عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أحمد فاتح: رأسمالية الأبحاث

حين يشتري السوق ضمير الأكاديميا وتتحول المختبرات إلى مكاتب تسويق

لم تعد الجامعات ومراكز الأبحاث في عالمنا المعاصر تلك القلاع المحصنة التي تُنتج المعرفة من أجل الإنسان وخلاصه من الجهل والمرض، بل باتت تشهد انزلاقاً خطيراً نحو منطق السوق ومتطلبات الربح السريع. هذا التحول ليس مجرد أزمة إدارية عابرة، بل هو تمظهر صارخ لما يعرف اليوم بـرأسمالية الأبحاث، حيث استطاعت الشركات العابرة للحدود والكيانات الاحتكارية الكبرى أن تُمسك بمفاصل التمويل الأكاديمي، وتعيد توجيه بوصلة العلم وفق مصالحها الخاصة، في عملية مصادرة ممنهجة للعقول والاستقلال المعرفي. في واقع الحال بدأت هذه المعضلة مع تراجع الإنفاق الحكومي والدعم العام المخصص للمؤسسات الأكاديمية والبحثية، الأمر الذي أوقع الجامعات في فخ الارتهان التمويلي للقطاع الخاص. وتكمن المفارقة الصادمة هنا في أن التمويل لم يعد هبة غير مشروطة لدعم رصانة المعرفة، بل تحول إلى عقد استثماري تفرضه الشركات وفق شروط صارمة. وبذلك همشت العلوم الأساسية والفلسفية والإنسانية بحجة أنها لا تدر أرباحاً فورية، بينما وجهت المختبرات التقنية والطبية للبحث عن عقاقير وتقنيات تضمن احتكار السوق ورفع أسهم المستثمرين، حتى لو كان ذلك على حساب أولويات الصحة العامة والمجتمعات الأكثر فقراً. ولا يقف الأمر عند حدود توجيه الموضوعات، بل يمتد إلى مصادرة الباحث نفسه. فالأكاديمي الذي يفترض به أن يكون حارساً للموضوعية والحقيقة، يجد نفسه مقيداً بـ اتفاقيات سرية وبنود جزائية تجبره على إخفاء النتائج التي قد تضر بالمنتج التجاري للممول، أو تضخيم الإيجابيات لخدمة الحملات التسويقية. إنها مصادرة ناعمة للعقو"، يتم بموجبها تدجين النخبة العلمية وتحويلها من قوة نقدية مستقلة إلى أدوات تكنوقراطية لتبرير التوسع الرأسمالي وحماية براءات الاختراع الاحتكارية. إن تداعيات هذه الظاهرة تتجاوز أروقة الأكاديميا لتضرب صميم الأمن القومي والمجتمعي للدول النامية خصوصاً، حيث تباع مخرجات العقول بأثمان باهظة في سوق دوائي وتكنولوجي مغلق، ويحرم المجتمع من حق الوصول إلى المعرفة بوصفها منفعة عامة. تأسيساً على ذلك، بات لزاماً دقّ ناقوس الخطر والعمل على استعادة السيادة المعرفية. إن الدفاع عن الرصانة الأكاديمية اليوم لا ينفصل عن المعركة الوطنية للدفاع عن التنمية. فالأوطان التي تفقد السيطرة على بوصلة بحوثها العلمية وتترك عقول أبنائها رهينة لأجندات الشركات الكبرى، ترهن مستقبلها الاقتصادي والصحي برمته لسطوة سوق لا يعترف بالأخلاق ولا يكترث بمصير الإنسان.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم