " القلق المثلث " تجلى (الحفر في الإبستيمي) كان يحفر وينبش ثم تراه يقفز دون مهادنة إلى "الكتابة الأخرى" باحثا عن عمق المدلول عن المسكوت والممنوع، يتحدث بلغة المتمرد العارف والعاشق يكتب عن "الحداثة كموت" و"انسحاب الكتابة" و"التحاب" كأفق.

في ذكرى اغتياله بعد واحد وثلاثين عامًا، نستأنف أسئلته التي تسم ولا تقتل نتساءل معه: هل ما زالت "العتمة" هي ذاتها؟ هل ما زال "الجزائري" يرفض "الموت" الذي هو شرط الحداثة؟ هل ما زالت "الرداءة" تتكاثر في غياب "الفكر القابل للسكنى"؟ ومن يكتب اليوم لنا " الكتابة الأخرى" في زمن الصورة الكاذبة زمن زخم الدال وعقم المدلول؟

-  كيف نستلم "القلق" من صاحبه؟ كيف نحمل "الإبستيمي" الذي حفره دون أن نجعله "إبستيمياً" جديداً يغلق ما فتحه؟ كيف نكون أوفياء لـ"الريزوم" دون أن نحوله إلى "شجرة"؟

- أين يمكن أن نبحث عن "خطاب عاشق" جديد؟ كيف نستعيد "التاء" التي تفيد المشاركة، ونحن محاصرون بـ"الأنا" التي تنتفخ رقمياً؟ هل ما زال التصوف قادراً على أن يكون "ملاكاً للموت"، أي مختبراً للتجاوز؟

- وبعد واحد ثلاثين عاماً من اغتياله، هل قبلنا، كمجتمعات، أن نموت موتاً رمزياً كي نولد من جديد؟ أم أننا ما زلنا نتمسك بـ"المشيمة" خوفاً من المجهول؟

مشروع بختي النقدي وما يميزه

لم يبدأ بختي بن عودة مشروعه النقدي من " النص"، بل من النقد نفسه ففي مقاله المؤسس القلق المثلث، وجه سؤاله الذي صار بيانًا: كيف يمكن للنقد أن يدرس الخطابات والبنيات السردية والروائية إذا كان ممنوعاً إرادياً ولا إرادياً من دراسة وضعية الإبستيمي (Episteme)؟"

كان هذا السؤال، في زمنه وما زال، زلزالاً. فالنقد العربي، في نظر بختي، كان يمارس طقوسه التحليلية بأمان: يدرس الحبكة، الشخصيات، البنية السردية. لكنه يتوقف بأدب مصطنع أمام "الأسوار العالية" للنسق المعرفي الذي أنتج هذه النصوص. لماذا؟ لأنه، كما شخص، "ممنوع إراديًا ولا إراديًا" من دراسة "الإبستيمي". فما هو هذا "الإبستيمي" الذي جعله بختي حجر الزاوية؟ إنه ليس "الإبستمولوجيا" (نظرية المعرفة العلمية)، بل هو، "الأرضية التحتية التاريخية للمعرفة". إنه النظام غير الواعي الذي يحدد، في زمن محدد، انه شروط إمكان ظهور الخطابات، وشروط صدقها أو خطئها. إنه ما يجعل التفكير ممكنًا ومستحيلاً في آنٍ واحد. او بعبارة ادق "النبش في بنية العقل أو التفكير الذي أنتج هذا النص".

آلية المنع التي تنتج هذا الغياب عند بختي يمكن تلمسها على مستويين:

المنع الإرادي المتمثل في الخضوع الواعي للمحظورات السياسية والاجتماعية. بداية من "السياسي المريض" الذي شخصه في حواراته والذي يفرض "خطوطًا حمراء" والناقد يختار، بوعي، ألا يتجاوزها، حفاظًا على مكانته أو سلامته. أما اجتماعيًا، فهي سلطة "الجماعة"، و"العيب"، و"الحرام"، التي تجعل من مساءلة المقدس أو الجنس أو السلطة الأبوية "جريمة أخلاقية".

المنع اللا إرادي وهو الأعمق والأخطر. فالناقد نفسه تشكل عقله داخل نفس "الإبستيمي" الذي يدرسه. أدواته في التفكير، ومفاهيمه (مثل "الأصالة"، "الالتزام"، "الواقعية")، هي نفسها منتجات لهذا النسق. وبهذا، يمكننا أن نحدد ما الذي يجعل مشروع بختي النقدي مختلفًا: انه ليس نقدًا للنص، بل نقدًا للنقد، أي ان مشروعه الأول هو "أركيولوجيا النقد العربي" نفسه. إنه يريد تفكيك "التناغمات الكسولة" التي يمارس فيها النقد طقوسه، وفضح "هشاشة الإبستيمي المهيمن" الذي يجعل النقد أسير ثنائيات جاهزة (أصالة/معاصرة، تراث/حداثة) دون أن يجرؤ على مساءلتها. حيث استعار بختي من فوكو منهج "الحفريات"، لكنه طوعه لسياقه الخاص. "الحفر" عنده ليس بحثًا في الماضي، بل هو حفر تحت أقدام الناقد نفسه، لكشف الأساسات الهشة التي يقف عليها. هو ما سماه "السفر نحو المواقع الأكثر عتمة"، أي نحو الأسئلة التي "كُتمت وأُخفيت"

ان الإبستيمي عند بختي ليس مفهومًا أكاديميًا محايدًا، بل سلطة إنه "السلطة الأعمق" التي يجب فضحها ولهذا، فمشروعه النقدي هو، في العمق، مشروع سياسي. إنه يريد تحويل النقد من "قراءة للنص" إلى "تشريح للعقل الذي أنتج النص"، وبالتالي إلى تشريح للسلطة التي تتحكم في هذا العقل.

ففي مقاله القلق المثلث، أعطانا بختي مثالاً تطبيقيًا على منهجه. حين قارن بين "إبستيمي الثمانينيات والسبعينيات"، لم يقارن أفكارًا، بل قارن الشروط العميقة لإنتاج الأفكار. وحكم بأن المشهدين "يكاد يكونان متطابقين". لماذا؟ لأن النصوص الإبداعية في الثمانينيات "لم تنحت تميزها الخاص، ولم تخرج إلى القراء وهي حاملة لـ'ثوب حفريات المهادنة'".

هذه "المهادنة" هي، في تشخيصه، اسم آخر للمنع الإرادي واللا إرادي معًا. إنها تجسيد لخضوع النقد والإبداع لـ"الإبستيمي المهيمن". عدم القطيعة بين العقدين يعني أن الثقافة العربية ظلت أسيرة نسق واحد، تنتج نصوصًا مختلفة المظاهر لكنها تنتمي إلى "التشكيلة المعرفية" نفسها.

حين يصير القلق لغة

إذا كان "القلق المثلث" قد شخّص العلة (النقد الممنوع من الحفر)، فإن بختي لم يكتفِ بالتشخيص، ففي نصه عن الخطيبي، "الكتابة الأخرى". تجلت الكتابة التي لا تهادن، لا تلبس ، بل تغامر بالسفر نحو "المواقع الأكثر عتمة.

هنا يصبح الخطيبي مرشدًا. ليس لأن بختي يتبناه، بل لأنه يجد عنده نموذجًا للكتابة بلغة الآخر دون ذوبان. هذا هو "النقد المزدوج" تنقد ذاتك وأنت في لغة غيرك، وألا تكتفي بالرفض أو الاستسلام. "في ضيافة الخطيبي"، يعثر بختي على كلمة السر "الكاتب الجيد يُغري أولاً، ويُقدم السم بعد ذلك، وفي أثناء الكتابة يسمّ نفسه" هذه هي "الكتابة الأخرى" إغراء بالجمال، ثم زعزعة لليقين، الكاتب فيها هو أول ضحايا هذا السم. إنها كتابة لا تقف عند حدود النوع الأدبي، بل هي نقد وفلسفة وشعر وتصوف، تحت مظلة سؤال واحد: كيف نكتب دون أن نهادن موتنا الرمزي؟

لم تكن "الكتابة الأخرى" ترفًا جماليًا عند بختي، بل كانت فعل وجود في قلب الموت. هناك، في مقاله "الجن والحداثة"، ينتقل بالقارئ من التحليل إلى الصدمة. يتأمل الجذر اللغوي "ج ن ن" في العربية، فيجد فيه الجنون والظلمة والقبر. ثم يكتب جملته التي لا تنسى "الحداثة ذهاب نحو الموت، فهل الشرقي يقبل الموت؟"

هذا هو السؤال السياسي بامتياز، فالحداثة كما يفهمها، ليست ترقية تقنية، بل قطيعة جذرية مع الذات القديمة، مع "الأب"، مع "التاريخ وشرعيته". إنها موت رمزي يسبق كل ميلاد. لكن المجتمع، الذي شخصه بـ"السياسي المريض المعطوب" الذي نصب نفسه إلهًا انطلاقًا من "التاريخ وشرعيته، الثورة وشرعيتها، النفط وشرعيته"، يرفض هذا الموت. يرفض القطيعة. يتمسك بـ"المشيمة" خوفًا من المجهول. وهكذا، بدل أن يلد الحداثة، يلد "البلاسيبو": دواءً وهميًا، حداثة شكلية، "مادة لها مباهج السواد" لكنها بلا روح.

تشريح الانهيار

في "انسحاب الكتابة"، لم يعد بختي يتحدث عن النقد الأدبي، بل عن موت الوعي النقدي في الفضاء العام. رصد موت الملاحق الثقافية، صعود "الفاست فود" الإعلامي، إنتاج "ذهنية مسالمة راضية غير احتجاجية". بالنسبة له، لم يعد القارئ الجزائري قادرًا على إنتاج "جملة مفيدة"، لا بالمعنى النحوي، بل بمعنى "الموقف من العالم". وعندما يحلل عبارات يومية مثل "حاشاك" و"الله غالب"، فهو لا ينتقد العامية، بل يُطبق "القلق المثلث" على الحياة اليومية: هذه العبارات تجسيد لسالبية وجودية، استسلام لـ"ما هو قائم، مكتوب"، خوف من المجهول.

في "اللحظة الجزائرية"، يكثف هذه الرؤية في معادلة دقيقة " قدر المعنى" مقابل "واجب المفهوم " قدر المعنى هو كل ما نورثه دون تفكير: الخطابات الجاهزة، الهويات الخيالية، الصيغ اللغوية الميتة. أما "واجب المفهوم" فهو العمل الشاق: أن نبني مفاهيمنا بأنفسنا، أن نُسمي الأشياء بأسمائها، أن نستعيد "روح الأنوار" لا كاستيراد، بل كفعل نقد ذاتي. في هذا السياق، لم تكن "التبيين" سوى محاولة يائسة ونبيلة لخلق "مكان ثقافي" او ماسماه هو " فكر قابل للسكنى"

في آخر ما كتب، لم يعد بختي يحفر في النصوص، بل في مشروعه هو. استعار ثلاث كلمات لاتينية Placebo الدواء الوهمي، Place المكان، Placenta المشيمة، وكتب جملته التي تنزف ألما لا تأسيس ولا تجذر، لا هنا ولا هناك

قتل ولكنه لم يمت

لقد كان بختي بن عودة "ريزومًا" لا شجرة. لم يؤسس لنسق مغلق، ولم يلبس ثوب الأكاديمي المثقف الذي حددت له السلطة الخانات التي يتحرك فيها، بل كان رسول حكمة واشراقا في قلب الظلمة ترك لنا أسئلة مفتوحة، تشعبات تنمو بلا مركز. في ذكرى دمه الذي سال قبل واحد وثلاثين عامًا، لا نملك أن نقول إن مشروعه "نجح" أو "فشل". نملك فقط، كما فعل هو في ليلة وهران، أن نفتح النافذة. أن نستقبل الضوء الذي يأتي من "خارز"، من "العتمة"، من السؤال الذي لم يُغلق. أن نكتب، كما كان يحلم، "الكتابة الأخرى" التي لا تموت. وهذا، في ذاته، هو "التحاب" الذي كان يبحث عنه: تشاركٌ في السؤال، حيث لا صوت يعلو على صوت الدهشة، وحيث يكون القارئ، بعد واحد وثلاثين عامًا، هو الوريث الشرعي للقلق الذي لم يمت.

توقيع

- هي الأقدار: بين لحظة الميلاد ولحظة الموت، تتشارك الأرواح في عشقها للسفر نحو عوالم العتمة بحثًا عن لحظة الإشراق. ففي 22 ماي يوم اغتياله، كان لي موعد آخر مع الحياة عام 1972. وها أنا، بعد واحد وثلاثين عامًا، أكتب له هذه "الضيافة"، لأقول له: لم تمت. فما زرعته من قلق ما زال ينمو فينا، ريزومًا بلا نهاية.

***

عمرون علي

شهد القرن العشرون في العالَم العربي معارك فكرية وأدبية عنيفة، لَم تكن مُجرَّد خِلافات بين كاتب وآخَر،بلْ كانت انعكاسًا لصراع عميق حول هُوية الأُمَّة العربية وموقعها بين التراثِ والحداثة.

ومِن أشهر تلك المعارك وأكثرها تأثيرًا المعركة الأدبية والفكرية التي دارتْ بين محمود محمد شاكر (1909- 1997) ولويس عوض (1915- 1990)، وهي معركة تجاوزتْ حدودَ النقد الأدبي إلى أسئلة الحضارة واللغة والانتماء الثقافي.

لَم يكن الخِلاف بين الرَّجلين خلافًا عابرًا في الرأي، بلْ كان مُواجهة بين مشروعَيْن ثقافيين متناقضين: مشروع يَرى أن النهضة لا تقوم إلا بالعودة إلى الجذور العربية والإسلامية وفهم التراث فهمًا عميقًا، ومشروع آخَر يدعو إلى الانفتاح الواسع على الثقافة الغربية، وإعادة قراءة التراث بروح حداثية جديدة.

يُعَدُّ محمود محمد شاكر واحدًا من أعظم المُحقِّقين والنقاد في العصر الحديث. نشـأ في بَيت عِلم ودِين، فكانَ شديدَ الارتباط باللغةِ العربية والتراث الإسلاميِّ. امتازَ بعقلية نقدية صارمة، وبأسلوب أدبي رفيع، وقدْ كرَّس حياته لخدمة العربية وتحقيق كتب التراث.

كان يؤمن أنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة للتواصل، بلْ هي وعاء الهُوية ورُوح الأُمَّة. ولذلك كان شديدَ الحساسية تجاه أيَّة محاولة للنيل من التراث العربي، أو التقليل من قيمته. وقدْ خاض معارك فكرية عديدة دفاعًا عن العربية، وكان يَرى أن كثيرًا من المثقفين العرب وقعوا تحت تأثير الاستشراق الغربي دون وَعْي.

أمَّا لويس عوض فقدْ كان من أبرز دُعاة التحديث الثقافي في مِصْر. تلقى تعليمه في الجامعات الغربية، وتأثرَ بالأدب الإنجليزي والفكر الأوروبي الحديث، خُصوصًا التيارات الليبرالية والعقلانية. وكان يَرى أن الثقافة العربية ظَلَّتْ لِقُرون طويلة أسيرة الماضي، وأن النهضة الحقيقية تتطلب التحررَ من الجُمودِ التراثي، والانفتاح على مناهج الفكر الغربي الحديث.وقدْ دعا إلى تطوير اللغة العربية، وطرح آراء جريئة حول تاريخ الأدب العربي والهُوية الثقافية.

بدأتْ جُذور الصراع الفكري بين الرَّجلين معَ اشتداد الجدل الثقافي في مِصْر خِلال النصف الأول من القرن العشرين، حين ظهرتْ تيارات تدعو إلى تجديد الثقافة وفق النموذج الأوروبي، في مقابل تيار محافظ يَرى ضرورةَ الانطلاق من التراثِ العربي الإسلاميِّ.

قدَّم لويس عوض أُطروحات صادمة لكثير من اللغويين والأدباء، إذْ حاولَ إعادةَ تفسير نشأة اللغة العربية وآدابها بمنهج متأثر بالدراسات الغربية الحديثة. وقدْ ذهب إلى آراء شديدة الخُطورة، مِثل: التقليل من مركزية العربية الفُصحى، وربط تطوُّر الأدب العربي بتأثيرات أجنبية واسعة، والدَّعوة إلى تحديث اللغة بصورة جذرية، والتشكيك في بعض المُسلَّمات التراثية. وتمَّ اعتبار هذه الآراء تهديدًا مُباشرًا للهُويةِ العربية.

شنَّ محمود شاكر هجومًا على منهج لويس عوض الثقافي كُلِّه، واتَّهمه بالاعتماد على النقل غير الدقيق للمستشرقين، وبالجهلِ العميق بأسرار العربية وتراثها. وكانَ يَرى أنَّ لويس عوض يتعامل مع اللغة العربية بعقلية أجنبية لا تُدرك طبيعتها الداخلية، وأنَّه يُحاكم التراثَ العربي بمعايير غربية مفروضة من الخارج. لذلك لَم تكن معركة شاكر مُجرَّد رَد عِلمي، بل كانتْ دفاعًا عن رُوح الأُمَّة.

رأى محمود شاكر أن التراث العربيَّ الإسلاميَّ يُمثِّل أساس الهُوية الثقافية للأُمَّة، وأن أيَّة نهضة حقيقية يجب أن تنطلق مِنْه. أمَّا لويس عوض فرأى أن التقديس المُبالغ فيه للتراث أدى إلى جُمود العقل العربي، وأن النقد والتجاوز ضروريان لصناعة المُستقبل.

دافعَ محمود شاكر عن العربية الفُصحى بوصفها لغة مُكتملة وقادرة على مواكبة العصر دُون الحاجة إلى هدم بُنيتها. في المقابل، دعا لويس عوض إلى قَدْر أكبر من التحرر اللغوي، وتأثرَ ببعض الدعوات التي تُنادي بتبسيط العربية، وتقريبها من العاميَّة.

لَم يكن محمود شاكر يرفض الغربَ مُطْلَقًا، لكنه كان يرفض التبعيةَ الفكرية له، ويَرى أن بعض المثقفين العرب أصبحوا مُجرَّد صدى للمستشرقين. أمَّا لويس عوض فكانَ يَعتبر أن الحضارة الغربية تُمثِّل ذِروةَ التطوُّر الإنساني الحديث، وأن الاستفادة منها ضرورة تاريخية.

امتازت المعركة بين الرَّجلين بِحِدَّة نادرة، إذْ لَم تكن لغة المُجاملات حاضرة فيها. استخدمَ محمود شاكر لغة قاسية مليئة بالتعريض والسُّخرية، بينما ردَّ لويس عوض باتهام خُصومه بالجمود والانغلاق. وكانت الصحف والمجلات الثقافية آنذاك تمتلئ بالمقالات والردود، وتَحَوَّلَ الخِلافُ إلى قضية رأي ثقافي في مِصْر والعالَم العربي. وقد انقسمَ المثقفون إلى فريقَيْن: فريق يؤيِّد محمود شاكر، ويَرى فيه حارسًا للتراثِ العربي، وفريق يؤيِّد لويس عوض باعتباره ممثلًا للتجديدِ والحداثة.

لَم تكن هذه المعركة مُجرَّد سِجال شخصي، بلْ تَركتْ آثارًا عميقة في الفكر العربي الحديث. ساهمَ محمود شاكر في إعادة الاعتبار إلى الدراسات التراثية الدقيقة، وأثبتَ أن التراث العربي يمكن أنْ يُقْرَأ بعقلية نقدية أصيلة دون الحاجة إلى الذوبان في المناهج الغربية.

ساهمَ لويس عوض في فتح باب النقاش حول ضرورة تحديث الثقافة العربية، وعدم الاكتفاء بِتَكرار الماضي. أظهرت المعركةُ أن المثقف العربي يعيش أزمة مُعقَّدة بين الانتماء إلى التراث والرغبةِ في اللحاق بالحداثة الغربية. ولهذا ظَلَّتْ معركة محمود شاكر ولويس عوض حاضرة في الوعي الثقافي العربي حتى اليوم، لأنَّ الأسئلة التي أثارتها ما تزال قائمة: كيف نتعامل مع التراث؟، ما حدود التأثر بالغرب؟، هل يمكن الجمع بين الأصالة والحداثة؟، ما دَور اللغة العربية في بناء الهُوية؟.

حين ينظر الباحثُ المعاصر إلى هذه المعركة الأدبية، يجد أنَّ الكاتبَيْن يَحملان جانبًا من الحقيقة. محمود شاكر كانَ مُحِقًّا في تحذيره من الانبهار الأعمى بالغرب، والقراءةِ السطحية للتراث العربي. وفي الوقتِ نَفْسِه، كانَ لويس عوض مُحِقًّا في الدعوة إلى تجديد الفكر العربي وعدم تجميد الثقافة داخل الماضي.

لكنَّ المشكلة الكُبرى أنَّ الصراع بينهما اتَّخذ أحيانًا طابعًا شخصيًّا حادًّا، مِمَّا جعل الحوار يتحوَّل من نقاش عِلمي هادئ إلى مواجهة فكرية عنيفة.

تبقى المعركة الأدبية بين محمود شاكر ولويس عوض واحدةً من أهم المعارك الفكرية في تاريخ الأدب العربي الحديث، لأنها لَم تكن مُجرَّد خِلاف بين ناقدَيْن، بلْ كانتْ صِراعًا بين رؤيتين للحضارةِ والثقافة واللغة والهُوية. وقدْ أثبتتْ هذه المعركة أن الأدب لَيس ترفًا فكريًّا، بلْ ساحة كُبرى تتصارع فيها الأفكارُ والمشاريع الحضارية. كما أكَّدت أنَّ الأُمَّة التي تناقش تُراثَها ومُستقبلها بِجِدية هي أُمَّة لا تزال حَيَّة، وقادرة على التجدُّد.

ولعلَّ القيمة الكُبرى لهذه المعركة اليوم تكمن في أنها تدفع القارئَ العربي إلى التفكير العميق في سؤال لَم يفقد أهميته أبدًا: كيف يُمكن للأُمَّة العربية أن تحافظ على أصالتها دون أن تنكمش على ذاتها وتنغلق على نَفْسِها وتنعزل عن العصر؟.

يجب على الأُمَّة العربية أن تَجعل من تاريخها العريق جسرًا للعُبور نحو المستقبل لا سِياجًا يحبسها في الماضي، وأن تفتح نوافذها لثقافات العالَم ولُغاته، وتنهل من عُلومها، وتُسهِم في نِتاجها الحضاري، مُعتمدةً على وعي أبنائها في فرز الغث من السمين، وتمييز التطور التكنولوجي عن التبعية الثقافية، بحيث تُعيد صياغة هُويتها بأدوات العصر الحديث دون أن تفقد جَوهرَها وقِيَمها الرُّوحية والإنسانية، لتثبت للعالَم أن الأصالة والتجدُّد مساران يلتقيان بصناعة إنسان عربي مُبْدِع ومُعاصر ومُمتد الجذور.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة في مقولة "رأي الأغبياء لأنهم أغلبية"

العبارة تقع في نقطة التقاء حادة بين نظرية الديمقراطية ومخاوف النخبة من حكم الجمهور. هي ليست شتيمة بقدر ما هي تحذير من معضلة قديمة عرفها الإغريق قبل ألفي عام، وعادت لتطل برأسها مع كل موجة تصويت شعبي يصطدم فيها الحدس الجماعي بمنطق التخصص. في الأصل، لم تكن المشكلة في الديمقراطية ذاتها، بل في غياب المرشحات التي تفصل بين الرأي المتسرع والقرار المسؤول. أفلاطون رأى في التصويت المباشر خطراً مشابهاً لترك اختيار الطبيب لجمهور لا يميز بين الدواء والسم. والسبب بسيط: العدد لا يمنح شرعية معرفية، بل شرعية إجرائية فقط. أي أن الأغلبية تقر من يحكم، لكنها لا تضمن أن القرار الذي تتخذه صائب من حيث النتيجة. لكن الخلط يحدث عندما تُقرأ العبارة كحكم قيمي على الناس. الأغلبية ليست كتلة متجانسة من الجهل، كما أن الأقلية ليست بالضرورة نخبة مستنيرة. التاريخ يقدم نماذج متناقضة. فأحياناً كانت الأغلبية هي التي أنقذت دولة من مشروع نخبوي مكلف، وأحياناً كانت هي التي دفعت بلادها إلى قرار كارثي بدافع الانفعال أو الخوف. المسألة إذن ليست في تكوين الناس، بل في طبيعة اللحظة التي يتخذون فيها قرارهم. الأنظمة الديمقراطية الحديثة حاولت حل هذه المعضلة عبر بناء حواجز مؤسية. فبدلاً من ترك القرار للجمع، وُضعت آليات التمثيل والفصل بين السلطات وحقوق الأقليات. الهدف لم يكن إلغاء صوت الأغلبية، بل تأخيره وتهذيبه حتى يمر على محطات مراجعة تمنع اندفاع القطيع. هذه المرشحات هي ما يفرق بين ديمقراطية تصلح نفسها من الداخل، وأخرى تنهار تحت وطأة قرار شعبي لا رجعة فيه. اليوم، مع صعود الإعلام الرقمي وسرعة تداول الشعارات، أصبحت العبارة أكثر حضوراً في الخطاب العام. لأن الفضاء المفتوح يعطي للرأي السهل الانتشار تفوقاً على الرأي المعقد، بغض النظر عن دقته. وهنا يعود السؤال القديم: هل يكفي أن يكون الرأي الأكثر تداولاً لكي يصبح صواباً؟ الإجابة التي يستقر عليها التحليل السياسي الرصين هي أن العدد يمنح شرعية الحكم، لكنه لا يمنح عصمة من الخطأ. لذلك فإن احتقار الأغلبية لا يعالج المشكلة، كما أن تخويلها سلطة مطلقة لا يحميها من نفسها. الحل يبقى في بناء مؤسسات قادرة على تحويل ضجيج الأغلبية إلى قرار قابل للحياة، لا في استبدال صوتها بصوت أقلية مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة.

***

محمد البغدادي

بقلم: بول سوتر

ترجمة: حاتم حميد محسن

 ***

كان الاعتقاد السائد هو اننا لا نستطيع ببساطة الوصول الى بداية الكون، والان، بفضل العمل الأسطوري للعالمين الفيزيائيين ويلر و ديويت (1)، اصبحنا نمتلك الوسيلة الدقيقة التي نحتاجها لحل بداية الكون فقط لوعرفنا شيئا واحدا، وهو قطعة صغيرة جدا من المعلومات، وسوف نتمكن من ذلك.

بعد عقدين من ويلر و ديوت (الأول ولد عام 1911، والثاني عام 1923)،جاء عالِم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هاوكنغ وطرح فرضية لا حدود no-boundary proposal (2) ،هنا هو امتلك فكرة اكثر من أي شخص آخر، حيث ربط، كما يفعل عادة، بين عدة خطوط فكرية، وهو يدرك ان المشكلة لشيء ما هي في الحقيقة حل لشيء آخر.

 هاوكنغ حدق في معادلة ويلر ديوت Wheeler-Dewitt equation – التي يكشف لغزها الكون لكن جميع أجزاء اللغز متناثرة في كل مكان، ونحن نحاول فهم مشكلة معقدة (كمن يحاول في لعبة الصور المقطوعة تجميع الصور دون وجود غطاء مرشد للعلبة في الأعلى). لو كنا نستطيع معرفة كيف نضع فقط قطعة واحدة، سنتمكن من تجميع دالة الموجة الكمومية للكون.

نحن نحتاج فقط القطعة الأولى او الحالة الحدودية boundary condition التي تحدد بداية الكون. لكننا لا نستطيع قياسها، نحن لا نستطيع قراءة أي وسيلة او ننظر من خلال أي تلسكوب لنكتشف ذلك. لا شيء يتيح لنا الوصول الى اللحظة الأولى للانفجار العظيم. وليست لدينا ببساطة نظرية للجاذبية الكمومية في الأفق القريب لنطرحها.

اذن يبقى أمامنا ان نخمن تخمينا عشوائيا ونرى ان كنا سننجح . هاوكنغ قرر ان يكون تخمينه الجامح واقعيا قدر الإمكان. هو جادل ان أفضل حالة حدودية للكون، وأفضل بيان يمكنك الإدلاء به حول كيفية بدء كل شيء يجب ان يكون مبرر ذاتيا. هذا يعني ان التخمين حول بداية الكون لا يمكن ان يأتي من أي مكان آخر: انت لا تستطيع الإشارة الى الله او ويلر او أي شيء فقط ليعطيك الجواب، لأن الكون هو كل شيء موجود على الاطلاق، في كليته ولا يمكنك الوصول الى ما هو خارجه. لا يوجد هناك ركن مخفي في الخزانة التي توجد خارج الكون ليحدد لنا الحدود. ان أكبر تصريح تبريري يمكن ان يدلي به هاوكنغ حول بداية الكون هو انه ليس له بداية.

بكلمة أخرى، ماذا لو كان السبب في صعوبة العثور على حد لبداية الكون هو ليس لأنه مخفي او يصعب الوصول اليه، وانما لأنه غير موجود؟ الآن هذه فكرة جميلة جدا. لكننا هنا لسنا من أجل الأفكار الجميلة، نحن هنا من أجل الفيزياء العملية والواقعية. ان قول شيء غريب شيء، وتحويل ذلك الى نظرية عملية للطبيعة شيء آخر. لحسن الحظ، امتلك هاوكنغ بالضبط ما كان بحاجة اليه. واحدة من السمات المحددة لمعادلة ويلر- دويت هي انها لا تشرك الزمن. انها لا تعرف او تهتم بان الكون يتطور، يتوسع، يعمل أشياءً ملفتة.

ان المفتاح الذي يمكن ان يحل معادلة ويلر – ديوت هو بيان قوي حول الزمن، خاصة، الزمن الأكثر أهمية: بداية الكون. لذا نحتاج الى ادخال عنصر الزمن بطريقة او باخرى في كل هذه الفوضى اذا اردنا احراز تقدم.

لهذا فان هاوكنغ يأخذ بالاعتبار الزمن. بدلا من مجرد النظر الى المكان، هو يقوم بتجميع هذه الاشكال الهندسية معا جنبا الى جنب مثل صفحات الفيلم. هو يصنع منها سلسلة، تمثل تطور تاريخ الكون. هذه الأطر تحكي قصة الكون. الآن، نحن لا نعرف ما هي تلك القصة، لذا، يبني هاوكنغ كل هذه المسارات. تواريخ ممكنة للكون، مسارات، تطورات، قصص. في بعض القصص، يصبح الكون ضخما جدا بسرعة كبيرة ثم يتلاشى الى لا شيء. في أخرى لا يتمدد ابدا، وفي أخرى،لا وجود هناك الاّ المادة. وفي أحيان خرى، لا شيء الا اللاشيء. الان كل هذه المسارات، كل هذه التواريخ للكون، كلها تشترك بشيء واحد: انها في الزمكان العادي الذي نحن نعرفه ونحبه. السبب والنتيجة، الماضي والمستقبل، سرعة الضوء، كل ذلك. وكلها لها بداية. اول اطار في فهم الكون .

حسنا، ماذا لو جعلنا الزمن يتصرف بشكل مختلف؟ الان سوف نستخدم كلمة جديدة هي الزمن التخيلي

imaginary time ، الزمن التخيلي، زمن لكنه خيالي. الأرقام الخيالية، رائعة وممتعة حقا: الفكرة الجوهرية خلف الأرقام الخيالية هي بيان الجذر التربيعي للعدد أربعة سالب الغير معروف. الجذر التربيعي للرقم أربعة النظامي هو 2 لكن الجذر التربيعي للسالب أربعة هو... ؟ في الرياضيات الابتدائية العادية، هنا يسخر منا المعلم ويقول انت لا تستطيع اخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. لكن هذه ليست رياضيات مدرسية. نحن سوف لن نأخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. بدلا من ذلك، نحن نقول ان الجذر التربيعي للارقام السالبة هو نوع جديد تماما من الأرقام. فئة جديدة تماما. انت لديك أعداد صحيحة، أعداد نسبية، أعداد سالبة، والان لديك أعداد تخيلية، التي هي جميع الجذور التربيعية للارقام السالبة.

 الحيلة التي استخدمها هاوكنغ كانت انه أخذ كل هذه التواريخ للزمكان واستبدل "الزمن" بـ "زمن تخيلي". ثم ضرب مسار الزمن × الجذر التربيعي لزمن سالب . الان، العلماء في الحقيقة يقومون بهذا في ميكانيكا الكم طوال الوقت كحيلة.

أحيانا عندما نحصل على معادلات يصعب جدا حلها، نستبدل الزمن بزمن تخيلي وتصبح أسهل. بعدها نحلها، ثم نعيدها الى وضعها الأصلي . فقط تعديلات طفيفة في الواجهة الخلفية لحل بعض المشاكل المعقدة. لكن عندما يقوم هاوكنغ بهذا في زمكان الكون، هو يحصل على مكافأة. لم يعد الامر مجرد خدعة في حفلة. انه بيان. انت ترى، في زمكان طبيعي، الكون له بداية. لكن عندما تستبدل الزمن بزمن تخيلي، البداية ستهرب. هذا الاجراء في الحقيقة يضع المكان والزمان على قدم المساواة. انه يجعلهما نتاج للانحناء والهندسة، مع عدم وجود هوية منفصلة وهو ما يجعل بداية الكون ليست زمان خاص ابدا. انها تصبح مثل القطب الجنوبي، الذي هو حقا مثل أي نقطة أخرى على الكوكب. انت تصل الى القطب الجنوبي ولن تسقط من حافة، ولو تستمر بالمشي سيكون بدون أي معنى، حيث لا يوجد شيء سوى الاتجاه شمالا من هناك. انت تصل بداية الكون، وهي ليست خاصة او فريدة (ربما اكثر حرارة)، وكل ما لديك هو المستقبل الذي أمامك. لا بداية. لا حدود. كون يبرر ذاته. عبر الانتقال الى الزمن التخيلي، استطاع هاوكنغ تشفير فكرته القائلة بان (الكون ليس له بداية)، وكان بامكانه اجراء عمليات حسابية معقدة.

هذا هو المفتاح الذي يفتح معادلة ويلر- دويت والمعرفة اللازمة لتشغيل الآلة الرياضية. ماذا نحصل مقابل كل هذا العمل؟ ليس أقل من دالة موجية للكون.

***

............................

* المقال نُشر بتاريخ may,17,2026 للكاتب بول سوتر في نشرة universe Today بعنوان (ماذا لو كان الكون بلا بداية؟ الجزء الثاني: لا حدود، لا مشكلة).

* بول سوتر Paul Sutter عالم كونيات، مستشار في وكالة ناسا، مؤلف ومقدم برامج

الهوامش

(1) ويلر ودويت كانا عالمي فيزياء أمريكيين بارزين أبدعا بعملهما الحديث في النسبية العامة والثقوب السوداء والسعي لنظرية في الجاذبية الكمومية. هما اشتهرا بتطويرهما المشترك لمعادلة ويلر- دويت – wheeler-Dewitt equation(صيغت في أواخر الستينات من القرن الماضي، كمعادلة أساسية تحاول رياضيا دمج ميكانيكا الكم مع نظرية اينشتاين في النسبية العامة). أهم عناصر المعادلة هما الدالة الموجية للكون و مشكلة الزمن. الدالة الموجية هي في الأساس تعمل بمثابة معادلة شرودنغر لكل الكون. بدلا من وصف الكترون واحد او ذرة واحدة، انها تصف الحالة الكمومية للمكان والكون كله. اما مشكلة الزمن فهي السمة الأكثر اثارة في المعادلة كونها لا تحتوي على متغير الزمن. بما ان الزمن والمكان متداخلان في نسيج واحد ضمن نسبية، فان تطبيق مبادئ الكوانتم على كل الكون يتركنا مع معادلة لازمنية.

(2) تقوم هذه الفرضية على النقاط التالية:

1- لا بداية، لا حافة: اقترح هاوكنغ ان لا وجود لحد مادي للكون، لا نقطة بداية في الزمن. الزمكان محدود، بما يعني انه لا يستمر الى الابد، لكنه ينطوي على نفسه بطريقة لا تخلق أي حدود.

2- السؤال عن الزمن قبل الانفجار العظيم هو بلا معنى لان الزمن كما نفهم غير موجود قبل تلك النقطة.

3- الكون مكتفِ بذاته: بما ان الكون مكتف بذاته تماما ولم يتأثر باي شيء خارج ذاته، فان حالة الحدود هذه تعني ان الكون لا يتطلب خالقا او قانونا خارجيا خاصا لضبطه.

القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية من خلال القانون التالي: القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر. بما أنَّ القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر، إذن القوانين الطبيعية = (إنتاج الوقائع × صفر)  ÷   صفر. وبذلك القوانين الطبيعية = صفر ÷   صفر مما يتضمن أنَّ القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة علماً بأنَّ الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية.

ينجح هذا القانون في تفسير لماذا تتنوّع القوانين الطبيعية وتختلف. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة، إذن من المتوقع أن تختلف القوانين الطبيعية وتتنوّع من جراء لا مُحدَّديتها كأن توجد قوانين طبيعية حتمية (كما في فيزياء نيوتن وأينشتاين) وأن توجد أيضاً قوانين طبيعية احتمالية بدلاً من حتمية (كما في نظرية ميكانيكا الكمّ). هكذا ينجح القانون السابق في تفسير اختلاف القوانين الطبيعية وتنوّعها مما يدلّ على أنه قانون صادق على ضوء نجاحه التفسيري.

بالإضافة إلى ذلك، بما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة، إذن من الممكن أن تتغيّر القوانين الطبيعية من جراء لا مُحدَّديتها مما يتضمن إمكانية نشوء أكوان ممكنة موازية متعدّدة ومختلفة بفضل تغيّر تلك القوانين فاختلافها وتعارضها (فمع اختلاف القوانين الطبيعية تختلف الأكوان). من هنا، ينجح القانون السابق في التعبير عن إمكانية وجود أكوان موازية عديدة ومتنوّعة. وهذا النجاح التعبيري يشير إلى صدق ومصداقية القانون السابق.

كما ينجح هذا القانون في التعبير عن فعّالية القوانين الطبيعية ومحكومية الوقائع بالقوانين الطبيعية. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر، إذن القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع. وبذلك الوقائع محكومة بالقوانين الطبيعية وتلك القوانين فعّالة في إنتاج الوقائع. وعلى ضوء هذه القدرة التعبيرية الناجحة يكتسب القانون السابق صدقه ومصداقيته.

ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير انتظام الأحداث وفوضاها في آن. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع بينما من الممكن إنتاج الوقائع بشكل منتظم كما من الممكن انتاجها بشكل فوضوي، إذن من المتوقع نشوء انتظام الأحداث (المتمثل بأنَّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها) كما من المتوقع نشوء فوضى الأحداث (المتمثل بانتقال أحداث الكون من الانتظام إلى الفوضى كما يقول مبدأ الأنتروبي العلمي). هكذا ينجح القانون السابق في تفسير انتظام الأحداث وفوضاها. وهذه القدرة التفسيرية الناجحة دليل على صدق القانون السابق.

من جهة أخرى، ينجح هذا القانون في التوحيد بين مذهبيْن أساسييْن حيال تحليل القوانين الطبيعية فيكتسب فضيلة هذا التوحيد. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع بينما من الممكن إنتاج الوقائع من خلال علاقات رياضية بين كليات (كالعلاقة الرياضية بين االقوة والكتلة والتسارع في قانون نيوتن العلمي ألا وهو القوة = الكتلة × التسارع) كما من الممكن إنتاج الوقائع من خلال انتظام العلاقات السببية (المتمثل بأنَّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها)، إذن من الممكن التعبير عن القوانين الطبيعية على أنها علاقات رياضية بين كليات وعلى أنها أيضاً انتظام العلاقات السببية فانتظام حدوث الأحداث. وبذلك يوحِّد القانون السابق بين المذهب الفلسفي الذي يحلِّل القوانين الطبيعية على أنها علاقات رياضية بين كليات والمذهب المنافس له الذي يحلِّل القوانين الطبيعية على أنها الانتظام في العلاقات السببية والأحداث فيحلّ الخلاف الفلسفي بين المذهبيْن السابقيْن. وبهذا النجاح في حلّ الخلاف الفلسفي دلالة كبرى على صدق هذا القانون.

***

حسن عجمي

في زمن تتكاثر فيه الاصوات وتتناقص فيه الرؤى، يظل الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي بشرح العالم، بل يحاول ان يمنح الوعي قدرة جديدة على النظر الى ذاته. فالفلسفة ليست حشدا من المصطلحات المعقدة، بل هي، في جوهرها، محاولة دائمة لانقاذ الانسان من السقوط في العادة الفكرية، ومن الاستسلام للمألوف بوصفه حقيقة نهائية.

ومن هنا تأتي اهمية المفكر والفيلسوف المصري أحمد عبد الحليم عطية، بوصفه واحدا من ابرز الاصوات الفلسفية العربية التي سعت الى اعادة الاعتبار للعقل النقدي، والى بناء جسر حي بين التراث الفلسفي العالمي واسئلة الواقع العربي المعاصر. فهو لا ينتمي الى ذلك النموذج الاكاديمي المنغلق داخل القاعات الجامعية، بل يمثل مشروعا فكريا واسعا انشغل بالانسان، والقيم، والحداثة، واسئلة الهوية، ومصير العقل العربي في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم.

ويأتي احمد عبد الحليم عطية بوصفه واحدا من الاصوات الفلسفية العربية التي لم تتعامل مع الفكر باعتباره مهنة اكاديمية، بل باعتباره قدرا انسانيا، وموقفا اخلاقيا.

لقد ادرك الدكتور احمد عبد الحليم عطية ان الفلسفة لا تعيش الا بالحوار، لذلك انفتح على تيارات الفكر الغربي المعاصر، من الوجودية الى التفكيكية، ومن النقد الاخلاقي الى فلسفات ما بعد الحداثة، دون ان يفقد حسه النقدي او خصوصيته الثقافية. فكان قارئا عميقا للفكر الاوروبي الحديث، وفي الوقت نفسه منحازا الى ضرورة تأسيس مشروع فلسفي عربي قادر على تجاوز التبعية الفكرية والجمود التراثي معا.

ولم يكن مشروعه الفكري مجرد قراءة للفلسفة الغربية المعاصرة، بل كان محاولة للكشف عن ازمة الانسان العربي ذاته، ذلك الانسان الممزق بين ماض لم يعد قادرا على العودة اليه، وحاضر لم ينجح بعد في بنائه. ومن هنا جاءت اهتماماته بالفكر النقدي، وفلسفات ما بعد الحداثة، والتفكيك، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، بوصفها ادوات لفهم التشققات العميقة داخل الوعي الانساني الحديث.

ويعد عطية احد رموز البحث الفلسفي في الجامعة المصرية والعالم العربي، اذ اسهم عبر كتبه وابحاثه وترجماته في اثراء المكتبة الفلسفية العربية، خاصة في مجالات الفلسفة الغربية المعاصرة، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، والفكر النقدي. كما لعب دورا ثقافيا مهما من خلال رئاسته لـ جمعية الفكر العربي، واشرافه على مجلة أوراق فلسفية، التي تحولت الى منصة للحوار الفلسفي والفكري بين اجيال متعددة من الباحثين والمفكرين.

ومن ابرز ما يميز مشروعه الفكري انشغاله العميق بالاخلاق والقيم في عصر تتآكل فيه المعايير الانسانية تحت ضغط الاستهلاك والعنف والاغتراب. فقد كان يرى ان ازمة الانسان الحديث ليست ازمة معرفة فحسب، بل ازمة معنى ايضا، وان الحضارة التي تتقدم تقنيا دون ان ترتقي اخلاقيا انما تدفع الانسان نحو فراغ روحي خطير.

كما اهتم بالفكر التفكيكي وقراءة اعمال الفيلسوف جاك دريدا، محاولا تقديم التفكيك لا بوصفه هدما للمعنى فقط، بل كآلية نقدية تكشف البنى الخفية للسلطة والمعرفة واللغة. وفي الوقت ذاته، انفتح على الفكر الانساني عند لودفيغ فويرباخ، وترجم بعض اعماله، ادراكا منه لاهمية اعادة قراءة التراث الفلسفي الاوروبي بلغة عربية دقيقة وعميقة.

لقد انفتح على فكر لودفيغ فويرباخ، واهتم بترجمة اعماله، لانه كان يدرك ان الفلسفة ليست حدودا جغرافية، بل حوار انساني طويل بين العقول عبر الزمن. لذلك جاءت ترجماته وابحاثه وكأنها محاولة لادخال العقل العربي في هذا الحوار الكوني.

ولم يكن عطية منفصلا عن هموم الواقع، فقد ادرك ان ازمة العصر ليست ازمة معرفة فقط، وانما ازمة معنى. فالعالم الحديث، رغم كل تقدمه التقني، بات اكثر وحدة وبرودة واغترابا، والانسان فيه يزداد ثراء ماديا وفقرا روحيا. ولهذا انشغل بفلسفة الاخلاق والقيم، مؤمنا بأن الحضارة التي تفقد بعدها الانساني تتحول تدريجيا الى آلة ضخمة بلا روح.

ومن اعماله الفكرية المهمة ايضا كتاب "فلسفة القيم" الذي ناقش فيه ازمة الاخلاق في العالم المعاصر، محذرا من تحول الانسان الى كائن استهلاكي فاقد للمعنى في ظل هيمنة المادة والتكنولوجيا.

وفي كتابه. الحداثة وما بعد الحداثة.. حاول قراءة التحولات الفكرية الكبرى التي اصابت الوعي الانساني، موضحا كيف انتقل العالم من الايمان بالعقل المطلق الى الشك، والتشظي، وقلق الهوية. كذلك اهتم بعلم الجمال والفكر النقدي في عدد من ابحاثه، معتبرا ان الفن ليس ترفا جماليا، بل وسيلة لفهم الانسان ومقاومة اغترابه

وتكشف هذه الاعمال مجتمعة عن مشروع فلسفي يسعى الى اعادة الاعتبار للانسان، والدفاع عن حرية العقل، وفتح ابواب الحوار بين الفكر العربي والفلسفة العالمية، بعيدا عن الانغلاق او التبعية الفكرية.

ان الكتابة عن احمد عبد الحليم عطية ليست كتابة عن استاذ جامعي فحسب، بل عن تجربة فكرية آمنت بأن الفلسفة قادرة على مقاومة التكلس، وعلى تحرير الانسان من الخوف الفكري، وعلى اعادة طرح السؤال الانساني الكبير: كيف يمكن للعقل ان يبقى حرا في عالم يمتلئ باليقينيات المغلقة؟

لذلك، فإن حضوره في المشهد الثقافي العربي لا يختزل في مؤلفاته فقط، بل يمتد الى اثره في اجيال من الباحثين والطلاب والمثقفين الذين تعلموا منه ان الفلسفة ليست حفظا للنظريات، بل شجاعة في التفكير، وقدرة على مساءلة العالم دون خوف.

ومن خلال حضوره الاكاديمي والثقافي، سواء عبر جمعية الفكر العربي او مجلة اوراق فلسفية، لم يكن يسعى الى انتاج نخبة معزولة، بل الى خلق مساحة للحوار الحر، والى اعادة الاعتبار للفلسفة باعتبارها فعل مقاومة.

وهكذا، لا يمكن النظر الى تجربة احمد عبد الحليم عطية باعتبارها مجرد مسيرة اكاديمية لرجل كتب وألف ودرّس، بل بوصفها محاولة دائمة لانقاذ المعنى في زمن يتآكل فيه المعنى نفسه. انه ينتمي الى ذلك النوع النادر من المفكرين الذين لا يسكنون الفلسفة، بل تسكنهم الفلسفة، اولئك الذين يتحول السؤال عندهم الى اسلوب حياة، ويصبح التفكير فعل مقاومة ضد السكون العقلي والتصحر الروحي.

وكان دائما ما ينبه الى ان اخطر ما يهدد الانسان ليس الفقر المعرفي فقط، بل موت الحس النقدي، حين يفقد العقل شجاعته في مساءلة ما اعتاد عليه.

لذلك ظل مشروعه الفكري منحازا الى الحرية، لا بمعناها السياسي الضيق فحسب، بل بوصفها حرية الوعي ذاته، حرية الانسان في ان يفكر خارج القوالب، وان يعيد اكتشاف العالم دون وصاية.

وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه التكنولوجيا بينما يتراجع الانسان داخليا، تبدو كتابات الدكتور أحمد عبدالحليم عطيه وكأنها تذكير دائم بأن الحضارة ليست ما نبنيه من آلات، بل ما نحمله من قيم، وان العقل الذي لا يرافقه ضمير قد يتحول الى اداة اكثر قسوة من الجهل نفسه. ومن هنا جاءت فلسفته اقرب الى دفاع انساني عميق عن الانسان المهدد بالتشيؤ والاغتراب.

ربما لا تصنع الفلسفة ضجيجا كالسياسة، ولا سلطة كالدين، ولا اغراء كالمال، لكنها وحدها القادرة على ان تمنح الانسان تلك اللحظة النادرة التي يرى فيها نفسه والعالم بعيون اكثر صدقا. ولهذا يبقى احمد عبد الحليم عطية واحدا من الاصوات التي حاولت ان تبقي باب السؤال مفتوحا في وجه العتمة، وان تذكرنا بأن الفكر ليس ترفا، بل احد آخر اشكال النجاة الممكنة للانسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجمال بوصفه تشريعاً للخيال والحرية

منذ أن انشقّ الوعي الإنساني عن يقيناته الأولى، لم يعد الجمال ترفاً حسّياً يُضاف إلى العالم، بل صار طريقةً في فهم الوجود نفسه؛ إذ إنّ علم الجمال، أو الأستاطيقا، لم يولد بوصفه تأملاً في الزينة أو المحاكاة، وإنما وُلد بوصفه ارتجاجاً عميقاً في بنية الفكر الغربي، وانقلاباً على النظام الدوغمائي الذي كان يضع الذات في تبعيةٍ مطلقة لموضوعٍ مفارق وثابت. ولهذا بدا ظهور الأستاطيقا الحديثة متزامناً مع ما سمّاه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط «الثورة الكوبرنيكية» في الفلسفة؛ تلك الثورة التي لم تغيّر مسار المعرفة فقط، بل غيّرت صورة الإنسان عن نفسه، وعن علاقته بالعالم، وعن معنى الإدراك والخيال والحرية.

لقد كان العالم، قبل هذه القطيعة الكانطية، يُفهم بوصفه حقيقةً جاهزةً تقف خارج الذات، بينما يُنظر إلى العقل كمرآةٍ سلبيةٍ تعكس الموجودات كما هي. غير أنّ كانط زعزع هذا التصور من جذوره حين أعلن أن العقل لا يستقبل العالم فحسب، بل يشارك في بنائه وإضفاء معناه؛ فالذات ليست مستودعاً خاملاً للمعرفة، وإنما هي قوة تشريعية تمنح الظواهر انتظامها وإمكان ظهورها. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: إنّ الإنسان «مشرّع الطبيعة». أي إنّ الطبيعة، كما تُدرَك، ليست معطىً خالصاً، بل هي حصيلة تفاعلٍ خلاق بين الحسّ والمقولات والوعي.

في هذا التحول الجذري، لم يعد الجمال مجرد خاصيةٍ في الأشياء، بل أصبح تجربةً تنكشف فيها حرية الذات وهي تؤسس علاقتها بالعالم دون إكراهٍ مفهومي أو منفعةٍ عملية. فالحكم الجمالي عند كانط لا يقوم على المعرفة ولا على الأخلاق، بل على ذلك الانسجام الحرّ بين المخيلة والفهم؛ ذلك الاهتزاز الداخلي الذي يجعل الروح تشعر بأنّ العالم قابلٌ لأن يُحَبّ قبل أن يُفهَم، وأن يُتأمّل قبل أن يُستعمل.

ولعلّ أعظم ما اكتشفته الأستاطيقا الحديثة هو أنّ المخيلة ليست أداةً ثانوية تزيّن الواقع، بل هي القوة السرية التي تمنح الإدراك نفسه حيويته. فالمخيّلة، في التصور الكانطي، ليست مجرد خزانٍ للصور، وإنما طاقة توليدية قادرة على خلق إمكاناتٍ جديدة للحدس والمعنى. إنها الوسيط الخفيّ بين الحسّ والعقل، بين المادة والصورة، بين الفوضى والقانون. ولذلك قال صموئيل تايلور كولريدج إنّ المخيلة «قوة توحيدية» تعيد خلق العالم في داخل الذات، لا عبر نسخه، بل عبر بعثه من جديد.

ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الجمال بالحرية منذ نشأته الفلسفية الحديثة؛ لأنّ التجربة الجمالية هي اللحظة التي يتحرر فيها الإدراك من قسر المنفعة ومن صرامة المفهوم. ففي تأمل لوحةٍ أو قصيدةٍ أو معزوفةٍ موسيقية، لا نبحث عن حقيقةٍ علمية ولا عن غايةٍ نفعية، بل نختبر انفتاحاً داخلياً يجعل الذات أكثر اتساعاً وقدرةً على الإنصات لما هو غير قابلٍ للاختزال. ولذلك رأى فريدريش شيلر أنّ الجمال هو المجال الذي يتصالح فيه الإنسان مع ذاته، لأنّ الإنسان لا يكون إنساناً كاملاً إلا حين يلعب؛ أي حين يتحرر من الضرورة ويدخل فضاء التشكيل الحرّ.

إنّ الفن، وفق هذا المعنى، ليس محاكاةً للعالم، بل إعادة اختراعٍ له. والقصيدة العظيمة لا تصف الأشياء كما هي، بل تكشف ما كان خفياً فيها. ولهذا كان مارتن هايدغر يرى أنّ العمل الفني ليس شيئاً جميلاً فحسب، بل هو انكشافٌ للحقيقة؛ إذ إنّ الحقيقة، في الفن، لا تظهر بوصفها برهاناً، وإنما بوصفها إشراقاً. إنّ القصيدة لا تقول العالم، بل تجعله يحدث من جديد داخل اللغة.

وهنا تبلغ اللغة ذروتها الجمالية؛ فاللغة ليست أداة نقلٍ محايدة، وإنما بيت الوجود كما يقول هايدغر. والكلمات، حين تبلغ كثافتها الشعرية، تتحول إلى كائناتٍ حيّةٍ تُنصت إلى ما وراء المعنى المباشر. ولذلك كان رومان ياكوبسون يرى أنّ الوظيفة الشعرية للغة تقوم على تركيز الرسالة على ذاتها؛ أي على جعل اللغة تُظهر مادتها وإيقاعها وتوتراتها الداخلية، لا أن تكون مجرد قناة عبورٍ نحو المعنى.

ومن هذا المنظور، يصبح الجمال نوعاً من المقاومة ضد الابتذال والاعتياد؛ لأنّ الإنسان، حين يفقد قدرته على الدهشة، يفقد شيئاً من إنسانيته العميقة. إنّ الجمال ليس زينةً للحياة، بل إنقاذٌ لها من التشيؤ. ولهذا كتب ثيودور أدورنو أنّ الفن الحقيقي يحمل دائماً أثراً من السلب والاحتجاج؛ لأنه يرفض أن يذوب العالم في المنفعة الخالصة أو في النظام التقني البارد.

إنّ الأستاطيقا، بهذا المعنى، ليست علماً للجمال فحسب، بل هي تفكيرٌ في الحرية والخيال والوعي والزمن. إنها محاولة لفهم كيف يستطيع الإنسان أن يخلق عالماً آخر داخل العالم؛ عالماً لا تحكمه الضرورة وحدها، بل تحكمه القدرة على التخيّل والتجاوز وإعادة التشكيل. ومن هنا كان الجمال حدثاً روحياً قبل أن يكون خاصيةً حسية؛ لأنه يكشف أنّ الإنسان ليس كائناً يستهلك الواقع فقط، بل كائنٌ يعيد تأويله باستمرار.

وحين تبلغ المخيلة أقصى حريتها، لا تعود الطبيعة معطىً جاهزاً، بل تصبح إمكانيةً مفتوحة. وهنا يظهر أصل الحسّ الجمالي: ذلك الحدس الذي يخلق طبيعةً أخرى، لا تُقاس بقوانين المادة وحدها، بل بأحداثٍ روحيةٍ خالصة؛ طبيعةٍ تُولد فيها الأشياء من جديد داخل الرؤية، ويصبح العالم فيها أقلّ صلابةً وأكثر قابليةً للحلم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة برلين

في كثير من الأحيان نعتقد أن النجاح مرتبط بالحماس اللحظي أو التحفيز المؤقت، فنبحث باستمرار عن كلمات تشعل فينا الدافعية والهمة والنشاط، أو مقاطع تحفزنا لبضعة لحظات أو أيام، ثم لا يلبث ذلك الحماس أن يخبو مع أول تعب أو ضغط أو انشغال. لكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الأفراد والأمم أن ما يصنع الإنجاز الحقيقي ليس التحفيز المؤقت، بل الانضباط الذاتي والجمعي المستمر.

فالانضباط ليس مجرد التزام بالقوانين أو المعايير أو الحضور في الوقت المحدد، بل هو منظومة فكرية قائمة على الوعي والسلوك الذي يتشكل منذ الطفولة، وتنمو مع الإنسان عبر ما يتعلمه ويمارسه يومياً في تنشئتة داخل البيت والمدرسة والجامعة ومكان العمل. إنه أسلوب حياة ينعكس على طريقة التفكير، وإدارة الوقت، وتحمل المسؤولية، واحترام النظام، والقدرة على الاستمرار حتى في غياب الحماس والتحفيز.

فيعد المجتمع الياباني على سبيل المثال من أكثر المجتمعات التزاماً وانضباطاً في العالم. فالفرد هناك يتربى منذ سنواته الأولى على الاعتماد على النفس، واحترام الوقت، وتحمل مسؤولية أقواله وأفعاله، والالتزام بإنجاز المهام التي يوكل بها بدقة وجودة عالية. لذلك أصبحت ثقافة الانضباط جزءاً من الهوية الحضارية والمجتمعية، وليست مجرد تعليمات أو رقابة خارجية تفرضها أصحاب السلطات والمسؤولين. ولهذا استطاعت اليابان أن تبني نموذجاً متقدماً في التعليم والعمل والإنتاج رغم التحديات والكوارث والحروب والدمار الشامل التي مرت بها عبر التاريخ.

وفي المقابل، فإن ديننا الإسلامي الحنيف سبق كل النظريات الحديثة في الدعوة إلى الانضباط والعمل الجاد؛ إذ حث على الرقابة الداخلية والإخلاص في العمل وإتقانه، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والوفاء بالعهود والوعود، وتنظيم شؤون الحياة. فالصلاة نفسها مدرسة يومية للالتزام بالمواعيد والانضباط، والعمل عبادة حين يؤدى بإخلاص وإتقان.

إن المجتمعات التي تربي أبناءها على الانضباط لا تحتاج كثيراً إلى الرقابة والعقوبات، لأن الإنسان يصبح رقيباً ومحاسباً لذاته. بينما يؤدي غياب الانضباط إلى الفوضى وإنعدام المسؤولية، وتأجيل الأعمال، وضعف الإنتاجية، وتراجع جودة الأداء مهما توفرت الإمكانيات والقدرات.

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم هو الاعتماد المفرط على “التحفيز المؤقت” دون بناء عادات إيجابية وسلوكيات ثابتة. فالحماس قد يدفعك للبدء والاندفاع اللحظي والوقتي، لكن الانضباط وحده هو الذي يجعلك تستمر وتكمل المسير بالرغم من الإحباطات والعراقيل التي قد تعترض الطريق المؤدي للأهداف الموضوعة. فالحماس قد يجعلك تضع خطة، لكن الانضباط هو ما يجعلك تلتزم بها يوماً بعد يوم وتصل إلى غاياتك.

لذلك، فإن بناء الإنسان المنضبط يجب أن يبدأ مبكراً، عبر التربية والإعداد في الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختلفة، من خلال غرس قيم المسؤولية، واحترام الوقت، والاعتماد على النفس، والالتزام بالواجبات، وتحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية متكررة حتى تصبح جزءاً من الشخصية.

في العمل هناك فرق كبير بين الموظف المنضبط والموظف الذي يعتمد فقط على التحفيز. فالموظف المنضبط يعمل بجد واجتهاد حتى في أصعب الظروف، لأن الالتزام والاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية أصبحوا جزءاً من شخصيته. أما الموظف الذي ينتظر التحفيز باستمرار، فقد يشتعل نشاطه وهمته لفترة قصيرة ثم يخبو سريعاً. التحفيز يساعد على البداية… لكن الانضباط هو سر الاستمرار. فالنجاح الحقيقي لا يعتمد على المزاج، بل على العادات اليومية والعمل المتراكم. وإن كل إنجاز كبير خلفه إنسان التزم رغم التعب والضغوط. لذلك، اجعل الانضباط أسلوب حياة وليس مجرد حالة مؤقتة ما تلبث أن تنتهي من حيث بدأت.

فالانضباط ليس قيداً على الإنسان، بل هو الطريق الحقيقي لحريته وإنجازه وتقدمه. وهو القوة الصامتة التي تصنع الأفراد الناجحين، والمؤسسات المتميزة، والأمم المتقدمة.

***

د. أكرم عثمان

19/5/2026

مقدمة: لا يُعدّ التفسير في القانون الجزائي غاية مستقلة بذاتها، وإنما هو أداة لتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصيانة الحرية الفردية؛ لذلك يضيق حيث يُخشى التعسف في العقاب، ويتسع حيث تكون الغاية تعزيز الضمانات وتحقيق العدالة.

وتبعاً لذلك، تختلف حدود التوسع في التفسير أو جواز القياس بحسب طبيعة القاعدة الجزائية والغاية التي شرعت من أجلها، إذ تُقسم القواعد الجزائية، من حيث طبيعتها وآثارها، إلى قواعد جزائية إيجابية، وقواعد جزائية سلبية، وقواعد إجرائية.

أولاً: القواعد الجزائية الإيجابية

ويقصد بها النصوص التي تُنشئ الجريمة أو تُقرر العقوبة.

والأصل فيها عدم جواز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، تطبيقاً لمبدأ الشرعية الجنائية القائم على قاعدة: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص».

فالقاضي الجزائي يلتزم بالتفسير الضيق للنص، ولا يجوز له التوسع في التجريم أو استحداث جرائم أو عقوبات أو حالات لم ينص عليها القانون صراحة، لأن في ذلك مساساً بالحريات الفردية وخروجاً على مبدأ المشروعية.

ومن ثم، فإن القياس في مجال التجريم والعقاب يُعدّ محظوراً، لأنه يؤدي عملياً إلى خلق نصوص جزائية جديدة بغير إرادة المشرّع.

ثانياً: القواعد الجزائية السلبية

ويقصد بها القواعد التي تستبعد الصفة الجرمية عن الفعل، أو تمنع قيام المسؤولية الجزائية، أو تؤدي إلى الإعفاء من العقوبة، كأسباب الإباحة، وموانع المسؤولية، وقوانين العفو.

ويجوز التوسع في تفسير هذه القواعد متى كان ذلك لمصلحة المتهم ومنسجماً مع إرادة المشرّع، لأنها لا تُنشئ تجريماً جديداً ولا تُشدد العقاب، بل تتجه نحو الأصل العام، وهو براءة الذمة وحماية الحرية الفردية.

ومن أمثلتها: الدفاع الشرعي، وحالة الضرورة، والعفو العام أو الخاص.

أما القياس، فيذهب جانب مهم من الفقه والقضاء إلى جوازه في القواعد الجزائية السلبية، استناداً إلى الحكمة التشريعية والغاية التي توخاها المشرّع.

ومن التطبيقات البارزة لذلك ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في تفسير مبدأ “الحصانة العائلية” المنصوص عليه في قانون العقوبات الفرنسي، والذي يمنع الملاحقة الجنائية في بعض جرائم الأموال المرتكبة بين الزوجين، كالسرقة، وفقاً للمادة 311-12 من قانون العقوبات الفرنسي.

وقد وسّع القضاء الفرنسي نطاق هذه الحصانة لتشمل جرائم أخرى، كالاحتيال وخيانة الأمانة والابتزاز، باعتبارها امتداداً لفكرة الحصانة العائلية التي تقوم على حماية الروابط الأسرية.

استثناءات الحصانة الزوجية

تُستبعد هذه الحصانة ويُعاقب الزوج في حالات معينة، من أبرزها:

سرقة أو اختلاس الوثائق والمستندات الشخصية أو وسائل الدفع، كبطاقات الائتمان والهواتف.

صدور قرار قضائي يجيز للزوجين العيش منفصلين، إذ تسقط الحصانة بمجرد الانفصال القضائي.

الطبيعة المدنية للحصانة

لا يعني الإعفاء من المسؤولية الجزائية ضياع الحق المالي، إذ يبقى للزوج المتضرر الحق في المطالبة بالتعويض أو استرداد الأموال أمام القضاء المدني، وتختلف وسائل الحماية المدنية تبعاً للوضع القانوني والمالي للزوجين.

ثالثاً: القواعد الجزائية الإجرائية

أما القواعد الإجرائية، كإجراءات التحقيق والمحاكمة وطرق الطعن، فإن الأصل جواز التوسع في تفسيرها متى كان ذلك محققاً للغاية التي شرعت من أجلها، وهي حسن سير العدالة وضمان حقوق الدفاع.

اذ يعتبر قانون الإجراءات الجنائية (أصول المحاكمات الجزائية) "خادمًا للعدالة"، ولذلك فإن تفسير قواعده ومرونتها أمر ضروري للوصول إلى الحقيقة وتحقيق "حسن سير العدالة"

غير أن هذا التوسع يجب أن يبقى مقيداً بعدم الإضرار بالمتهم أو الانتقاص من ضمانات المحاكمة العادلة، لأن الإجراءات الجزائية وُجدت أساساً لتحقيق التوازن بين حق الدولة في العقاب وحق الفرد في الحماية القانونية، دون أن يصل ذلك إلى حد إنشاء إجراءات جديدة تمس الحرية الفردية بغير سند قانوني.

ويعني جواز التوسع في القواعد الإجرائية منح القاضي سلطة تقديرية في تفسير النصوص وتكييف الإجراءات بما يخدم العدالة ويضمن حقوق الدفاع.

ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك:

تفسير الشك لمصلحة المتهم إذا احتمل النص الإجرائي أكثر من معنى.

قبول الأدلة الدفاعية المستحدثة أو سماع شهود جدد ضماناً لحق الدفاع.

قبول بعض الطعون أو المذكرات بعد انتهاء المدد القانونية في حالات القوة القاهرة أو الأعذار المشروعة.

منح القاضي سلطة تقديرية في تخفيف أو تبديل التدابير الاحترازية، كالتوقيف أو المنع من السفر، بما يتناسب مع الظروف الشخصية والصحية للمتهم.

الخطوط الحمراء للتوسع في القواعد الإجرائية

لا يجوز التذرع بتحقيق "حسن سير العدالة" لتبرير تجاوزات تمس حقوق المتهم أو تخل بحقه في الدفاع.

كما ان أي توسع إجرائي يؤدي إلى المساس بحق جوهري للمتهم أو التضييق عليه يعد باطلاً، لأن الغاية الأولى للإجراءات هي حماية حقوق الأفراد وضمان محاكمة عادلة ونزيهة.

خلاصة

إن معيار جواز التوسع في التفسير أو القياس في النصوص الجزائية يرتبط بطبيعة القاعدة القانونية ووظيفتها؛ فحيث يتعلق الأمر بالتجريم والعقاب يضيق التفسير حمايةً للحرية الفردية، وحيث يتعلق الأمر بضمانات المتهم وتحقيق العدالة الإجرائية يتسع نطاق التفسير والقياس، ضمن حدود مقاصد المشرّع ومبادئ المشروعية والعدالة.

***

فارس حامد عبد الكريم

في المساق الماضي انتهينا مع (ذي القُروح) إلى أنه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل «المسكوت عنه» على الملأ ليفهم القارئ. بل في هذا فساد في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء،  فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كل شاردةٍ وواردة، تمخَّضت تلك المدرسة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل. وإذا كان البلغاري (تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov ، -2017) قد ناقش إعاقات (القراءة الشارحة)، فقبلها تأتي إعاقات (الكتابة الشارحة). وهي أُسُّ الإعاقات الأسلوبيَّة، في الأدب خاصَّة. ولقد جاءت نظريَّة التلقِّي عند الأكاديمي الألماني (هانز روبرت ياوس Hans Robert Jauss، -1997)، بمفهومه حول ما يسمِّيه (أُفق التوقُّع horizon of expectation)، ثمَّ لدَى زميله (ولفجانج آيزر Wolfgang Iser، -2007)؛ كي تكافح تلك العقليَّة التقليديَّة في الكتابة والقراءة؛ فتقول إنَّ القراءة استكمالٌ للكتابة، ومَلْءٌ لفراغاتٍ فيها، وإنَّ النصَّ لا يكتمل بكتابته، بل يظلُّ ينمو بقراءة قُرَّائه ومتلقِّيه. وهذا لا يتعلَّق بالأدب دون غيره، وإنْ كان يتجلَّى في الأدب على نحو خاص؛ لطبيعة النصِّ الأدبي، متعدِّدة المعاني والأوجه. على أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة والقراءة ووظيفتيهما إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! فقلتُ:

ـ من جانبٍ آخَر، فإن الحُرمات الثلاث المتعلِّقة بـ(الدِّين والجِنس والسياسة)، ليست في واقعنا العَرَبي أو الإسلامي فحسب، بل هي في كلِّ العالم كذلك، وإنْ بنِسَبٍ متفاوتة، بحسب الخلفيَّة الثقافيَّة، وخاصيَّتي التحضُّر و«التَّبربر».

ـ صدقتَ. وأُمَّةٌ وثنيَّة- كـ(اليابان) مثلًا، على مكانتها الصناعيَّة- لا يمكن أن تكون معيارًا، فيما تُبيح وتحرِّم، لشعبٍ آخَر. ومن ثَمَّ لا يسوغ أن يُستشهَد بها نموذجًا تطوُّريًّا في كشف المحرَّمات مقابل وصف غيرها بالتخلُّف في هذا السياق. ثمَّ لماذا افتراض خطأ مجتمعنا مطلقًا وصواب أيِّ مجتمع آخَر، مهما كان متخلِّفًا من الناحية القيميَّة؟! إنَّ إنكار ضرورة الحذر في التعامل مع بعض «تابوهات» حياتنا يعني إنكار مكوِّنات ضروريَّة في حياة الإنسان والمجتمع. والقفز على هذا ضربٌ من تجاهل الواقع، وتدمير الذات والآخَر، بلا رويَّة ولا حكمة. ولا شكَّ أنَّها تظلُّ مشكلتنا في هذا الميدان تلك الثنائيَّات، التي يرفع كلٌّ شعارَ لافتاته من خلالها ليقف تحتها. فلكيلا نقول بإرضاء المجتمع التقليدي، فلنقل بإرضاء الذات، أو شريحة ما من المجتمع، أو تيار معيَّن، أو إرضاء السُّوق الشرائي، العاطفي والغريزي؛ لأنَّ «القمهور عاوز كدا». وبين هذين البُعدَين تترنَّح ثقافتنا في قراءاتها، بلا منهاج قويم، ولا نيات جادَّة نحو الإصلاح، ولكن بعاطفيَّة ثأريَّة غالبة، متعصَّبة ومتناقضة. وفي الشأن الروائي، تحديدًا، تقفز أسئلةٌ تفرضها الموجة الأيديولوجيَّة، غير الأخلاقيَّة، التي كثيرًا ما تتبنَّى خطًّا تصادميًّا مراهقًا مع المجتمع في أعمالها، فتَخرج بمثابة «بيانات صحفيَّة متشنِّجة» ضِدَّ المجتمع ومؤسَّساته، فلا هي تُضيف إلى الفنِّ الروائي، ولا هي تُعالج قضايا الإنسان والحياة، ولا تُؤدِّي إلى أيِّ هدفٍ نوعيٍّ، أدبيٍّ أو اجتماعيٍّ. وإنَّما هي منشغلة بالتنفيس عن مكبوتات، قد تكون شخصيَّة، من جهةٍ، وبالمتاجرة الإعلاميَّة والماليَّة باسم النهضة الروائيَّة، من جُلِّ الجهات.

ـ هل النموذج الروائي نموذجٌ شرِّيرٌ منحطٌّ بالضرورة؟

ـ لا، ولكن حينما يواجَه كاتبٌ بأنَّ نماذجه- التي يسمِّيها إنسانيَّة- تنصبُّ على نماذج قبيحة، وربما مشوَّهة، تُشيع القبح في النفوس، والفاحشة بين الناس، وتحبِّب الرذيلة، بدل أن تنفِّر منها، وتطبِّع الناشئة على تقبُّل تلك النماذج وتهوين أمرها، والتسليم بسلوكيَّاتها، وربما محاكاتها، يقول لك: هذا هو الواقع المسكوت عنه، ولستُ بمصلحٍ اجتماعي! وهو هنا يُراوغك ليدافع عن بضاعته، من وجه، ولكي يكذب على المتلقِّي من وجهٍ آخَر، بإيهامه بأنَّه إنَّما ينقُد تلك النماذج ويعرِّيها، ولا يبشِّر بها ويسوِّغها في الذَّوق العام!

ـ ثمَّ لماذا التركيز على تلك الشخصيَّات المريضة وحدها؟ لماذا الانتقائيَّة، ما دام الكاتب يصوِّر الحياة والواقع بشموليَّته كما يزعم؟

ـ إنَّ الاختيار وافد العقل والذوق. أم تُرَى الغِنَى النفسي والاجتماعي ليس إلَّا في تلك النفوس المريضة؟ كلَّا! وليس هناك روائيٌّ حقيقيٌّ إلَّا يصوِّر مختلف الشخصيَّات، وبحياد، ولهدفٍ ضِمني. لكن تلك إجابة كاتبٍ صغيرٍ، مربوطٍ في مِذْوَدٍ أيديولوجي، أو على موجة هوًى تجاريٍّ ما، بلا موهبةٍ تؤهِّله لذلك المخاض الإنساني، ولا فِكرٍ يُقيله عن تلك الإجابة المعوقة.

ـ معنى هذا أنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح؟

ـ حتمًا من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح. أم تُرى من وظيفته التشويه والإفساد؟! لكن لا تنس أنَّ الكُتَّاب بَشَر في النهاية، ومنهم أنفسهم مرضَى نفسيُّون، ومنحرفون، ومجرمون! فلماذا نفترض أنَّ كتَّاب الرواية متجرِّدون ممَّا يكتبون من أمراض؟ ولا ينفصل النصُّ عن شخصيَّة الناصِّ الذهنيَّة والنفسيَّة، بإطلاق. نعم، قد لا يعبِّر عنها مباشرة، لكنَّ الكاتب مخبوء في ما كتبت يده، شاء أم أبى، بعُقَده النفسيَّة والاجتماعيَّة. ومن هنا تأتي مسؤوليَّة الكاتب، التي لا تنصُّل منها، والتنصُّل إثمٌ إضافي. ولذا فإنَّ أيَّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنِّـيَّة لا بطريقةٍ واعظةٍ مباشرة- هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع، ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة، تقع تحت طائلة القانون.

ـ كلامك يذكِّرني بمقولة «السِّجن تهذيبٌ وإصلاح»! وهنا يجب أن توضح دلالة «التهذيب والإصلاح»، قبل أن يبطش بك الباطشون!

