قضايا

بتول فاروق: المدونة الجعفرية.. ليست جعفرية بالضرورة

الفقه الجعفري فقه كبير وعظيم وهو فقه مفتوح الاجتهاد، ولا يمكن كتابة مسودة قانونية تنطبق على الجميع، فلابد لكل مكلف أن يعرف قضيته هو ليطبق عليه الحكم الفقهي. فليس كل حكم مذكور في الكتب الفقهية يطبق على الجميع ليكون قانونا عاما لكل الجعفرية، فكل حالة لها عنوان، والمكلف هو من يشخصه. كما ليس كل المكلفين يقلدون مرجعا واحدا، وليس شرطا المراجع يتبعون المشهور، وما كتب من مدونة سميت بأسم مذهب كبير، تمثل رأيا واحدا من آراء متعددة في كل قضية، فموقفنا يتعلق بالتعديل البرلماني الهزيل، فلا يوجد حكم إلهي يقول أن ما فعله البرلمان كان مطابقا للحكم الإلهي أو الجعفري، فالمدونة لا تعطي- مثلا - للبالغ الرشيدة حق تزويج نفسها، أذا كانت مستقلة، لكن هناك اجتهادات لمراجع كبار تجيز لها ذلك، فلماذا المدونة أخذت رأي المشهور، مع أنه لاينسجم مع مجريات العصر الحاضر؟، وينسجم إلى حد ما مع البيئة العشائرية المغرقة في الأبوية.

الفقه الجعفري أكبر من هذه المدونة وأكبر من التعديل الذي أقر، والذي حصر أخذ الفتاوى فقط من المشهور ومن مراجع النجف (المحافظين نسبيا)، ولم يضعوا قيدا آخر وهو الإنسجام مع مفاهيم المواطنة، ومع ضرورات الفكر المعاصر.

لماذا تعامل المرأة البالغة الرشيدة كقاصر؟

في المادة (١٥) الفقرة أولا في مدونة الأحوال الشخصية العراقي التي أقرت حديثا (٢٧/ ٨/ ٢٠٢٥)، تسقط الولاية من الأب والجد أذا منعاها من الزواج بكفئها، شرعا وعرفا وخلافا لمصلحتها.

ما معنى الكفؤ العرفي؟ من يحدد ذلك؟ هل الذهنية العشائرية التي ترى في إبن القبيلة الفلانية، مثلا غير كفيء لها؟، وهي غير معنية بهذه التقسيمات التي تخص ذكور العائلة، فالعرف لا يشمل النساء في الغالب، فنظراتهن العرفية تختلف عن نظرات رجالهن المغرقة في المحسوبية والتنافس والتنازع على أعتبارات قيمية زائدة، كما أن نظرة الأجيال الحديثة تخالف نظرة الآباء والأجداد في النظر للأمور، فالفارق الزمني بين البنت وأبيها وجدها يولد قناعات تختلف بينهما.

فلماذا يغلب عرف الذكور على عرف النساء في قضايا تمس حياتهن !.

ثم من يقرر مصلحتها هي أم الأب أو القاضي؟ فأذا حصل تنازع بينهما فهل القاضي يحكم أن مصلحتها في هذا الزواج بهذا الشخص لا غيره، وفي هذا تضييق على النساء الراشدات المستقلات من أن يمارسن اختياراتهن بحرية عادية، في القرن الواحد والعشرين.

حياة المرأة الشخصية حرة في أن تعيشها ضمن تجاربها الخاصة، وهي في الغالب تتم بمباركة الأهل.

المدونة لاتبريء ذمة المكلف بالضرورة، فهذا أجتهاد أحادي يمثل رأيا واحدا من عشرات الآراء الفقهية المعتبرة وكلها لم تخرج من عباءة فقه الجواهر (الفقه التقليدي).. لذا على المكلف اتّباع الطريقة المعتمدة جعفريا، وهي الإجتهاد المفتوح وليس من يحمل جنسية معينة أو يوافق المشهور!.

***

د بتول فاروق / النجف

٣١/ ٨/ ٢٠٢٥

في المثقف اليوم