قضايا
عبد السلام فاروق: صانع الذاكرة.. عبد الوهاب الأسواني
تأملات في الفقد والخلود
ماذا يحدث حين يرحل إنسان عن عالمنا هذا؟ بأي مكيال نقيس فراغه؟ هل هو المساحة الفارغة التي تركها خلفه في الفراغ؟ أم هو ذلك الصمت الثقيل الذي يستقر في المكان الذي كان يملأه بصوته الهادئ، الخافت، العميق؟ هذا السؤال نفسه راودني وأنا أشارك بالأمس في ندوة نادرة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، داخل قاعة امتلأت حتى آخر مقعد. امتلأت بأنفاس الكتاب والنقاد والقراء، ممن لم يأتوا في الحقيقة لشراء كتاب جديد، بل جاءوا لشيء آخر، جاءوا لاستعادة رجل، لاستحضار روح كادت تنسى في زحام الأسماء والأضواء والضجيج.
كان العنوان الرسمي للندوة يدور حول كتاب "عبد الوهاب الأسواني.. حكاء الجنوب" للروائي المبدع خالد إسماعيل، لكن الحضور كانوا يتحدثون بلغة أخرى غير لغة النقد الأدبي؛ لغة الحنين إلى الجذور في أرض تزلقت من تحت الأقدام بعواصف التغيير، لغة التوق إلى الطمأنينة التي يمنحها الأصل الثابت في زمن يحاول اقتلاع كل ما هو ثابت من جذوره.
والغريب، الغريب حقًا، أن عبد الوهاب الأسواني لم يكن يومًا من الأيام "نجمًا" بالمعنى التجاري المتداول في أوساطنا الثقافية المألوفة. لم تملأ صورته الصفحات الأولى للصحف، ولم تعلُ صيحته في المعارك الأدبية الصاخبة التي تشبه معارك الاستعراض أكثر مما تشبه معارك الفكر، ولم يلهث وراء الأضواء أو يبحث عن أضواء جديدة. كان يشبه، إلى حد بعيد، تلك الأشجار المعمرة العملاقة التي تظلل قرى الصعيد ونجوعه؛ جذورها مغروسة في أعماق الأرض، وظلها وارف ممدود، ووجودها بديهي لدرجة أنك لا تدرك قيمتها الحقيقية ولا تعرف عمقها إلا حين تقلع فجأة، فتنكشف المساحة الشاسعة التي كانت تشغلها، وتظهر الشمس الحارقة التي كانت تردها عنك. وهذا بالضبط ما حدث. رحل الجسد الفاني، ولكن بقيت المساحة الشاغرة التي كان يشغلها، ذلك الفراغ الشاهق الذي يحكي بحضوره الغائب عن حجم الرجل الحقيقي، عن حجم ما كان يملأه من فراغنا.
لنبدأ من نقطة أولى، تمس شرائح عريضة من أبناء أمتنا ممن اختاروا، أو اضطروا، لسلوك طريق مختلف للتعلم. فقد توقف التعليم الرسمي للأسواني عند شهادة الثانوية العامة. كم هو مألوف هذا النموذج في مجتمعاتنا العربية التي كثيرًا ما تحكم على الإنسان من خلال حدود شهادته، فتختزله فيها! لكن ما هو غير مألوف إطلاقًا، بل هو استثنائي ونادر، هو ما فعله الرجل بعد ذلك. ففي مدينة الإسكندرية، بين رفوف المكتبات العتيقة التي تفوح برائحة الورق القديم، وفي مجالس المثقفين والأدباء التي كانت ندواتها جامعة شعبية حقيقية، شرع هذا الشاب في صناعة تعليمه بيديه. كان يبني، بوعي وصبر، معمار معرفته لبنة لبنة، بلا مهندس رسمي يرسم له المخطط، وبلا منهج معتمد يحدد له المسار، وبلا شهادة في النهاية تعلن عن تخرجه. إن نظرة متأملة إلى هذا المسار الفردي في عصرنا الحالي، حيث نقدس الشهادات ونتناسى جوهر العلم، تكتشف أن نموذج عبد الوهاب الأسواني يمثل ثورة صامتة على تلك المقولات الجاهزة. إنها ثورة تذكرنا، في صبر وأناة، بأن العقل الجائع للعلم أقوى وأبقى أثرًا من المنهج الممتلئ بالحفظ والتلقين، وأن شغف القلب بالمعرفة يتجاوز كل الأطر المؤسسية الجامدة، ويهدم كل الأسوار التي تبنى حول المعرفة لتكون حكرًا على فئة دون أخرى. أليس محيرًا حقًا أن نظامنا التعليمي ينتج ملايين الخريجين سنويًا، بينما يندر أن تجد بينهم من يلتهم المعرفة بنهم الأسواني وعشقه الأولي لها؟ ربما يكمن الجواب في أننا علمنا الأجيال كيف يجتازون الامتحانات، وكيف يحصدون الدرجات، ولكننا للأسف، لم نعلمهم كيف يحبون المعرفة لذاتها، وكيف يجعلون منها رفيق عمر ودرب، نورًا للعقل وغذاء للروح.
وما أدهشني حقًا في قصة روايته الشهيرة "سلمى الأسوانية" ليس النجاح الأدبي الذي حققته وحسب، إنما التوقيت التاريخي والنفسي الدقيق الذي صدرت فيه. ففي اللحظة التي كان العالم كله ينظر فيها إلى أسوان النوبية - أسوان الضحايا والضياع والغرق تحت مياه بحيرة ناصر بسبب بناء السد العالي - جاء عبد الوهاب الأسواني ليكشف للمصريين وللعالم عن أسوان أخرى، مختلفة وغنية ومدهشة. أسوان القبائل العربية والعائلة الأنصارية، أسوان التاريخ المختلف والمتعدد والغني الذي طمس وتوارى تحت وطأة الرواية الأحادية، رواية الضحايا وحدهم. هذا الفعل، في صميمه، هو سياسة بالمعنى الأعمق والأشمل للكلمة؛ إنه رفض جذري للصورة النمطية الأحادية، وإعلان صريح بأن الأرض أكبر وأعقد من أن تختزل في رواية واحدة، مهما بلغت قوتها وجمالها. وكما قال الناقد سعد القليعي، فإن الأسواني "اكتشف أسوانًا للمصريين أنفسهم". كم هذه العبارة مؤلمة ومفرحة في آن واحد! مؤلمة لأننا في الواقع نحتاج لمن يكتشف لنا أجزاء من وطننا قد غيبها التناول السطحي أو الإهمال المتعمد، ومفرحة لأن هناك، على الدوام، من يملك الجرأة الفكرية والأمانة التاريخية لفعل ذلك، من يملك الشجاعة ليقلب الطاولة على الرواية الرسمية، ويكشف عن الثراء المختبئ تحت السطح.
وفلسفته في الإبداع، التي لخصها في عبارته الشهيرة "عِش سنةً علشان تكتب شهرًا"، تحمل في طياتها نظرية كاملة في الإبداع والحياة. إنها تضع العملية الإبداعية في مكانها الحقيقي، فهي نتيجة طبيعية حتمية لتجربة إنسانية غنية، عميقة، ممتدة. الفرق هنا جوهري وخطير. فمعظمنا اليوم، في زمن التسليع السريع والنجومية الفورية، يريد أن يكتب ليقال إنه كاتب، بينما كان الأسواني يكتب لأنه عاش حياة تستحق أن تروى. لنتخيله كأنثروبولوجي متمرس، ينزل إلى مجتمعه لا بوصفه مراقبًا خارجيًا منعزلاً في برج عاجي، بل كجزء حيوي منه، كخلية في هذا الجسد الاجتماعي الكبير. يمتص التفاصيل الصغيرة، يتنفس الصراعات الخفية، يعيش التناقضات اليومية بكل جوارحه وقلبه، ثم بعد ذلك كله، بعد أن يمتلئ حتى الحافة بالتجربة، يجلس ليكتب. فالفرق بين هذا النموذج، نموذج الكاتب الذي هو جزء من المادة التي يكتب عنها، وبين الكاتب الذي يجمع "مادة خام" لرواية من هنا وهناك، هو فرق السماء عن الأرض. الأول يكتب من داخل التجربة الإنسانية، من القلب النابض بالحياة، والثاني يكتب عن التجربة من خارجه، كطائر يحلق في السماء وينظر إلى الأرض من بعيد.
وهنا بالضبط تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى للإبداع المعاصر. اليوم، بينما تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي وتتسارع وتيرة الحياة إلى درجة الجنون، صار المحتوى هو الملك. المطلوب أن نكتب بسرعة، أن ننتج بغزارة، أن ننشر بأسرع ما نستطيع، نطلب التفاعل الفوري، الإعجاب اللحظي، النجومية العابرة. لكن الأسواني يذكرنا، كنداء يأتينا من زمن آخر أكثر هدوءًا وعمقًا، بأن الفن الحقيقي، كالكائن الحي، يحتاج إلى فترة حضانة طويلة، يحتاج إلى أن ينضج ببطء، كالجنين في رحم أمه، لا يمكن استعجال نضجه دون أن يخسر العمل روحه وعمقه وإنسانيته، دون أن يتحول إلى قشرة جوفاء، جميلة المظهر، خاوية الجوهر.
وإذا انتقلنا إلى نظرته للتاريخ، فإنه يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: "التاريخ يجري في العروق". ففي روايته الخالدة "كرم العنب"، التاريخ ليس مجرد أحداث كبرى وأسماء عظيمة تحفظ في الكتب وتدرس في الجامعات. التاريخ عند الأسواني كائن حي ينمو ويعيش ويتطور ويؤثر في حياة الناس البسطاء، وقرارات بعيدة تتخذ في قصور الحكم تتحول في نهايتها إلى مصائر شخصية مؤلمة أو مفرحة لأهل النجوع البعيدين. هذه هي القوة الحقيقية الساحرة لأدبه؛ قدرته الفذة على جعل التاريخ تجربة إنسانية حية نعيشها نحن اليوم، نلمسها بأيدينا، نشم رائحتها. هو يعلمنا، من خلال شخصياته الواقعية التي تشبهنا ونشبهها، أن الماضي ليس وراءنا، إنه حاضر يعيش فينا؛ في عاداتنا، في طباعنا، في صراعاتنا الداخلية، وحتى في أحلامنا وأمنياتنا وخيباتنا. التاريخ عنده نبض متدفق يتواصل عبر الأجيال، يحمل معه الحكايات والدماء والذكريات والدمع والفرح، وليس مادة جامدة محنطة في الكتب المدرسية الجافة التي تفرغ الحدث من إنسانيته.
وهنا، عند مسألة الهوية، يصبح عبد الوهاب الأسواني أكثر من كونه كاتبًا بارعًا؛ فهو يتحول إلى نموذج حي، إلى حالة دراسة لإشكالية كبرى تعيشها أمتنا كلها. فهو العربي الأنصاري، وهو المصري، وهو ابن الحضارات المتعددة في الجنوب. كيف جمع كل هذه الهويات في نفسٍ واحدة دون أن تنفجر تناقضًا؟ الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد، لأنه لم ير تناقضًا حيث رأى الآخرون تناقضًا، لم ير تعارضًا حيث اعتقد الكثيرون أن هناك تعارضًا. كانت الهوية عنده إثراء واتساعًا، لا سجنًا وانحصارًا. فانتماؤه القبلي المتجذر لم يمنعه من الانتماء المصري الأوسع، وانتماؤه المصري الثابت لم يلغ انتماءه الإنساني الشامل لكل بني آدم، مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم ولغاتهم.
اليوم، تحاول تيارات شتى، بوعي أو بغير وعي، اختزال الهوية في بعد واحد ضيق؛ سياسي أو ديني أو عرقي. فيأتي الأسواني ليقول لنا، من خلال حياته قبل أدبه، إن الهوية الحقيقية هي تلك التي تتسع لتضم ولا تفرق، التي تثرى بالتنوع ولا تضيق بالاختلاف. هو الذي قال – في جرأة المثقف الواثق من فكره – إنه يتعاطف مع أبناء الديانات "التي يسمونها وثنية". ولننتبه جيدًا إلى دلالة العبارة: "التي يسمونها". فهناك اعتراف ضمني عميق بأن هذه التسميات مجرد اصطلاحات بشرية قابلة للجدل والنقاش، وأن الجوهر الإنساني المشترك، جوهر البحث عن المقدس وعن معنى للوجود، يتجاوز هذه الاصطلاحات والحدود الضيقة. في زمن يموت فيه الناس وتزهق الأرواح كل يوم بسبب اختلافات في الدين أو المذهب أو العرق، يقدم الأسواني نموذجًا فريدًا للتسامح الذي لا يقوم على الضعف أو المسايرة أو المجاملة، إنما على القوة المعرفية والوجدانية المتجذرة، على يقين أن التنوع هو سنة الحياة، وأن محاولة توحيد البشر على نسق واحد هي محاولة ضد الطبيعة، محكوم عليها بالفشل.
ولعل موقفه الشهير، الصارم، من تحويل روايته "كرم العنب" إلى عمل تلفزيوني، يظل درسًا أخلاقيًا وفنيًا نادرًا في زمننا الذي تطغى فيه القيم المادية والمصلحية. كم منا كان سيفعل مثله؟ في وقت باتت فيه الفرص قليلة على الكتاب، وحيث يتشبث المبدعون بأي فرصة للظهور والانتشار والشهرة التي قد تأتي بالمال أيضًا، يأتي هذا الرجل فيرفض فرصة ذهبية، لأن مبدأه الأخلاقي والفني يقول له: روح المكان لا ينقلها إلا ابن المكان. هذا الموقف، الذي قد يراه البعض غريبًا أو متطرفًا أو حتى غير عملي، يحمل في طياته فلسفةً كاملة عن العلاقة بين الفنان وعمله؛ إنه رفض صارخ، علني، لفكرة أن العمل الفني سلعة قابلة للتداول والتشويه بأي ثمن. فهناك كرامة للعمل الإبداعي، وكرامة للجذور التي استقى منها، وكرامة للحقيقة التاريخية والاجتماعية التي يحاول الفن نقلها. إنه يشبه الأب الحريص الذي يرفض أن يسافر بابنه إلى مكان لا يفهم لغته ولا ثقافته، خشية أن يضيع الولد في غربة التشويه والابتذال، وأن يفقد روحه التي تربى عليها. هنا، في هذا الموقف بالذات، تلتقي الأخلاق بالجماليات لتشكلا نظرية إبداعية متكاملة، لا انفصال فيها بين القيمة الفنية العالية والقيمة الأخلاقية السامية. إنه إعلان أن الجمال الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن الحق وعن الخير.
واستمرارًا للمسيرة، فإن كتاب "عبد الوهاب الأسواني ..حكاء الجنوب" للروائي المبدع خالد إسماعيل - وهو النص الذي دارت حوله هذه الأمسية النادرة - هو في ذاته استمرار حي، وتطبيق عملي، لفلسفة الأسواني نفسه في الوفاء والعمق والالتزام. فالوفاء هنا منهج ورؤية فلسفية عميقة. فكيف تكتب عن رجل عاش حياته كلها ملتزمًا بمبادئه، صارمًا في أخلاقياته الفنية؟ لا يمكنك ببساطة، إلا أن تلتزم أنت أيضًا بمبادئ صارمة في الكتابة عنه. هذا ما نفتقده اليوم، وبمرارة، في ثقافتنا العربية: الاستمرارية الحقيقية، التوارث الحقيقي للمعرفة والمنهج والأخلاق. فنحن نستهلك الشخصيات ثم ننساها بسرعة، نمر على التجارب مرور الكرام كالسائح العابر الذي يلتقط الصور ثم يمضي. لكن كتابًا كهذا يأتي ليقطع هذه الدورة القاتلة، ليؤسس لعلاقة مختلفة بين الأجيال؛ علاقة ليست قرابة دم فحسب، بل قرابة روح وفكر ومنهج في رؤية العالم وفي التعامل معه. إنه جسر من الضمير الحي، يصل الماضي بالحاضر، ليسكن الحاضر في المستقبل.
وفي النهاية، تتلخص فلسفة عبد الوهاب الأسواني الإبداعية والوجودية في تلك العبارة الذهبية التي صارت دستورًا لمن يريد أن يكتب بحق: "عِش سنة علشان تكتب شهرًا". إنها دعوة صريحة، واضحة، صادمة في بساطتها، إلى العيش العميق الحقيقي، إلى الوجود الواعي في العالم، إلى التجريب والاحتكاك بالحياة بكل ما فيها من حلو ومر، من بهجة وألم، قبل أن نحاول روايتها أو تقليدها أو حتى فهمها.
بالأمس احتشدت الأمسية الثقافية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب بأنفاس المحبين والمشتاقين لتذكره، كان كل حاضِر، بوعيه أو بلا وعي، يبحث عن شيءٍ ما مفقود: عن جذور في عالم بلا جذور، عن عمق في عالم سطحي يلهث على السطح، عن صدق في عالم من التمثيليات والأقنعة والادعاءات. عبد الوهاب الأسواني رحل بجسده الفاني، لكن صخر الذاكرة الذي نحته بأنامله الماهرة، بصبر النحاتين العظام، يظل قائمًا شاهدًا على زمن آخر، وعلى إمكانية أخرى للإنسان وللفن. والأهم من ذلك، أن أدوات النحت التي استخدمها - الصبر، العمق، الاحترام للتفاصيل الصغيرة، الحب الشغوف للإنسان في وضعه العادي البسيط – تظل متاحة ومعروضة لكل من يريد أن يستخدمها، لكل من يريد أن ينحت ذكراه هو في صخر الزمن.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الأن هو: هل لا نزال نعرف كيف ننحت في الصخر؟ أم أننا، في غمرة السرعة والسهولة والاستهلاك، صرنا نفضل الصور الفوتوغرافية السريعة العابرة على المنحوتات البطيئة الخالدة؟ الإجابة، كما كان يقول الأسواني نفسه، لا توجد حبيسة في صفحات الكتب وحدها، لأنها تكمن، في المقام الأول والأخير، في كيف نعيش حياتنا، في كيف نصنع من أيامنا العادية ذاكرةً تستحق البقاء، في كيف نتحول، نحن أيضًا، إلى صناع للذاكرة.
***
عبد السلام فاروق







