عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بدر الفيومي: تحولات المفاهيم

الدين والتدين.. بين قداسة الوحي وبشرية الفهم

بعد أن تتبعنا عبر هذه السلسلة الطويلة تحولات مفهوم التدين منذ بواكير النهضة العربية والإسلامية الحديثة، مرورًا بمراحل الاستعمار، وصعود الحركات الأيديولوجية، وتشكل الدولة الوطنية، ثم العولمة والثورة الرقمية، وما صاحب ذلك كله من تحولات عميقة في بنية التدين ووظيفته الاجتماعية والثقافية، نجد أنفسنا في خاتمة هذا المسار أمام سؤال يبدو للوهلة الأولى سؤالًا اصطلاحيًا، غير أنه في حقيقته يمثل أحد أكثر الأسئلة تأسيسًا لفهم الأزمة برمتها؛ وهو؛ هل الدين هو التدين؟. أم أن بينهما من الفروق ما يجعل الخلط بينهما منشأً لكثير من الإشكالات التي عاشها المسلمون قديمًا، وما زالوا يعيشون آثارها في حاضرهم المعيش؟.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه منذ البداية أن كثيرًا من الاضطراب الذي أصاب الخطاب الديني في الأزمنة المتأخرة لم يكن ناشئًا عن الدين في ذاته، وإنما عن عدم التمييز بين الوحي الإلهي المعصوم وبين الفهم البشري لذلك الوحي. فالدين في جوهره ثابت؛ لأنه صادر عن الله تعالى، أما التدين فهو الكيفية التي يتلقى بها الإنسان ذلك الدين، ويفهمه، ويطبقه، ويترجمه إلى سلوك ومواقف وأنساق اجتماعية وثقافية وسياسية.

وهذا المعنى ليس من مبتكرات الفكر الحديث، ولا هو ثمرة اجتهادات معاصرة، وإنما قرره علماء الإسلام منذ القرون الأولى. فقد كان الإمام مالك يقول (كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر)، مشيرًا إلى قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي قاعدة عظيمة تقرر أن العصمة إنما هي للوحي، وأن أقوال العلماء ــ على جلالة قدرهم ــ تبقى خاضعة للمراجعة والنقد. كما قال الإمام الشافعي: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، وهي عبارة تكشف وعيًا مبكرًا ببشرية الاجتهاد، وأن اختلاف الفهم لا يعني اختلاف الدين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أكد الإمام أبو حامد الغزالي أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ولذلك اشتهرت عنه الكلمة الجامعة: «اعرف الحق تعرف أهله»؛ لأن جعل الأشخاص أو الجماعات معيارًا للحق يفضي إلى قلب الموازين، حتى يغدو الولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للمبادئ، ويصبح الدفاع عن الاجتهاد البشري دفاعًا عن الدين نفسه.

ومن هنا أيضًا قرر ابن تيمية أنه (ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي -صلى الله عليه وسلم-)، وهي قاعدة من أعظم القواعد التي تهدم كل محاولة لتحويل الانتماء إلى جماعة أو تنظيم أو شيخ إلى معيار للحكم على الإيمان أو التدين. وإذا كان علماء الأصول قد قرروا أن النص الشرعي ثابت، فإنهم في المقابل قرروا أن فهم النص متغير، وأن باب الاجتهاد إنما فتح لأن الوقائع لا تنتهي، ولأن عقول الناس تختلف، ولأن الأحوال تتبدل.

ولذلك أقام الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات بناءه الأصولي على أن الاجتهاد البشري ظني في كثير من فروعه، وأن الخطأ والصواب من طبيعة العمل الاجتهادي، وأن مقاصد الشريعة هي الميزان الذي تُوزن به الفهوم الجزئية، حتى لا يتحول التمسك بظاهر بعض النصوص إلى وسيلة لإهدار الكليات التي جاء الدين لحفظها. ومن هنا يتبين أن الدين واحد، بينما التدين متعدد.

فالدين هو الوحي المنزل، أما التدين فهو صور لا حصر لها من التفاعل الإنساني مع ذلك الوحي. ولذلك رأينا عبر التاريخ أن المسلمين جميعًا يقرؤون القرآن نفسه، ويؤمنون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه، ويستقبلون القبلة نفسها، ثم تختلف بينهم صور التدين باختلاف البيئات والثقافات، واختلاف مناهج الاستدلال، وتباين الأوضاع السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يؤكد أن تاريخ المسلمين ليس هو تاريخ الدين، وإنما هو تاريخ فهم المسلمين للدين.

وهنا تحديدًا بدأ كثير من المجترئين والمجتزئين يقعون في خطأ منهجي بالغ الخطورة؛ إذ ساووا بين الدين والتدين، وبين الوحي والاجتهاد، وبين النص المقدس والتمثل البشري للنص. فإذا نُقد فهمٌ بشري، عدُّوا ذلك طعنًا في الدين، وإذا رُوجعت اجتهادات تاريخية، اعتبروها خروجًا على الثوابت، مع أن علماء الإسلام أنفسهم لم يعرفوا هذا اللون من التقديس للاجتهادات البشرية، بل ظلوا يقررون أن أقوالهم تعرض على الكتاب والسنة، وأنها تقبل الأخذ والرد.

ومن هنا أيضًا يمكن تفسير كثير من الأزمات التي صاحبت تاريخ التدين في المراحل التي عرضناها في هذه السلسلة؛ إذ لم تكن تلك التحولات تعبيرًا عن تغير في الدين، وإنما كانت تعبيرًا عن تغير في الإنسان، وفي النسق الحضاري الذي يعيش داخله، وفي طرائق الفهم، وفي أدوات المعرفة، وفي علاقات السلطة، وفي طبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي. فالدين بقي ثابتًا في أصوله، أما التدين فقد ظل يعيد تشكيل نفسه كلما تبدلت الأغيار، حتى أصبح في كثير من الأحيان مرآةً للمجتمع أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا للنص المقدس.

ولعل أخطر ما أصاب التدين في العصر الحديث أن بعض الجماعات والتيارات رفعت تمثلاتها البشرية إلى مرتبة المرجعية المطلقة، فغدت قراءتها الخاصة للنصوص هي القراءة الوحيدة الصحيحة في نظر أتباعها، وأصبح الخلاف معها لا يُنظر إليه بوصفه اختلافًا في الاجتهاد، وإنما بوصفه انحرافًا عن الدين نفسه. وهنا انتقل التدين من كونه تجربة إيمانية وأخلاقية مفتوحة إلى هوية تنظيمية مغلقة، يتحدد فيها الانتماء من خلال الولاء للجماعة، أو الشيخ، أو المدرسة، أكثر مما يتحدد من خلال المقاصد الكلية التي جاء بها الإسلام.

ولا ريب أن التجربة المعاصرة تقدم نماذج متعددة لهذا اللون من التدين التنظيمي، وإن اختلفت دوافعه وصوره ومرجعياته. فقد شهد المجال الإسلامي خلال القرن العشرين نشأة حركات وتنظيمات متعددة، سعت كل منها إلى تقديم تصورها الخاص للتدين بوصفه النموذج الأقرب إلى الإسلام الصحيح. وقد اختلفت هذه الحركات في مناهجها، ومواقفها من العمل السياسي، والعلاقة بالدولة، وموقفها من المخالف، إلا أن بعض اتجاهاتها وقعت في تحويل الاجتهاد البشري إلى معيار للولاء والبراء، وفي تضييق دائرة الحق حتى كادت تنحصر في المنتمين إلى تصورها الخاص.

كما أن بعض الاتجاهات المتشددة ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، حين تعاملت مع النصوص الشرعية تعاملاً تجزيئيًا جامدًا، فعزلت النصوص عن سياقاتها، وأغفلت مقاصد الشريعة وكلياتها، وقدمت ظواهر بعض الأدلة على روح التشريع ومآلات الأحكام، فترتب على ذلك ظهور قراءات متشددة استباحت الدماء المعصومة، وروعت الآمنين، وعدّت العنف وسيلة لإقامة الدين، مع أن القرآن الكريم جعل حفظ النفس من أعظم المقاصد، فقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة: 32.

ولذلك قرر ابن القيم في إعلام الموقعين قاعدة أصبحت من أهم قواعد الفقه الإسلامي، فقال: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل. وهذه القاعدة تكشف بجلاء أن الانتساب إلى النصوص لا يكفي وحده للحكم بصحة التدين، بل لا بد أن يكون الفهم منسجمًا مع مقاصد الشريعة وكلياتها.

كما أن واقع السلفية المعاصرة نفسه يقدم مثالًا واضحًا على أن التدين ليس صورة واحدة، رغم وحدة المرجعية التي تنتسب إليها هذه الاتجاهات. فقد تفرعت عنها مدارس متعددة، منها العلمية، والحركية، والسرورية، والمدخلية، والجهادية، وغيرها، وقد اختلفت في تصورها للسلطة، والعمل العام، والموقف من المخالف، وآليات التغيير، حتى أصبح كل اتجاه يزعم أنه الأقدر على تمثيل المنهج الصحيح. وهذه التعددية نفسها تؤكد أن ما نشهده هو تعدد في صور التدين، لا تعدد في الدين.

ومن هنا فإن الباحث المنصف لا يخلط بين نقد بعض صور التدين، وبين نقد الدين نفسه؛ لأن الأول يتناول اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة، أما الثاني فيتعلق بالوحي المعصوم. وهذا هو الفارق الذي غاب عن كثير من المجترئين والمجتزئين؛ فإما أنهم قدسوا التدين حتى جعلوه بمنزلة الدين، وإما أنهم هاجموا بعض صور التدين فظنوا أنهم بذلك قد نقضوا الدين نفسه، مع أن الأمرين مختلفان اختلافًا جوهريًا.

وهكذا نخلص إلى أن التفريق بين الدين والتدين ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرد تمييز لغوي، وإنما هو قاعدة منهجية لا غنى عنها لفهم تاريخ المسلمين، وقراءة تحولات الفكر الإسلامي، وتقويم الحركات والاتجاهات المختلفة بميزان العلم والعدل. فمن هذا التفريق تبدأ القراءة الرشيدة، وبه يمكن إعادة الأمور إلى نصابها، فلا يُحمّل الدين أخطاء المتدينين، ولا تُمنح الاجتهادات البشرية قداسة الوحي، ولا يُترك المجال لمن يحتكر الحديث باسم الإسلام، أو يدعي أنه الممثل الوحيد له.

 فالدين باقٍ في صفائه وربانيته، أما التدين فسيظل ما بقي الإنسان يتغير بتغير الأغيار، ويصيب ويخطئ، ويقترب ويبتعد، ويبقى ميزانه الأعلى هو كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومقاصد الشريعة التي جاءت رحمةً للعالمين.

وبهذا نكون قد انتهينا من تحولات مفهوم التدين وليس للحديث بقية ...

***

 بقلم: د. بدر الفيومي

 

في المثقف اليوم