في سبيل النهوض بالمؤسسة الأكاديمية العربية
كانت ندوة وحدة الدراسات الثقافية في المعهد العالمي للتجديد العربي، التي انعقدت يوم الاثنين 10 أغسطس 2026م، بعنوان: «الجامعات العربية وسبل الارتقاء بها نحو المستقبل»، مناسبة فكرية استثنائية بالنسبة لي؛ ليس فقط لأن موضوع الجامعة يلامس واحدًا من أكثر الأسئلة التي رافقت تجربتي الأكاديمية منذ سنوات طويلة، وإنما لأن المحاضر، الأستاذ الدكتور سيّار الجميل، جاء إلى الندوة محمّلًا بتجربة أكاديمية واسعة ونادرة، أتاحتها له فرصة العمل والتدريس والزيارة والمشاركة في عدد كبير من الجامعات والمؤسسات العلمية في بلدان وثقافات مختلفة. فقد عمل محاضرًا وأستاذًا في جامعات وهران بالجزائر، وتونس الأولى، والموصل بالعراق، واليرموك وآل البيت بالأردن، وجامعة الإمارات العربية المتحدة، كما عمل أستاذًا زائرًا في جامعة كيل بألمانيا منذ عام 1987، وفي لوفان وإنديانا، وزار جامعات ريدنغ وأكسفورد وكامبريدج والسوربون وإدنبرة ودندي وهامبورغ ومونبلييه وتورنتو وفكتوريا وبنسلفانيا وفاس والجزائر والزقازيق وبغداد والمستنصرية والجامعة الأمريكية في بيروت والشارقة وغيرها، فضلًا عن مشاركته في مؤتمرات وندوات علمية دولية عديدة.
وقد أدار الندوة الأستاذ الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد، وشارك فيها الدكتور خالد كموني، رئيس وحدة «هندسة المفاهيم» الجديدة، كما عقبت الدكتورة ريم دندشي. غير أن ما استوقفني بصورة خاصة هو انتقال الدكتور سيّار الجميل من السؤال التقليدي عن جودة الجامعة إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يجعل الجامعة مؤسسة حيّة وفاعلة؟
وهذا هو اسماه «مؤشر الحيوية الجامعية» (UVI)، بوصفه محاولة للخروج من أسر مؤشرات التصنيف الجامعي التقليدية. فالتصنيفات العالمية تسأل عادة: كم نشرت الجامعة؟ كم عدد الاستشهادات؟ ما موقعها في سلم التصنيف؟ كم تملك من المختبرات والبرامج والدرجات العلمية؟ أما السؤال الذي يقترحه مؤشر الحيوية الجامعية فهو أكثر جذرية: ماذا أضافت الجامعة إلى مستقبل الأمة؟
فإذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الطفل من النطق بالحروف والأرقام والتعرف إلى أبجديات المعرفة، وإذا كان المثل الأعلى للمدرسة يتمثل في إكساب التلاميذ والتلميذات المعارف والمهارات الأساسية في مختلف العلوم والتخصصات، فإن المثل الأعلى للجامعة ينبغي أن يتجاوز مجرد نقل المعرفة وتكديس المعلومات إلى تمكين الطالب والطالبة من فهم ما تعلموه في المراحل السابقة، وإعادة تركيبه ونقده وتوظيفه وتحويله من مجرد معرفة مكتسبة إلى قدرة إنسانية فاعلة، ومن معرفة الأولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء المجتمعات وتنمية الأوطان وصناعة المستقبل. فالجامعة، بهذا المعنى، ليست نهاية السلم التعليمي، وإنما هي المرحلة التي تتحول فيها المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى فعل اجتماعي وحضاري نهضوي ومستقبلي.
استمعت إلى محاضرة الدكتور سيّار باهتمام نابع من تجربتي الشخصية مع الجامعة، ومن موقع ما راكمته من أسئلة وذكريات وخيبات وآمال خلال ما يقارب عقدين من العمل والتدريس والبحث الأكاديمي. ولذلك قد يكون معنى الجامعة بالنسبة إليّ مختلفًا تمامًا عن معناها بالنسبة إلى زميل آخر. وهذه ليست مشكلة؛ بل هي طبيعة المعنى نفسه. فالمفاهيم لا تعيش خارج التجربة الإنسانية، وإنما تتشكل داخلها فمنذ التحاقي بمهنة التدريس الجامعي، ظل سؤال الجامعة يرافقني بوصفه سؤالًا في المعنى قبل أن يكون سؤالًا في الإدارة. وقد قادني ذلك إلى عدد من المؤتمرات والدراسات والأبحاث التي تناولت الاعتماد الأكاديمي، والجودة، وإدارة الأداء، والتعليم العالي، والعلوم الإنسانية، ودور الجامعة في خدمة المجتمع، كما نشرت منذ عام 2005 دراسات ومقالات عن الجامعات العربية ومعايير الجودة، وعن الجامعة والنقابة، وجامعة عدن بين التقييم والتكريم، وفي معنى كلية الآداب، وغيرها.
وخلال هذه الرحلة راكمت مجموعة من المراجع والدراسات التي تناولت نشأة الجامعات، وتاريخ العلم، وإدارة الجودة في التعليم العالي، وضمان الجودة، ومعنى اكاديمية ووظيفة الأكاديمي والجامعة والثقافة ، والجامعات العربية والبحث العلمي، والتميز والقيادة، وسوسيولوجيا العلوم، وما بعد الحداثة، وتحديث الإدارة الجامعية، والجودة الشاملة، والاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي في اليمن، وغير ذلك لكنني اكتشفت، بعد كل هذه السنوات، أن سؤال الجامعة أكبر من كل هذه العناوين.
