قراءة كانطية لخطاب "عماليق" والعنف المقدس في الصراع المعاصر
مستخلص: تسعى هذه المقالة إلى تفكيك الآلية الفلسفية التي يتحول عبرها الخصم السياسي في الصراعات المعاصرة إلى "أسطورة شر"، مع التركيز على استدعاء مفردة "عماليق" في الخطاب الحربى الإسرائيلي المعاصر. بالاعتماد على الإطار النقدي لإيمانويل كانط، وتحديداً تمييزه بين "الدين الأخلاقي" و"الدين الوضعي"، تثبت المقالة أن تحويل العدو إلى كيان أسطوري ليس مجرد مبالغة بلاغية، بل هو "تقنية سياسية" تهدف إلى إنتاج "استثناء مقدس" يعلّق القانون الأخلاقي الكوني. وتخلص المقالة إلى أن خطورة هذه الأسطرة لا تكمن في وصف الفعل بالشر فحسب، بل في تحويل الهوية ذاتها إلى تجسيد للشر، مما يحول العنف من فعل سياسي قابل للمساءلة إلى "واجب مقدس"، وهو ما يمثل الانهيار النهائي للكونية الأخلاقية التي تدعي الحداثة تمثيلها.
كلمات مفتاحية: إيمانويل كانط، أسطرة العدو، عماليق، العنف المقدس، الدين الوضعي، الكونية الأخلاقية، الاستثناء المقدس.
مقدمة: الإشكالية والمحك الفلسفي
عندما يُستدعى «عماليق» في خطاب الحرب المعاصر، لا يُستدعى بوصفه شخصية من الماضي فحسب؛ بل يُستدعى معه معنى كامل: عدو لا ينتمي إلى الحاضر، لأنه يُقدَّم باعتباره عدواً أبدياً. وهنا لا تعود الحرب صراعاً بين طرفين تاريخيين يختلفان حول أرض أو سلطة، بل تتحول إلى مواجهة بين «نحن» و«شر» سبق أن حُسم أمره في الذاكرة الدينية.
هنا تحديداً نطرح السؤال الكانطي الجوهري: ماذا يحدث للأخلاق عندما يصبح العدو أسطورة؟
من الواضح فلسفياً أن إيمانويل كانط لم يشهد قيام الدولة الحديثة، ولم يعرف الصهيونية أو يعاصر النكبة، ولم يكن بإمكانه التنبؤ بخطاب سياسي في القرن الحادي والعشرين. لكن ما يمكن فعله فلسفياً هو ألا نعامل كانط كشاهد تاريخي على الحاضر، بل كـ "محك" للحاضر. إن ما نطرحه هو اختبار لمفاهيم كانط (الدين في حدود مجرد العقل، الاستقلال الذاتي، القانون الأخلاقي الكوني، والإنسان كغاية في ذاته) أمام خطاب معاصر يوظف مفردات دينية في تعريف العدو وتبرير الحرب.
أولاً: من الخصم السياسي إلى "الأسطورة": تشريح آلية الإقصاء الأخلاقي
لا تكمن المشكلة الفلسفية في أن العدو وُصف بأنه شرير؛ فكل حروب التاريخ تفعل ذلك بدرجات مختلفة. المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحول فيها الخصم أو العدو من "إنسان" يمكن الحكم على أفعاله وسياساته، إلى "رمز" يجسد الشر في ذاته. عندها لا يعود قتله نتيجة لحكم أخلاقي على فعل ارتكبه، بل يصبح "إزالةً" لرمز شرير. هنا تتحول السياسة إلى أسطورة، ويتحول العنف السياسي إلى تطهير مقدس.
تظهر خطورة استدعاء «عماليق» في أن هذا المفهوم ينتمي إلى سياق ديني وتاريخي قديم، لكن الإشكالية تكمن في إعادة نقله من سياقه التاريخي إلى سياق سياسي معاصر، وتوظيفه سياسيا في إعادة تعريف عدو حاضر. عندما يُقال إن الفلسطيني هو "عماليق"، لا يكون قد وُصف سياسياً فحسب؛ لقد أُدخل إلى قصة سبقت وجوده، وأصبح مطالباً بأن يدفع ثمن عدو لم يكن هو.
تمر هذه الآلية بمراحل متدرجة من "التقديس السياسي":
يبدأ الأمر بنص أو رمز ديني قديم، ثم يُعاد تأويله داخل سياق تاريخي وسياسي جديد، ثم يُسقط الرمز على خصم معاصر.وحينها يتحول الخصم من فرد أو جماعة سياسية لها مصالح وصراعات، إلى صورة أسطورية مجردة، وتصبح هويته (وليس أفعاله) هي المصدر الوحيد للحكم عليه.وهنا يُرفع هذا الحكم إلى مستوى ديني مقدس. فيتحول العنف الناتج عنه من فعل سياسي قابل للنقد إلى "واجب ديني مقدس" لا يقبل المساءلة.
وعند هذه النقطة، تُعلَّق أخلاق الحرب وكل القيود الأخلاقية التي يفترض أن تحكم الحرب؛ لأن الخصم أو العدو لم يعد يُرى بوصفه إنساناً كاملاً داخل المجال الأخلاقي، وإنما بوصفه تجسيداً للشر الذي يجب إزالته.
ثانياً: المحك الكانطي: "الدين الوضعي" كأداة لإنتاج "الاستثناء المقدس"
تقودنا هذه الآلية إلى واحدة من أكثر أفكار كانط أهمية في كتابه "الدين في حدود مجرد العقل"، حيث يميز كانط بوضوح بين "الدين الأخلاقي" القائم على مبادئ يمكن للعقل العملي أن يجعلها قانوناً للإنسان، وبين "الدين الوضعي" أو التاريخي، الذي يرتبط بتشريعات وأوامر جاءت في سياق تاريخي معين.
يرى كانط أن التشريعات الدينية التاريخية، حين تُفصل عن "الدين الأخلاقي" القائم على العقل العملي والاستقلال الذاتي ، تتحول إلى مجرد "أدوات طاعة خارجية" تُستخدم لخدمة أغراض دنيوية. إذا قرأنا الواقع المعاصر، وتحديداً الخطاب الرسمي لبعض التيارات الدينية-السياسية التي تعرف سكان مناطق معينة بوصفهم «عماليق» وتربط هذا التوصيف بواجب ديني في المحاربة، عبر هذه العدسة الكانطية، سنكتشف أن ما يُسمى بـ "العنف المقدس" ليس تعبيراً عن تدين روحي، بل هو "تقنية سياسية" متطورة.
تهدف هذه التقنية إلى تحويل "العقد السياسي المشروط" إلى "أسطورة ميتافيزيقية مطلقة"، تُنتج بدورها "الإلغاء الأخلاقي" للآخر، وتُعلّق القانون الكوني باسم "الضرورة اللاهوتية". فالقانون الأخلاقي عند كانط ليس قانونا؛ لأن سلطة خارجية أمرت به، وإنما لأن العقل العملي يستطيع أن يريده بوصفه قانوناً عاماً. ومبدأ الكرامة الإنسانية (بصياغة الغاية في ذاتها) يطلب ألا يُعامل الإنسان مجرد وسيلة، بل أن يُعامل دائماً في الوقت نفسه بوصفه غاية.
وهنا يصبح السؤال عن العنف المقدس سؤالاً كانطياً بامتياز: هل يمكن أن يكون مبدأ «قتل الآخر لأنه ينتمي إلى جماعة جرى تعريفها دينياً بوصفها عدواً» قانوناً كونياً؟
إذا كانت الإجابة "لا"، فإن هذا المبدأ لا يستطيع أن يتحول إلى قانون أخلاقي لمجرد أن صاحبه منحه صفة دينية.
ثالثاً: انهيار الكوني: حين يصبح الضحية حكماً على "الاستثناء"
هنا تظهر المفارقة المأساوية التي ربطت بين مشروعي الفلسفي حول "تحولات صورة اليهودي" وهذا التحليل الكانطي. فالاستدعاء المعاصر لمفردات مثل "عماليق" لا يعكس فقط أسطرة للعدو، بل يعكس تحولاً جذرياً في موقع من يصدر هذا الحكم.
الجماعة التي شكلت هويتها الحديثة والمعاصرة حول كونها "ضحية" للاضطهاد والاستثناء في أوروبا، تجد نفسها اليوم تمارس سلطة "الاستثناء المقدس" ضد الآخر.
إن "الاستثناء المقدس" هو الفكرة القائلة بأن هناك إنساناً يجب أن يخضع للقانون، وإنساناً آخر يمكن أن يُستثنى من الحماية الأخلاقية لأنه جرى تعريفه داخل أسطورة العدو.
وهنا يعود مبدأ كانط القائل بـ "الإنسان بوصفه غاية في ذاته" ليضع حداً فاصلاً لهذا المسار:
لا يفقد الإنسان إنسانيته لأن جماعة أخرى وصفته بأنه" عدو أسطوري"، ولا يفقدها لأنه ينتمي إلى جماعة ارتُكبت باسمها جرائم في الماضي، ولا يصبح مجرد وسيلة لتحقيق وعد ديني أو مشروع سياسي استيطاني، وإذا كان القانون الأخلاقي كونيا ً، فقيمته الحقيقية تظهر تحديداً في اللحظة التي يصبح فيها تطبيقه "مكلفاً" على الجماعة التي ننتمي إليها. فالأدق فلسفياً أن نقول إننا نضع ظواهر الواقع المعاصر تحت الاختبار الكانطي: فإذا أصبح قتل الإنسان جائزاً لأنه «عدو مقدس»، فإننا لم نعد نملك قانوناً أخلاقياً كونياً، وإنما أصبح لدينا قانون خاص بالجماعة. هنا تنقلب الأخلاق من الكونية إلى الخصوصي.
رابعاً: ما بعد الأسطورة: استعادة الأخلاق كـ "محك" لا كـ "غطاء"
المعضلة الكانطية التي نواجهها اليوم ليست فقط في أن طرفاً ما يحول الآخر إلى "عماليق"، بل في السؤال الأعمق: هل استطاعت الكونية الأوروبية والحداثة نفسها أن تتحرر من صناعة الآخر، أم أنها لا تزال تسمح بـ "ترتيب هرمي للضحايا"؟.
عندما يصبح الفلسطيني «عماليق»، لا يعود السؤال: "ماذا فعل هذا الإنسان؟". وعندما تصبح الجماعة كلها هي العدو، لا يعود السؤال: "من ارتكب الفعل ومن لم يرتكبه؟". وعندما يتحول القضاء على العدو إلى «واجب ديني»، يصبح السؤال الأخطر: هل ما زال القانون الأخلاقي هو الذي يحكم الواجب، أم أصبح الواجب المزعوم هو الذي يعيد تعريف الأخلاق؟
إن "أسطرة العدو" هي الطريق الذي يمكن أن يتحول عبره العنف السياسي إلى عنف مقدس. وهذا هو ما يمنح هذه الجماعة (في خطابها المتطرف) استثناءً وهمياً من القانون الأخلاقي. لكن هذا الاستثناء لا يدمر الخصم فحسب، بل يدمر الجوهر الأخلاقي للتجربة الإنسانية ذاتها، محولاً إياها من رسالة تضامن مع المظلومين إلى أيديولوجيا تبرر الاضطهاد.
حين يسقط الكوني، يسقط الجميع
إن الخلاصة الفلسفية التي نصل إليها عبر هذا التفكيك الكانطي هي أن حماية "اليهودية" كإطار أخلاقي وتاريخي تتطلب بالضبط نقد "الصهيونية" السياسية حين تتحول إلى دين وضعي يعلّق الأخلاق. فلا يمكن الجمع بين "أخلاقيات الوجه" عند إيمانويل ليفيناس(التي تفرض مسؤولية لا نهائية تجاه الآخر) وبين "منطق الاستيطان" الذي يفرض إقصاءً لا نهائياً للآخر بحجة الأسطورة.
والتحدي الأكبر الذي يطرحه هذا التحليل أمام الضمير العالمي هو: هل يمكن توسيع دائرة التعاطف الأخلاقي لتشمل "الآخر" الفلسطيني بنفس القدر الذي مُنح فيه هذا التعاطف تاريخياً؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الإنسانية قد تعلمت فعلاً من مآسيها، أم أنها لا تزال تدور في فلك "تفاهة الشر"، عند حنا أرندت ؛ حيث تتحول الضحايا، تحت غطاء الخوف والذاكرة والأسطورة، إلى منتجين جدد للمأساة.
وبهذا، يتحول هذا التحليل من مجرد تفكيك لخطاب "عماليق"، إلى مرآة نقدية تواجه فيها الحداثة ذاتها، لتتساءل بصدق: كيف يمكن للإنسان أن يتذكر ألمه بصدق، دون أن يحوله إلى مبرر أنطولوجي للعنف ولإيذاء الآخر؟
لأنه في النهاية، وبعيداً عن كل التأويلات، تظل الحقيقة الكانطية الراسخة: حين يُمنح الإنسان استثناءً من الإنسانية باسم المقدس، يكون أول ما سقط ليس الخصم، وإنما الكونية الأخلاقية نفسها.
***
بقلم: أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله
استاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة - جامعة الفيوم








