عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: وهم المجتمع العلمي في الشرق الأوسط

بين شكلانية الأداء وأزمة الجوهر

إن الإجابة على سؤال مهم وملغز: هل لدينا مجتمع علمي في الشرق الأوسط؟ تستوجب تفكيك معنى ومفهوم "المجتمع العلمي" ذاته. فالمجتمع العلمي لا يقتصر على مجرد وجود أبنية جامعية وباحثين ومختبرات، بل يتجاوز ذلك ليعني منظومة متكاملة تحكمها معايير أخلاقية ومعرفية صارمة، وتنتج معرفة أصيلة قادرة على حل مشكلات المجتمع وتوجيه سياساته التنموية والاقتصادية.

المؤشرات الكمية مقابل الفجوة النوعية

تشير البيانات والإحصاءات الصادرة عن تقارير العلوم لليونسكو والبنك الدولي إلى أن الإنفاق الإجمالي على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول العربية لا يزال يقبع دون عتبة 1%، باستثناءات قليلة جداً مثل الإمارات العربية المتحدة التي بلغت 1.30%، في حين تراوحت النسب في دول كالمغرب وتونس ومصر حول 0.7%، وهو ما يعكس غياب الإرادة السياسية والمؤسسية لاعتبار البحث العلمي رافعة تنموية حقيقية.

رغم التوسع الكبير في قطاع التعليم العالي والزيادة الكمية الملحوظة في أعداد البحوث المنشورة، ولا سيما في قواعد البيانات العالمية مثل "سكوبس وويب أوف ساينس أن هذا النمو يخفي خلفه خللاً بنيوياً عميقاً. لقد تحولت المؤسسات الأكاديمية العربية إلى ما يشبه "مصانع للشهادات"، حيث هيمنت المؤشرات الكمية على حساب النوعية، وتم تغليب الشكليات الإجرائية على الأثر العلمي الحقيقي.

أظهرت تحليلات ببليومترية مكثفة امتدت لعقدين من الزمن لإنتاجية البحث العلمي في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، أن هذه المنطقة، ورغم زيادة إنتاجها البحثي، لا تزال تعاني من انخفاض حاد في نسبة الأبحاث المنشورة في المجلات ذات التأثير العالي مقارنة بأمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي.

شكلانية الأحكام والترقيات الأكاديمية

تتجلى "شكلانية الأحكام" بأوضح وأخطر صورها في أنظمة تقييم الأداء الأكاديمي والترقيات العلمية في العالم العربي. فالنظام المعتمد يكرس معياراً أحادياً متمثلاً في العدد الكمي للأبحاث المنشورة، متجاهلاً أبعاداً جوهرية كالأصالة، والتأثير العلمي والقيمة التطبيقية لحل مشكلات الواقع. هذه السياسة لم تنتج سوى تضخم بحثي أجوف، أفضى إلى تكريس "الرداءة" على حساب الإبداع.

لقد أدى هذا الضغط المؤسسي المستمرإلى وقوع شريحة واسعة من الباحثين العرب ضحية لـ"المجلات المفترسة"  ودور النشر الربحية الوهمية التي تستغل حاجة الباحثين للترقية وتخلو من أي نظام حقيقي لمراجعة الأقران المستقلة وقد وصلت شكلانية الأحكام والفساد الأكاديمي إلى مستويات غير مسبوقة من الممارسات القسرية حيث وثقت تقارير دولية فضائح أكاديمية أدت إلى قيام قواعد البيانات العالمية الكبرى مثل "سكوبس" و"ويب أوف ساينس" بحذف وإسقاط مجلات علمية بارزة في المنطقة .ولقد كشفت التحقيقات عن تورط هيئات التحرير في إجبار الباحثين والطلاب على إدراج اقتباسات لبحوث سابقة من نفس المجلة كشرط إلزامي لقبول نشر أبحاثهم أو حتى للسماح لهم بالتخرج، وذلك في تلاعب مفضوح يهدف إلى الرفع الوهمي لـ "معامل التأثير" الخاص بتلك المجلات.

إلى جانب ذلك، تعاني البحوث الاجتماعية والإنسانية في دول اخرى من معوقات تنظيمية ومنهجية قاسية؛ تتمثل في غياب المعايير الموضوعية في التحكيم، وضعف الإلمام بالبرامج الإحصائية الحديثة وغياب الحداثة في معالجة المشكلات الاجتماعية، مما يحيل السوسيولوجيا العربية إلى مجرد استنساخ باهت لأطروحات كلاسيكية غير قادرة على تفكيك الواقع.

مأزق الحداثة المعطوبة

في ظل الأزمات الطاحنة التي تعصف بالشرق الأوسط من حروب وانهيارات اقتصادية وتفكك اجتماعي، يُطرح التساؤل الجوهري حول مدى القوة الفاعلة لـ "العقلنة" كأداة لإنقاذ الدولة وإدارة المجتمع. يشير مفهوم العقلنة، كما صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى السيرورة التاريخية التي تحل فيها الحسابات العقلانية الدقيقة، وسيادة القانون، والتنظيم البيروقراطي المنضبط، محل التقاليد والعواطف والقيم الروحية والروابط الأولية في إدارة شؤون الحياة الإنسانية.

الدول العربية واستعصاء العقلنة

لم تتشكل الدولة العربية الحديثة كنتيجة لتطور تاريخي طبيعي، أو صراع طبقي ناضج أو كعملية عقلنة متراكمة داخلياً كما حدث في الغرب. بل كانت في الغالب وليدة تدخلات كولونيالية خارجية، فجاءت تشكيلاتها مشوهة وغير مكتملة. ولذلك، فشلت هذه الدولة في تبني "العقلنة" كمنهج حقيقي ومؤسسي لإدارة الموارد والمجتمعات.

بدلاً من ذلك، أنتجت هذه الدولة بيروقراطية قهرية وسلطوية، استخدمت "العقل الأداتي" ليس كأداة للتحرر وإرساء العقلانية الموضوعية، بل كآلة لضبط الواقع، واحتكار السلطة، وتبرير البنى القمعية القائمة. هذه الدولة، كما يصفها عبد الله العروي وجورج طرابيشي، هي دولة سطو وانفصام تام بين السلطة والمجتمع الإنتاجي؛ إنها جهاز قمعي يفتقر للشرعية العقلانية، مما يجعل إنجازاتها لا تُنشئ إجماعاً ولا ولاءً إلا بالقهر أو بشراء الذمم.

ازدواجية الشخصية والنفاق الاجتماعي

في هذا السياق المتأزم، قدم المفكر والسوسيولوجي العراقي الرائد الدكتور علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" و"وعاظ السلاطين" تشريحاً استثنائياً لبنية العقل والمجتمع في المنطقة، كاشفاً عن صراع تاريخي عميق بين التكوين البدوي والتكوين الحضري. هذا الصراع الحضاري والنفسي أنتج ما أسماه الوردي بـ "ازدواجية الشخصية" فالفرد العراقي والعربي عموماً يتأرجح باستمرار بين قيم قبلية وعشائرية محافظة، ومبادئ مدنية حديثة شكلية.

لقد أفرزت هذه الازدواجية الناشئة عن التحديث القسري والسطحي، هيمنة شبه كاملة لـ "النفاق الاجتماعي" و"التدين الشكلي". فالمجتمع يفرض قيوداً وضغوطاً تجبر الفرد على إظهار خطاب أخلاقي وديني وعقلاني شديد المثالية، بينما يمارس في حياته الخفية والعملية سلوكيات نفعية ومصلحية تخالف هذا الخطاب تماماً. يلخص الوردي هذه المأساة بمقولته الشهيرة: "الناس يعبدون الله في العلن، ويعبدون مصالحهم في الخفاء".

تفسر هذه الرؤية الوردية بوضوح متناهٍ فشل محاولات العقلنة؛ إذ أن الأحكام في مجتمعاتنا هي أحكام شكلانية بامتياز. حيث ترتفع مظاهر التدين والشعائر والطقوس الدينية بالتوازي تماماً مع ارتفاع معدلات الفساد الإداري والسياسي والانحلال المؤسسي، مما يؤكد أن القيم تُستخدم كأداة تبريرية الأمر الذي يعطل أي مسعى لترسيخ عقلانية حضارية ومؤسساتية فاعلة.

سيولة الزمكان وإدارة الفجوات المعرفية والفلسفية

يتعقد المشهد الحضاري في الشرق الأوسط أكثر بدخوله وهو المحمل بأثقال القرون الوسطى في دوامة ما يسميه عالم الاجتماع والفيلسوف البولندي البريطاني زيجمونت بومان  بـ "الحداثة السائلة".

يجادل بومان بأن العالم قد تحول من حالة الثبات واليقين الحداثة الصلبة التي سعت للتنظيم والسيطرة على الطبيعة وإزالة الغموض إلى حالة من السيولة المفرطة. في ظل الحداثة السائلة، تنهار الهياكل الاجتماعية، والقيمية، والمؤسسية التقليدية؛ وتتبدل المعاني بوتيرة متسارعة؛ وتصبح العلاقات الإنسانية، والمعرفة، والهويات، وحتى الواجبات، مؤقتة وعابرة. يعيش الإنسان في هذه الحقبة حالة من "اللايقين الدائم" وانعدام الأمن، حيث يُلقى به في سباق استهلاكي محموم وراء كل جديد، متخلياً عن الروابط الإنسانية التي يسهل فكها.

صناعة اقتصاد الدموع

في مجتمعات الشرق الأوسط، تتخذ سيولة الزمكان طابعاً تراجيدياً كارثياً. فالأزمات المتلاحقة والمدمرة تجعل من الحاضر حالة طوارئ دائمة، وتلغي تماماً القدرة على الاستشراف أو التخطيط للمستقبل. في ظل هذه السيولة، تتسع الفجوات الفلسفية والمعرفية؛ إذ تنزلق المعاني وتفقد الكلمات دلالاتها في بحر من "الضجيج الرقمي".

لم يعد الاقتصاد مقتصراً على إنتاج السلع المادية الصلبة، بل تحول، كما يصفه بعض المفكرين المعاصرين استلهاماً لبومان، إلى "اقتصاد للدموع" واقتصاد للمعنى؛ حيث تتدفق القيم، وتتحول المادة إلى رمز، والعمل إلى مجرد تجربة عابرة. في هذا الفضاء السائل، يبرز مفهوم "الغريب" الذي نظّر له بومان؛ ذلك الآخر الذي يعجز المجتمع المأزوم عن تصنيفه، فيصبح مصدر إغراء استهلاكي من جهة، ومصدر رعب وتهديد وجودي من جهة أخرى، مما يغذي العنف المتطرف والأصوليات الإقصائية التي تحاول فرض "صلابة" وهمية بالقوة والدم.

تغول العبودية الطوعية وموت الإنسان المستلب

تتقاطع سيولة الزمكان، مع شكلانية الأحكام، وانهيار العقلنة، لتمهد الطريق أمام أخطر أمراض العقل العربي المعاصر وأشدها فتكاً بالإرادة:

"العبودية الطوعية"

هذا المفهوم، الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي الشاب إتيان دو لا بويسي في القرن السادس عشر، للإشارة إلى خضوع الشعوب للطغاة طواعية وتواطؤها في استعباد ذاتها بسبب اعتياد القهر وضعف الوعي، يتخذ اليوم أبعاداً جديدة، مركبة، ومروعة.

إن البشرية اليوم تقع ضحية لثلاث أصوليات مستبدة تمارس عنفاً وحشياً وتصنع "آلهة جديدة":

أصولية السوق التي تسلع القيم.

أصولية التقنية التي تحول الآلة إلى قائد.

وأصولية الدين المسيّس التي تكرس الانغلاق.

في ظل هذا الاستلاب العميق، نستحضر مقولة عالم النفس إريك فروم: "لقد مات الإنسان في القرن العشرين، لتحيا الأشياء ويحيا منتوجه"، ليعبر عن ذروة الاغتراب حيث تضيع الذات الإنسانية تماماً. ويتوافق هذا مع رؤية الفيلسوف هربرت ماركوز في نقده للمجتمع الصناعي والاستهلاكي الإنسان ذو البعد الواحد، حيث يوجه القمع الاستلابي الناعم حتى ساعات فراغ الناس، ليحيلهم إلى عبيد طوعيين للمردودية والربح والتنافس، مما يفرغ أي فكر نقدي من محتواه الثوري.

بلادة ردود الفعل التطورية

إن الحصيلة النهائية والمأساوية لانهيار المنظومة الأكاديمية وغياب المجتمع العلمي، هوعجز مسار العقلنة، والضياع في سيولة الزمكان، والخضوع للعبودية الطوعية، التي تتلخص في الوصول بالمجتمعات الشرق أوسطية إلى حالة من "بلادة ردود الفعل التطورية".

في علم الاجتماع، وعلم النفس التطوري، تُعرّف قدرة الكيانات الحية والمجتمعات على الاستجابة للتحديات والأزمات الوجودية وتطوير آليات بقاء وتكيف جديدة ومبتكرة، بأنها العلامة الفارقة لحيوية المجتمع وقدرته على النضج. أما في واقع المنطقة العربية، فإن ردود الفعل تجاه الأزمات الماحقة كانهيار الدول، الحروب الأهلية، التردي الاقتصادي المدقع، والتغير المناخي تتسم بالجمود المطلق، والنكوص المستمر، والعجز التام عن إحداث طفرات ثورية معرفية أو تطورية منهجية.

تتعزز هذه البلادة التطورية بما تطرق إليه جورج طرابيشي من مفهوم "العصاب الجماعي". فعندما تتعرض الأمة لصدمة تاريخية كبرى (كصدمة الحداثة أو الهزائم العسكرية المتوالية)، فإن الرد التطوري السليم يقتضي المراجعة النقدية القاسية للذات. بيد أن العقل العربي، المحاصر والمأزوم، فشل في هذه المراجعة؛ فاستخدم حيل دفاعية نفسية نكوصية، مثل إنكار الواقع المؤلم، والارتداد الطفولي نحو حلم الماضي الأسطوري ومحاولة استنساخ حلول سلفية منتهية الصلاحية لمشاكل حديثة بالغة التعقيد.

هذا النكوص هو التجسيد الأقصى لـ "البلادة التطورية"؛ حيث تستسلم قوى التطور والإبداع لقوى النكوص والتكوّص فالتنشئة الاجتماعية والبيئة الأسرية القائمة على القمع والتعليم التلقيني تولد تقييمات خاطئة للواقع ومشاعر إحباط وعقد عصابية متجذرة، تجعل الفرد يائساً، ومتبلداً، وفاقداً لأي استجابة ديناميكية لبيئته المحيطة.

بناءً على هذا التشريح السوسيولوجي والفلسفي، يمكن القول بيقين راسخ إن أزمة الشرق الأوسط ليست محض أزمة سياسية عابرة أو تعثراً اقتصادياً مرحلياً، بل هي أزمة وجودية متجذرة في البنية العميقة للعقل، وفي آليات إنتاج وتقييم المعرفة. إن "المجتمع العلمي" في المنطقة يعيش حالة من الاغتراب والتفكك؛ مجتمع تحكمه شكلانية مؤسسية مقيتة تلهث وراء الكم والترقيات الوظيفية الزائفة، متخلية عن جوهر النزاهة والمعايير الميرتونية الصارمة للعلم. هذا الخواء المعرفي جرد الأكاديميا العربية من قدرتها على قيادة قاطرة "العقلنة" المنشودة.

وتتوج هذه المأساة التاريخية بـ "بلادة تطورية" مرعبة، تمنع المجتمعات من استيعاب الصدمات وتوليد استجابات حضارية فاعلة، فتسوقها حتماً نحو النكوص العصابي، والتشرذم الطائفي، والنزيف المستمر لخيرة عقولها وأبنائها نحو المنافي.

إن كسر هذه الدائرة العدمية المفرغة لا يتحقق بالشعارات أو الإصلاحات الترقيعية، بل يتطلب استعادة الروح الراديكالية لـ "الفكر النقدي"، وتفكيك بنية "العقل المعصوب". هذا الفكر يجب أن ينطلق كضرورة وجودية لنسف البداهات والمسلمات، وتعرية سلطة المألوف، وتحرير الإنسان من قيود الأيديولوجيات الطاغية والعبودية المختارة. ويبدأ هذا المسار الشائك بإصلاح جراحي وعميق لمنظومة التعليم والبحث العلمي؛ إصلاح يعيد الاعتبار للجوهر على حساب الشكل، ويؤسس لبيئة تحتضن التنازع الفكري البناء، ليتحول العلم من مجرد أداة للاستعراض والاستهلاك الوظيفي إلى سلاح حقيقي وازن للتحرر، وبناء الذات، واسترداد الفاعلية في حركة التاريخ الإنساني.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم