قضايا
غالب المسعودي: السرد التاريخي الشفهي قبل الكتابة

عندما تكون البداية هي نفض الغبار عن المشهد علينا ان لا نلعب لعبة المجتمع الشرقي ونتقبل النهاية الخاصة والمرغوبة في الصراع من اجل استقلال فكري في ظل أنظمة النفاق المعرفي التي تتمثل في فن التظاهر المعرفي للحق اننا لا نملك الا أسلحة نبيلة وقليلة، ونحن تحت حكم مجتمعي يعاني من الكتمان القسري من اجل حماية العقيدة الذي يؤدي الى تصدع جدران المعرفة الإنسانية في اطارها الزماني، السرد الشفهي له دورٌ كبيرٌ قبل ظهور الكتابة في نقل التاريخ حيث اعتمدت المجتمعات القديمة على الذاكرة والسرد الشفهي كوسيلة رئيسية لتوثيق الأحداث ونقل المعرفة، كان السرد الشفهي وسيلة لحفظ القصص والحكايات التي تعكس قيم المجتمع وتاريخه، اعتمدت القبائل والمجتمعات على الرواة لنقل المعلومات المتعلقة بالأحداث الهامة، مثل الحروب، الانتقالات والثقافات، ساهم السرد الشفهي في تعليم الأجيال الجديدة العبر والدروس من تاريخ أسلافهم، كان الرواة يضيفون لمساتهم الشخصية، مما يسمح بتنوع الروايات وتفسير الأحداث بطرق مختلفة، للسرد الشفهي وظيفة أخرى، يجمع الناس حول القصص والأحداث، مما يعزز الروابط الاجتماعية بالتالي، يمكن القول إن السرد الشفهي كان عنصراً أساسياً في نقل التاريخ قبل أن تصبح الكتابة وسيلة التوثيق السائدة، وقد ساهم في تشكيل الذاكرة الجماعية .
تقنيات السرد الشفهي
كانت هناك تقنيات خاصة لحفظ القصص الشفهية وتسهيل نقلها عبر الأجيال. كان الراوي يعيد بعض الجمل أو العبارات لتسهيل تذكرها وتعزيز تأثيرها كذلك استخدام الوزن الشعري والقافية في السرد يساعد على حفظ القصص بشكل أسهل، مثل الشعر الملحمي الاعتماد على الصور والتشبيهات لتكوين مشاهد حية في ذهن المستمعين، مما يساعد في تذكر الأحداث، استخدام شخصيات تجسد صفات معينة (مثل الحكيم، البطل، الشرير) لجعل القصص أكثر قابلية للتذكر كما ان سرد القصص بأسلوب يمزج بين الحوار والوصف، مما يجعلها أكثر جذباً وسهولة في التذكر، ربط القصص بالعادات والتقاليد والمناسبات الثقافية، يعزز من أهمية القصة في حياة المجتمع، كان الرواة يمارسون فن السرد بانتظام، مما يساعدهم على تحسين مهاراتهم وذاكرتهم، تلك التقنيات ساهمت في الحفاظ على القصص الشفهية كجزء من التراث الثقافي، وضمنت انتقالها من جيل إلى آخر بفاعلية.
دقة المعلومات والنقل الشفهي
تأثرت دقة المعلومات بنقلها شفهياً بعدة عوامل، مما أثر على كيفية الحفاظ عليها عبر الأجيال. تعتمد الدقة على قدرة الذاكرة البشرية، التي يمكن أن تكون عرضة للنسيان أو التشويش. قد ينسى الراوي بعض التفاصيل أو يخلط بين الأحداث، يؤثر التفسير الشخصي للراوي على كيفية سرد القصة، يضيف الراوي لمسته الخاصة، مما قد يؤدي إلى تغييرات في المعاني الأصلية، تكرار المعلومات يمكن أن يساعد في تعزيز الذاكرة، ولكنه يؤدي أيضاً إلى تكرار الأخطاء. كلما تم نقل القصة، تتغير بعض التفاصيل ويمكن أن تتأثر المعلومات بالتحيزات الثقافية أو الشخصية للراوي، مما يؤدي إلى سرد غير موضوعي مع مرور الوقت. قد تتغير المعاني والسياقات الثقافية، مما يؤثر على كيفية فهم الأحداث وتختلف مصداقية الرواة. الرواة المعروفون بالموثوقية قد ينقلون معلومات أكثر دقة، بينما قد يكون الآخرون أقل موثوقية بالتالي، يمكن القول إن النقل الشفهي يحمل في طياته مزايا وعيوب، حيث يمكن أن يؤثر على دقة المعلومات بشكل كبير، لذا، كان من الضروري وجود آليات للتحقق والتأكيد لضمان نقل التاريخ بشكل أدق.
الأمثلة التاريخية
خلال الحروب، كان يتم نقل الأخبار والمعلومات بشكل شفهي، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تضخيم الأحداث أو تشويه الحقائق. على سبيل المثال، خلال الحروب الصليبية، تم تداول الكثير من المعلومات المغلوطة حول معارك معينة، مما أثر على تصورات الناس حول الأحداث، العديد من المدن القديمة لديها أساطير تتعلق بتأسيسها، وغالبًا ما تم تضخيم هذه الأساطير عبر السرد الشفوي. مثلًا، أسطورة تأسيس روما بواسطة رومولوس ورموس التي تحمل الكثير من العناصر الخيالية التي تم نقلها شفهيًا، العديد من الشخصيات التاريخية، مثل الإسكندر الأكبر، تم تصويرها بطرق مختلفة عبر السرد الشفوي. بعض الروايات قد تضخم إنجازاتهم أو تشويه صفاتهم، مما يؤثر على كيفية فهم الناس لهم في الثقافات التالية، يتم نقل القصص التي تحتوي على عناصر من الواقع مع إضافة خيالية، مثلًا، قصص "روبن هود" وصورته كبطل شعبي قد تركز على جوانب معينة بينما تتجاهل الحقائق التاريخية .الأكثر تعقيدًا هو ان العديد من الأحداث السياسية، مثل الثورات، يتم نقلها عبر السرد الشفوي، مما يؤدي إلى تشويه بعض الحقائق. روايات حول الثورة الفرنسية، على سبيل المثال، قد تختلف بشكل كبير بناءً على من يرويها، يتم تشويه المعلومات الثقافية من خلال نقلها شفهيًا، حيث يتم إضافة عناصر جديدة أو حذف أخرى، هذا يمكن أن يؤدي إلى فقدان بعض الجوانب الهامة من التراث الثقافي، هذه الأمثلة توضح كيف يمكن أن يتسبب النقل الشفهي في تشويه المعلومات، مما يؤثر على فهم الناس لتاريخهم وثقافتهم مع عدم وجود آليات دقيقة للتحقق من صحة المعلومات المنقولة شفهيًا.
دقة السرد التاريخي الشفهي
الاختلافات في الروايات التاريخية قد تؤدي إلى تباين الآراء حول الأحداث، مما يجعل المتابعين يترددون في اتخاذ مواقف واضحة بناءً على روايات مشوشة، بالأخص إذا كانت المناهج التعليمية تعتمد على روايات تاريخية مشوهة، قد يتلقى المتابعون مفاهيم مغلوطة، مما يؤثر على فهمهم للأحداث التاريخية ويعيق تمثلهم لها بشكل سليم، قد تؤثر التغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع في كيفية استيعاب المتابعين للسرد التاريخي، مما يجعلهم يتبنون وجهات نظر جديدة تختلف عن الروايات التقليدية، التجارب الشخصية للمتابعين تؤثر على كيفية فهمهم للسرد التاريخي، قد يفضلون روايات تتماشى مع تجاربهم بدلاً من اعتماد روايات مشوهة، وسائل الإعلام المعاصرة قد تقدم روايات بديلة أو معاصرة، مما يمكّن المتابعين من الحصول على معلومات جديدة قد تتعارض مع السرد التقليدي، التركيز على التجارب الحية والقصص الشخصية قد يجعل المتابعين يميلون إلى استيعاب الرسائل الأخلاقية والقيم بدلاً من التمسك بالتفاصيل التاريخية المشوشة، بذلك يمكن القول إن التحديات في السرد التاريخي المبني على شفوية النقل قد تؤدي إلى عدم تمثل التابعين له بشكل مباشر وعملي، مما يستدعي ضرورة تقديم روايات دقيقة وموثوقة لتعزيز الفهم التاريخي وتعميق الوعي، تعزيز الفهم الصحيح يمثل خطوة مهمة في عملية تطوير الذات يتمثل في نقل السرد التاريخي الشفهي دون تشويه، على المدى البعيد، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تأثيرات عميقة ودائمة على الوعي الثقافي والهوية الجماعية.
فقدان الذاكرة التاريخية
في غياب التوثيق الدقيق، يمكن أن تُنسى أو تُشوه أحداث هامة، مما يؤدي إلى فقدان الذاكرة الجماعية حول تجارب معينة إذا تم تقديم رؤى مشوهة عن الأحداث التاريخية، فقد تتكرر الأخطاء في المستقبل، حيث تفتقر الأجيال القادمة إلى الفهم الصحيح للدروس المستفادة يمكن أن تؤدي الروايات غير الدقيقة إلى تعزيز تحيزات معينة، سواء كانت عرقية أو ثقافية، مما يزيد من الانقسامات الاجتماعية، تتغير تفسيرات التاريخ مع مرور الوقت، وإذا كانت الأسس غير دقيقة، قد تؤدي إلى إعادة تفسير الأحداث بشكل غير صحيح، يمكن أن تؤثر الروايات التاريخية المشوهة على المناهج التعليمية، مما يؤدي إلى تعليم أجيال جديدة معلومات غير دقيقة، بالتالي فإن تأثير التشويه التاريخي على المدى البعيد يمكن أن يكون عميقًا ومعقدًا. من المهم أن يُعزز الفهم الدقيق والتاريخي من خلال البحث النقدي والتعليم، حتى يتمكن الأفراد والمجتمعات من التعلم من الماضي بشكل صحيح، تناقضات العالم اليوم تسير وفق سرديات تاريخيّة منقولة شفاهيا لتبرير الحروب مع الإصرار على هذه السرديات، تُظهر هذه التأثيرات ليست مجرد أدوات لتبرير الحروب، بل تلعب دورًا حاسمًا في عدم استبصار حاجات الانسان وهي لعبة سياسية تتشكل نتائجها وتأثيراتها على المجتمعات على المدى الطويل وكأننا وريثي حضارات غير قابلة للإصلاح.
***
غالب المسعودي