قضايا

سجاد مصطفى حمود: الحياة تحت المجهر.. هل كل ما نعرفه كذب؟

هل نحن حقًا أحياء؟

في هذا الكون اللامتناهي، حيث كل شيء يبدأ وينتهي، هل تساءلت يومًا ما إذا كان وجودك ذاته مجرد لحظة عابرة في بحر لا نهاية له من الزمن؟ هل نحن أحياء حقًا، أم أننا مجرد تفكير، لحظة خاطفة في الكون، تحاكي حركة الأشياء من حولنا؟ في ظل هذه الفوضى، هل يمكن أن يكون الوجود البشري مجرد وهم؟ وإذا كان كذلك، ما الذي يبقى لنا من يقين في عالم تحكمه أسئلة لا نهائية؟

هل نحن أحرار فعلاً؟

إن السؤال عن الحرية ليس مجرد تساؤل فلسفي، بل هو قضية وجودية تتناول جوهر تجربتنا الإنسانية. كان الفلاسفة، من سقراط إلى سارتر، يسألون هذا السؤال: هل نملك حقًا حرية الإرادة؟ هل يمكننا اتخاذ قراراتنا دون أن تؤثر فينا القوى الخارجية، سواء كانت بيولوجية، اجتماعية، أو نفسية؟ أم أننا نعيش في وهم كبير، نخدع أنفسنا بالاعتقاد أننا أحرار، بينما في الواقع نحن مجرد كائنات تحت تأثير محيطنا الذي يعيد تشكيلنا في كل لحظة؟

خذ هذا المثال البسيط: أنت تقف أمام خيار حياتي مهم، ولكن كيف تضمن أن هذا الخيار هو نتيجة لإرادتك الحرة؟ هل هناك شيء في داخلك يحدد هذا الخيار، أم أنك متأثر بما قاله لك المجتمع، بما توقعته منك العائلة، بما قرأته في الكتب؟ هل رغباتك فعلاً تخصك، أم هي مجرد نتائج لما مررت به من تجارب سابقة؟ هل هناك تأثيرات خفية تمارس ضغطًا عليك دون أن تدركها؟

إذاً، هل أنت أنت حقًا في كل قرار تتخذه، أم أن تلك الأنت التي تعتقد أنك تعرفها هي محض تمثيل آخر في مسرح الحياة، تقوم فيه بدورٍ لم تكتب نصه؟

هل هويتك هي حقيقتك؟

وماذا عن الهوية؟ هل هي ثابتة كما نراها، أم أنها مجرد تمثيل ذهني يتغير بتغير السياق؟ هل نحن حقًا نحن، أم أن صورتنا الذاتية مجرد صورة تم صبها في قالب اجتماعي يفرض علينا تحديد من نكون؟ هل صورتك في مرآة المجتمع هي تلك التي تعكس حقيقتك؟ أم أن هذه الصورة هي مجرد قناع ترتديه لتنجو من العجز والفوضى الداخلية؟

إذا كنت تؤمن أن هويتك ثابتة، فهل فكرت في اللحظة التي تلاشى فيها ذلك الثبات؟ هل فكرت يومًا في لحظة تحولك، حين تصبح شخصًا آخر رغم أن كل شيء فيك بقي كما هو؟ من الذي يحدد هويتك حقًا؟ هل هو المجتمع؟ هل هي أفكارك؟ أم هو ذلك الفراغ اللامتناهي الذي يراهن على تقديمك كشخص ثابت رغم أنك مجرد انعكاس لمتغيرات لا تنتهي؟

الوعي واللاوعي: الفجوة بين المعرفة والفهم

الوعي هو أداة الفهم التي نملكها، لكن ماذا لو كان العقل الباطن هو الذي يمسك بالخيوط ويصنع الواقع الذي نعيشه؟ هناك شيء غريب وعميق في العقل الباطن: نحن نعتقد أننا من نقرر، لكن الحقيقة قد تكون أننا لا نقرر شيئًا في الواقع. وفقًا للعلم العصبي، العقل الباطن يتحكم في أكثر من 90% من قراراتنا. هذا يشير إلى أن معظم ما نعتبره قرارات في حياتنا هو في الواقع ردود فعل غير واعية تتأثر بذكرياتنا، تجاربنا السابقة، والنظام البيئي الذي نعيش فيه. إذًا، من هو الذي يتخذ القرار هنا؟

لو تمعنت أكثر، ستجد أن التفسير الذي تقدمه لنفسك حول حياتك قد لا يكون سوى تفسير منطقي أضفته بعد وقوع الحدث. قد تكون قراراتك ليست سوى مجرد تفاعل مع محفزات لا واعية تُشكّل اتجاهاتك ورغباتك. لكن هل يمكنك حقًا أن تكون أنت في هذا العالم إذا كنت مجرد رد فعل لبيئة غير مرئية تتحكم بك؟ ماذا عن تلك اللحظات التي تشعر فيها أنك اتخذت القرار بشكل حر، كيف تفسرها الآن؟ هل يمكنك أن تكون متأكدًا من أن تلك اللحظة كانت إرادة حرة أم مجرد تعبير عن ضغط غير مرئي كان يلوح في الأفق طوال الوقت؟

الوجود في ظل الضبابية: الفكرة والواقع

تتساءل الفلسفة الحديثة عن حدود الوجود الذي نعيشه. يقول إيمانويل كانط: لا نعرف الواقع كما هو، بل كما هو مرشح من خلال العقل. لكن، إذا كان العقل هو من يحدد كيف نرى الأشياء، فما الذي نراه حقًا؟ هل لدينا أي اتصال مباشر بالواقع كما هو؟ أم أن كل ما نراه وندركه هو مجرد صورة زائفة تنبع من تركيب ذهننا الذي يفتقر إلى القدرة على رؤية الحقيقة المطلقة؟

وإذا كانت الصورة التي نراها عن الواقع هي مجرد انعكاس لعقولنا، فماذا عن الحقيقة التي تتجاوز هذه الصور؟ هل يمكن أن يكون الواقع ذاته وهمًا نقوم بإنشائه عبر خوارزميات أدمغتنا، ليبدو كما نريد أن نراه، وليس كما هو في جوهره؟ هل يمكن أن نعيش في وهم كبير حول وجودنا في هذا العالم؟

الخطوة الأخيرة: عناق العدم

في نهاية المطاف، ماذا تبقى؟ إذا كان كل شيء الذي تعتقد أنك تعرفه عن نفسك والعالم هو مجرد وهم، فما الذي تبقى لك من يقين؟ ماذا لو اكتشفت أن الحقيقة الوحيدة التي يمكنك أن تحملها هي أنك في الأساس لا تعرف شيئًا؟ ماذا لو كانت الحقيقة الوحيدة التي تجدها هي العدم؟ وإذا كانت الحياة نفسها محض سراب لا أكثر؟ هل نحن في صراع مع أنفسنا، أم أن هذا الصراع هو جزء من الطبيعة البشرية التي تجعلنا نركض خلف شيء لا وجود له؟

وربما، في اللحظة التي تتوقف فيها عن البحث، ستجد أن العدم هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الكون. في تلك اللحظة، قد يكون كل شيء قد تلاشى، بما في ذلك كل أفكارك، رغباتك، وهويتك. قد تجد أن الصمت هو الذي يتبقى بعد أن تسكت كل الأصوات، وأنك، ربما، كنت دائمًا في عناق مع العدم.

السؤال الذي يظل بلا إجابة

إذا كانت حياتنا مجرد وهم مستمر، وإن كانت أفكارنا رغباتنا ومعتقداتنا مجرد ردود فعل لواقع لا نعيه، فهل يمكننا أن نعتبر أنفسنا أحياء حقًا؟ وإذا كان الوجود نفسه مهددًا من قبل شكوكنا العميقة، فكيف لنا أن نعيش حياة ذات معنى؟ وهل نملك فعلاً الحق في أن نكون أحرارًا في اختياراتنا، أم أن كل شيء، من لحظات الوعي إلى أصغر قراراتنا، هو مجرد سيرة تمليها قوى غير مرئية؟

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

في المثقف اليوم