ـ مَن يُصدِّق أنَّ القول بأنَّ الأدب تهذيبٌ وإصلاحٌ تستفزُّ بعض مَن لا يرون الأدب كذلك، إنْ لم يروه بعكس ذلك! وهذا ما حدث بالفعل، حينما ذكرتُ هذه العبارة في مناسبة سابقة! فاستشاط حَرَدًا بعض المعنيِّين والمعنيَّات بالأمر! وحينما نقول إنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح، قد يظهر علينا من يتظاهر بعدم الفهم، فيعمد إلى التدليس، قائلًا: كيف (تَقْصُر) وظيفة الفنِّ على التهذيب والإصلاح؟ وكيف تقول: إنَّ (ما يكتبه المبدع) هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة تقع تحت طائلة القانون؟ ويأخذ صاحبنا في التباكي على حُريَّة الإبداع وحقوق المبدعين، وضرورة كشف المسكوت عنه؛ لأنَّه حين كشفنا المسكوت عنه المتعلِّق بشخصه الكريم، زَعِل. وإذ نعود إلى أُفهوم  «التهذيب الإصلاح» المراد ندرك أنه ينبغي أن يكون أرحب من اختزاله في الجوانب التربويَّة وأشمل من المعاني التوجيهيَّة المباشرة، التي يجفل منها الناس لعُقَد طفوليَّة أو اجتماعيَّة أو تعليميَّة. ولذلك أُشِيرَ إلى أنَّ التهذيب المقصود هو «بالطريقة الفنيَّة لا بطريقة وعظيَّة مباشرة». وتلك حُجَّة (أرسطو) على (أفلاطون)، حينما أبان له أنَّ الشِّعر المسرحيَّ أو المسرح الشِّعريَّ يُصلِح ويُهذِّب أيضًا، ولكن ليس بطريقة الخطيب، وإنَّما بأسلوبه الخاص، فلا يلزم أن تكون رسالته مباشرة؛ بل يكفي أن يعرض الجريمة مثلًا- بصورةٍ منفِّرة طبعًا لا دعائيَّة محبِّبة فيها- لينفِّر منها المتلقِّي، وهو ما دعاه بـ(التطهير أو التنفيس: Catharsis). والأمر في هذا واضح، لكنها المغالطات للاصطياد في الماء الصافي.

ـ ألا ترَى أنَّ بعض أرباب الفنون- التي يُفتَرض أنها جميلة- في عالمنا العَرَبي، المنكوب بأبنائه، قد تخلَّى خلال العقود الأخيرة عن قيمتَي الفنِّ: الفنيَّة والأخلاقيَّة معًا.

ـ وكأنَّهم بذلك يقدِّمون الذرائع للقائلين بتحريم الفنون، جملةً وتفصيلًا. إذ لم تعُد تجد في العمل من تلك الأعمال لا جمالًا، ولا متعة، ولا رسالة. بل الأسوأ من ذلك كلِّه أن تبدو رسالة العمل، المنعوت بالفنِّي، منصبَّةً على ترسيخ قَيَمٍ اجتماعيَّةٍ وإنسانيَّةٍ ترفضها العقول السَّويَّة. وباتت الإثارة في تلك الأعمال لمحض الإثارة، مع ما يتمخَّض عن الإثارة من الابتزاز المالي والعاطفي لجمهرة من سُوقة الناس. باتت التراجيديا للتراجيديا، والكوميديا للكوميديا، مع أنَّ هذين الفنَّين- حسب تاريخهما الإنسانيِّ منذ المسرح اليوناني واحتجاجات (أرسطو) على (أفلاطون) لتبرير وظيفتهما التوعويَّة والأخلاقيَّة- كانا أسلوبَين فعَّالَين في التعليم والتربية. يتوسَّلان قوالب ممتعة ومؤثِّرة، من أجل تصوير حياة الإنسان ومعاناته، بهدف بثِّ رسائل تبصِّره وترشده وتحميه. ولم يكونا تجارةً، أو عبثًا طفوليًّا، كحالهما في معظم الدراما العَرَبيَّة. إذ بات تسوُّل الضحك أو البكاء يبرَّر بأيِّ وسيلة، مهما كان الضحك فجًّا ولا أخلاقيًّا، أو كان البكاء من (متلازمات ما قبل الحيض)! ومن الضحكِ نفسه ضحكٌ أخلاقيٌّ ولا أخلاقي؛ فما كان منه ذا دوافع نفسيَّة طبيعيَّة، ووظائف تربويَّة مباشرة أو غير مباشرة، بريئًا من السُّخرية الجارحة أو العنصريَّة، ممَّا نهت عنه الشرائع والمواضعات كافَّة، فهو سلوك إنساني وصحي. غير أنَّ من الضحك، أو إثارة الضحك، ما هو غير أخلاقي، كأنْ يسخر قومٌ من قوم، كما جاء في الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ، عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلا نِسَاء مِن نِسَاء، عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ، بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ، وَمَن لَمْ يَتُبْ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.» فسمَّت الآية ذلك السلوك «ظُلمًا». وهو ظُلْمٌ للذات والمجتمع معًا. وما يحدث في بعض الأعمال التي تُسمَّى فنِّية يقترف ثلاثة أنوع من الظُّلم، ظُلم الذات، وظُلم الفنِّ بتتفيهه، وظُلم الناس بازدراء قِيَمهم، ومشاعرهم، ومن خلال ذلك ابتزاز جيوبهم وعقولهم ونفوسهم. وما الملهاة العَرَبيَّة في معظمها إلَّا نموذج لواقعنا الثقافي والأخلاقي: من سخرية أهل بلدٍ من أهل بلد، أو أهل منطقةٍ في البلد الواحد من أهل منطقة أخرى، أو من أشخاص، أو طوائف، أو فئات اجتماعيَّة، أو حتى من ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصَّة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

وكما تستعملها الاوساط الاخرى[1]

 قبل الخوض في تعريف الثقافة نقول: ان معظم المحاولات التي بذلت لتفسير النمط الثقافي العام بدأت بما يسمى بالوحدة النفسية لبني البشر[2]، أي ان جميع الشعوب المعاصرة تتشابه في الجوانب الاساسية من تركيبها وتجهيزها النفسيين فضلا عن وجود أوجه شبه كثيرة بين ثقافاتها كامتلاك كل ثقافة لغة ومراسيم الجنازات والزواج و...، وذلك بصرف النظر عن الفروق الجسمية والجغرافية القائمة بينها هناك عدة عوامل لعبت دورا مهما في تشابه هذه الثقافات منها انتقال الثقافات عن طريق الهجرة وكذلك عن طريق الاحتكاك والاقتباس. كما يجب ان لا ننسى ان جميع الثقافات تتشابه لان هناك مجموعة من الدوافع الفطرية المتماثلة والتي تحفز الناس في كل مكان على العمل وتوجه سلوكهم في خطوط متوازية. اما الفروق الثقافية بينها فتعود[3] إلى ان الكائنات البشرية رغم التشابه الاساسي بينها، فإنها تستجيب للمنبهات او الظروف المختلفة بطرق متفاوتة.

ان فكرة الثقافة لدى علماء الانثروبولوجيا[4] والاوساط العلمية الاخرى (كما الحال عند رجال الاعمال والاطباء والادباء والفلاسفة و...) تحمل في طياتها فكرة التدخل الانساني، أي اضافة شئ إلى حالة من الحالات الطبيعية او ادخال تعديل عليها.. وهناك عدة مدارس تناولت موضوع التغير الثقافي[5] منها:

1- المدرسة الانجليزية التي نادى مؤسسوها (اليوت ، سمث ، وبري) بمبدأ الانتشار الثقافي أي انتقال معالم الحضارة من مكان ما إلى بقية انحاء العالم.

2- المدرسة الالمانية النمساوية المسماة بالمدرسة الثقافية التاريخية التي تستند إلى فرضيات وضعها العالمان فرتز جرايبنر وزميله فوي وطورها بعدهما الاب شمدت والتي لا تفترض وجود مصدر اصلي واحد للحضارات المختلفة انما يقترحون وجود سلسلة من الحلقات الثقافية.

وتشدد هاتان المدرستان على الصفة التاريخية للثقافة مما ادى إلى ولادة مدرسة ثالثة مناقضة للمدرستين، أي لا تلتزم وجهة النظر التاريخية بل تعني بظاهرة الاستقرار الثقافي فتتخذها اساسا لابحاثها.

في نقاش جرى بين علماء الانثروبولوجيا ومجموعة اخرى من علماء العلوم الاخرى[6] وقف احد الانثروبولوجيين وقال: (ايها السادة ان قدر الطبخ يمثل نتاجا ثقافيا يستوي في الاهمية مع اية قطعة موسيقية من تلحين بتهوفن او موزارت...)، ما قاله الانثروبولجي يذكرني بمقابلة أجرتها احدى المجلات العربية مع زوجة الرئيس اللبناني ألياس هراوي حين قالت: (المرأة اللبنانية تفضل دائما ان يدعو زوجها اصدقاءه إلى وليمة غداء أو عشاء في بيته بدلا من خارجه كي تظهر مهارتها من خلال المقبلات ووجبة الاكل.. اي بمعنى آخر المرأة اللبنانية تريد ان تكشف عن ثقافتها من خلال مهارتها في اعداد قدر الطبخ ومقبلاته.

الا ان احد رجال الاعمال المشاركين في الحوار قال: (اما انا فزوجتي تعتقد ان الشخص لا يكون مثقفا الا اذا استطاع التحدث عن اليوت وبيكاسو و...).

من هنا لا بد ان يتبادر إلى الذهن تساؤل هو: (هل ثمة فرق بين الحضارة Civilization (مجموعة ما ابدعه الفكر من منجزات مادية ومعنوية مثل المعارف والفنون والاداب والاثار) والثقافة Culture (التي هي مجموعة الافكار والعادات التي يتعلمها الناس وينقلونها من جيل لآخر) وللاجابة عن سؤال كهذا لا بد لنا ان نفهم ما يعنيه علماء الانثروبولوجيا في مفهوم الحضارة.. فلو طلبت من عالم انثروبولوجي أن يعرف لك الحضارة لما تردد بالقول: (الحضارة هي ثقافة اهل المدن الذين اتجهوا دائما الى تطوير نمط معقد نسبيا من الحياة.. انهم نجحوا في تطوير لغة مكتوبة) الا ان علماء الاجتماع Sociology يميزون بين الحضارة بوصفها المجموع الاجمالي للوسائل البشرية وبين الثقافة باعتبارها المجموع الاجمالي للغايات البشرية.. وقد يتبادر إلى الذهن (وكما قال أحد الاقتصاديين الذي حضر الندوة) وكان علماء الانثروبولوجيا من خلال كتاباتهم يستخدمون المصطلحين (الثقافة والمجتمع) وكأنهما مرادفتان، الا ان الحقيقة ليست كذلك لان علماء الانثروبولوجيا يعرفون المجتمع بانه (جماعة من الناس تعلم اعضاءها ان يعملوا معا) اما مصطلح الثقافة فيدل (على النمط المميز للحياة التي تعيشها هذه الجماعة) الا ان تعريفاً كهذا غير مقبول لدى الفلاسفة، لانهم يفهمون الثقافة (بانها ضرب من التجريد) اما المجتمع فلا يدل على مفهوم مجرد، أي بمعنى اخر بامكانك رؤية الافراد الذين يتألف منهم المجتمع ولكنك لا تستطيع ان ترى الثقافة او تلمسها.. وبالحقيقة مفهوم كهذا مقبول إلى حد ما، الا ان علماء الانثروبولوجيا يردون على ذلك بقولهم (صحيح انك ترى الكائنات البشرية التي يتألف منها المجتمع الا انك لا تستطيع رؤية الثقافة مثلما لا تستطيع رؤية الجاذبية والتطور. ومثلما لا تستطيع التخلي عن الجاذبية والتطور لا تستطيع التخلي عن الثقافة ايضا، ولكنك وبنفس الوقت ترى الأشياء التي صنعها اعضاء المجتمع وبامكانك ملاحظة التغيرات التي ادخلوها على بيئتهم الطبيعية، تلك التغيرات الناتجة عن التجديدات التي تتسرب إلى الثقافة من الداخل (على شكل اختراعات او اكتشافات) او من الخارج (عملية اقتباس). وكلا الحالتين تعتمدان على ما اذا كان المجتمع يتقبل العنصر الجديد او يرفضه. أي بمعنى آخر ان الثقافة ليست ضرباً من التجريد كما يفهمها الفلاسفة. ان عالم الانثروبولوجيا ينظر إلى الثقافة والمجتمع كما لو كانا موادَ خام، يحاول العالم الانثروبولوجي القاء الضوء على الاشياء التي يشاهدها فعلا ويهمل الجوانب التي لا تستأثر باهتمامه، أي انه يصور كل من المجتمع والثقافة كما يتوصل اليه.

ان كان العالم الانثروبولوجي يفهم الثقافة (كونها تدل على النمط المميز للحياة التي تعيشها الجماعة وتشترك فيها وتنقلها من جيل لآخر) فإن علماء النفس يفهمون الثقافة بانها: (مجموعة من العادات الاجتماعية). علينا الآن ان نتساءل مع علماء النفس ماذا يعني مصطلح العادة؟ علماء الانثروبولوجيا يفهمون العادة: ما يعلق عليها المجتمع آمالاً كبيرة، لان المجتمع لا يقف ابدا موقفا حياديا من ثقافته. الا ان العادة في نظر علماء النفس عملية انتقال الثقافة، من الاب إلى الابن، ومن مجتمع لآخر، وقد تضاف اليها عادات جديدة موازية للقديمة، وعادات مقتبسة موازية للاصلية، وان هذه العادات تتصارع وتتنافس حتى تنتصر العادات الاصلح فيكتب لها البقاء.. وبناءَ على هذه النظرية[7] هناك عملية انتقائية تلعب دورها في الثقافات وهي مماثلة لعملية الانتقاء الطبيعي على الصعيد البيولوجي، كما انها مسؤولة عن نشوء حالات التكيف واستمرارها في الثقافات. الا ان عملية الانتقال في نظر علماء النفس مرتبطة كليا بمفهوم التعليم والتعلم وذلك لان الثقافة ليست غريزية، وانما هي امر لا يكتسب الا بالتعلم[8]. وعلى هذا الاساس يعلل العالم الانثروبولوجي سبب اختلاف الثقافة من مجتمع لآخر استنادا إلى:

1- المواد الثقافية التي تعلم 2- الاوساط التي تعلمها 3- الفترات التي تجري فيها تعلم مهارات معينة

الا ان موضوع التعليم في نظر العالم الانثروبولوجي لا يقتصر على التدريس الواعي او على المفهوم الدارج لهذا المصطلح، فالافراد يتعلمون جانبا كبيرا من ثقافتهم من الايماءات والحركات التعبيرية، ففي التربية تنشأ دوافع مكتسبة لدعم عملية التعليم، والشعور بالاعتزاز والرغبة في تحقيق الشخصية والظفر باحترام المجتمع، اما الاطفال فانهم يتلقون عن طريق التربية تدريبا اجتماعيا ويكتسبون مهارات جديدة وبذلك تزداد قدرتهم على التجاوب والتعاون. اذن الثقافة هي مجموعة من الاساليب التي يكتسبها الفرد بوصفه عضوا في المجتمع، والتي تساعده على التكيف على البيئة الخارجية وعلى العمل مع زملائه. الا ان علماء الامراض العقلية يميلون في تعريفهم الثقافة إلى القول: (ان الثقافة هي وسيلة لكبت طبيعة الانسان الفطرية او عاملا يؤدي إلى اضطرابات عصبية بسبب ما يتطلب من متطلبات ومعاكسات خلال عملية تكييف الافراد على أنماط لا تتلائم في الاصل مع أمزجتهم الفطرية. تعريف كهذا دفع احد علماء الاقتصاد بالتساؤل. هل بامكاننا ان نعرف الثقافة بالوراثة الاجتماعية؟ فرد عليه أحد الانثروبولوجيين (من الحاضرين) نعم ان الكائنات البشرية تملك ارثا إجتماعيا مثلما تملك إرثا بيولوجيا، ان الانسان يكتسب ثقافته مثلما يكتسب جيناته دون ان يبذل أي جهد في التكيف عليها او في مقاومتها. لان الانسان كما وصفه دولارد مجرد ناقل سلبي للتقاليد الثقافية، الا ان سيمونس ينبهنا الى ان دور الانسان لا يقتصر على نقل الثقافة او توفير الوقود لها وانما خلقها وممارستها. وخلاصة القول ان تعريف الوراثة الاجتماعية يشدد على استقرار الثقافة وعلى اثر التقاليد الموروثة فيها.. الا ان تعريفا كهذا يكون ناقصا في نظر علماء الامراض العقلية، فمن وجهة نظر السيكلوجيا الفردية كل تعريف للثقافة يكون ناقصا ما لم يبين لنا ان للفرد دورا فعالا بالنسبة لثقافته، لان ما يلفت الانتباه في الكائن البشري هو انه يسعى إلى فهم نفسه وفهم سلوكه.واستنادا إلى العوامل الاندفاعية المشتركة في السلوك لجميع بني البشر توصل مجموعة من العلماء إلى ان جميع الثقافات تتشابه لان هناك مجموعة من الدوافع الفطرية المتماثلة التي تحفز الناس في كل مكان على العمل وتوجه سلوكهم في خطوط متوازية. كما علينا ان لا ننسى ان الاجزاء الفعلية التي تتالف منها كل ثقافة هي العناصر السلوكية (الحركية والكلامية والضمنية) وان اية وحدة محددة من وحدات السلوك الاعتيادي يمكن ايجادها في مجتمع معين او في عدد من المجتمعات التي تربط بينها صلات تكفي لانتشار التبادل الثقافي بينها[9].

