عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عبد الحق طوع: مَن يُوقظ مَن؟

المشهد الأول

وقال لي:

ـ لِنَمشِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ، لا يهمُّني ما تُؤْمِنُ به، إلهاً كان أم حجرًا. فإن تراجعتَ خطوةً واحدة، فاضربْ، لا ترحم، ولا تتردَّد.

المشهد الثاني

رفعتُ رأسي بعد صمتٍ طويل، ونظرتُ إليه:

ـ لماذا نمشي؟ وما الذي يجمعنا، حتى إن تخلَّفتُ خطوةً أستحقُّ الضرب؟

سكتَ قليلًا، ثم قال بصوتٍ نقيٍّ لم يكن فيه أثرٌ لما سواه:

ـ لا يجمعنا دينٌ ولا حجر. لا يجمعنا إلا أنَّ المضيَّ قُدُمًا هو الحياة، وأنَّ الرجوع خطوةً خطوةً هو الموت الذي نؤجِّله. إن تخلَّفتَ، فقد تركتني أمشي وحيدًا، وأخبرتني بأنَّ ما بيننا ليس أهلًا لأن تُجاهد من أجله. والضرب ليس عنفًا؛ هو أن أوقظَك قبل أن تُغرقني معك. هو أن أُحبَّك بما يُنقذك، لا بما يُرضيك.

لم يُكمل كلامه حتى تغيَّرت نبرته. صار الصوت أثقلَ، مُردَّدًا، كأنَّه يتكلَّم عن نفسه من خلف حجاب:

ـ ولكنَّني لم أُربَّ على هذا. علَّموني أنَّ الرحمة فوق كل شيء. أنَّ مَن أحببتَه تحتمله، حتى لو توقَّف، حتى لو تراجع.

كيف أرفع يدي عليك وقد سمعتُ طول عمري: «لا تقسُ؛ الرحمة تجمع، والقسوة تُفرِّق»؟

هذا ليس ما أعرفه عن نفسي.

صمتنا معًا ونحن نتابع طائرَ الكُرْكي، يبدو حديثَ العهد بالسفر، حين يلتحق بجماعته ويأخذ مكانه في المثلث.

هكذا تطير لتقاسم عبء الرياح، وإذا تعب قائد السرب، تراجع إلى الخلف ليحلَّ محلَّه آخر

وهمسَ دون أن يلتفت إليَّ:

ـ ولكنَّ رحمةً تتركك تغرق ليست رحمة. وعنفًا لا يُنقذ أحدًا ليس إلا عنفًا.

أليس الحبُّ أن تحتمل، لا أن تُوقِع؟

أليست ضربةٌ تُوقظك أرحمَ من موت؟

ثم مالَ نحو السير، وقال بصوتٍ يضيع بين خطاه:

ـ لا نعرف بعدُ أيُّنا سيكون أولَ مَن يحمل المضرب، وأيُّنا ينتظر أن يُوقَظ.

تقدَّم خطوةً ولم يلتفت. وظللتُ أراقب المثلث في السماء؛ يتغيَّر شكله كلما تقدَّمت الطيور.

ولم أدرِ أيُّ المكانين أكثر أمانًا:

أن أكون في المقدِّمة، أم أن أكون مَن يُجبَر على اللحاق؟

المشهد الثالث

فجأةً ...

صار الاثنان واحدًا.

واختفى الواحد داخل غابة البشر.

لكنَّ الغابة لم تكن سريرًا للالتحام، بل كانت مفرمةً للوجوه. ذبُلت الجماعة في زحام القطيع وفوضى الدروب.

ومع أول منعطفٍ حادٍّ، تعثَّرت الخُطى، وانفصم الجسد الواحد بعنف؛ ليعود الاثنان إلى عهدهما القديم:

جسدٌ التفت إلى الخلف، يبحث عن مأوى للشكوى، وجسدٌ اندفع إلى الأمام بجنون ينهشه الخذلان.

وبينهما انقطعت حبال الهمس.

المشهد قبل الأخير.

كتبت بعض الجرائد في حقِّهما:

واحدٌ منهما ملأ الغابة بوجع الأنين، وكأنَّ الغابة في حاجةٍ إلى المزيد.

أمَّا الآخر، فبصوتٍ غاضب، كأنَّ فمَه فوهةُ بركان، وبعد صرخةٍ مديدة، قال:

ـ ألم أُحذِّرك من قهقهات الآخرين؟

طبعًا؛ لأنني أراك الغريق في يَمِّ الجبن ومهزلة الشكوى، فلا أُذنان لك تسمع بهما.

يا شريكي، للغابة منطقها الجديد؛ لا أحد يسمع لأحد.

يتخبَّطون في كل اتجاهٍ كآلاتٍ مصعوقة، تلتطم الوجوه بالوجوه في سعيٍ أعمى، ولا أحد يدري، في غمرة هذا الذهول، لِمَ الاندفاع وإلى أين المسير!

تحرَّك...

هل أجرُّك كطفلٍ أفسدوا تربيته؟

خنتَ العهد؛ كان عهدي أن أدفعك إلى الأمام، وأنت تجرُّني إلى هاويات المستنقع.

كانت هناك بومةٌ تعيش بين طيورٍ ألفت العتمة، واقتنعت بما يتركه الليل من فتات.

ذات يوم، حلَّقت بعيدًا عنهم، فرأت الشمس.

عادت إليهم، وقالت:

ـ هناك ضوءٌ في الخارج، وحياةٌ أوسع ممّا تظنون.

ضحكوا منها، واتهموها بالجنون والتشاؤم. قالوا إنَّ عينيها، اللتين اعتادتا الظلام، لم تعودا تريان الحقيقة. ثم طردوها بالحجارة.

لم تجادلهم.

عادت إلى السماء، ورأت الشمس مرةً أخرى، ثم هبطت بعيدًا عنهم.

صحيح:

«من خرج إلى الضوء، قد يعود غريبًا في عيون الذين ألفوا العتمة.»

المشهد الأخير

طُوِيَت الجرائد، وجفَّ الحبر، وبقيتُ وحدي أواجه الحقيقة العارية؛ لم يكن هناك غريمٌ أُعاتبه، ولا رفيقٌ خذلني في المسير.

لقد كنَّا واحدًا منذ البدء.

أنا هو البركان الثائر المندفع نحو اليقظة، وأنا ذاتي المستنقع الراكد الذي يشدُّني إلى القاع.

ولا أدري أيُّ شِقَّيَّ قد انتصر في النهاية:

أهو ذلك الطائرُ الذي يريد التحليق، أم هذا الماءُ الآسنُ الذي اختارَ الموتَ البطيء؟

فمَن منّا كان البومة؟

ومَن منّا ظلَّ متشبثًا بالعتمة؟

***

عبد الحق طوع

 

في المثقف اليوم