عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

إبراهيم السعدي: صورة المرأة بين النص والأداء

تتغير صورة المرأة في العمل الفني تبعًا للوسيط الذي تنتقل عبره، فالمرأة التي يرسمها النص الأدبي بالكلمات قد لا تكون هي ذاتها التي تتشكل في فضاء الغناء والموسيقى والأداء. وبين النص المكتوب والصوت واللحن وحضور المؤدي أمام الجمهور، تتعدد الدلالات وتتغير زوايا النظر إلى الأنثى ودورها ووظيفتها داخل العمل الفني. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين «صورة المرأة في النص» و«صورتها في الأداء»، باعتبارها علاقة لا تكتفي بنقل المعنى، بل تعيد إنتاجه وتأويله. وتقدم تجربة كاظم الساهر نموذجًا غنيًا لهذه التحولات، لما تتيحه أغانيه من تفاعل واضح بين الشعر والغناء والموسيقى والأداء، وما تنتجه هذه العناصر مجتمعة من صور متعددة للمرأة.

وتُمثّل تجربة الساهر واحدة من أثرى وأعقد المحاولات الغنائية في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، حيث لم تكمن قيمتها الاستثنائية فقط في نجاحه بفك العزلة عن الشعر الفصيح ونقله من بطون الكتب وصالونات النخبة المغلقة إلى الفضاء المفتوح للشغف الجماهيري، بل تعدت ذلك إلى قدرته الفائقة على إعادة رسم صورة الحب والأنثى والذات في أذهان المتخيل العربي.

 وفي هذا العالم الغنائي الفسيح لا تأتي المرأة كعنوان أخير ومفرد لجميع الأغاني، فتجربة الساهر تتقاطع وتتشابك دائماً مع قضايا كبرى أخرى كالوطن، والحرب، والنزوح، والذاكرة، لكن المرأة تظل، بلا شك، البطل الأكثر حضوراً، وتأثيراً، وإثارة للجدل في مشروعه الموسيقي، ولفهم هذه الصورة بشكل دقيق لا يكفي أن نقف عند حدود الكلمات المكتوبة في دواوين الشعر، فالمرأة عند كاظم الساهر لا تُولد متكاملة المعالم في لحظة كتابة القصيدة فقط، بل تمر برحلة ممتدة من إعادة الصياغة والإنتاج الدلالي تبدأ من الشاعر (سواء كان نزار قباني، أو كريم العراقي، أو غيرهما)، مروراً بالنص الأدبي المكتوب، ثم المعالجة اللحنية والتوزيع الموسيقي الأوركسترالي، وصولاً إلى صوت الساهر وأدائه الجسدي على المسرح أمام الجمهور، وفي كل خطوة من هذه السلسلة تتغير زوايا الرؤية، وتظهر "امرأة الأغنية" مختلفة في بنيتها ووظيفتها عن "امرأة القصيدة"، حيث تظهر الفكرة الأبرز في هذه الرحلة عند المقارنة بين سلطة النص المكتوب وسلطة الغناء والموسيقى، إذ إن القصيدة المكتوبة – خصوصاً في الإرث الشعري لنزار قباني – تحمل في كثير من الأحيان نبرة خطابية حادة وتُمارس استعلاءً لغوياً أو رغبة ضامرة في الهيمنة والاستحواذ الذكوري، غير أن الساهر بمجرد أن يحول هذه الكلمات إلى ألحان وأداء حسي يقلب موازين القوى داخل الخطاب العاطفي، فنبرة صوته المحملة بالرجاء الشجي والانكسار مدعومة بالتوزيع الموسيقي المركّب الذي يجمع بين الوتريات الحادة وآلات النفخ التعبيرية تعمل على تفريغ النص من نبرته الذكورية المباشرة، لليتحول التحدي أو الغضب أو التعالي اللفظي الموجود على الورق على خشبة المسرح إلى اعتراف حار وصادق بضعف العاشق وهشاشته الإنسانية.

 لكن هذا التحول الموسيقي يطرح في الوقت ذاته سؤالاً نقدياً مهماً ينتمي إلى فهم أدوار النوع الاجتماعي؛ فهل نحن في أغاني الساهر أمام امرأة قوية تملك قرارها وفاعليتها بذاتها، أم أننا أمام صورة متخيلة صنعها الرجل بنفسه داخل خطابه الخاص؟

 يقودنا التحليل العميق للأغاني إلى ملاحظة أساسية؛ فعندما يصرخ المغني بكلمات مثل «المستبدة» أو يعلن خضوعه واستسلامه أمام «سلطة الأنثى»، تبدو المرأة ظاهرياً هي القوية والمسيطرة وصاحبة القرار، لكنها في الحقيقة تظل صامتة خارج هذا الخطاب، فالرجل هو وحده من يمتلك أدوات التحدث والتسمية والوصف وتوزيع الأدوار، هو من يمنحها صفة الاستبداد، وهو من يحدد أبعاد قوتها أو قسوتها بناءً على موقعه هو كمتلقٍ لهذه الأفعال، وبالتالي فإن قوة المرأة هنا ليست قوة نابعة من صوتها الخاص أو موقفها المستقل، بل هي قوة مشتقة بالكامل من ضعف الرجل وعجزه أمام الصورة التي رسمها لها في عقله ومخيلته، ومن هنا يمكن القول إن الساهر لم يطرح المرأة كشخصية حرة ومستقلة تماماً بالمعنى الحداثي بقدر ما أعاد تقديم الصورة الرومانسية التقليدية للأنثى بأسلوب أحدث وأكثر تعقيداً وجاذبية، فقوة المرأة هنا تُقاس دائماً بمدى أثرها في نفس الرجل وانكساره أمامها لا بوجودها المنفصل عنه، ولتوضيح هذه الديناميكية المزدوجة بين النص واللحن يمكن تقسيم صور الأنثى في تجربة الساهر إلى أربع حالات رئيسية تتشكل منها أغلب أعماله؛ الأولى هي «المرأة المثالية» ففي أغانٍ شائعة مثل «أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ» و«هل عندك شك؟» يرفع الغناء والكلمات المرأة إلى مكانة فريدة تجعلها أشبه بأيقونة مقدسة لا تطال، غير أن هذا التمجيد المفرط يعمل بطريقة غير مباشرة على تجريد المرأة من طبيعتها البشرية العادية وعالمها الواقعي فتصبح رمزاً مطلقاً للجمال المصنوع بفرشاة " العاشق" حيث لا نراها إلا من خلال ما تقدمه للرجل من امتلاء روحي.

 والحالة الثانية هي «المرأة المستبدة» وتظهر في أعمال مثل «المستبدة» و«أتحداكِ» و «المتمردة» كشخصية قاهرة ومسيطرة تُربك الراوي وتتحكم بمصيره، لكن عمق المفارقة يكمن في أن هذه القوة تُبنى وتُروى بالكامل من وجهة نظر الرجل نفسه، فقسوتها وطغيانها الغرامي ليسا إلا مرآة تعكس حجم التوسل والاحتياج العاطفي والضعف الذي يريد الساهر إبرازه في أدائه ليكون انكساره هو الحدث الدرامي الأهم، وتأتي الحالة الثالثة في «المرأة الغائبة» كما في الملاحم العاطفية الخالدة مثل «أنا وليلى» و«مدرسة الحب» حيث تحضر المرأة من خلال غيابها التام والنهائي، فهي غير موجودة كجسد أو كشريك متكلم بل تحضر كأثر مؤلم وفراغ ضاغط يمنحها سلطة هائلة محركة تدفع الرجل إلى الصراخ والشكوى وتصقل تجربته الفنية وتجعله يعيد تشكيل هويته وتاريخه لتتحول المرأة الغائبة إلى السبب الأول والأخير الذي من أجله يتشكل النص واللحن والمعنى.

 أما الحالة الرابعة فهي «المرأة المرغوبة» وتظهر في اعمال مثل واني احبكِ ، او قولي احبكَ، وفيها تتجاوز الأنثى حيز كونها مجرد موضوع للرغبة الحسية العابرة لتصبح مركز ثقل يعيد الرجل من خلاله اكتشاف نفسه، فالميل والتجاذب نحوها لا يكونان من أجل الهيمنة أو الاستملاك بل يكونان عملية استسلام تدفع الذات الذكورية إلى التخلي عن كبريائها التقليدي والتسليم بهشاشتها والاعتراف بأن هذا الرجل بكل قوته وكبريائه لا يمكنه الاكتمال إلا بوجود الآخر، لتصل هذه التحولات والمفارقات جميعها إلى ذروة تجليها على مسرح الغناء، فالأداء الحي لكاظم الساهر يتحول في كل حفلة إلى ما يشبه العرض المسرحي والدرامي المتكامل، حيث لا يعرض الساهر على المسرح المرأة كشخصية واقعية أو كذات متحدثة وموجودة بالفعل، بل يعرض الرجل وهو يتصارع ويتوسل ويستسلم للصلة المعقدة التي تربطه بصورة المرأة التي أنتجها النص وجسدها اللحن، فالجمهور الحاضر والمستمع لا يرى الأنثى الحقيقية بملامحها الواقعية، بل يرى انعكاسها المباشر في نبرة صوت المغني وجسده المتوتر وإيماءات يديه وحركاته التي تتصاعد وتهدأ مع حركة الأوركسترا. وهكذا تظل المرأة حاضرة بكثافة في تجربة كاظم الساهر، لا لأنها تُعبر عن نفسها بصوتها المستقل أو تملي شروطها الخاصة، بل لأنها المرآة الجمالية الكبرى التي يرى الرجل فيها أشواقه، وأزماته، ورغباته، وانكساراته أمام الفن والحياة. ومهما تنوعت القراءات حول تمثيل الأنثى في أعماله، يبقى قيصر الغناء العربي علامة فارقة واستثنائية؛ عبقري استطاع بصوته وإحساسه الرفيع وألحانه الساحرة أن يخلّد الشغف العاطفي في أبهى صوره، ليصنع أرشيفاً غنائياً آخذاً بالقلوب، تجتمع على جماله وجلاله أجيال المتعاطفين مع الفن الأصيل والموسيقى العابرة للزمن.

***

إبراهيم السعدي / باريس

في المثقف اليوم