وخلاصة القول نقول ان الثقافة في نظر علماء الانثروبولوجيا تتمثل بمفهومين[10]:

اولا:المفهوم الايضاحي: نجد ان رواد هذه المدرسة يقصدون بالثقافة (عمليات انتقائية تاريخية المنشأ توجه ردود فعل الناس تجاه المنبهات الداخلية والخارجية) هذا التعريف جاء نتيجة للتخلص من عبارة (يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع) لان هذه العبارة توحي بان الثقافة لا تشير الا إلى ابعاد سلوك الافراد الناجم عن انتسابهم إلى عضوية مجتمع معين اما بالولادة واما نتيجة انضمامهم إلى المجتمع في وقت لاحق.. اذن موضوع الثقافة يفيدنا في تحليل اعمال الافراد (سواء درسناها على اساس جماعي او فردي. وفي توضيح التوزيع الجغرافي للاشغال اليدوية وفي القاء الضوء على التتابع التاريخي. وعلى هذا الاساس يمكن صياغة التعريف على الشكل الاتي[11]:

(نقصد بالثقافة تحديدات تاريخية المنشأ للوضع الذي ينزع الافراد إلى اكتسابه بسبب انضمامهم إلى جماعات معينة او احتكاكهم بفئات معينة تجمعها انماط من الحياة تتصف في بعض نواحيها بخصائص مميزة...) الا ان هذا التعريف يقودنا إلى التساؤل لماذا الاشارة إلى المنبهات التاريخية؟ يجيب احد علماء الانثروبولوجيا من المشاركين في الحوار: (ان عملية الاكل عند الانسان مثلا هي ردة فعل او استجابة لدافع داخلي كالانقباضات المتصلة بالجوع، فضلا عن ثقافة ذلك المجتمع، هذا يعني ان عالم الانثروبولوجي يستعمل عبارة - رد الفعل- بدلا من المصطلح المباشر -الفعل- وذلك لان عبارة رد الفعل يقرب إلى فهمنا الشعور الذي يقترن بالتخطيط الانتقائي الذي نرسمه لحياتنا... وعلى ضوء ذلك يتساءل العالم البايولوجي (هل تعني ان الثقافة تتالف من الطرق المتبعة في مواجهة الاوضاع المتصلة برغبة الانسان في البقاء على قيد الحياة؟) فيجيب العالم الانثروبولوجي نعم من الممكن اعتبار الثقافة كما لو انها شئ يضاف إلى طاقات الانسان البيولوجية الفطرية فهي التي تعلمنا بان البشرية سوف لا تخسر ما يتعلمه الفرد بمجرد موته.. لذا نقول لا يقتصر دور الثقافة على التكيف او على الاسهام في مساعدة الانسان على البقاء على قيد الحياة والواقع انها تلعب احيانا دورا معاكسا تماما لهذا الدور. وعلى هذا الاساس يتوجب علينا ان نستعين بمفهوم الانسجام او الملائمة بالاضافة إلى مفهوم التكيف.هناك جوانب من الثقافة كانت فيما مضى تتصل اتصالا مباشرا بفكرة البقاء، هذا يعني واستنادا إلى علم النفس ان الكائنات البشرية تستطيع ان تتعلم بعضها من البعض الآخر، فلو افترضنا (استنادا إلى علم الاقتصاد) ان مجموعة من اليابانيين اقصوا من بلادهم إلى أمريكا وحل محلهم مستوطنون من الامريكيين البيض، فان الامريكيين قد يطورون بعد عدد من الاجيال مفاهيم اجتماعية متصلة بوضعهم الجديد، قد لا يكون من الصعب تمييزها عن مفاهيم الخاصة باليابانيين اليوم، لانهم سيكيفون انفسهم على الحياة الجديدة بدافع قوى اربعة حددها العالمان سمنر وكلمر وهما - الجوع، الخوف، الحب، الغرور. وكذا الحال مع اليابانيين المستوطنين في امريكا.

بعد كل هذا تأتي الفلسفة لتتسال: اين المحل الهندسي للثقافة، هل هو في المجتمع ام في الفرد؟ هل يمكن باي حال من الاحوال وصف الثقافة بانها سبب أي شئ؟ بالنسبة للسؤال الاول فيه مغالطة منطقية لان الثقافة ليست شكلاً ملموسا قابلاً للمشاهدة، بل هي وصف مجرد لمنازع الفئات البشرية نحو الاتساق في الكلام والافعال والاشغال اليدوية.. اما فيما يخص بالسؤال الثاني نقول ان مصطلح السبب يوحي بوجود قوة مندفعة في اتجاه واحد.. وهذا حسب رأي الانثروبولوجي غير صحيح. نعم ان الثقافة تنتقل من خلال الافراد والاشغال اليدوية، فعلى سبيل المثال لنفترض ان رجلا اصيب بمرض وبائي ناتج عن احد الفيروسات وانه دخل مدينة ما ونقل اليها المرض.. فاذا تسائلنا عن سبب الوباء الذي سينتشر هل هو الفرد ام الفيروس؟ ان كلا الجوابين صحيح لذا نستطيع ان نقول: ان الافراد يمكن ان يصبحوا مضيفين لها، ومن الخطأ ان نقول بان الثقافة هي السبب، لان الثقافة ليست وراثة اجتماعية.. وليست ببكتريا تكتسب في جميع الحالات بالاحتكاك او الملامسة على نحو عرضي خارج عن وعي الافراد واراداتهم.. فعبارة الوراثة الاجتماعية قد تكون غير صحيحة لان الجينات تتخذ شكلا ثابتا لا تتغير منذ اكتسابها للمرة الاولى والاخيرة عند الميلاد بينما تعتبر البكتريا تبعا لناقليها.

ثانيا: المفهوم الوصفي: تسائل احد علماء الامراض العقلية المشاركين في الحوار قائلا : (هل نستطيع القول بان الثقافة باعتبارها مفهوما تعني بوجه عام ما يجمع من تراث الابداع الانساني على مر الاجيال: الكتب واللوحات الفنية والمباني... الخ، ومعرفتنا بطرق التكيف على البيئة الطبيعية والاجتماعية واللغة والعادات واداب السلوك والاخلاق... فاجاب عليه احد الانثروبولوجيين قائلا : ان وصف الثقافة على انها ابداع انساني قد يستهوي خيالنا ويحظى بموافقتنا جميعا.. فكثير من مظاهر الثقافة لا يعبر عنها بالكلام أي انها ضمنية.. فرد عليه الطبيب المتسائل: من الخطأ ان نقول ان الثقافة تتكون من افكار لاننا نعرف من خلال دراستنا المقارنة في طب الامراض العقلية ان هناك اعتبارات خارجة عن نطاق المنطق والاستدلال العقلي. وبهذا يقسم العالم الانثروبولوجي مظاهر الثقافة إلى عقلي (منطقي) وغير عقلي (لامنطقي)، وبهذا يكون التعريف على الشكل الاتي [12]: نقصد بالثقافة جميع التصاميم التاريخية المنشأ التي خططت للحياة، بما في ذلك التصاميم الضمنية والصريحة والعقلية واللاعقلية، وهذه توجد في وقت لو كانت تمتلك قدرة كامنة على توجيه سلوك الناس وارشادهم . من هنا تساءل احد الحاضرين قائلا : لماذا كان من الضروري ان نضمن التعريف العبارة (في أي وقت معين؟ فأجابه احد زملائه: لان الثقافة تكون عرضة لان تخلق او تفقد، ولا يجوز القول بان الثقافة ساكتة او مستقرة كليا.

وخلاصة القول نقول من خلال ما سبق نجد ان الثقافة تعني عند البعض بأعمال الفرد باعتبارها منطلقا لكل ما نصدره من احكام وعند البعض الآخر كانت تنطلق من تجديدات منسوبة إلى الجماعات.. فعلينا ان نهتم كثيرا بالتمييز بين التعاريف الوصفية والتعاريف الايضاحية. ومن خلال ما سبق نجد ان المدرسة الاولى تهتم باعمال الفرد باعتبارها منطلقا لكل ما نصدره من احكام اما المدرسة الثانية فنجدها تنطلق من تجديدات منسوبة إلى الجماعات.

 ***

نزار حنا الديراني

......................... 

[1] المقال سبق وانشرته في مجلة ربنوتا (الرهبنة الصادرة عن الرهبنة الانطونية الهرمزية في العراق عام 2000 .

[2] جورج بيتر مردوك، المقام المشترك للثقافات، الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث ص221.

[3] جورج بيتر مردوك، نفس المصدر.

[4] نقصد بالانثروبولوجيا علم الانسان واعماله ويقسم هذا العلم إلى: (1) الانثروبولوجيا الطبيعية (علم الانسان) وتقسم إلى: أ- الحفريات البشرية (الباليونتولوجيا) ب- علم الاجسام البشرية (السوماتولوجيا). (2) الانثروبولوجيا الثقافية او الحضارية (تتناول أعمال الانسان) وتقسم إلى: أ- علم الآثار القديمة (الارخلوجيا) ب- علم السلالات البشرية ج- علم اللغويات. وسنتاول في مقالنا هذا مفهوم الثقافة عند العلماء الار.خلوجيا (الذين يبحثون في الاصول الاولى للثقافة وفي الثقافات او الاطوار الثقافية المنقرضة) والعلماء الاثنلوجيا (الذين يبحثون في الثقافات الحالية لمختلف الاجناس البشرية)

[5] ملفيل هيرسكوفتر، عمليات التغير الثقافي، الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث ص253.

5 كما دونها كل من كلايد كلكهوهن ووليم هـ. كلي وأعتمدت عليه في درج آراء المتحاورين الواردة في المقال.

[7] المقام المشترك للثقافات، جورج بيتر مردوك ص221 الانثروبولوجيا.

[8] جورج بيتر مردوك، المقام المشترك للثقافات.

[9] جورج بيتر، المقام المشترك للثقافات.

[10] كلايد كلكهوفن، وليم كلي، مفهوم الثقافة ص141 الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث.

[11] كلايد كلكهوفن، نفس المصدر.

[12] كلكهوفن، نفس المصدر.

 

وإن ساد الطغام فكن صبورا

فإن الصبر من شيم الرجال

بهذين البيتين لحنا الأسعد يمكن أن ندخل إلى لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) للرسام الفرنسي أوجين دولاكروا...لا من باب الزينة الشعرية بل من باب المعنى.  فالصبر هنا ليس استسلاما ولا قبولا بالفوضى بل قدرة على الثبات حين تضطرب الأشياء وتخرج القوة من موضعها.

اللوحة في ظاهرها مشهد صراع بين حصانين عربيين داخل إسطبل، لكنها في عمقها امتحان لهذا المعنى: ماذا يفعل الإنسان حين تقف أمامه قوة جامحة لا تطيع يده ولا تنتظر حكمته؟

حنّا بن أسعد شاعر وأديب لبناني من مشايخ الموارنة ولد في نواحي البترون سنة ۱۲۳۵هـ / ۱۸۲۰م، وتوفي سنة ۱۳۱۵هـ / ۱۸۹۸م. من هذا العالم العربي المشرقي تأتي أبياته لتفتح لنا بابا على لوحة فرنسية ولدت من ذكرى مغربية. هكذا لا يعود الشعر غريبا عن اللوحة ولا اللوحة غريبة عن الشعر؛ فكلاهما يتأمل الإنسان حين يواجه الفوضى والقوة والقدر.2777 ahmad

في اللوحة حصانان عربيان يملآن مركز المشهد. حصان رمادي مضاء يكاد بياضه يخطف العين يرتفع بجسده في لحظة توتر قصوى، وحصان داكن يندفع نحوه ككتلة من عضل وغضب. لا نرى صراعا عابرا بل التحاما عنيفا بين جسدين كبيرين في مكان لا يتسع لهذا الانفجار. رأس الحصان الرمادي ملتف وعنقه مشدود وقوائمه في حركة مضطربة؛ أما الحصان الداكن فيهبط فوقه أو يضغط عليه كأن الظل نفسه صار جسدا مهاجما. العنف هنا ليس خارجيا فقط بل يسكن تكوين اللوحة...خطوط مائلة أجساد متداخلة و حركة تكاد تكسر حدود الإطار.

غير أن قوة اللوحة لا تأتي من الخيول وحدها بل من المكان الذي حبست فيه. الإسطبل ضيق...جدرانه خشنة... سقفه منخفض... والهواء فيه ثقيل. في أعلى اليمين نافذة صغيرة يدخل منها ضوء محدود لا يكفي لإنقاذ المكان من ظلمته بل يكفي فقط لكشف الخطر. الملابس المعلقة على الجدران والأدوات المبعثرة على الأرض والظلال الكثيفة... كل ذلك يجعل المشهد إنسانيا وحقيقيا. هذا ليس ميدان بطولة مفتوحا بل غرفة خانقة تحولت فجأة إلى مسرح للفزع. وكأن دولاكروا يقول إن القوة حين تحبس في فضاء أضيق من طبيعتها لا تهدأ بل تنفجر.

أمام الحصانين يظهر الرجال صغارا لا لأن الرسام أهملهم بل لأن ضعفهم هو جزء من المعنى. أحدهم يرفع يده كمن يحذر أو يستغيث وآخر يلوح بعصا وثالث ينكمش في الظل. الرجل الذي يحمل العصا لا يبدو سيدا للمشهد. والعصا نفسها وهي أداة السيطرة المفترضة تبدو هزيلة أمام جسدي الحصانين. هنا تنكشف هشاشة الإنسان حين يواجه طبائع الأشياء في لحظة انفلاتها. فهو حاضر لكنه ليس مسيطرا؛ يرفع يده لكنه لا يوقف العاصفة.

من هنا يصبح بيت حنّا الأسعد مفتاحا حقيقيا للوحة. فالطغام في البيت هم من يعلون حين يضطرب الزمان وينحط الميزان لكن المقال لا يحتاج إلى نقل الكلمة حرفيا إلى الخيول أو إلى الرجال. الطغام هنا حالة لا أشخاص. حالة الفوضى حين تتقدم على النظام وحالة القوة حين تفلت من العقل وحالة الخوف حين يكاد يطغى على الفعل. أمام هذه الحالة لا يكون الصبر ضعفا بل شكيمة. فالذي يصبر لا ينكر الخطر ولا يتظاهر بالسيطرة لكنه لا يسمح للفوضى أن تسلبه وعيه.

أما الضوء في اللوحة فهو بطل صامت. إنه يسقط على الحصان الرمادي لا ليجعله رمزا، بل ليجعله مركز الخطر المرئي. البياض هنا ليس سلاما بل عنف مضاء. وفي المقابل ينسحب الحصان الداكن والرجال والجدران إلى طبقات من البني والأسود والرمادي. هذا التوتر بين الضوء والظل أو ما يعرف بتقنية الكياروسكورو...يمنح المشهد قوة مسرحية. فالضوء لا يهدئ العنف بل يفضحه؛ والظل لا يخفي الفزع بل يضاعفه. كأن اللوحة كلها معلقة بين كشف وكتمان... بين ومضة حياة واحتمال موت.

دولاكروا لا يرسم الخيل ككائنات مستأنسة أو مزخرفة بل كقوى بدائية نبيلة. وهذا من صميم روحه الرومانسية. فالمدرسة الرومانسية في الفن لم تكن تبحث عن النظام البارد وحده بل انجذبت إلى العاطفة والحركة والخطر والغرابة والانفعال.

كان أوجين دولاكروا من كبار وجوه الرومانسية الفرنسية لأنه جعل اللون والحركة والاضطراب وسائل للتفكير في الإنسان لا مجرد أدوات للتزيين. في هذه اللوحة لا يرسم حصانين فحسب بل يرسم لحظة يتراجع فيها العقل خطوة أمام اندفاع الحياة.

وقد ارتبطت هذه الرؤية برحلته الشهيرة إلى المغرب سنة ۱۸۳۲م، حين سافر إلى إسبانيا وشمال أفريقيا ضمن بعثة دبلوماسية إلى المغرب بعد احتلال فرنسا للجزائر. لم تكن الرحلة بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي بل صدمة بصرية وروحية. رأى هناك عالما مختلفا عن باريس. وقد تركت تلك الرحلة أثرا عميقا في فنه حتى صارت مشاهد شمال أفريقيا جزءا أساسيا من أعماله.

ومن عباراته الدالة عن تلك التجربة أنه رأى في اهل المغرب بلباسهم وهيئاتهم شبها برجال اليونان وروما القدماء. قال بمعنى العبارة:

إن اليونان والرومان هنا على بابي في العرب الذين يلتفون بوشاح ابيض ويبدون مثل كاتو أو بروتوس.

 تكشف هذه العبارة عن افتتانه بالوقار الجسدي والأخلاقي الذي تخيله في الناس الذين رآهم لكنها تكشف أيضا عن نظرة أوروبية رومانسية واستشراقية في القرن التاسع عشر كانت تميل إلى رؤية الشرق فضاءا للأصل. لذلك ينبغي أن نقرأ اللوحة بإعجاب وحذر معا. إعجاب بعبقرية اللون والحركة وحذر من تحويل الشرق إلى أيقونة رومانسية.

وقد شهد دولاكروا أثناء وجوده في المغرب قتالا بين فحول الخيل ترك في نفسه أثرا عميقا. كتب إلى أصدقائه عن ذلك في ۸ شباط ۱۸۳۲م، ورسم له تخطيطا أوليا ودون أن الحصان الرمادي أدخل رأسه تحت عنق الحصان الآخر. لكن هذه الذكرى لم تتحول فورا إلى اللوحة النهائية. ثم بدأ على الأرجح بتنفيذ لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) نحو سنة ۱۸٥۶م وأتمها في حزيران ١٨٦۰م. هكذا تقف بين المشهد الأصلي واللوحة النهائية قرابة ثلاثة عقود.

وهنا يعود الصبر بمعناه الأعمق. فالفنان لم ينقل ما رآه نقلا سريعا ولم يرسمه وهو ما يزال أسير الدهشة الأولى. ترك الصورة تختمر في ذاكرته حتى تحولت من حادثة واقعية إلى رؤية فنية. ثم أجرى عليها تحويلا حاسما فالقتال الذي ألهمه كان في الخارج لكنه وضعه داخل إسطبل. لو بقيت المعركة في الهواء الطلق لأصبحت جزءا من فضاء واسع أما حين أدخلها إلى مكان مغلق فقد جعلها أكثر اختناقا وشراسة. الإسطبل هنا ليس خلفية، بل فكرة... إنه المكان الذي يكشف عجز الجدران عن احتواء ما هو أكبر منها.

وعند هذه النقطة يمكن أن ندخل إلى اللوحة من باب أبي الحسن التهامي:

ومكلّف الأيام ضدّ طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

*

وإذا رجوت المستحيل فإنما

تبني الرجاء على شفير هار

*

فالعيش نوم والمنية يقظة

والمرء بينهما خيال سار

هذه الأبيات لا تلغي معنى الصبر بل تكشف حدوده. فهناك فرق بين الصبر على الفوضى وبين الوهم بأننا نستطيع إلغاء طبائع الأشياء. الحصانان في اللوحة لا يتصارعان لأنهما اختارا العنف اختيارا أخلاقيا بل لأن طبيعتهما الفائرة انفجرت في لحظة ضيق واحتكاك. ومن يطلب من هذه القوة أن تكون هادئة في ذروة اشتعالها يشبه من يطلب من الماء جذوة نار. لذلك لا تبدو اللوحة درسا في السيطرة المطلقة بل في معرفة أن السيطرة نفسها لها حدود.

الرجاء المستحيل في اللوحة هو رجاء أن يستطيع الإنسان بعصا مرفوعة أو صرخة خائفة أن يوقف فورا اندفاع جسدين كبيرين تحركهما الغريزة والقوة.

الرجال يقفون على شفير هار...خطوة واحدة بين النجاة والسحق بين الإسطبل بوصفه مكانا للتدريب والإسطبل بوصفه مسرحا للموت. ومن هنا يصبح بيت التهامي عن النوم واليقظة قريبا من المشهد... كانت الحياة اليومية نائمة في مكان مألوف ثم استيقظت المنية فجأة في هيئة صهيل وعضلات وقوائم مرتفعة. والإنسان، وسط ذلك، يبدو كأنه (خيال سار) بين قوتين أكبر منه: قوة الحياة الجامحة وقوة الفناء المتربصة.

لكن التهامي لا ينبغي أن يأخذنا بعيدا عن حنا الأسعد بل يعيدنا إليه من طريق آخر. فإذا كان التهامي يذكرنا بأن تكليف الأشياء ضد طباعها طلب للمستحيل فإن حنا الأسعد يذكرنا بما يبقى للإنسان حين يعترف بهذا الحد... الا و هو الصبر.

لا صبر العاجز الذي يسلم للفوضى ولا صبر الغافل الذي لا يرى الخطر بل صبر العارف بطبائع الأشياء. فالإنسان لا يستطيع دائما أن يمنع العاصفة لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تسلبه بصيرته.

لذلك تبدو «خيول عربية تتقاتل في إسطبل» أكثر من لوحة عن حصانين. إنها لوحة عن القوة حين تحبس وعن الجمال حين يصبح خطرا وعن الإنسان حين يكتشف أن أدواته أصغر من الطبيعة التي يحاول تهذيبها. وهي أيضا لوحة عن الذاكرة الفنية... مشهد رآه دولاكروا في المغرب ثم ظل كامنا في داخله حتى عاد بعد سنوات طويلة في هيئة لون وضوء وحركة. وما بين المشاهدة والرسم وبين الخارج والإسطبل، وبين الحصان والإنسان، يتشكل المعنى الأعمق... ليس كل ما نراه يكتمل في لحظته؛ بعض الصور تحتاج إلى صبر طويل حتى تنطق.

ومن هنا يعود البيتان الأولان لا كافتتاحية فقط بل كخاتمة أخلاقية:

وإن ساد الطّغام فكن صبورا

فإن الصبر من شيم الرجال

فهل كان دولاكروا يرسم حصانين يتقاتلان، أم كان يرسم الإنسان نفسه حين يقف بين نار الطبع وفضيلة الصبر؟

***

د احمد عابر

 

يبدو اختفاء الكتاب من موائدنا اليومية أشبه بانسحابٍ صامت للمعنى من قلب الحياة، حيث تتوارى الكلمة خلف ضجيج الاستهلاك، وتُستبدل لذّة التأمل بإيقاعٍ متسارع لا يتيح للوعي أن يرسخ أو يستقر. فالكتاب، الذي كان يومًا طقسًا من طقوس بناء الذات، يغدو اليوم هامشًا في زمن تُصاغ فيه الرغبات وفق منطق العاجل والزائل. هنا يصدق حدس غي ديبور حين اعتبر أن “مجتمع الفرجة” لا يكتفي بعرض الواقع، بل يستبدله بصورٍ تبتلع التجربة الحية، فيتحول الإنسان من قارئٍ للعالم إلى مستهلكٍ لتمثلاته.

ولعل ما يزيد هذا التواري تعقيدًا أن حضور الكتاب لم يعد ينعدم تمامًا، بل يظهر في شكل موسمي، احتفالي، كما لو أن الثقافة نفسها تُستدعى على هيئة حدث عابر. فالمعارض الكبرى، بما تحمله من زخم رمزي، تخلق لحظة كثيفة من الانتباه، لكنها لا تضمن استمرار الأثر خارج زمنها المحدود. وهنا تتبدّى المفارقة: كيف يمكن لوعيٍ يُبنى ببطء أن يُستعاد في لحظات متقطعة؟ إن ما نعيشه، في العمق، ليس أزمة عرضٍ للكتاب، بل أزمة علاقة به، علاقة تتطلب ما سماه بيير بورديو “رأسمالًا ثقافيًا” يُكتسب بالتراكم، لا بالاستهلاك العابر.

ومن جهة أخرى، تتسلل هذه القطيعة إلى بنية اليومي، حيث تتراجع القراءة كفعلٍ حميمي لصالح أنماط جديدة من التلقي السريع، تُعيد تشكيل الحواس وتعيد ترتيب سلّم القيم. فالكتاب يطلب زمنًا داخليًا، نوعًا من الصمت الذي يسمح للذات بأن تُصغي إلى نفسها، بينما تُغري الوسائط الجديدة بانتباهٍ مشتت، لا يلبث أن يتبدد. وفي هذا التوتر، يمكن استحضار مارتن هايدغر الذي رأى أن الإنسان الحديث مهدد بفقدان “الإقامة في اللغة”، أي تلك القدرة على السكن في المعنى بدل المرور السريع فوقه.

أما حين تُنظَّم معارض الكتاب، كما هو الحال في الرباط، فإنها تكشف بقدر ما تحتفي. تكشف هشاشة علاقتنا بالكتاب حين تتحول الطرقات إلى اختناقات، ويصير الوصول إلى المعرفة مشروطًا بمشقة يومية، وكأن الثقافة لا تزال خارج أولويات التنظيم الحضري والاجتماعي. لكنها، في الآن ذاته، تفتح فجوة أمل، إذ تذكّر بأن الكتاب لم يمت، بل ينتظر فقط شروطًا جديدة للاندماج في الحياة.

إن السؤال، في جوهره، ليس لماذا غاب الكتاب، بل كيف تغيّرت شروط حضوره. فالثقافة لا تختفي، بل تتحول، غير أن هذا التحول قد يفرغها من بعدها العميق إذا لم يُعاد وصلها بالتربية والخيال والحرية. ولعل الرهان الحقيقي لا يكمن في كثرة المعارض، بل في قدرة المجتمع على جعل الكتاب عادة يومية، لا استثناء احتفاليًا؛ أن يعود الكتاب إلى الطاولة لا كزينة، بل كحوار مفتوح مع الذات والعالم، حيث تُستعاد إنسانيتنا في بطء القراءة وعمقها. في امتداد هذا القلق حول معنى الفعل الثقافي، ينكشف المعرض لا كاحتفال بالكتاب فحسب، بل كمرآة لاقتصادٍ رمزي تتصارع داخله المواقع والاعترافات. فحين يتكثف الحضور وتتعالى الشعارات، يظهر في الخلف ما يشبه «اللا-مرئي» الذي يحكم توزيع الأدوار: من يتكلم؟ من يُستدعى؟ ومن يظل خارج المشهد؟ هنا تتبدّى ملاحظة بيير بورديو حول الحقول الثقافية بوصفها فضاءات صراع، لا تُوزَّع فيها الشرعية بالتساوي، بل وفق رساميل خفية تُعيد إنتاج الامتياز.

إن ما يُسمّى بـ«الخنق الإداري» وفوضى البرمجة ليس مجرد اختلال تنظيمي عابر، بل عرض لبنية أعمق، حيث تتحول الثقافة إلى جهاز تدبير، وتغدو البرمجة شكلًا من أشكال الضبط لا الانفتاح. وفي هذا الأفق، يمكن استحضار ميشيل فوكو الذي نبّه إلى أن السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل عبر تنظيم الخطاب وتوزيع إمكانات قوله. هكذا يصبح المعرض فضاءً يُنتج فيه ما يمكن قوله ثقافيًا، وما يجب أن يظل في الهامش.

أما مركزة الثقافة، فهي ليست مجرد خيار جغرافي، بل نمط في التفكير يُعيد رسم خريطة الرمزي بين مركز مُكتفٍ بهامشه، وهوامش محرومة من حق الظهور. في هذا التفاوت، تتعمق قطيعة صامتة بين مثقفين يعيشون في «الأطراف» وآخرين يتموضعون في قلب الدائرة، بما يعيد إنتاج ما يسميه أنطونيو غرامشي بالهيمنة الثقافية، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة، بل عبر احتكار تمثيل المعنى ذاته.

وتزداد المفارقة حين تُخصَّص مساحات واسعة من اللقاءات لدوائر محددة من المنظمين أو المتحكمين في البرمجة، فتتحول التظاهرة من فضاء تعددي إلى ما يشبه «حلقة مغلقة» تعيد إنتاج نفسها. هنا يفقد المعرض أحد شروطه الأساسية: أن يكون فضاءً للقاء المختلف، لا لتكريس التشابه. وهو ما يذكّر بنقد يورغن هابرماس لانحراف الفضاء العمومي، حين يتحول من مجال للنقاش الحر إلى مجال مُؤطر بمصالح جزئية.

غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس الإقصاء في حد ذاته، بل تحوله إلى نسق مألوف، إلى عادة تُفرغ الاحتجاج من معناه، وتجعل الدعوات إلى إعادة الهيكلة تبدو كأنها صدى بلا أثر. وهنا يتولد السؤال الحاد: هل نحتاج إلى إلغاء المعرض، أم إلى إعادة تخيّله؟ هل الأزمة في الشكل أم في الرؤية التي تنتجه؟

ربما لا يكمن الجواب في القطيعة الجذرية، بل في تفكيك شروط الإمكان نفسها: كيف يمكن تحويل المعرض من حدث مركزي إلى دينامية موزعة؟ كيف يصبح الفعل الثقافي ممارسة يومية لا موسمية؟ وكيف يُعاد الاعتبار للمثقف لا كضيف في برنامج، بل كفاعل في بناء المعنى الجماعي؟

ووفق هذا المنظور، لا يعود المعرض غاية، بل اختبارًا لمدى قدرة المجتمع على إنتاج فضاء ثقافي عادل، حيث لا تُختزل الثقافة في موقع جغرافي أو في أسماء بعينها، بل تنفتح كأفق مشترك، يتسع لاختلاف الأصوات، ويعيد للكتاب وظيفته الأصلية: أن يكون لقاءً حيًا بين ذوات متعددة، لا منصة مغلقة لإعادة تدوير المعنى ذاته. هكذا يتضح أن اختزال الثقافة في موعد موسمي، مهما كان باذخًا، لا ينتج أثرًا مستدامًا، بل يعيد تدوير الأزمة في شكل احتفالي. البديل لا يبدأ من إلغاء المعرض، بل من قلب معادلة المركز والهامش، ومن تحويل الكتاب من حدث إلى ممارسة يومية موزّعة داخل النسيج الاجتماعي. فالثقافة، كما يلمّح أنطونيو غرامشي، لا تُبنى بقرارات فوقية، بل عبر «مثقفين عضويين» منخرطين في حياة مجتمعهم، يصنعون المعنى من الداخل لا من منصات معزولة.

إن استعادة حلم الكتاب تقتضي إعادة زرعه في تربة الأسرة، حيث تُبنى العادة الأولى للقراءة، وفي المدرسة التي ينبغي أن تتحول من فضاء للتلقين إلى مختبر للخيال، وفي الجامعة التي عليها أن تعيد وصل المعرفة بالحياة، لا أن تظل حبيسة التخصصات المغلقة. كما يتطلب الأمر فتح المجال أمام المجتمع المدني ليكون شريكًا فعليًا في إنتاج الفعل الثقافي، لا مجرد متلقٍّ له، عبر مبادرات محلية، مكتبات أحياء، نوادٍ للقراءة، ومنصات رقمية تتيح تداول المعرفة خارج القيود التقليدية.

وفي هذا السياق، يصبح الناشر والكاتب ومدبّر الوسائط الجديدة فاعلين في شبكة حية، لا حلقات معزولة، يتقاطع فيها الورقي بالرقمي، والحضور المادي بالتفاعل الافتراضي، بما يعيد للكتاب ديناميته في زمن التحول. فالمطلوب ليس الدفاع عن شكل واحد للثقافة، بل تمكينها من التعدد، بحيث تصبح القراءة إمكانًا مفتوحًا، لا امتيازًا محدودًا.

وعموما فإصلاح المعرض لا يمكنه أن يكون سوى جزء من رؤية أوسع، تعيد تعريف الثقافة كحق يومي ومشترك، وتحرّرها من الارتهان للمناسبات. حينها فقط يمكن أن يستعيد الكتاب مكانه، لا كسلعة تُعرض، بل كفعلٍ حيّ يُمارس، وكجسرٍ يصل الفرد بذاته والعالم، في أفق مجتمع لا يستهلك الثقافة، بل يُنتجها ويعيشها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ماذا لو تصورنا أنفسنا نسير في سوق مزدحم في مدينة يونانية قديمة جنوب إيطاليا سنة 500 ق.م وهي مدينة عاش فيها الفيلسوف اليوناني بارمنديس. انها مكان نابض بالحياة، حيث الشمس مشرقة، والحمير تنقل كل أنواع البضاعة، والناس يتبادلون الحديث حول الزيتون والسلع الأخرى المعروضة للبيع. كل شيء يتحرك، يتحول ويتغير. هذا المفكر بارمنديس الذي حظي باحترام كبير، يتجول ببساطة ليخبرنا ان لا شيء من هذا – لا الحركة، ولا المحادثة الكسولة، ولا أي من التغيير الذي تراه وتسمعه وتشعر به يحدث حقا.

هو يصر، ان الواقع مجرد كتلة أبدية صلبة واحدة من أشياء غير متغيرة. ألا يبدو الامر جنونيا تماما؟ لكن هذا لم يكن مجرد فكرة تافهة. بارمنديس أسقط قنبلة فلسفية أحدثت تموجات في الفكر الغربي، ولا يزال تأثيرها حتى اليوم.

منْ هو بارمنديس؟

عاش بارمنديس في إيليا (فيليا الحديثة)، المستوطنة اليونانية في جنوب إيطاليا. وحسب المعلومات التي توفرت، هو يجب ان يكون شخصية تستحق التقدير في مدينته، وهناك دليل على قيامه بصياغة بعض قوانين المدينة. لسوء الحظ، كل المعلومات التي لدينا عنه تأتي من اقتباسات صغيرة احتفظ بها الكتّاب اللاحقون. مع ذلك، نحن أيضا لدينا مقاطع هامة لقصيدة سُميت "حول الطبيعة"، شكلت الجزء الأكبر مما تبقى من أعمال برمنديس. هذه كُتبت بأسلوب الرحلة الملحمية التي يتم فيها نقل الشخصية لمقابلة الإلهة التي تكشف الحقيقة النهائية. هي ترسم خطا حادا بين الواقع الحقيقي (طريقة الحقيقة) والعالم الفوضوي الملتبس لحواسنا (طريقة الرأي). بارمنديس بدأ حركة فلسفية كلية ترتكز على هذا، مدرسة الايليين جذبت طلابا مثل زينون، الرجل الذي صاغ المفارقات الرائعة مثل مفارقة أخيل الذي لا يمكنه ابدا اللحاق بالسلحفاة ومفارقة السهم الذي يتجمد في منتصف المسافة. زينون كان يبذل قصارى جهده لدعم الأفكار المذهله لإستاذه.(1)

بارمنديس وسؤال ما طبيعة الوجود؟

 نحن نعرف ان هذا السؤال يبدو غريبا. لكن ما هو السر المذهل الذي كشفته تلك الإلهة؟ عندما نبسّط السؤال كثيراً، نأتي الى شيء بسيط: الواقع الحقيقي، الشيء الذي أسماه بارمنديس "الوجود" what Is هو موجود. ولا شك في ذلك، ولا سبيل ليكون عكس ذلك. من جهة أخرى، "ما ليس كذلك" -  عدم خالص، فراغ مطلق – غير موجود. انت لا تستطيع لمسه، التفكير فيه، او حتى الحديث عنه بشكل صحيح. انه يبدو تقريبا كإحساس بديهي، أليس كذلك؟ لكن بارمنديس أخذ هذه الفكرة التي تبدو بسيطة مستخدما منطق بارد وخالص وطوّرها أكثر. هو ادرك انه اذا كان "الوجود" حقا موجود، فلا يمكن ان يكون انبثق من لا شيء (لأن اللاشيء لم يكن هناك لكي ينبثق منه)، ولا يمكنه التحلل الى لاشيء.

ولهذا، فان الاستنتاج الأول هو ان الواقع أبدي. انه أيضا لا يمكن ان يتغير لأن التغيير يعني التحول الى شيء مختلف – يستلزم ان يصبح في "ما ليس فيه" الآن، او اكتساب بعض"اللاوجود"، ونحن أسسنا سلفا ان "اللاوجود" غير موجود. بكلمة أخرى، الواقع يجب ان يكون غير متغير.

 يجب ان نعرف ان بارمنديس جادل أيضا ان الواقع يجب ان يكون شيئا منفردا موحدا. اذا كان الواقع متشظيا، ما الذي يفصل بين القطع؟ هل العدم؟ هذا سيكون غير ممكن، لذا نحن نستطيع الاستنتاج ان الواقع غير قابل للتجزئة وهو وحدة صلبة. لكن ماذا عن الحركة؟ لكي تتحرك، انت تحتاج الى مكان فارغ (عدم) تتحرك نحوه. وهي استحالة أخرى. لذلك، الواقع الحقيقي يجب ان يكون ساكنا دائما.

 العالم طبقا لمنطق برمنديس هو هذه المادة الساكنة الأبدية اللامتغيرة. في تناقض تام مع هيرقليطس القائل ان "كل شيء يتدفق". بارمنديس عارض ذلك بالقول "لا، لا شيء يتدفق، يا صديقي. ثق بالمنطق، حواسك تكذب".

 انت ربما تعتقد، "حسنا، نظرية ملفتة، لكن رغيفي من الخبز تحمّص تواً، الأشياء تتغير فعلا" وبارمنديس سيضع بهدوء خبزك المحمص تحت صنف "طريقة الرأي"، او المعلومات غير الموثوقة التي تغذينا بها الحواس. من السهولة جدا القول فقط ان بارمنديس كان يتحدث سخافة. لكن ذلك الانقسام الحاد الذي وضعه بين الحقيقة التي تكتشفها بعقلك والحقيقة التي تراها بعينيك؟ هو أمر بالغ الأهمية.

افلاطون كان عمليا منغمسا بهذا اللغز. نظريته الشهيرة في الأشكال – فكرة المخططات التامة، الابدية لكل شيء – يبدو كأنه يحاول ان يفهم واقع بارمنديس الساكن الى جانب العالم المتغير الذي نعيش فيه. ومفارقات زينون؟ لاتزال تظهر في كل مكان، تجبرنا للتساؤل ان كانت الحركة والقسمة هي واضحة وصريحة كما تبدو.

لكن هل ان هذه الأفكار اليونانية المحيرة ملائمة اليوم لنا ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين؟ انت ربما ترى ان ذلك ممكنا بطرق معينة. بعض الفيزيائيين ينفقون وقتهم مع أفكار من نسبية اينشتاين تتحدث عن "الكون الكلي"  Block universe فيها يوجد الماضي والحاضر والمستقبل كلها مجتمعة ، بما يجعل شعورنا بتدفق الزمن ليس الاّ خدعة للادراك. ألا يبدو ذلك غموضا بارمنديسيا؟ او لو نظرنا في قوانين أساسية مثل تحوّل الطاقة – انها لا يمكن ان تُخلق او تتحطم، انها يمكن ان تغير فقط الشكل.

كل هذا يشبه الفكرة القديمة القائلة بان الوجود لا يمكن ان يأتي من اللاوجود. الان، هذه ليست خطوطا مباشرة وانما هي تشير الى ذلك السؤال العميق الذي يهتم به بارمنديس: هل العالم الذي نتعامل معه هو الشيء الواقعي، ام ان هناك شيء أغرب بكثير واكثر توحدا وربما اكثر سكونا، مختبئا تحت السطح؟ العلم باستمرار يبيّن لنا أشياء تتحدى حدسنا اليومي، لذا منْ يخبرنا ان بارمنديس لم يكن صائبا في النهاية؟

***

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) من بين مفارقات زينون مفارقة السهم: يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغير الموقع الذي يشغله، وهو يعطي مثالا عن السهم. يذكر انه في لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة أخرى، في اية لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك. اذا كان كل شيء ساكنا في أية لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات عندئذ تكون الحركة مستحيلة.

دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية وأثرها في بناء الدولة

مقدمة: تُعد إشكالية التمييز بين القائد والسياسي والموظف من الإشكاليات الجوهرية في الفكر الإداري والسياسي والدستوري الحديث، لما يترتب عليها من آثار مباشرة في كفاءة الدولة، وطبيعة إدارة السلطة، ومستوى النزاهة والعدالة واحترام المبادئ الدستورية داخل المؤسسات السيادية والعامة.

فكثيرًا ما تختلط هذه المفاهيم في الواقع العملي، لاسيما في الأنظمة التي تُمنح فيها المناصب العليا على أساس التوازنات السياسية أو الحزبية، لا على أساس الكفاءة والقدرة القيادية.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة أنماط مختلفة من الممارسة العامة:

القائد السياسي.

السياسي التقليدي.

الموظف البيروقراطي.

ذلك أن اختلاف البناء النفسي والقيمي لكل نموذج ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة القرار العام، وعلى العلاقة بالمجتمع، وعلى مفهوم العدالة والرقابة والنزاهة.

أولاً: القائد السياسي ومفهوم القيادة العامة

القائد السياسي الحق ليس مجرد شخص يشغل موقعًا رسميًا في الدولة، وإنما هو شخصية ينبغي أن تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على التأثير المجتمعي، وتسعى إلى تحقيق أهداف عامة طويلة الأمد تتجاوز المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.

وتقوم القيادة السياسية الحقيقية على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

وضوح الرؤية المستقبلية.

الالتزام بالمبادئ العامة

التأثير المعنوي في الجماهير.

امتلاك الشجاعة الأخلاقية والسياسية والقدرة على اتخاذ القرارات الشجاعة فالقائد الحقيقي يتخذ قراراته بناءً على المبادئ والقيم، حتى وإن كانت غير شعبية، خاصة في أوقات الأزمات...

ومن ثم، فإن القائد لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يعمل على إعادة تشكيله وتطويره وفق تصور إصلاحي شامل.

وتتجلى القيادة بصورة أوضح في الظروف الاستثنائية والأزمات الكبرى، إذ يظهر الفرق بين من يبحث عن حماية موقعه السياسي، ومن يتحمل مسؤولية القرار ولو كان مكلفًا على المستوى الشخصي أو الحزبي.

ثانياً: القيادة والنزاهة

ترتبط القيادة الحقيقية ارتباطًا وثيقًا بمنظومة القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها النزاهة والعدالة واحترام القانون.

فالقيادة، بمعناها القيمي، لا يمكن أن تتعايش مع الفساد المالي أو الإداري؛ لأن الفساد يمثل انحرافًا عن الغاية الأساسية للسلطة العامة، والمتمثلة في تحقيق الصالح العام.

وعليه، فإن القائد الحقيقي لا ينظر إلى أجهزة الرقابة بوصفها خصمًا سياسيًا، وإنما يعدّها ضمانة لحسن سير المرافق العامة، وأداة ضرورية لمنع الانحراف واستغلال السلطة.

بل إن بعض القادة يسعون إلى تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، وقبول خضوعهم الشخصي للرقابة والمساءلة، انطلاقًا من إيمانهم بأن الشرعية الأخلاقية للسلطة لا تقل أهمية عن شرعيتها القانونية.

ثالثاً: السياسي التقليدي وإشكالية البقاء في السلطة

يقوم النموذج التقليدي للسياسي ـ في كثير من الأحيان ـ على إدارة التوازنات والتحالفات والمصالح الآنية بهدف المحافظة على النفوذ السياسي أو توسيعه.

ولهذا يميل السياسي التقليدي إلى:

تغليب الاعتبارات الحزبية على المصلحة العامة.

تبني الحلول قصيرة الأمد.

تغيير المواقف وفق مقتضيات التحالف السياسي.

استخدام الخطاب الأخلاقي بوصفه أداة دعائية أكثر من كونه التزامًا عمليًا.

وفي هذه الحالة تتحول العدالة من قيمة قانونية وأخلاقية مجردة إلى أداة نفوذ ومصلحة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، وتآكل مفهوم المواطنة المتساوية.

ومن أخطر مظاهر الانحراف السياسي إعادة تعريف العدالة بما يخدم استمرار السلطة، من خلال الانتقائية في تطبيق القانون، أو تحويل الحقوق العامة إلى امتيازات مرتبطة بالولاء السياسي.

فالسياسي المنحرف، أو ما يمكن وصفه بالسياسي النفعي أو السلطوي، لا يرى العدالة كقيمة أخلاقية مطلقة أو قاعدة قانونية ثابتة، بل يعيد تعريفها لتصبح أداة سياسية تخدم مصالحه الشخصية أو الحزبية.

يتمحور مفهوم العدالة عند هذا النوع من السياسيين حول النقاط التالية

العدالة هي "إيديولوجيا السلطة": العدل هو ما يخدم استمرارية السلطة ومصالحها.

الانتقائية في تطبيق القانون: يتم تطبيق القوانين بصرامة على الخصوم ("العدالة القمعية")، بينما يتم استثناء الحلفاء أو التغاضي عن تجاوزاتهم.

العدالة كـ "صورة" لا كـ "جوهر": استخدام شعارات العدالة والمساواة في الخطابات العامة لاستمالة الرأي العام، بينما الواقع الممارس يكرّس التفاوت والامتيازات.

تحويل الحقوق إلى "منح": إظهار الحقوق الأساسية للمواطنين على أنها هبات ومكرمات يمنحها السياسي، مما يربط الولاء بالعدالة.

العدالة الانتقائية/المصلحية: تحويل العدالة من "إعطاء كل ذي حق حقه" (مفهوم أرسطو) إلى "إعطاء ما يضمن الولاء".

باختصار، بالنسبة للسياسي المنحرف، العدالة ليست هدفاً، بل هي وسيلة لتحقيق غايات سياسية، حيث يتم طمس الحدود بين الحق والمصلحة الشخصية.

رابعاً: القائد والموظف… الفارق في فلسفة المبادرة

يتمثل الفرق الجوهري بين القائد والموظف في طبيعة العلاقة بالمبادرة والمسؤولية.

فالقائد يمتلك القدرة على صناعة الحلول وابتكار المسارات الجديدة، بينما يميل الموظف التقليدي إلى المحافظة على الاستقرار الوظيفي وتجنب المخاطرة.

ولذلك فإن البيئات الإدارية الجامدة غالبًا ما تُنتج موظفين يتجنبون التفكير النقدي أو الإبداع الإداري، خشية المساءلة أو الفشل أو فقدان الامتيازات الوظيفية.

إن الفرق الجوهري بين القائد والموظف يتمثل في مدى توافر روح المبادرة وعقليتها. فالقائد يصنع الحلول ويبتكر المسارات، أما الموظف التقليدي فيكتفي غالبًا بالحفاظ على موقعه الوظيفي وتجنب المخاطرة.

ورغم الأعداد الهائلة للموظفين في مختلف الدول، فإن الابتكار والإبداع يظلان نادرين داخل البنى الإدارية الجامدة، لأن كثيرًا من الموظفين يتوجسون من طرح الأفكار الجديدة أو تقديم المقترحات الجريئة، خشية الفشل أو التعرض للعقوبات أو العزل الإداري في بيئات يغلب عليها الروتين والمحافظة المفرطة.

ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ”العرف الإداري الفاسد”، الذي يختزل فلسفته بعبارة:

“لا تُحرِّك ساكنًا ولا تُسكِّن متحركًا”،

وهو عرف يقتل روح المبادرة، ويحوّل الوظيفة من وسيلة للبناء والتطوير إلى مجرد أداة للبقاء الوظيفي وتجنب المسؤولية.

فالإدارة التي تعاقب المبادرة تكافئ الجمود، وتنتج مع الزمن موظفين يخشون التفكير أكثر مما يخشون الخطأ

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يحوّل الوظيفة العامة من أداة للتطوير وخدمة المجتمع إلى مجرد وسيلة للبقاء الوظيفي.

خامساً: البعد الإنساني في القيادة

لا تقتصر القيادة على امتلاك السلطة أو المهارة الإدارية، بل تقوم أساسًا على البعد الإنساني في التعامل مع الأفراد والمجتمع.

فالقيادة الفعالة تتطلب فهمًا للطبيعة البشرية، واحترامًا لكرامة الإنسان، وقدرة على بناء الثقة والإلهام المعنوي.

ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يقيس نجاحه فقط بحجم السلطة التي يمتلكها، بل بمقدار الأثر الإيجابي الذي يتركه في المجتمع والمؤسسات والأفراد. (1)

خاتمة

إن التمييز بين القائد والسياسي والموظف ليس تمييزًا شكليًا أو لغويًا، بل هو تمييز يرتبط بجوهر إدارة الدولة وطبيعة السلطة العامة.

فليس كل سياسي قائدًا، كما أن المنصب الرسمي لا يكفي وحده لصناعة القيادة.

فالقيادة الحقيقية هي مزيج من الرؤية، والنزاهة، والشجاعة الأخلاقية، والقدرة على الإلهام، وتحمل المسؤولية العامة.

أما حين تتحول السلطة إلى مجرد أداة للبقاء السياسي أو المحافظة البيروقراطية، فإن الدولة تفقد قدرتها على الإصلاح والتقدم، وتدخل تدريجيًا في دائرة الجمود الإداري والتآكل المؤسسي.

ومن هنا، فإن بناء الدول الحديثة لا يعتمد فقط على القوانين والهياكل التنظيمية، بل يعتمد قبل ذلك على نوعية الشخصيات التي تتولى إدارة السلطة العامة، ومدى امتلاكها لروح القيادة الحقيقية.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026

..........................

(1) ذكر في التراث الشعبي ان اباً كان ساخطاً على ابنه بسبب سلوكه الطائش وشكوى الجيران من سلوكياته العدوانية ، فكان الاب دائم التوبيخ له ويكرر له القول ان اعمرك "لن تكون ادمي"، فترك الابن البيت وتطوع في الخدمة العسكرية ولم يعد لأهله لسنوات طوال حتى تدرج في الرتب العسكرية والمدنية واصبح لاحقاً قائدا اعلى على مدينته، وهنا ارسل في طلب اباه

فوصل الاب ووجد ابنه يجلس على كرسي الحكم ويحيط به الحرس والخدم والحشم

يخدمونه ويعظمونه..

لم يبد على الأب اي تعاطف او اهتمام

وظل ساكتاً

هنا بادر الابن: اتعرف لماذا ارسلت في طلبك يا أبي

اجاب الاب ببرود: لا

فقال الابن: الا تذكر ياأبي يوم وبختني بشدة وقلت لي لن تكوناً ادمياً في يوم من الأيام، وها أنت تراني الان اصبحت قائداً كبيراً مبجلاً وجماهير الناس تركض خلف موكبي تتوسل بي وتستعطفني املاً في العطاء

ساد الصمت في قاعة التشريفات والتفت الحضور الى الاب

قطع الاب الصمت وقد رفع صوته قليلاً وقال: نعم انا قلت لك انك لن تكون ادمياً وانساناً محترما، ولم اقل لك انك لن تكون قائداً

سكت الاب لبرهة ثم أضاف: زهوك بنفسك يدل على انك لم تتغير ابداً.

تُعدّ مناهج البحث العلمي من أهم المواد التي تسهم في بناء شخصية الباحث وتشكيل وعيه العلمي؛ إذ لا يمكن لأي مشروع بحثي أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى رؤية منهجية واضحة تضبط خطواته وتوجّه مساراته، فالبحث العلمي ليس مجرد عملية جمع للمعلومات أو تنسيق للنصوص، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الموضوع وتنتهي بصياغة النتائج وفق أسس علمية دقيقة.

ومن هنا تبرز أهمية تدريس مادة «منهج البحث العلمي» بوصفها المدخل الرئيس الذي يتعرّف من خلاله الطلبة على آليات البحث وضوابطه، ويتدرّبون عبرها على ممارسة العمل البحثي بصورة منهجية، فكل بحث جديد يكتبه الباحث يضيف إلى خبرته العلمية مهاراتٍ جديدة، ويمنحه قدرة أكبر على التعامل مع المصادر وتحليل النصوص وتقويم الآراء.

غير أنّ الملاحظ في كثير من الأحيان أنّ تدريس مادة منهج البحث ينصرف إلى التركيز على بعض الجوانب الشكلية والإجرائية، كطريقة كتابة اسم المؤلف، وهل يُقدَّم الاسم أم اللقب، وهل يُذكر الجزء بالحرف أو الرقم، ومتى توضع الفارزة المنقوطة، وما نوع الأقواس المستخدمة في الاقتباس، إلى غير ذلك من التفاصيل الفنية المرتبطة بإخراج البحث، ولا شكّ أنّ هذه الأمور مهمة، وينبغي للباحث الإلمام بها؛ لأنها تمثل جزءًا من البناء العلمي للبحث، إلا أنّ المشكلة تكمن في تحوّلها أحيانًا إلى محور الاهتمام الأساس، مقابل إغفال جوانب أكثر عمقًا وأشدّ تأثيرًا في تكوين الباحث العلمي.

فثمّة مهارات منهجية وتطبيقية ينبغي أن تحظى بعناية أكبر داخل مقررات مناهج البحث؛ لأنها تمثل الأخطاء الأكثر شيوعًا بين الباحثين، ولا سيما المبتدئين منهم، ومن أبرز هذه المهارات:

أولًا: التمييز بين المصادر الأصلية والثانوية

من الأخطاء الشائعة أن يعتمد الباحث على النقل من المصادر الثانوية من دون مراجعة المصدر الأصلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى نقل النصوص بصورة مبتورة أو غير دقيقة، لذا ينبغي أن يتعرّف الطالب منذ المراحل الأولى على أهم المصادر المعتمدة في تخصصه، وأن يمتلك تصورًا عامًا عن أمهات الكتب في مجاله العلمي.

فطالب العلوم الشرعية ـ على سبيل المثال ـ يحتاج إلى معرفة المصادر الأساسية في الفقه، وأصول الفقه، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والمنطق، والفلسفة، وعلم الكلام، وغيرها من العلوم المرتبطة بتخصصه؛ لأنّ الجهل بالمصادر الأصلية يضعف البناء العلمي للباحث ويجعله أسيرًا للنقولات غير المباشرة.

ثانيًا: فهم الاصطلاحات الخاصة بأهل الاختصاص

تتضمن الكتب العلمية، ولا سيما التراثية منها، اصطلاحاتٍ وتعابير خاصة قد ترتبط بالسياق العلمي أو بالبيئة الدراسية للمؤلف، ومن ذلك استعمال عبارات مثل: «سيدنا الأستاذ»، أو «شيخ الطائفة»، أو «شيخ الشريعة».

وكثيرًا ما يقع الباحث المبتدئ في خطأ نقل هذه التعابير كما هي من دون التفات إلى خصوصيتها؛ فينقل عبارة «سيدنا الأستاذ» مثلًا، مع أنّه ليس من تلامذة ذلك العالم، مما يجعل العبارة فاقدة لدقتها العلمية، ولذلك فإنّ فهم اصطلاحات أهل الفن يُعدّ جزءًا مهمًا من الوعي المنهجي الذي ينبغي أن يكتسبه الباحث.

ثالثًا: التمييز بين كلام المؤلف وكلام المحقق

من المشكلات التي تتكرر في التعامل مع الكتب التراثية المحققة عدم التفريق بين نص المؤلف الأصلي وتعليقات المحقق أو تعليقاته التوضيحية، وقد يؤدي ذلك إلى أن ينسب الباحث رأيًا أو تفسيرًا إلى صاحب الكتاب، مع أنّه من إضافات المحقق المعاصر.

وهذا النوع من الأخطاء قد يسبب إحراجًا علميًا للباحث، ويكشف عن ضعف خبرته في التعامل مع النصوص التراثية، لذا فإنّ تدريب الطلبة على قراءة الكتب المحققة والتفريق بين مستويات النصوص فيها يُعدّ ضرورة منهجية لا غنى عنها.

رابعًا: الالتفات إلى اختلاف الطبعات

لا تقف أهمية التعامل مع المصادر عند مجرد الحصول على الكتاب، بل تمتد إلى ضرورة معرفة طبعاته المختلفة، وما قد تتضمنه من إضافات أو تعديلات، فكثير من المؤلفين يضيفون في الطبعات اللاحقة معطيات جديدة، أو يقومون بتعديل بعض آرائهم، أو تصحيح أخطاء وردت في الطبعات السابقة.

ومن هنا فإنّ اعتماد الباحث على طبعة قديمة من دون مراجعة الطبعات الأحدث قد يفوّت عليه معلومات مهمة أو تحديثات علمية ذات قيمة.

خامسًا: التعريف بالمصطلحات من مصادرها التخصصية

من القضايا التي ينبغي الالتفات إليها عند كتابة البحوث العلمية طريقة تعريف المصطلحات، فليس من المنهجية الصحيحة أن تُعرّف المصطلحات اعتمادًا على أي معجم عام أو مصدر غير تخصصي، بل ينبغي الرجوع إلى الكتب المختصة بالحقل العلمي الذي ينتمي إليه المصطلح.

فالمصطلح الحديثي يُرجع فيه إلى كتب مصطلح الحديث، والمصطلح الأصولي إلى كتب أصول الفقه، والمصطلح الفلسفي إلى المصادر الفلسفية، وهكذا لأنّ لكل علم بيئته الخاصة التي تمنح المصطلحات دلالاتها الدقيقة.

وهنا نصل إلى مسألة جوهرية، وهي أنّ مادة منهج البحث ليست مادة نظرية فحسب، بل هي مادة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، غير أنّ المقصود بالتطبيق لا يقتصر على مجرد ممارسة الكتابة، بل يشمل تدريب الباحث على كيفية التعامل مع المصادر، وفهم النصوص، واكتشاف الفروق بين الطبعات، والتمييز بين الآراء والتعليقات، ومعرفة طبيعة المصطلحات واستعمالاتها.

إنّ الباحث الحقيقي لا يُبنى عبر حفظ القواعد الشكلية فقط، وإنما يتكوّن من خلال الممارسة الواعية للتعامل مع المادة العلمية، والقدرة على قراءة النصوص قراءة نقدية دقيقة، ومن هنا فإنّ تطوير مادة منهج البحث ينبغي أن يتجه نحو بناء «العقلية البحثية» لدى الطالب، لا الاكتفاء بتعليمه طرائق التنسيق والإخراج الفني.

فبين حدود الممكن في الواقع الأكاديمي، وتطلعات المأمول في صناعة الباحث الكفوء، تبقى الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في آليات تدريس مناهج البحث، لتكون أقرب إلى صناعة الباحث القادر على التفكير والتحليل والنقد، لا مجرد كاتب يجيد تنسيق الهوامش وترتيب الفواصل.

***

الدكتور علي جعفر محمد الرماحي

كلية الفقه – جامعة الكوفة

في المثقف اليوم