عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: في تَمجيد التسويف!

لا مندوحةَ إِذنْ ولا مفرّ، والمقال يستفتح أنفاسَه بهذا العنوان المستفِزّ إلا أنْ أَتَتَرَّسَ بهذه الديباجة التي تردّ الاعتبار للأبعاد المرذولة في التسويف، فالتسويف حين يطالُ عملا يُفترض بك تنفيذه، فهذا - بَداهةً - سلوك مذموم، لا يسع كل شخص سويّ إلا أنْ ينبُذَه، على أنّ علاجَه الناجع هو وضع خطة إجرائية تضمّ الخطوات مقرونةً بخطها الزمني، وبناء عملية وتوفير بيئة تعملان سياقا يضمن تنفيذ الخطوات كما خُطِّط لها، أما مجرد إبقاء ما نريد إنجازه فكرة ذهنية محبوسة بين قضبان جماجمنا، ومرهونة في عالَم التصوّر المجرّد، بلا خطة عملية توضح مراحل الإنجاز بخط زمني واضح، ولا إيجاد عملية تكفل التنفيذ بشكل مدروس، فسيظل التسويف دَفّةً تُدير المشهد، ويظل العمل مقبورا ينتظر قيامتَه.

وبما أننا فَرَغْنا من إزالة ما يمكن أن يكون لَبْسا في أن يكون مدحا يُكال للتسويف على خلاف ما استقرّ في وعينا من ذمّه وذمّ مَسْحوقيه ومَسْجونيه، فالمقال في لُبِّه يجيب على سؤال: متى لا يكون التسويفُ مشكلةَ تسويف؟!

لأنّ دهاليز نفوسنا معقّدة؛ فيمكن القول إنه ليس كل تسويفٍ هو ممارسة يستوجب تقويمها، ومشكلة نبحث لها عن مخرج، بل قد يكون نذيرا يجب الالتفات إليه، وتحذيرا يستحق الانتباه إليه بجديّة، وصرخة تحذيرية يتحتم علينا أن تُصيخ أسماعُنا إليها، مفادُه أنّ مماطلة النفْس في التنفيذ ليست بالضرورة لعلة في الإرادة أو خلل في العزيمة، أو حتى في الخطة العملية، بل قد يكون صوتا داخليا حقيقيا وحدسا صائبا مُلِحًّا بأن هذه الخطوة خطأ وضرر مَحض، يجب الابتعاد عنها، أو سابقةٌ لأوانها ينبغي تأخيرها، أو بحاجة لتعديل ضروري لتتساوَق ومصلحتَنا الشخصية، إلى غير ذلك من المحاذير الواقعية.

إن لغة حُدوسنا الداخلية تتهجّى أبجدياتٍ عدّة، من بينها أبجدية التسويف، إذ تجد نفسك متثاقلا على القيام بأمر ما، قد يظهر أنه جيد، رغم أنك بوجه عام لا تعاني من التسويف المَرَضي في بقية شؤونك، ومثال ذلك أن تكوني امرأةً منْطلقةً مُنْجزة مُنظّمة، لكنك بدأتِ مؤخرا تعانين من التسويف، خلافا للنَّسق العام الذي تتّسم به خطواتك الواثقة وعلى مدى عقود، فقد يكون  ذلك حينها مؤشرا صارخا على ضرورة التركيز وعدم الانزلاق لفخ التشتت؛ لضمان أن تليق المُخرجات باجتهادك كَمًا وكيفا، فالتشتيتُ - ولو بدا أنه تشتتٌ منظّم! - يئِد النجاحات العظيمة، وينشب أظافره في أوداجها في مهدها، بينما التركيز يطوي المسافات بين المرء وبين المجد بما لم يحلم به يوما ما، لا في مناماته ولا في أحلام يقظته.

