أقلام ثقافية
علي حبيب بيرماني: الحلم والسينما "الرمز كائن مفترس"
تدور معارك طاحنة، وتقنيات حديثة في التقاط الصور، وسلاح متطور يهشم من يجابهه، لا أعرف كيف أني أتقنت استخدام كل تلك الأسلحة، أرشق كل من يغيظني بعدد محدود من الطلقات، ليس خوفاً من نقص في الذخيرة، فعددها لا متناهي، بعدها أرمي سلاحي ليجابهني أشد الناس كرهاً لي، القتل بالسلاح لا يُشفي الغليل، اليُد أشد فتكاً في الحُلم، نعم الحُلم.
لم أمسك سلاح سوى ذاك السلاح المائي الذي أغيظ به من يكره الماء، فهو سلاح فعال في الشتاء ومُنعش في الصيف، الحُلم يزودني بتقنيات لا تخطر في بالِ أحد، حتى في بالِ السينما، طيران وركض وشعرّ، وقتال وفانتازيا متقنة، لكن الذاكرة لا تحتفظ إلا بلمحات، نحن في الحلم شعراء أكثر من بودلير، ومقاتلين بواسل، أذكر كازنتزاكي وهو يعتقد مثلي (أن في رؤوسنا سينما صوتية كتلك الأفلام الناطقة).
اللمسة الجمالية في الحلم، هي عالم موازي، وما يصنعه الأديب في خلقِ عوالم موازية، يدل على شيئين لا ثالث لهما: أما أن الواقع الصادم لا يرتقي إلى مستوى الطموحات فنخلق عالماً أقل ساكنية، أو أن العالم جيد لكننا لا نؤكد ذاتنا من خلاله، وفي كلتا الحالتين نحن لا ننتمي إلى هذا العالم. وفي رأي كولن ولسن أن" كل ما يفعله الكاتب في صورة ما تأكيد للذات"، ومتى ما لم يؤكد ذاته التجئ إلى الحلمِ، لأن عملية الكتابة تبلغ من التعقيد حداً يجعلها مقصورة على فئةِ دون أخرى، الحُلم أسهل، فضاء مفتوح ولعب حر، المخيلة تجعلك دائماً بطلاً لا كومبارس.
في كتاب التاريخ المفروض لهنري لورنس يذكر في بدايات الكتاب بأن (التاريخ لم يعد حصراً على المؤرخ فالسينما أصبحت تحمل جزءاً منها) بمعنى أن المؤرخ ليس هو المُنتج الوحيد للسرد التاريخي وأن الحقيقة أصبحت خاضعة للتأويل أكثر، بعد أن أصبحت مرئية لأنها لم تعد لغة علمية بحته بل أنها تمر عبر وسيط جمالي مما يؤكد أن الحقيقة لم تعد تمثل الحدث ذاته بل تأويلاً بصرياً له.
الخطورة تكمن في أن السينما تمنح احساساً بالواقعية على الرغم من اصطناعها، وهو ما سماه جان بودريار بمصطلح فوق الواقع، الذي يبين من خلاله وجود مسافة بين الواقع ورموزه " المصطنع ليس إطلاقاً هو ما يخفي الواقع- بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع، المصطنع حقيقي". السينما في بعض كثير وما يخص (التاريخي منها) على وجه الخصوص، تعدم العلاقة الثنائية بين الدال والمدلول، لتبقي الرمز فقط، بمعنى آخر الرمز يطرد الواقع، أذ صار الرمز نفسه هو الواقع.
أعطت الكامرة شكلاً صورياً للأحداث التي كانت تُرى من عدة زوايا فردية مضيفة عليها وسائل الخيال الفردي في تخيل شكل الاحداث التاريخية، فبدلاً من رؤى متعددة استناداً على المكتوب، صار للحقيقة شكلاً واحداً(مصطنعا) تحكمه سردية إيديولوجية تعرض الحقيقة كما تريد، فالحقيقة تُستلهمْ من لغةِ السينما. ويذكر جون سكانلان في كتابه الذاكرة بأن التاريخ يثبت أن الأفكار والخواطر عوملت أغلب الظن معاملة التصورّ، وغالباً ما قورن العقل بوسط للتمثيل البصري، بل إن بيرجسون اقترح أن نوجه انتباهنا إلى العالم كما الكاميرا، فنلتقط صوراً سريعة لواقع في حال تدفق مستمر. هذا ما يجعلنا نقرأ بأن الإدراك والذاكرة يبدآن في التصوير الفوتوغرافي، مما يجعل من السينما وسيطاً بصرياً عن انتقال التاريخ من كونه سرداً تأويلياً إلى كونه بناء تخييلياً قادراً على إنتاج ذاكرة بديلة وأن كانت (مصطنعة) بحسب بودريار.
أنا أرى أن الاحلام أوحت للسينما، فكانت هي المادة الأولى، لكن الأخيرة(السينما) بدأت وسيلة مهمة لنقل الحقائق أو تزيينها.
فعلى حد تعبير فريدريش كتلر(لم تعد الروح فجأة ذاكرة على هيئة ألواح كتابة أو كتب، كما وصفها أفلاطون، بل تطورت فنياً، وتحولت إلى فلم سينمائي) إنني أرى أن السينما حلمُ متقن، عالمُ يبتكر حلولاً تغطي عجزاً عينياً، كالأحلام لكنها أقل حرية وأكثر منطقية، محكومة بالزمن والمسافة والحركة.
وفي محاضرةٍ جيل دولوز بعنوان (ما هو فعل الإبداع؟)، يُعرّج على الحلم، لأجد أن كلّ ما فكرتُ به شخصياً قد قيل حتى قبل ولادتي؛ إذ يرى أن الحلم يخص، قبل كل شيء، من لا يحلمون، لأنه بمجرد أن يحلم الآخر، يظهر خطر ما. إن حلمَ الآخر حلم مفترس، قد يؤدي إلى التهامنا.
فالحلمُ رغبة مرعبةٌ في القوة، وكل منا هو، بشكلٍ أو بآخر، ضحية لأحلام الآخرين، حتى وإن كانت أكثرُ البنات لطفاً؛ لأنها ملتهمة بشعة، لا عن طريق روحها، بل عن طريق حلمها.
احذروا أحلامَ الآخرين، لأنكم إن انسقتم وراءها فسوف تُدمّرون.
***
علي حبيب بيرماني







