تنسج رواية " سيرة العشق والرحيل " للأديبة والروائية السورية سهير رخامية خيوطها من موضوعات متعددة؛ كالمفارقة والتناقض، والتحول والتغيير، ومآسي ونكبات في نسيج سردي بمقوماته المعروفة من شخوص، وأحداث، وحوار، ووصف وإن هيمن على مجريات وقائعها طابع الاستطراد والتفاصيل، فرغم وفرة الشخصيات، والتي نذكر منها راحيل وأختها رمال وأخيها جاد، وآدم ووالده محمود ووالدته أنجيلا، وأخته ريم ومريم، ومالك وأخته نور، والمربيتين أم سعيد وكاترينا، وجلال صديق آىم، وسام ابن راحيل، وجوزيف / يوسف ابن ريم، وصديقات راحيل مثل شذى. فإن أبرز الشخصيات التي أدارت دفة الحكي، وسير الأحداث، ونسجت معها علاقات بلغت حد التداخل والتماهي أحيانا؛ هي راحيل وعلاقتها بزوجيها مالك وآىم، وريم شقيقة آىم، وابنها جوزيف / يوسف، وسام ابن راحيل، وما عرفه سياق الأحداث، في تعالقه وتقاطعه مع شخوص الرواية، من مستجدات ومتغيرات أبرزها علاقة راحيل بزوجها المتوفى مالك، وزوجها الثاني آىم، فرغم اقترانها بمالك في ظروف خاصة ظلت تحمل في طيات ذهنها، وخبايا وجدانها ذكريات منذ عهد الطفولة والصبا عن آىم الذي سكن قلبها، وتسلل إلى أليافه. واستحضارا لما عرفته هذه العلاقة من مد وجزر، وانجذاب وانكفاء، وترقب وتوقع وانتظار آلت إلى الاقتران بآىم بعد وفاة زوجها مالك إثر عمل إرهابي ليلة زفافهما، لتقضي معه حياتها رفقة ابنها سام، وما ترسخ لديها من قناعة تمثلت في اعتبار سام ابن مالك؛ قناعة لم تدم طويلا حين رأت أن سام ابن آىم حسب ما تذكرته، حين استعادة ذاكرتها، من أحداث وملابسات، مما جعلها تتخلى عن معرفة نتائج الفحص الطبي الذي يثبت هوية والد ابنها الحقيقي والذي تأكد لديها بأنه آدم. وتتوالى الأحداث وتتعاقب من فقدان راحيل لذاكرتها لسنتين تقريبا، وغياب آدم لنفس الفترة تقريبا بانخراطه في أعمال تطوعية رفقة أعضاء جمعيات إنسانية وحقوقية في تقديم خدمات لضحايا الإرهاب الذي تمرغت في حمأته البلاد، وقبلها وفاة مالك زوج راحيل الأول إثر عمل إرهابي ليلة زفافهما، نفس المصير الذي لقيه والديْ آدم، وما عاشته ريم أخت آدم من اغتصاب اقترفه مجرم من عصابات الإرهاب نتج عنه حمل عجزت عملية الإجهاض عن التخلص من أحدهما الذي وضعته في ظروف صعبة وقاسية وهي بدير في إيطاليا مما جعلها تنفر منه ولا تتقبله في بادئ الأمر إلا أنها سرعان ما عادت لاحتضانه بعد أن تخلت عن اعتكافها في الدير كراهبة ثم توجهت للعيش قربه بعدما سجله أخوها آدم قد سجله باسمه كابن له مما جعل الأحداث تسير في مجرى آخر غامض ومعقد لبحث عن حل يضمن تحديد علاقة طبيعية تجمعها بابنها. و شخصية المربية أم سعيد، وما أسدته لراحيل من خدمات، وصديقتها شذى التي تحول إعجابها بآدم إلى الدخول معه في علاقة رضائية انتهت بنفوره منها، إلا أنها بعد ذلك ولجت في مسار جديد من حياتها كرسته للنضال من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان قادها للارتباط بزوج قاسمها نفس الأهداف والمهام مما حذا بالصحفية مريم أخت آدم لتقديمها إلى راحيل: " طبعا من لا يعرف شذى نراك على شاشة التلفزة تناضل من أجل الحرية وحقوق الإنسان متزوجة من أهم شخصية تخدم الوطن بداخله وخارجه..." ص200. ونظرا لكثرة الأحداث وتواليها يصعب الإحاطة بها ومقاربتها في سياقاتها المختلفة فقد اكتفينا بذكر بعضها التي ارتبطت بأهم شخوص الرواية، وإن بشكل مقتضب، نظرا لِنَفَسها المُشَكَّل من اثنين وستين فصلا، والأقرب للطول. إلا أن هناك موضوعات أخرى نذكر منها المفارقة والتناقض الذي عاشته أسرة آدم على المستوى الديني؛ فأمه مسيحية، ووالده مسلم مما دفعه للتساؤل: " كنت أتساءل كثيرا كيف استطاعوا العيش معا وهم على اختلاف كبير لأهم شيء بحياتهم؟" ص35، وهو ما تمثل في بعض سلوكيات الأم حسب ما عبر عن ذلك آدم: " أمي تشرب الخمر لأنه غير محرم بدينها... وأبي ديانته تحرم الخمر تحريما كاملا، كما رأيت أمي تأكل لحم الخنزير لأن دينها لا يحرمه، بينما دين والدي يحرمه... كنت بينهما أضيع؟ " ص37، تناقض ديني عقدي أثر أيضا على ريم أخت آدم، فيما عاشته من حياة متقلبة بعد اعتناقها المسيحية، ومحاولة زواج من مسيحي باءت بالفشل قادتها للإقامة كراهبة بدير، وتراجعها عن ذلك بعد ما تعرضت له من اغتصاب من طرف أحد الإرهابيين أنجبت على إثره توأما نجا، بشكل خاطئ، من عملية الإجهاض الأولى لتستقر على تغيير نمط حياتها وما عرفه من تغيير وتحول من راهبة إلى أم عادية تتابع حياة ابنها. وهو تغيير طال حياة آدم كذلك الذي سخر حياته داخل جمعيات إنسانية وحقوقية رغم ما عرفته حياته، كرجل أعمال كبير، من نعمة ورفاه. وموضوع حب الوطن كما في حالة راحيل: " كيف تشكلي الوطن وتضعيه بين ضلوعك تموتين حبا له، لم أر أحدا يحب وطنه مثلك يا راحيل.. " ص176، والرثاء لحاله إثر ما عرفه من حالات تدمير إرهابي: " هذا الوطن مشوه منه كل شيء بعد أن سكنه الإرهاب. " ص 216، فالجماعات الإرهابية اقترفت كل أنواع المآسي بما اجترحته من تخريب وفساد ساهم في عمليات الهروب نحو المجهول: " ألا يكفي ما أصاب هذا الشعب من دمار وخراب وضياع حتى أ صبح مُهَجَّرا ولاجئا. أين أولادنا وبناتنا وآباؤنا وأمهاتنا وعائلاتنا؟ " ص295، وما تعرض له المواطنون من تهجير وترحيل قسري وتعسفي، في ارتباط بالإرهاب بمختلف أشكاله وألوانه من تقتيل وتعذيب واغتصاب مثل ما حصل مع آدم حين اعتقاله بسوريا وهو عائد من رحلته، وأخته ريم، وما خلفه ما تعرضت له من اغتصاب على يد مجرم إرهابي وآثار ذلك الوخيمة على نفسها وعقلها كادت تهوي بها في أدران الخبل والضياع لولا ما لقيته من دعم من لدن شقيقها آدم وزوجته بالخصوص كما اختزلت ذلك راحيل في قولها: " إنه الإرهاب لا لون له ولا دين... " ص150. وموضوع الموت الذي غدا مشهدا متكررا يحصد الأرواح في كل لحظة وحين: " الموت حولي وأمامي... " ص157، في وصفها، أي راحيل، لمظاهر الموت التي ما فتئت تحاصرها وتطوقها في شتى الأشكال والتجليات. وموازاة مع أجواء الإرهاب، وما يفرزه من تقتيل ودمار وتنكيل برزت مواضيع أخرى تقاطعت مع شخوص الرواية، ومجريات وقائعها؛ كموضوع الكتابة، الذي سكن كيان راحيل، وأسر قلبها ووجدانها كحالة من إحساس ووِجْد وتفكير عجزت قساوة الظروف من اجتثات إرهاصاتها، ومعالمها معبرة عن ذلك في تحديد علاقة الكاتب بشخصيات كتاباته: " هناك حالة غريبة لعلاقة عشق خاصة بين الكاتب وشخصيات كتاباته؟ " ص52، ورغم ما مرت به راحيل من معاناة وألم إثر وفاة زوجها مالك ليلة زفافهما، وفقدانها لذاكرتها لأكثر من سنتين فإنها لم تحسم، ولم تجزم في فكرة تخليها عن الكتابة: " أغلقت هاتفي وأنا أتساءل كيف سأعود للكتابة من جديد بعد كل ما مر معي. هي عملي المحبب على ما يبدو... لكني تركت الكتابة أكثر من ثلاث سنوات... " ص288. وغير بعيد عن مجال الكتابة تظهر مواضيع أخرى كالصحافة في شخص مريم أخت آدم الصحفية، وريم الفنانة التشكيلية شقيقة مالك.وفي اعتماد الروائية لعناصر السرد وثوابته الأساسية استخدمت الوصف بشكله المعروف في وصفها لشخصية آدم: " مستندا بطوله الفارع على السياج، بين أصابعه يسكن سيجار ينفسه دخانه بين فينة وأخرى، يرتدي قميصا رمادي بياقة حمراء مائلة للبرتقالي، وبنطالا أسود وحذاء رياضيا، وشعره الجميل الكثيف يتحرك مع الهواء..." ص13، مع تحول الوصف إلى أسلوب رومانسي لنفس الشخص ( آدم ): " لا يمكن لآدم أن ينسى ما كان يقوم به كل صباح والشمس تنشر أشعتها... قطرات الندى حطت بعطرها على البساتين تناثرت على أنامل الفجر، رائحة النعناع تتناثر بينهما... " ص55، وهو ما يكشف القدرة على وصف متنوع، دقيق ومعبر. وقد أغنت الكاتبة متنها السردي بذكر أعلام من مجال الفن الغنائي مثل فيروز، وسيد درويش، والرحابنة: " فبدأ العمل مع الفجر على صوت فيروز وسيد درويش، والرحابنة..." ص109، واستحضار لرموز الحكي في الموروث الشعبي؛ من حكايات ألف ليلة وليلة، كشخصية شهريار وشهرزاد كما جاء على لسان آدم حين اطلاعه على أول كتاب لراحيل: " عند لقائي بأول كتاب لها، بدأت أغير كل مفاهيمي عنها، وأجهز نفسي للتغيير لأقنعها بأنني لست شهريار ولن تكون شهرزاد... " ص70، مما أثر على ما ترسخ لديه من مفاهيم حول شخصيتها، وزعزع قناعاته السابقة بحيث عمد وسعى إلى تغييرها بوازع من حب عارم، ورغبة عشق جامح.
ولا يفوتنا، أخيرا، سوى الإقرار بقيمة رواية " سيرة العشق والرحيل الإبداعية بما طرحته وعالجته من موضوعات عقدية، وإنسانية، وفكرية، ومعرفية داخل محيط طغت فيه مظاهر الظلم والاستبداد على القيم الإنسانية النبيلة من تسامح وتكافل وتضامن. ولعل ما يمكن أن نؤكده هو حضور مُكَوِّن الاستطراد والتفاصيل ضمن مجريات الرواية، وسياقاتها السردية، وما أضفاه عليها من إضافات نوعية أسهمت في إغناء معاني الحكي، وتوسيع دائرته التعبيرية والدلالية. وأمام زخم الأحداث في ارتباطها بالشخصيات، وما شهدته من تبدلات وتغيرات اقتصرنا على رسم صورة مختزلة، وتصور مقتضب يروم تحديد بعض ملامح الرواية حسب ما اقتضته حدود هذه القراءة من أدوات وإمكانات.
***
عبد النبي بزاز
........................
* سيدة العشق والرحيل لسهير رخامية - دار أكتب للنشر والتوزيع/ القاهرة ـ مصر 2019.








