قضايا
وسام حسين العبيدي: حين تعلّمني النار معنى العذاب
ثمة معارف لا تمنحها القراءة وحدها، ولا يكشفها التأمل البارد مهما اتسع، بل لا بدّ للإنسان أن يقترب منها بجلده وروحه حتى يدرك حقيقتها. ومنذ أيام، حين تعرّضتُ إلى حرقٍ عارض، وجدتني أمام تجربة صغيرة في حجمها، لكنها عميقة في أثرها؛ إذ كشفت لي شيئًا لم أكن ألتفت إليه من قبل: لماذا اختيرت النار — دون سواها — رمزًا للعذاب في الوعي الديني والإنساني؟ ولماذا جعلها الله دون غيرها عقوبةً لمن عصاه في يوم القيامة؟ ولماذا ترددت صفاتها وحالات المعذبين بها في أكثر من آية وسورة من سور القرآن الكريم؟ وكأنّي لأول مرة في حياتي أدرك الجواب عن ذلك الاختيار الإلهي؛ إذ لم أجد في عالم المحسوسات عذابًا يوازيها في الألم، ولا عنصرًا يجمع بين الإيلام والرعب كما تجمع النار.
كنت أعرف، مثل أي إنسان، أن النار مؤلمة. غير أن المعرفة النظرية شيء، والذوق المباشر شيء آخر. فالإنسان قبل التجربة "يعرف"، وبعدها "يدرك". والفرق بين الأمرين يشبه الفرق بين من يقرأ عن البحر ومن يغرق فيه. ولعل هذا ما قصده جبران خليل جبران حين قال: "إن الألم هو انكسار القشرة التي تغلف فهمكم".
فالألم لا يضيف إلى الإنسان معرفة جديدة فحسب، بل يكسر وهم المعرفة القديمة أيضًا. وحين لامست النار الجسد، اكتشفت أنها ليست مجرد إحساس موضعي بالأذى، بل حالة اجتياح كاملة. إن الجرح قد يبقى في عضو، والضربة قد تنتهي بانتهائها، أما النار فتمنح الإنسان شعورًا بأن كيانه كله صار مهددًا. حتى بعد انطفائها يبقى أثرها في الأعصاب والوعي والذاكرة، كأنها لا تحرق الجلد وحده، بل تترك في النفس رجفة خفية.
ولعل هذا ما جعل النار، عبر الحضارات، الرمز الأعلى للعذاب. فمنذ الأساطير القديمة حتى النصوص الدينية الكبرى حضرت النار بوصفها الصورة القصوى للألم والخوف. وليس الأمر مقتصرًا على العقائد وحدها؛ فاللغة نفسها تكشف ذلك. نحن نقول: "نار الفقد"، و"أحرقه الندم"، و"نيران الغيرة"، لأن الوعي الإنساني أدرك أن النار ليست مادة فحسب، بل تجربة تهدد استقرار الإنسان كله.
ومن المدهش أن الأسطورة الإغريقية نفسها أدركت هذا التناقض الرمزي في شخصية بروميثيوس؛ فالنار هناك هي سر الحضارة وسبب العقوبة في الوقت ذاته. إنها العنصر الذي منح الإنسان الدفء والنور والطعام، لكنه أيضًا أكثر العناصر قدرة على التدمير. وربما لهذا ظل الإنسان يتعامل معها بحذر بدائي عميق، كأن في داخله خوفًا قديمًا لا يهدأ منها.
ومن هنا بدا لي أن اختيار النار في التصوير الديني للعذاب ليس أمرًا اعتباطيًا. فالنار تجمع بين ما لا يجتمع في غيرها: الألم الجسدي، والفزع النفسي، والإحساس بالفناء، واستمرار المعاناة. لذلك جاءت النصوص الدينية مشحونة بصورها؛ لأنها تخاطب الإنسان بأشد ما يعرفه رهبة وإيلامًا.
غير أن اللافت في التصوير الديني للنار أنه لا يصف الحرارة وحدها، بل يحيط بالعذاب من جميع جهاته: الجلد، والعطش، والاختناق، والحرمان، والقلق. وكأن العذاب ليس مجرد احتراق جسدي، بل انهيار كامل لشروط الطمأنينة الإنسانية. وهنا يبدو الألم، كما رأى شوبنهاور، حقيقة وجودية أكثر رسوخًا من اللذة العابرة؛ لأن الإنسان قد ينسى كثيرًا من لحظات الراحة، لكنه لا ينسى الألم الذي اخترق وعيه ذات يوم.
ولعل من أعمق ما عبّر عن هذا المعنى تلك الصرخة الواردة في دعاء كميل: "أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة..." فهنا لا يعود العذاب نارًا تحرق الجسد فقط، بل يتحول إلى تجربة حرمان روحي ووحشة وجودية. وربما لهذا ارتبطت النار في الأدب الصوفي والوجداني بمعنى الفقد والعشق والألم معًا.
غير أن هذه التجربة فتحت أمامي سؤالًا آخر أكثر عمقًا: إذا كانت رحمة الله قد وسعت كل شيء، وإذا كان القرآن الكريم يفتتح سوره باسم الرحمن الرحيم، فكيف يمكن للعقل أن يجمع بين هذه الرحمة المطلقة وبين صورة النار التي تملأ المخيلة رهبةً وعذابًا؟
هنا لا أقصد إنكار النار أو التشكيك فيما ورد بشأنها في النصوص الدينية، وإنما أقصد التأمل في حقيقتها ومعناها. فربما كانت النار في جوهرها أعمق من أن تكون مجرد ألسنة لهب مادية تشبه ما نعرفه في هذا العالم. وربما كانت صورة رمزية أو وجودية تعكس البعد عن الله والحرمان من رحمته، أكثر مما تعكس مجرد الاحتراق الحسي. ولعل هذا المعنى هو ما التقطه عمر الخيام في رباعيته الشهيرة حين قال:
ربَّ أوعدتني بأن جزائي
لذنـوبي عقابُها النيرانُ
*
فتعجبتُ من وعيدك هذا
وأنا باكتناهه حيرانُ
*
أعذابي بموطنٍ منك يخلو؟
دلّني أين... أين ذاك المكانُ؟
*
أم مكانٌ تحلُّهُ ومُحالٌ
حيثما أنتَ رحمةٌ وحنانُ
فالخيام لا ينكر العذاب، لكنه يتساءل: أين يمكن أن يوجد موضع يخلو من الرحمة الإلهية؟ وكيف يمكن للرحمة المطلقة أن تغيب عن شيء من خلق الله؟ وهذا السؤال نفسه شغل عقول المتصوفة وبعض المتكلمين عبر التاريخ؛ إذ رأوا أن أعظم عذاب ليس الاحتراق بالنار، بل الاحتجاب عن مصدر النور والرحمة والجمال. فحين يشعر الإنسان بالغربة عن المعنى، وبالقطيعة مع الحقيقة التي خُلق لأجلها، يصبح في نوع من "النار الوجودية" التي تفوق في قسوتها كثيرًا من الآلام الحسية.
وربما لهذا قال بعض العارفين إن الجنة ليست مكانًا فحسب، بل حالة قرب، وإن النار ليست مكانًا فحسب، بل حالة بُعدٍ. فالإنسان قد يكون في أوسع النعيم المادي، لكنه يعيش جحيم القلق والاغتراب، وقد يتحمل أشد المشاق لكنه يشعر بسكينة لا تعادلها كنوز الأرض كلها. وعند هذا الحد يبدو العذاب الإلهي نفسه جزءًا من نظام العدالة والرحمة معًا، لا نقيضًا لهما. فالنار في الرؤية الدينية ليست فعل انتقام أعمى، بل تعبيرٌ عن نتائج أفعال الإنسان واختياراته. وكما أن الألم الجسدي ينبه الإنسان إلى موضع الخلل في جسده، فإن العذاب في معناه الأعمق قد يكون كشفًا لحقيقة الانحراف عن الطريق المستقيم. ومن هنا تصبح الرحمة والعدالة وجهين لحقيقة واحدة، لا ضدين متقابلين.
لقد جعلتني هذه التجربة أفكر في هشاشة الإنسان نفسها. فنحن نظن أحيانًا أن وعينا بذواتنا مكتمل، حتى تأتي لحظة ألم صغيرة لتكشف لنا كم نحن محدودون وضعفاء. وربما لهذا قال أبو حيان التوحيدي عبارته الكاشفة: "الوجع يفضح الإنسان". فالإنسان في لحظات الألم يتجرد من كثير من أوهامه، ويكتشف حقيقته العارية أمام ضعفه الجسدي وخوفه الغريزي. وربما لهذا أيضًا يتحول الألم عند بعض الناس إلى باب من أبواب التأمل الوجودي، لا مجرد معاناة جسدية عابرة.
ولعل الوعي نفسه يزيد وطأة هذا الألم. فالإنسان المفكر لا يعيش التجربة بوصفها إحساسًا جسديًا فقط، بل بوصفها سؤالًا عن المعنى أيضًا. وهذا ما عبّر عنه المتنبي بقوله:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
فكلما اتسعت حساسية الإنسان الفكرية، صار الألم عنده أكثر عمقًا وتشعبًا؛ لأنه لا يكتفي بالشعور به، بل يحاول فهمه وتأويله وربطه بأسئلة الوجود الكبرى.
وهكذا لم تعد النار، في نظري، مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، بل صارت رمزًا كثيفًا يكشف شيئًا عن الإنسان نفسه: خوفه، وحدوده، وضعفه، وحاجته الدائمة إلى الرحمة. وربما كانت أعظم حقيقة كشفتها لي تلك الشرارة الصغيرة أن بعض المعارف لا تُقرأ في الكتب، بل تُكتب على الجسد أولًا، ثم تترجمها الروح إلى أسئلة لا تنتهي. فالنار التي لامست الجلد أيامًا معدودة جعلتني أفكر في نارٍ أخرى ظل البشر يتأملون معناها منذ فجر الوعي: أهي لهبٌ يحرق الأجساد فحسب، أم أنها في جوهرها رمزٌ للمسافة التي تفصل الإنسان عن الرحمة والطمأنينة والمعنى؟ ولعل الجواب يبقى مفتوحًا بقدر ما يبقى الإنسان نفسه مفتوحًا على أسرار الوجود.
***
د. وسام حسين العبيدي







