في الحد الأدنى الذي يصون الحوار ولا يُملي نموذجاً
ليس الخيال العلمي في أنضج صوره هرباً من الأرض، بل عودة إليها من أبعد الطرق. فهو لا يُقصينا عن الأرض وإنما يُنحّينا عنها بما يكفي لنراها: هناك تتجرّد القوة من أسمائها المألوفة والاستعمار من أعلامه والتفوق من ذرائعه، فيعود السؤال في صورته الأولى: هل يكفي أن يكون أحدهم أقدر منا ليصبح أحق بنا؟ وحين تهبط في هذه الحكايات كائنات أوسع علماً وأمضى قوة لتعلن أن البشرية لم تحسن بناء بيتها، فإنها لا تأتينا بخصم جديد، بل ترفع إلينا صورتنا في مرآة مكبّرة، فهذا الخطاب قد سمعته الشعوب مرارا بلغات أرضية من ”عبء الرجل الأبيض“إلى بيانات كل استبداد يعد الناس بتمدينهم ويأخذ منهم الإرادة.
وأول ما تفعله الهيمنة أنها تنزع عن الآخر أهليته المعرفية، فليس السلاح هو ما يفتح البلاد أولا، بل الحكم القائل إن أهلها لا يعرفون مصلحتهم. وبه يصبح الاحتلال خدمة والوصاية إحسانا.
لكن رفضنا هذه الوصاية ليس نسبوية ولا إنكارا للمعايير الكونية، إنه اعتراض على تناقض في صميم فكرة الأخلاق المفروضة. فالخير الذي يفرض بالسلاح ليس نضجا، بل تدجين، والحرية شرط إمكان الفعل الأخلاقي لا زينة تضاف إليه. والكائن الذي يحسن التصرف تحت تهديد الفناء ليس فاعاً أخلاقيا، بل حيوان أحسن أصحابه ترويضه. فمأخذنا على الوصي الهابط من السماء ليس أنه يحمل قيماً كونية، بل أنه بفرضها يبطل شرط تحققها. نحن لا نخاصم الكونية، وإنما نخاصم القسر طريقا إليها.
وليس هذا الرفض ستارا لبراءة موهومة. في فيلم، اليوم الذي توقفت فيه الأرض “The Day the Earth Stood Still” ما يشبه التهمة العادلة: للبشرية نزوع حقيقي إلى التدمير، وقد بلغت من السلاح ما يفني الكوكب قبل أن تبلغ من الضمير ما يحكم السلاح. فالسيادة ليست شيكا على بياض تحرره البشرية لنفسها باسم، حرية الخطأ، والمأزق: كيف تصحح مسارها دون أن تسلم مصيرها إلى طاغية عليم؟
الجواب ليس استبدال استبداد بشري باستبداد فضائي، بل تحريك العقل الأخلاقي النقدي من داخل البشرية نفسها، ولهذا آليات ثلاث: فضاء عمومي كوكبي تصبح فيه الفضيلة موضوع تداول لا حكرا على نخبة، وردع أخلاقي غير عسكري يربط المصالح بمؤشرات البيئة والحقوق وتعامل مع الكوارث المشتركة من المناخ إلى الأوبئة بوصفها واقعا يضيق هامش اللاعقلانية. أما الفعل التواصلي عند هابرماس فلا نتخذه واقعا منجزا، إذ شروط الكلام المثالية نادرا ما تصمد في علاقات القوة اللامتكافئة وهي بالضبط حالتنا، بل أفقا ناظما نقيس عليه اقتراب أي حوار من التكافؤ.
وفي الآلية الثالثة خطر: إن منطق لم يبق للبقاء إلا هذا الخيار هو منطق كل استبداد طوارئ، وهو ما سماه شميت حالة الاستثناء. ولذلك يلزم فصل حاد بين إكراه الواقع وإكراه من يحتكر تفسير الواقع. فالجاذبية تكرهنا جميعا بالتساوي وليس لأحد عليها امتياز التفسير، أما إذا زعم طرف بعينه أنه وحده يعلم ما تقتضيه الضرورة، فقد انقلبت الضرورة من حقيقة موضوعية إلى غطاء لسلطة. والمعيار الفاصل: هل تفسير الضرورة مفتوح للتفنيد من الجميع أم محتكر في مركز واحد؟ الأول عقلانية تشاركية والثاني وصاية تتنكر في زي العلم.
ويقدم لنا مسلسل الزائرون “V” الوجه الآخر للهيمنة: استعمار مغلف بالمعونة، يبذل التقنية والطب والأمان ويأخذ الحرية شيئاً فشيئا حتى لا يبقى ما يؤخذ. وقد يجعل الخلل المادي المواجهة انتحارا، لكن المقاومة ليست اندفاعا بلا حساب ولا هي توتاليتارية الأمل التي تفترض أن الإرادة تكسر الفيزياء. إنها تبدأ رفضا معرفيا لشرعية الهيمنة، ثم تتخذ صبرا واستراتيجية: كسب الوقت ومعرفة الثغرات وصون الذات من الذوبان. فالقوة قد تفرض أمرا واقعا، لكنها تفشل في انتزاع الشرعية ما دام المستضعف ممسكاً بوعيه.
ومن هنا كرامة التنوع، فالتاريخ معزوفة أصوات لا صوت واحد ولكل شعب إمكان فريد في التعبير عن الروح الإنسانية. وقد صاغ هيردر هذا المعنى أبلغ صياغة، لكنه صاغه خصما للكونية التنويرية، ميالاً إلى نسبوية قد تفضي إذا أخذت على إطلاقها إلى تبرير الانغلاق. فنحن لا نأخذه كله، نقتطف منه ثراء التنوع ونضعه في إطار كوني رقيق كان يرفضه أي نستعمله ضد نزعته. فالتعددية هنا ليست إذناً بالتغاضي عن الانتهاك باسم الخصوصية، التنوع قيمة لكن داخل الحد الأدنى لا فوقه.
فكيف يقاس التكافؤ بلا وصي؟ بنقل المسألة من تكافؤ ميتافيزيقي يزعم تساوي كل القيم إلى تكافؤ إجرائي يقوم على أمرين. أولهما حد أدنى كوني رقيق جدا، فكلما اتسع اقترب من كونية سميكة تعيد إنتاج الهيمنة بمفردات القيم. لذلك نحصره في نواة لا تستطيع حضارة أن تنكرها دون أن تنكر شرط بقائها جماعة إنسانية: صون الجسد من الإبادة والاستعباد وحرية الضمير وحق المشاركة في تقرير المصير المشترك. وليست هذه قيما غربية، بل شروط إمكان أي حوار حر، فمن يباد أو يستعبد لا يشارك في تكافؤ. وما وراء النواة، أنظمة القيم وأشكال الحكم والغايات القصوى متروك للتنوع كله. الحد الأدنى أرضية يقف عليها الجميع، لا سقف يقاس به الجميع.
وثانيهما التكافؤ في حق طرح السؤال لا في قيمة الجواب. وعندها يصبح التدخل الأخلاقي مشروعا في صورة واحدة: أن ينتقل من فرض النموذج إلى فضح التناقض الداخلي، أي أن يبين لحضارة أن قوانينها تكذب مبادئها، كمن يرفع شعار المساواة ويقيم الرق. وهو إجراء لا يحتاج أسطولا بل حجة لأنه لا يلغي ارادة الآخر بل يدفعه إلى مراجعة نفسه، وتلك وحدها الطريق التي ينضج بها الوعي من داخله.
وأخطر اعتراض على هذا الكلام ينبغي مواجهته: إن الفضح والمقاطعة، وإن لم يحتاجا قوة عسكرية هما قوة في ذاتهما ومن يملكها عمليا هو الأقوى اقتصاديا أي المركز الذي بدأنا بنقد هيمنته. فهل ينقلب سلاح المستضعفين أداة في يد المهيمن يقاطع بها الجنوب باسم حقوق الإنسان او سواها من الذرائع؟ إنكار الخطر سذاجة والسكوت عنه جبن. ولا مخرج إلا بشرط التبادلية: لا يفضح أحد غيره بمعيار لا يقبل أن يطبق عليه، فمن يقاطع الاستعباد فليقبل أن يُقاطَع إن مارسه تحت غطاء في استغلال العمالة أو نهب الثروات. فالمعيار الكوني لا يكون كونيا إلا إذا ارتد على قائله أولا، وبهذا يسقط سلاح الفضح من يد من يكيل بمكيالين. ويلزم معه شرط ثان: لامركزية الفضح، فهو حق موزع يفضح به الضعيف تناقض القوي كما يفعل العكس وهو سلاح الضعيف الأمضى لأن الحجة لا تتطلب سفناً. وبالتبادلية واللامركزية معا لا يعود الفضح إعادة إنتاج للهيمنة، بل مساءلة أفقية.
إن رفض الوصاية، هابطة من السماء أو زاحفة من البحر ليس دفاعا عن خطأ الإنسان بل دفاع عن شرطه. فالإنسان لا يكون إنسانا ولا الحضارة حضارة إلا بثنائية الحرية والمسؤولية، والقبول بوصي يفكر عنا ويعاقبنا مبادلة كرامة الحر بأمان المدجّن في قفص من ذهب. ولسنا مع ذلك نقدس الفوضى: فقد وضعنا للحرية حداً أدنى رقيقا يصون شرط الحوار ولا يملي نموذجا، وشرط تبادلية يمنع انقلاب النقد إلى سلطة. فالحضارة الحقيقية ليست التي لا تخطئ، بل التي تملك من العقل ما يكفي لتعترف بخطئها وتتدارك فناءها بملء إرادتها لا لأن أحداً أجبرها، بل لأنها اختارت البقاء فعلا من أفعال حريتها.
***
حميد القحطاني