إذ اتفق هنا مع الدكتور سيّار الجميل بالنظر إلى المؤسسة الأكاديمية الحية بوصفها المؤسسة الوحيدة التي تسعى إلى تجاوز ذاتها وتنمية وتأهيل مجتمعها والأرقى به لا تبرير ايديولوجيته كما يعتقد البعض للأسف الشديد وقد كان الفتح الجديد الذي أوجد حرية البحث العلمي هو من اخطر الثورات الفكرية والاجتماعية في تاريخ البشرية، ولقد أعطى العلم بصفته الشكل النموذجي للبحث الحر، مهمة وضع مجالات الفكر كلها في الوضع الصحيح لذا فإن العلم هو العدو الطبيعي للمصالح القائمة كلها سواء منها الاجتماعية أو السياسية أو الدينية بما فيها مصالح المؤسسة العلمية ذاتها، ذلك أن الحرية ترفض التسليم ببقاء الأشياء على حالها. والشك المنظم الذي تتصف به الطبيعة العلمية أمر دائم الحضور ودائم التشكك بأخر الاقتناعات الفكرية، بما فيها تلك التي طال أمد التسليم بها. وكما يقول توبي أ. هف » بما أن العلم قد أعطى هذه المهمة الفكرية لفحص صور الوجود وأشكاله كلها فانه غدا العدو الطبيعي للنظم التسلطية بشكل خاص وهذه النظم لا تستطيع أن توجد حقاً إلا إذا كبتت أشكال البحث العلمي التي تظهر الطبيعة الحقيقية للنتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخطيرة والمدمرة لتسلطها وحكمها. ولما كانت الجامعة هي المؤسسة التي تنهض برعاية العلم وتنميته وتقدمه وازدهاره، فلابد لها من أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة، إذ أن الحرية هي الشرط الجوهري لوجود العلم والفكر العلمي، كما يقول كروبر "إن حاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي يتيبس في البيئات الاستبدادية والتسلطية"10، وتلعب الحرية الأكاديمية دوراً حاسماً في تنمية المجتمع وتغييره وتقدمة وازدهاره. وهذا ما أوضحه امارتيا صن في كتابه (التنمية حرية) (مؤسسات حرة و إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر) بقوله"أن الحرية هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع " وبدون أن تأمن الجامعة بيئة مناسبة للأساتذة والطلبة في ممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي، فلا يمكن لها النمو والتطور والازدهار. هكذا نلاحظ أن حرية الجامعة واستقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية ليست من الأمور التكميلية والثانوية، بل هي أس الأسس ولب المسألة برمتها.لكن كيف يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة؟!
وهكذا فهمت معنى مفهوم (الحيوية الجامعية UVI) بوصفه مؤشرًا لقياس جودة المؤسسة الأكاديمية. فالحيوية ليست مجرد رقم جديد يضاف إلى عشرات مؤشرات التصنيف، وإنما ينبغي أن تكون محاولة لإعادة تعريف معنى الجامعة نفسها. نحن لا نحتاج فقط إلى جامعة أكثر إنتاجًا، بل إلى جامعة أكثر حياة؛ جامعة تجعل المجتمع أكثر قدرة على التفكير، والدولة أكثر عقلانية، والإنسان أكثر حرية، والمعرفة أكثر حضورًا في الحياة اليومية.
وهكذا تعين السؤال الملح الذي وضعه سيّار الجميل ليس سؤالًا عن الجامعة وحدها، بل عن المجتمع الذي تنتجه الجامعة وتعيد إنتاجه في الوقت ذاته فالحيوية الأكاديمية أكثر من مجرد نشاط علمي داخل قاعات الدرس أو المختبرات ومراكز البحث؛ إنها قدرة الجامعة على إنتاج بيئة حية للتفكير والنقد والحوار والاختلاف والابتكار، وعلى تحويل المعرفة إلى طاقة اجتماعية وحضارية. فالأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفته الحقيقية حين ينقل ما في الكتاب إلى الطالب، وإنما حين يساعده على أن يتجاوز الكتاب إلى السؤال، والمعلومة إلى الفكرة، والفكرة إلى النقد، والنقد إلى الإبداع. والطالب لا يصبح جامعيًا بالمعنى الحقيقي حين يحفظ ما قيل له، وإنما حين يمتلك القدرة على أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر؟
هنا تتحدد القيمة الحقيقية للجامعة؛ فهي لا تُقاس بعدد خريجيها، ولا بفخامة مبانيها، ولا بترتيبها في التصنيفات الدولية، وإنما بنوعية الإنسان الذي تصنعه، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل حضاري. فمعيار الجودة الأكاديمية الأعمق ليس فقط: كم تنتج الجامعة من بحوث وشهادات؟ بل: أي نوع من العقول والإنسان والمجتمع تنتج؟ إن الجامعة الحية هي التي لا تكتفي بتلقين المعرفة أو إعادة إنتاج الأفكار السائدة، بل تفتح للعقل آفاق السؤال والنقد والابتكار، وتمنح الطالب القدرة على فهم عالمه والمشاركة في تغييره. أما الجامعة التي تعيد إنتاج الماضي كما هو، فتظل، مهما امتلكت من مبانٍ ومناهج وتصنيفات، عاجزة عن أداء رسالتها التاريخية. فالحيوية الأكاديمية في جوهرها ليست كثرة النشاط، وإنما قدرة الجامعة على صناعة إنسان قادر على التفكير الحر، والعمل المسؤول، والإسهام الواعي في بناء مجتمع أكثر معرفةً وعدلًا وقدرةً على صناعة المستقبل.
***
قاسم المحبشي