ومثالٌ ثانٍ، أن تكون طالبا في البكالوريوس مُجِدًا مثابرا قويّ الشكيمة، ثم تجد نفسك في مساق دراسي ثقيل الوطأة على النفس، منيع الولوج، فلا تَنْشَبْ تسوّف في هذا المساق مشاريعَك وواجباتِك واستذكار دروسك، فهو - أي التسويف - إذَّاك، قد يكون علامة على ضرورة التفكير مَلِيًا في تغيير تخصصك مثلا، أو تأجيل فصل دراسي حتى ترتب أوضاعا راهنة لها أولوية قصوى، وأنّ عدم المسارعة لذلك قد يُحْدِثُ شَرْخًا في حياتك الخاصة لا قِبَلَ لكَ به.

ومثالٌ ثالثٌ، أن تكون عازما على المضيّ قُدُما في مشروعٍ ما، وقد أشبعتَ كل حيثياته دراسةً واستشارة وجاهزية، فضلا عن أنه لديك وَفْرة من الموارد اللازمة للمشروع، إلا أنك - رغم ذلك كله - تجد نفسك تنازعك الخُطى على نحوٍ مُبْهَم، فتسارعُ إلى الاعتقاد بأنه تسويف يجب القضاء عليه، إلا أنه قد يكون تنبيها بضرورة مراجعة دراسة المشروع لوجود ثغرة قد تكون كَبْوةً تصيبك في مَقْتَل، لا تنهض بعدها.

لا غَرْوَ أنّ التقدير والحُكم في المواقف التي يحضر فيها التسويف، هو حُكْمٌ مُحتَمَل، ففي الوقت الذي قد يكون تسويفا حقيقيا يجب حلُّه، إلا أنه قد يكون - على النقيض تماما - حدسا صائبًا بالتوقف حقا؛ لأنّ هناك خطأ ما يجب الالتفات إليه وإيلاؤه اهتماما جادا، والكارثة تكمُن في أنّك إن لم تكترث لحَدْسك، وتعاطيت معه على اعتبار أنه تسويف، وأكرهتَ نفسك على المضيّ قدما في تلك المهمة، فستجني على نفسك ويلاتٍ ساحقة، ويصدُق فيك حينئذٍ: وَجَنَتْ على نفسها بَراقِش! فالحَدْس لا يخطئ ولا يمزح، وهو أمرٌ جَلَلٌ ليس بالأمر الهَزْل! وعليه؛ يغدو السؤال الجامح والفيصلي هنا هو: كيف أميّز بين الحالتين ما دام الأمر بهذه الخطورة؟

ولعلي أقترح لِفَكّ الاشتباك في هذه المنطقة الملغّمة بين التسويف الذي خرج من رَحِمِ ضَعْفِ الإرادة أو التخطيط، وبين التسويف المدفوع بحدس داخلي بأن الخطوة خطأ، هو أن يجلس الواحد فينا مع نفسه جلسة حازمة مفتشا عن صحة ما يريد الإقدام عليه وجدواه، حتى لو كان كل شيء يبدو أنه على ما يُرام، محاولا أن يتلمَّس بَواعِثَ هذا التسويف، فإن لم يجد من علة في جوهر الخطوة التي يريد أن يخطوها أو المهمة التي يرغب في إتمامها أو المشروع الذي يطمح إلى إنجازه، فهذا يرجّح احتمال أنه تسويف ناتجٌ من افتقارٍ لخطة زمنية أو عوامل مؤثرة كموانع نفسية أو بيئية تتطلب حَلْحَلَتها بادئ ذِي بَدْء، وما إلى ذلك، أما إن وقف على حقيقة حدسه في الصدّ عن الإقدام، ورأَى رَأْيَ العين الباعثَ الحقيقي الذي يغذي هذا التسويف بما هو خطوة تستوجب أن يكبح نفسه عنها إنْ كليا أو جزئيا أو مؤقتا، فعندئذٍ يكون التسويف ليس مشكلةَ تسويف، بل درعا نفسيا حمانا من مغبّة ما يمكن أن يؤول إلى ندم وخيبة أمل، وحمِدَ مراعاتَنا إيّاه، وفي مثل هذا المقام يجمُل تقريظ المديح في تمجيد التسويف! 

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم