عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: هل انتهى دور المرأة كربّة بيت؟

تغيّرت الحياة كثيراً، وتغيّرت معها أدوار المرأة ومسؤولياتها؛ فالمرأة اليوم تتعلم وتعمل وتشارك في مختلف الميادين، وتؤدي أدواراً محورية في المجتمع. ومع ذلك، يبقى سؤالٌ يستحق التأمل: هل أدى هذا التغيير إلى انتهاء دورها كزوجة وربّة بيت وأم؟

إن دور المرأة كزوجة ركن أساسي في الحياة الأسرية؛ فهي شريكة في بناء حياة تقوم على المودة والاحترام، تقف إلى جانب زوجها في السراء والضراء، كما يقف هو إلى جانبها. وهي شريكة في مسيرة كاملة تتطلب الحب والتعاون وتحمل المسؤولية، وليست مجرد امرأة تشارك غيرها السقف ذاته.

ومن أهم أركان هذه الشراكة العطاء المكلّل بالاحترام؛ فالزواج ليس عملية تجارية تقوم على حسابات الربح والخسارة، ولا ينبغي أن يتحول إلى تدقيق دائم فيما يقدمه كل طرف وما يحصل عليه في المقابل. فالزوج الذي يعمل من أجل أسرته ويشارك في تربية أبنائه يقدم عطاءً عظيماً، والزوجة التي تبذل من وقتها وجهدها لرعاية أسرتها واستقرارها تقدم عطاءً لا يقل قيمة.

أما مفهوم «ربّة البيت» فهو أوسع بكثير من مجرد الأعمال المنزلية اليومية؛ فهي سيدة المنزل التي تدبّر شؤونه وتنظمه، وتخلق بيتاً يجد فيه أفراده الراحة والأمان والانتماء. ويعني ذلك أن تكون الأسرة في صدارة أولوياتها، ولا يعني أن تتحمل المرأة وحدها جميع الأعباء المنزلية، كما يجب أن تكون الأسرة في صدارة أولويات الزوج أيضاً.

وأما دورها كأم، فهو أعظم من أن يُختزل في توفير الطعام والملبس والتعليم؛ إذ إنها شريك أساسي في بناء شخصيات الأبناء وغرس القيم والأخلاق التي ترافقهم طوال حياتهم. فالطفل يحتاج إلى الحنان والقدوة والاحتواء، ولا تكفيه الرعاية المادية وحدها.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: أيُّ هذه الأدوار يمكن الاستغناء عنه: الزوجة، أم ربّة البيت، أم الأم؟ وهل يحق للمرأة تقديم استقالتها من أحد هذه الأدوار والتخلي عنه؟

اليوم أصبحت المرأة تعمل، وتتولى المناصب العليا العلمية والإدارية، وتمارس التجارة بكفاءة واقتدار، وبذلك قلّ اعتمادها المادي على الزوج مقارنةً بما كان عليه الحال سابقاً. لكن هذا كله لا يلغي دورها داخل الأسرة، بل يظل هذا الدور من أهم مسؤولياتها، ويضاف إلى مسؤولياتها الأخرى. ومهما كانت الوظيفة مهمة، فلا ينبغي أن تكون بديلاً عن الأسرة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الرجل؛ فعمله لا يعفيه من دوره الأسري، إذ إن الزوج شريك في تربية الأبناء ورعاية البيت، وليس مجرد مُعيل مادي.

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة آراء تُعيد تعريف العلاقة الزوجية بطريقة أثارت جدلاً واسعاً؛ ومنها الاستناد إلى بعض الآراء الفقهية التي ترى أن المرأة غير ملزمة بخدمة زوجها. ولا اعتراض، بالطبع، على وجود مثل هذه الآراء الفقهية وتعدد الاجتهادات فيها؛ فالزوجة ليست خادمة لزوجها، كما أن الزوج ليس خادماً لزوجته، ومجرد النظر إلى العلاقة الزوجية من هذا المنظور يُعدّ انتقاصاً من منظومة الزواج. إن هذا التصور يفرغ الزواج من روح المشاركة، ويجعل التعاون في شؤون البيت أمراً يُنظر إليه بوصفه انتقاصاً من الحقوق أو الكرامة.

فالحياة الزوجية في جوهرها شراكة قائمة على المودة والرحمة، وليست علاقة بين صاحب عمل ومن يعمل لديه. والبيت ليس فندقاً يجتمع فيه الطرفان في نهاية اليوم، ولا مضماراً لتعديد الحقوق والمطالبة بها، مع النظر إلى الواجبات بوصفها عبئاً ثقيلاً. وعلى كل أسرة أن تجد طريقتها في تنظيم شؤونها وإدارة بيتها بما يضمن استقرار الحياة العائلية، سواء بتوزيع المهام بين الزوجين أو بالاستعانة بمساعدة منزلية عند الحاجة والقدرة، دون أن ينتقص ذلك من مكانة أحد أو من قيمة الأسرة.

حدثت كل هذه التغييرات بسرعة، فما الأسباب التي أدت إلى هذا التحول في النظرة إلى الحياة الزوجية؟ لقد أمعنتُ في التفكير في هذا الجانب كثيراً، ووصلت إلى بعض القناعات، منها أن بعض الزوجات، وبخاصة الشابات، قد يكنّ ضحايا تربية أسرية غير متوازنة؛ إذ نشأن في بيئات لم تُعوّدهن على تحمّل المسؤولية، ورُبِّينَ على أن الصورة المثالية للحياة الحديثة هي أن يوفر الزوج كل شيء، دون أن تُطالَب الزوجة بالمثل. فتدخل الفتاة الحياة الزوجية بتوقعات غير واقعية، معتقدة أن الاهتمام ببيتها وأسرتها ليس من أولويات مسؤولياتها، وقد ترى فيه انتقاصاً من استقلاليتها.

والأخطر من ذلك أن هذه المفاهيم التي اكتسبتها الزوجة من عائلتها قد تنتقل إلى الأبناء؛ فالطفل يتشرّب أفكاره من بيئته، وإذا نشأ في بيت يرى فيه المسؤولية عبئاً والعطاء انتقاصاً من الكرامة، فقد يحمل هذه المفاهيم معه إلى أسرته المستقبلية، وعندها تنعكس هذه المشكلات على شريحة أوسع من المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية مسؤولية الأسرة في إعداد الجيل القادم، وتعليم الأبناء معنى المسؤولية وقيمة العطاء.

وقد انعكست هذه التحولات على نظرة بعض أبناء الجيل الجديد إلى الزواج، نتيجة هذه التناقضات والتوقعات المرتفعة، إلى جانب أعباء الحياة الاقتصادية. فأصبح بعضهم ينظر إلى الزواج بوصفه عبئاً يصعب تحمّله. فعندما يُنظر إلى الزوج وكأنه «فانوس سحري» يُفترض به تحقيق جميع الأحلام التي عجز الوالدان عن تحقيقها لها، بدلاً من النظر إليه كشريك في مسيرة تقوم على الأخذ والعطاء، تصبح الحياة الزوجية عرضة للخلافات المستمرة. كما أن تغيّر بعض المفاهيم، والبحث عن مواصفات وشروط معينة، قد دفع بعض الشباب إلى البحث عن شريك حياة من ثقافات أو جنسيات أخرى، وهو تحول اجتماعي يستحق الدراسة والتأمل عند بحث أسباب تأخر سن الزواج في مجتمعاتنا.

ليس الحديث عن دور المرأة الأسري دعوة إلى إعادتها إلى صورة نمطية قديمة، ولا إلى تحميلها وحدها أعباء البيت، وإنما هو تذكير بأن الأسرة تقوم على التكامل والمودة. فالمرأة ليست موظفة فقط، ولا زوجةً فقط، ولا أمًّا فقط؛ بل هي إنسانة تحمل أدواراً متكاملة تسهم في بناء الأسرة والحفاظ على تماسكها، والرجل كذلك شريك أصيل في هذه المسيرة.

لقد تطورت المجتمعات وتبدّلت طبيعة العمل، لكن حاجة الإنسان إلى الأسرة لم تتغير. لذلك، لا يمكن القول إن دور المرأة كربّة بيت قد انتهى، بل تغيّر شكله؛ فقد تكون ربّة البيت اليوم امرأة تعمل خارج منزلها، ثم تعود لتشارك في إدارة بيتها ورعاية أسرتها، وقد تكون امرأة متفرغة لبيتها. وفي الحالتين، تُقاس قيمة دورها بما تقدمه لأسرتها من حب واستقرار، لا بالمسمى الوظيفي الذي تحمله. وتبقى هي ملكة العائلة. ولا ننسى أن الأسرة تمثل للمرأة، كما للرجل، مصدر استقرار وأمان، ومن مصلحتهما معاً الحفاظ على تماسكها، وأن تسود بين أفرادها المودة والحب.

تغيّر الزمن لا يعني تغيّر القيم، بل يعني أن نبحث عن أفضل السبل للحفاظ عليها. فالبيت الذي يتنافس فيه الزوجان على من يعطي أقل ومن يكسب أكثر، قد يبقى سقفه قائماً، لكنه يفقد روحه؛ أما البيت الذي يتنافس فيه كل طرف على من يقدّم أكثر، فهو البيت الذي تسكنه المودة، ويظل وطناً حقيقياً لأفراده.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم