عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

انتهى بنا المساق الماضي مع (ذي القُروح) إلى أنَّ أرباب التيَّار، الذي يُسمَّى ليبراليًّا- وهو في الأكثر لا من الليبراليَّة في شيء ولا من الأدب، بمقدار ما هو في صراع نفسيٍّ واجتماعيٍّ مؤدلَج- يُقدِّم مواعظه؛ فهو واعظٌ، بدَوره، ومن وجهة مَيله ونظره، أو قُل: هو داعيةٌ أيديلوجي. ذلك أنَّ أدعياء الحُرِّيَّة، والليبراليَّة، والعلمانيَّة، العَرَب منهم بخاصَّة، قد يعجبك خطابهم نظريًّا، لكن سرعان ما تكتشف أنه خطاب أُصولي مسيَّس أو مؤدلَج، كخطاب غيرهم، فلا حُريَّة هنالك ولا ليبراليَّة ولا علمانيَّة! لأنَّ هؤلاء كأولئك، أبناء البرمجة التربويَّة نفسها، التي ترَى: أنْ لا مكان في الوجود إلَّا للكراسي الأصوليَّة؛ ومن ثَمَّ فلا سبيل إلَّا بالانتقال من كرسيٍّ أصوليٍّ إلى آخَر! قلتُ:

ـ وبمناسبة مصطلح (العلمانيَّة)، هل ظلَّ له من معنى في عالمنا العَرَبي؟

ـ اضطرب العَرَب في ترجمة مصطلح (العلمانيَّة) اضطرابًا واسعًا، في مقابل المصطلح الإنجليزيSecular ، علماني، وSecularism، علمانيَّة. والشائع أنه يعني العِلميَّة، بكسر العَين، أي: عدم الإيمان إلَّا بالعِلم، وما يدلُّ عليه. على حين أنَّه يشير إلى الدُّنيويَّة، واللَّا دِينيَّة، أو عدم المبالاة بالدِّين ومقتضياته.

ـ كان بإمكان مترجم هذا المصطلح أن يختار مفردة أخرى بعيدة عن ذلك اللَّبس في المصطلح العَرَبي، يشير إلى التجرُّد من العواطف الدِّينية.

ـ ولاسيما أنَّ كلمة (Secular)  تبدو كأنَّها كلمة عَرَبيَّة!

ـ كيف؟

ـ لأنَّها تشير إلى السَّكِّ، وهو السَّد، مثل الصَّك. حتى إنَّ الناس باللَّهجة المِصْريَّة يصفون الإنسان غير المبالي بأنه: «راجل سَكَّة»، وحين تسألهم عن معنى هذه الكلمة، يقولون: معناها أنَّه «أيّ كلام»! والعلماني كذلك؛ لا يقيم وزنًا لا لدِين ولا لقيم اجتماعيَّة مرعيَّة.  ومن ثمَّ، يَصِحُّ القول إنَّ العلمانيَّ: رجل سَكَّة، مُنْسَكٌّ/مُنْصَكٌّ عن سِوَى مصالحه الدُّنيويَّة.

ـ هل نقول (السَّكَّة Secular) و(السَّكِّيَّة Secularism)، بدل (العلماني) و(العلمانيَّة)؟

ـ سبق السيف العذل! أمَّا بشأن الرواية العَرَبيَّة، التي كانت منطلق هذا النقاش في المساقات السابقة، فالحقُّ أنَّ معظمها ليست بأدبٍ، أصلًا، بمقدار ما هي مطايا لمواعظ فكريَّة، واجتماعيَّة، وأيديولوجيَّة. بل معظم كاتبيها لا يُحسنون قواعد العَرَبيَّة! فأيُّ أدبٍ ذاك؟!

ـ باتت الركاكة تُنعَت بالتجديد، والعِيُّ اللُّغوي يوشَّح بوسام الحداثة، والعُجمة توصف بالطليعيَّة، والسُّوقيَّة تقدَّم في زِيِّ التنوير والإبداع.

ـ في وقتٍ تُنعَت اللُّغة العَرَبيَّة السليمة والرصينة بأنها لُغة اتباعيَّة تقليديَّة. ولا عجب، فالمعوَّق يعاني من نزوع قَسْريٍّ نحو الدفاع عن شعوره بالنقص، بمهاجمة الأسوياء، في حالة نفسية من (الإسقاط Projection)، بالمفهوم (الفرويدي). وأيُّ عُجمةٍ أشدُّ من نصٍّ متفرنس، على سبيل النموذج، تكاد لا تفهم منه شيئًا، يأتيك بعنوان «ليلة الفلق»، لمستغرب عَرَبي؟! صاحبه قطعًا لا يُحسِن اللُّغة العَرَبيَّة، بدليل كتاباته ومؤلَّفاته، ثمَّ بدليل آخَر تجده من لقاءاته المسجَّلة، حتى إنَّه في بعضها قد يسأله المحاور باللُّغة العَرَبيَّة فيجيب بالفرنسيَّة!

ـ لماذا لا يكتب هذا بالفرنسيَّة، إذن، ليُترجَم عمله إلى العَرَبيَّة، إنْ كان حريًّا بالترجمة أصلًا؟ بدل أن يكتب بلغةٍ، لا أعجمية ولا عَرَبيَّة!

ـ هذه حال العَرَب مع لغتهم اليوم! وهو يوم، كما قال الشاعر: «مثل سالفةِ الذُّبابِ»! لا لقِصَره وطِيْبِه، بل لقِصَره وطِيْنِه، المطيِّن بستين طِينة!

ـ حال استلابٍ مخجل، وعبوديَّةٍ حُرَّةٍ للغرب والشرق. غير أنَّ الغرب أوَّلًا، وهو أَولى؛ من حيث هو سيِّد الأمس واليوم والغد!

ـ لذا حينما تزور عاصمة عَرَبيَّة، لا تستطيع تمييز هويَّة أهلها، لولا كتابة اسمها بالحروف اللاتينيَّة على مدخلها في المطار. يظن هؤلاء المساكين أنهم سيصبحون كالغرب حضارة ماديَّة إنْ تحدَّثوا بلغةٍ غَرَبيَّةٍ مكسَّرة، وإذا مَلؤوا شوارعهم بلوحاتٍ بالحروف اللاتينيَّة، بألسنة مستعمريهم في القرن العشرين والحادي والعشرين، فسمَّوا «وسط البلد»- كما كنا نسمِّيه أيَّام الجاهلية العَرَبيَّة- مثلًا: Downtown! لتشعر، أيُّها المواطن العَرَبيُّ المغلوب على لُغته، أنَّك تعيش في عاصمة التُّجار الأوباش (منهاتن)!

ـ لماذا هذا المنحدَر؟

ـ لأنَّ هؤلاء لا يدركون مَن هم؟ هذا إن كانوا عَرَبًا حقًّا! ولا يَعُون إلى أيِّ أُمَّة ينتمون؟ ولا أنَّ من يحاكونه لا يحترمهم، بل يزدريهم، وينظر إليهم كعبيد خانعين بالفعل، ثقافيًّا وعُنصريًّا. لكنَّهم يستمرؤون هذا وذاك. وستراهم يحاربون مَن يسعَى إلى إيقاظهم لتحريرهم من العبوديَّة. وهذه طبيعة راسخة دلَّ عليها التاريخ. فقديمًا قيل إنَّ المستعبدين في (الولايات المتَّحدة الأميركيَّة) رفضوا المحاولات التحريريَّة في عهد الرئيس الجمهوري (أبراهام لينكلون، - 1865)، الذي مات اغتيالًا، عن 56 سنة. وبدل أن يثوروا لتحرير أنفسهم بأنفسهم ثاروا ضِدَّ لينكلون لاستبقاء عبوديَّتهم. لأنَّ الحُرِّيَّة مسؤوليَّة، والعبوديَّة زريبة، يعيش فيها المستعبَد كدابَّة، يأكل ويشرب مجانًا، وربما يتكاثر أيضًا، وسوف يذبحه سيِّده متى شاء، ولكن ربما لم يشأ، فمنَّ عليه بالحياة وأعفاه من سكِّينة عيد الفِصح أو عيد الذَّبح الكبير. أمَّا الحُرِّيَّة، فمسؤوليَّة، وأمانة، ومواجهة، وتهديدٌ دائم. «لولا المشقَّة سادَ الناسُ كلُّهم»، كما قال جدُّك (أحمد بن الحسين)!

ـ أكثر من هذا أنَّ التردِّي اللُّغوي قد طال لغة التواصل مع الآخَر، ترجمة منه وإليه!

ـ التخلُّف بنية واحدة! نعم، لقد تردَّت الترجمة اليوم بتردِّي اللُّغة العَرَبيَّة والناطقين بها، إنْ كانوا ما زالوا ناطقين. غير أنها أفضل حالًا في غير عالمنا العَرَبي، وتلك مفارقةٌ دالَّة!  وإنْ شِئتَ شاهدًا على هذا، فما عليك سوى موازنة ترجمات بعض القصص العالميَّة، كقصص الروسي (أنطون تشيخوف)، نموذجًا، منشورةً في بعض المجلَّات العَرَبيَّة، خلال العقود الأُولى من القرن العشرين، مثل «المقتطف»، أو «الرسالة»، وغيرهما، بترجماتٍ لاحقةٍ للقاصِّ نفسه أو غيره، تكاد لا تفهم منها شيئًا؛ لأنَّها مكتوبة بلغةٍ شوهاء، لا عَرَبيَّة ولا أعجميَّة! وما تَردِّي الترجمات في العقود الأخيرة إلَّا وليد عاملين: تردِّي اللِّسان العَرَبي، وتحوُّل الترجمة في معظمها إلى تجارةٍ صِرف، كأكثر الأشياء في حياتنا اليوم. مع أنَّ المترجِم يأتيك مُقْعَنْسِسًا بأعلى الشهادات الجامعيَّة العُليا، ومدجَّجًا بأسمَى الألقاب، فيما عمله، ترجمةً، لا يدل على شيء ممَّا يدَّعي، بل هو، بالأحرى، لا يرقَى إلى مستوى ترجمة تلميذٍ كسولٍ في أحد أقسام اللُّغات والترجمة المتواضعة! وأفدح من هذا، أن تقرأ كتابًا في «تاريخ الأدب العَرَبي» لأستاذٍ جامعيٍّ، عمل- إلى أن توفي بجلطةٍ لُغويَّة- في أحد أقسام اللُّغة العَرَبيَّة في جامعة من جامعاتنا «العريقة»، فإذا أنت تقف على ما لا يصدِّقه عقل من الأخطاء اللُّغويَّة والأسلوبيَّة، وربما النحويَّة، التي لا تُقبل من طالبٍ في ذلك القسم. فما أعجب حالنا وحال اللُّغة العَرَبيَّة في عالمنا العَرَبي البائس!

ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرَّ في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هو عليه؟!

ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ

حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!

تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. سأحكي لك سالفتها في المساق المقبل، إنْ شاء الله.

* مرفأ:

أَرَىٰ هٰـذا الزَّمَـانَ أَبـًـا وأُمـًّـا

وأَشْبَـهَ بِالفَـتَىٰ عَـمًّـا وخَـالا

وقِـيْمَةُ كُـلِّ جَارِحَـةٍ جُـرُوْحٌ

تَبَـسَّـمُ بَـرْقُـهـا فِـيْـنـا خَـيَـالا

ولَوْلا غِـشُّ نَفْسِكَ ، يا جَهُوْلًا

لِنَـفْسِكَ، ما انْطَفَأْتَ فَـتًىٰ سُؤَالا

وكَمْ ذَا غَـشَّ مُهْـجَـتَـهُ أَمِـيْنٌ

ونَارُ جَـهَنَّمٍ تَـفْـلِـيْ القَـذَالا!

فلا تَسْمَعْ إلىٰ مَنْ صَاحَ: «إِنِّي...»،

وقِفْ وارْفَعْ لِوَا «إِنِّي» النِّضَالا

تَـمِيْدُ طُلَىٰ الدَّعَاوَىٰ كالزُّرَافَىٰ

وتَـقْصُرُ فـي تَطَاوُلِـهَا فَـعَـالا

فلا تَعِــدَنْ، فإنَّ الوَعْـدَ وَغْـدٌ

إذا جَـابَـلْـتَـهُ اقْـتَـادَ الجِـبَـالا

ووَعْـدُ الحُـرِّ يَمْلِكُـهُ كَعَـبْـدٍ،

وحُـرًّا باشِقًا يَـخْفِـيْ المُحَالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

ثمة آمال وتطلعات كبرى، معقودة على التعليم بكل مستوياته في كل الأمم والشعوب.. لأنه حجر الأساس لكل مشروعات التطور والتقدم.. فالتجارب الإنسانية جميعها، بشكل لا لبس فيه، تثبت أن تقدمها الاقتصادي والعلمي والحضاري، كله مرهون بتطوير عملية التربية والتعليم في مجتمعها..

فالتعليم هو الوسيلة الكبرى والفعالة، لانجاز مفهوم الاندماج والانسجام بين مختلف أطياف ومكونات المجتمع.. وهو الذي يهيئ الكوادر البشرية والكفاءات الإنسانية القادرة على بناء التطور والقيام بخطوات ملموسة في مشروع التقدم..

ومشروعات التنمية بكل مستوياتها، هي بحاجة بشكل دائم إلى تطوير التعليم بكل مراحله، حتى تردم الفجوة بين ما يأخذه الطالب في قاعات الدرس وحاجات السوق..

وبكلمة: إنه لا تقدم في أي مجتمع، وفي أي مجال من مجالات الحياة، بدون تطوير التعليم ومناهج التربية والتنشئة الوطنية..

وتنبع ضرورة الاهتمام بالعملية التربوية والتعليمية، من أن التعليم هو حجر الزاوية في مشروع التقدم والتطور الاجتماعي والثقافي..

فلا تقدم بلا تطوير تعليمي، ولا نجاح وطني، بدون العمل على بناء أسس متينة للعملية التربوية والتعليمية..

لهذا فإننا نعتقد أن التعليم هو أساس التقدم، وهو سبيلنا، لكي يكون لنا مكان تحت الشمس..

وعليه فإن الخطوة الأولى في مشروع التقدم هو العناية بالتعليم، لأن العناية به، هو مؤشر هام للقبول بأهمية وظيفة ودور العملية التعليمية في بناء التقدم الاقتصادي والاجتماعي..

ولكي تنجح في عملية التعليم،نحن بحاجة إلى حواضن مجتمعية تناقش مسائل التعليم، وتعمل على خلق المناخات الاجتماعية الإيجابية.. لهذا فإننا نقول: أن تطوير التعليم ضرورة وطنية وحضارية.. ووجود أصوات أجنبية، تطالب بتغيير بعض مناهج التعليم أو تطويرها، ينبغي أن لا يمنعنا من الاقتراب من هذا الملف الهام والحيوي..

نحن بحاجة إلى تطوير مناهجنا التعليمية، وهذه الحاجة ذاتية ووطنية.. لأننا كمواطنين نحن المستفيدون الوحيدون من عملية تطوير المناهج التعليمية..

لأنه لا يصح بأي حال من الأحوال، أن نواجه تحديات العصر ومتطلباته العلمية والتقنية بالإصرار على إبقاء ما كان على ما كان..

فالمجتمعات المتقدمة باستمرار، هي تفحص مناهجها التعليمية والتربوية، وتعمل عبر خبراء متميزون في التربية والتعليم، إلى إدخال تطويرات على المناهج التعليمية والتربوية بشكل سنوي ودائم..

فالمطالبة بتطوير التعليم، هي حاجة وطنية، ومن الضروري أن ننصت لهذه الحاجة.. لأن في عملية التطوير استجابة حيوية لمتطلبات التنمية الوطنية، وقراءة سليمة لتطورات العصر ومكاسب الحضارة الحديثة..

وعليه فإن المجتمعات التي تطمح إلى التقدم والتطور باستمرار، فإنها تمارس بشكل دائم عمليات الفحص والنقد والتطوير لمناهجها التربوية والتعليمية.. ولا تجد في هذه الممارسة، أي انتقاص لأي أحد.. لأن عملية التطوير هو القانون الثابت الذي ينبغي أن يسود في إدارة العملية التعليمية بكل مستوياتها..

فالعلاقة بين تطوير التعليم والتقدم بكل دوائره، هي علاقة السبب بالنتيجة.. فلا تقدم بدون تطوير مناهج التعليم، وأي تراجع على مستوى تطوير التعليم، سينعكس سليا على كل مشروعات التنمية والتقدم في مجتمعنا..

فالتقدم ليس رغبة مجردة، وإنما هو بناء متواصل للنفوس والعقول.. وهذا لن يتأتى بدون تطوير المناهج التربوية والتعليمية.. وحينما نقرأ تجارب الدول والمجتمعات، التي انتقلت من طور لآخر، واجترحت لنفسها تجربة لتطورها وتقدمها العام.. نجد أن من أهم وأوائل الخطوات التي قامت بها، هي تطوير التعليم في مجتمعها.. ففي التجربة اليابانية نجد أن من أوائل الخطوات التي قام بها الإمبراطور (ميجي) والذي يعد عصره، هو نقطة الانطلاق في مشروع التقدم العلمي والصناعي الياباني، هي تطوير المناهج التربوية والتعليمية اليابانية.. وفي جمهورية ألمانيا الغربية، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية محطمة القوى، نجد أن تطوير التعليم هي من أوائل الخطوات التي قام بها الألمان للخروج من التداعيات الكارثية للحرب العالمية الثانية..

وفي الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا في بداية عقد الستينيات من القرن المنصرم، وبعد تداعيات أزمة خليج الخنازير، تداعت الإدارة الأمريكية للانخراط في مشروع إصلاح وتطوير التعليم..

وغيرها من التجارب التي تثبت أن مشروع التقدم العام، في أي مجتمع من المجتمعات، لا يمكن أن يتحقق بدون الانخراط في مشروع تطوير التعليم بكل مراحله ومستوياته..

من هنا فإننا من الضروري أن نؤكد في هذا السياق على النقاط التالية:

1-  إن الدعوة إلى ضرورة تطوير التعليم كسبيل إلى القبض على أسباب التقدم في مجتمعنا ووطننا، يقتضي العمل على إعطاء مشروع إصلاح وتطوير التعليم أولوية وطنية، لأنه من أهم المشاريع الوطنية، التي تستحق الدعم والرعاية وبذل الجهود النوعية..

لأن مشروع تطوير التعليم، ليس مسألة بسيطة وهينة، وإنما هو من المشروعات الوطنية، التي تتطلب تضافر جميع الجهود والطاقات، من أجل الوصول إلى نتائج ملموسة على صعيد التطوير..

لهذا فإن الخطوة الأولى على هذا الصعيد، هو إعطاء هذه المسألة أولوية وطنية قصوى..

2-  إن عملية إصلاح وتطوير التعليم الوطني، ليست عملية عشوائية أو سهلة المنال، وإنما هي بحاجة إلى خبراء ومتخصصون في التربية وصناعة المناهج، حتى نتمكن من الوصول إلى نتائج إيجابية على هذا الصعيد..

لهذا فإننا ندعو إلى خلق ورش فكرية وتربوية وطنية متخصصة، تستهدف بموضوعية وهدوء فحص المناهج التعليمية وتقويمها، وتحديد نقاط الضعف فيها كمقدمة ضرورية لتحديد معالم التطوير في المناهج التعليمية الوطنية..

فعملية التطوير التعليمي، تتجاوز مسألة أن يقوم أحد العلماء أو المختصين بكتابة منهج تعليمي جديد، وإنما هي بحاجة إلى مؤتمرات وطنية وورش فكرية وتربوية متخصصة، تناقش كل عناصر العملية التعليمية، حتى تتبلور عمليا واجتماعيا آفاق التطوير والإصلاح في العملية التعليمية الوطنية..

3-  إن وجود صاحب السمو الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد على رأس وزارة التربية والتعليم، يجعلنا نعتقد بأن خيار التطوير الدائم لمناهج التعليم والتربية هو الخيار الذي تسير عليه الوزارة..

وعديدة هي الخطوات الإدارية التي قام بها معالي الوزير وتستهدف إحداث قفزات نوعية في أداء ومسيرة وزارة التربية والتعليم.. ونحن بانتظار المزيد من الخطوات التطويرية والإصلاحية في الحقل التعليمي.. كما أن دعوتنا إلى ضرورة تطوير التعليم الوطني في كل مراحله، هي منسجمة ورؤية ومشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير العمل التربوي والتعليمي الوطني..

وكلنا أمل بأن تترجم رؤية خادم الحرمين الشريفين الإصلاحية لحقل التعليم بشكل سريع ومتواصل، لأنها هي جسر العبور الوطني نحو المزيد من التألق والتميز..

***

محمد محفوظ

 

تفكيك بنيوي لمقايضة السلم الأهلي بنهب الأصول وإفراغ السيادة

ترتبط الجذور التاريخية والتحول الهيكلي لسياسات الهيمنة التوسعية الحديثة بمنعطفات كبرى شهدتها نهاية القرن التاسع عشر، والتي شكلت بداية الصعود الكوني للاستعمار الاقتصادي العابر للحدود التقليدية للقارات. لم يعد هذا الاستعمار الحديث، في طوره الراهن بشقيه الاقتصادي والعسكري، بحاجة إلى تسويغات أخلاقية تبرر سعيه لفرض نفوذه وموازين قوته خارج أطر القانون الدولي التقليدي ومبدأ السيادة المتساوية بين الدول. في هذا النظام العالمي الجديد، تمثل الشركات العملاقة عابرة القارات الكيانات الأكثر تأثيراً في صياغة سياسات الدول النامية؛ نظراً لامتلاكها موارد مالية ضخمة تفوق ميزانيات دول بأكملها، فضلاً عن حصولها على تسهيلات دبلوماسية، واستخباراتية، وتدخلات عسكرية مباشرة لحماية استثماراتها الاحتكارية ومصالحها الحيوية.

تتلازم هذه الهيمنة الاقتصادية مع التبعية الثقافية تلازماً بنيوياً حتمياً؛ إذ تشترط التبعية المادية وجود أطر فكرية واجتماعية تدعمها وتكرسها بالضرورة في وعي الشعوب المغلوبة. وتعمل هذه الهيمنة عبر قنوات "القوة الناعمة" والاستعمار الرقمي الحديث الذي يتوسع ليتكامل مع تأثير التكتلات الإعلامية والتقنية الكبرى، بهدف فرض أنماط استهلاكية معولمة وتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية الأصيلة للدول المضيفة. ويترتب على هذا التوغل نتائج كارثية تؤدي إلى تشويه الهوية الوطنية، وبث الشك في الكفاءة الذاتية للمجتمعات، وفقدان احترام الذات الجمعي، مما يسهل في نهاية المطاف إخضاع القرار السياسي والمالي الوطني عبر التهديد المستمر بسحب الاستثمارات أو نقل المصانع ورؤوس الأموال إلى الخارج.

إن النظام المادي المعاصر يتجاوز حدود كونه مجرد أسلوب لإدارة العلاقات النقدية أو سياسات مالية قائمة على الخصخصة والتحرير المالي؛ بل إنه يتجلى كبرنامج كلي لإعادة الهندسة الثقافية والاجتماعية والوجودية، يهدف إلى صياغة مجتمعات تسودها ثقافة السوق والمنفعة بالكامل. في هذا الإطار الفلسفي، يجري السعي بلا كلل لتسليع كل مجال من مجالات الوجود الإنساني، بدءاً من الثروات الطبيعية والبيئة وانتهاءً بالبيانات الحيوية وانتباه البشر وتوجيه سلوكهم اليومي. يحدث هذا كله عبر عنف بنيوي ورمزي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة من خلال احتكارات معرفية وتقنية معقدة، تضمن تدفق القيمة الفائضة والثروات المنهوبة من دول الأطراف الهامشية نحو مراكز النفوذ العالمي.

في هذا السياق المتأزم، تنشأ "الدولة السائلة أو الهلامية" على أنقاض الدولة الاستبدادية التقليدية. وفي هذه الدولة الجديدة، لا يوجد شيء صلب أو مستقر في بنيتها المؤسساتية، بل تسود حالة من السيولة والاختلاط التام بين مفاصل الحكم والشبكات غير الشرعية؛ فلا هيبة حقيقية للسلطة، ولا خطوط واضحة تفصل بين المؤسسة القانونية ومجموعات المصالح النافذة. وفي هذه الكيانات الضعيفة، لا تعمل شبكات المصالح العميقة بشكل خفي أو سري في الظل، بل إن المجاميع الناشطة في الإفساد والاستغلال تمارس أنشطتها التخريبية علانية على سطح الدولة التي تتشكل وتتراجع في آن واحد. وتتحكم السياسة المعاملاتية النقدية في السياسة المؤسساتية، حيث يجري تداول القوة، والمناصب العامة، والولاءات السياسية كسلع رخيصة تخضع لقوانين العرض والطلب، وبأسعار يحددها حجم التدفقات المالية القادمة من الخارج والقدرة على استخدام أدوات الضغط والترهيب، مما يحول البلد بأسره إلى ساحة مفتوحة لـ "مزاد الولاءات".

ترتبط هذه الهشاشة المؤسساتية بما يُعرف بـ "لعنة الموارد"؛ حيث تحقق الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن غالباً نتائج اقتصادية واجتماعية أسوأ بكثير من نظيراتها الفقيرة التي تفتقر لتلك الثروات. إذ تتحول وفرة الموارد في الدول الهشة إلى غنيمة كبرى تتنازعها القوى المحلية المحمية بالخارج والنخب الحاكمة الفاسدة. ولا تصبح الموارد لعنة في ذاتها، بل عندما تُدار في ظل نظم سياسية واهنة والاستبداد المالي المطلق. وهنا تحديداً تنشأ ديناميكية "عقد السفيه" كأداة قانونية وسياسية مضللة لتمرير اتفاقيات شائنة، تقوم في جوهرها على مقايضة السلم الأهلي الموهوم وتجنب الغضب الشعبي والاضطرابات الآنية، بتصفية الأصول الاستراتيجية للدولة وإفراغ مؤسساتها الخدمية والتنموية من مضمونها السيادي. ويتخذ هذا النهج طابع التدمير الممنهج لثروات الأجيال القادمة وحقوقها، مقابل الحصول على قروض استهلاكية عاجلة تضمن بقاء النخبة السياسية في سدة الحكم وتضمن صمت الجماهير المؤقت.

لقد انحصر الفقه القانوني والشرعي التقليدي طويلاً في معالجة السفه كحالة فردية معزولة ترتبط بنقص الأهلية الشخصية، ولم يبين حكمه ومخاطره باعتباره ممارسة جماعية ومؤسساتية منظمة تصيب الأنظمة السياسية وقوى الأمر الواقع. فالسفه المعاصر لم يعد متمثلاً في تبذير آحاد الناس لأموالهم الخاصة في وجوه غير نافعة، بل صار نهجاً بنيوياً مدبراً يمارسه بعض حكام الهامش عبر تبديد ثروات الأمة والإنفاق المحموم لإشعال الصراعات الداخلية، أو تقديم مئات المليارات في صيغة هبات وجزية مقنعة للقوى العظمى لتأمين صمتها ودعمها السياسي للبقاء في السلطة، في وقت تتضور فيه شعوبهم جوعاً وتعاني من الفقر والمجاعات وغياب الخدمات الأساسية.

يسهم حقل علم الإنسان الاقتصادي في تقديم تحليل ثقافي وعلاقاتي عميق لظاهرة الفساد، يتجاوز الرؤى الغربية والأخلاقوية السائدة التي تربط انخفاض معدلات التنمية بالفساد الأخلاقي الفردي بطريقة استعلائية تختصر المشهد المعقد في مقولة إن "الدول النامية فقيرة لأنها غير شريفة". بدلاً من ذلك، يدرس علم الإنسان شبكات المحسوبية والرشاوى الصغيرة كظواهر تبادل اجتماعي مشوهة، نتجت بالأساس عن تسلط البنى الاقتصادية الرسمية العابرة للحدود، وتوغل آليات السوق المتوحشة وسياسات الخصخصة الشاملة المفروضة من الخارج، مما أدى في النهاية إلى ما يمكن تسميته بـ "هيكلة الاحتيال" وجعله ممارسة يومية مقبولة.

إن تعميم منطق السوق والمصلحة الفردية الضيقة قد أدى إلى تدمير "الاقتصاد الأخلاقي" القائم على الالتزامات التبادلية والواجبات المدنية والأخلاقية المشتركة التي كانت تحمي المجتمعات عبر شبكات التضامن والتكافل غير القائم على البيع والشراء. ومع انسحاب الدولة من أدوارها الرعائية وتحول لغة المال إلى المعيار الوحيد لتقييم الوجود البشري وقيمة الأفراد، جرى استبدال هذه المنظومات بآليات احتيال هيكلية اعتيادية تُفرزها وتمنحها الشرعية قيم السوق المتوحشة. وتتبدى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي والاجتماعي على المدى البعيد في تطبيع ثقافة الجشع؛ حيث تتداخل الممارسات التجارية المشوهة والفساد مع السعي الفردي اليومي للبقاء، وتتحول قيم الأنانية والمادية المفرطة إلى معايير وحيدة للنجاح والتكيف الاجتماعي.

تقدم الذاكرة التاريخية للشعوب نماذج فجة لهذا التمكين الاستعماري القسري؛ إذ لم يكن الهدف من تدبير الانقلابات العسكرية ضد النظم الوطنية في سبعينيات القرن الماضي مجرد إسقاط حكومات أو تغيير شخوص السلطة، بل كان الهدف الحقيقي هو القضاء التام على فكرة بناء سيادة اقتصادية مستقلة في دول الجنوب العالمي، وتحويل تلك الدول إلى مختبرات تجريبية مبكرة لفرض التحررية الاقتصادية المتطرفة بالقوة العسكرية، عبر الخصخصة الجبرية للثروات وتفكيك بنية الدولة الاجتماعية لحماية مصالح الشركات الاحتكارية الاستعمارية المستفيدة من المعادن والموارد الاستراتيجية.

إن مواجهة آليات الهيمنة المركبة هذه تتطلب صياغة استراتيجية وطنية وقانونية متكاملة، تفكك البنية الحقوقية لتلك الاتفاقيات الشائنة وتواجهها بأدوات وطنية أصيلة ترتكز على محورين تنفيذيين رئيسيين:

أولاً: دسترة حماية الأوقاف والمال العام، وصياغة قواعد دستورية صارمة ومانعة تقيد قدرة أي حكومة، أو سلطة أمر واقع، على التصرف في المرافق الاستراتيجية والأوقاف العامة أو بيعها تحت أي مسمى.

ثانياً: إن أولى خطوات الانعتاق والتحرر من ربقة الديون البغيضة وعقود السفه تتمثل في السعي الجماعي لإحداث عملية "فك ارتباط" حقيقية، تهدف إلى إخضاع العلاقات الاقتصادية والتبادل الخارجي لمتطلبات التنمية الوطنية الذاتية، وتطهير الفضاء المعرفي والأكاديمي من سطوة الهيمنة التقنية الجديدة.

يتطلب هذا المسار بالضرورة استعادة التضامن الأخلاقي العضوي للمجتمعات، وبناء "المؤسسات الشاملة" البديلة التي تحمي حقوق المواطنين وتوزع القوة السياسية والاقتصادية بشكل عادل ومتساوٍ بين أفراد الشعب، تمهيداً لبناء نظام وطني بديل يستند إلى العدالة الإنسانية الحقيقية والتنمية المستقلة للشعوب الحرة.

***

غالب المسعودي

 

في أعماق كل إنسان قبو مظلم، رطب، يتردد فيه صدى صرخة طفل. لم نتركه هناك بالصدفة. أغلقنا الباب، رمينا المفتاح، وصعدنا إلى عالم النور نبتسم. كان الطفل جريحاً، مثخناً بالجراح التي لم نجرؤ على النظر إليها. كان يمثل كل ما رفضناه في أنفسنا: الضعف، الحاجة، الخوف الوجودي، الرغبة المتوحشة في أن يُحب دون شرط. فتركناه ينزف.

ثم، بعد سنوات، عندما نسمع خطوات ثقيلة تتردد من تحت الأرض، نندهش. الطفل لم يمت. لقد تحول إلى وحش.

العقد التي نكرهها ونعشقها في الوقت ذاته

العنوان ليس مجرد تناقض بليغ، بل هو تشخيص دقيق للحالة الإنسانية. نحن لا نتخلص من عقودنا — سواء كانت علاقات سامة، وظائف تخنق الروح، هويات زائفة، أو حتى أنماط تفكير مدمرة — لأننا، في أعماقنا، لا نريد ذلك حقاً. العقد ليست مجرد قيود خارجية؛ هي امتداد للطفل الجريح الذي ما زلنا نرفض مواجهته. نحبه بطريقة مرضية، لأنه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.

يصف كارل يونغ هذا الطفل بـ”الظل” (the Shadow). ليس الشر المطلق، بل كل ما نفيناه لكي نكون “مقبولين”. الطفل الذي تركناه في القبو يمتص الطاقة، ينمو، يشوه نفسه. ثم يبدأ في السيطرة: يجعلنا نعود إلى الشخص الذي يؤذينا، يدفعنا نحو الإدمان الذي يخدر الألم، يهمس لنا أن الحرية مخيفة أكثر من السجن المألوف.

في مقاله الشهير “The Wound and the Bow”، يستعير إدموند ويلسون أسطورة فيلكتيتس — الجندي الذي يحمل جرحاً لا يلتئم، لكنه يمنحه قوة قوسه السحري. الجرح هو مصدر القوة والعذاب معاً. نحن نرفض شفاء الجرح لأننا نخشى أن نفقد القوس. العقد تصبح هويتنا. “أنا الذي يتحمل”، “أنا الوفي رغم كل شيء”، “أنا الذي يفهم الوحش بداخله”. هذه السرديات تعطينا إحساساً بالعمق والتميز، حتى لو كانت تدمرنا.

لماذا نحب الوحش؟

الإجابة تكمن في الطفولة المتروكة. الطفل الجريح تعلم أن الحب مشروط. فتعلم أن يحول نفسه إلى ما يُحب: الضحية، المنقذ، الثائر، المهمل، الذكي الذي يخفي ألمه بذكاء. عندما يكبر هذا الطفل إلى وحش، يصبح هو العقد نفسها. نحن لا نكسرها لأن كسرها يعني مواجهة الفراغ الذي خلفه الطفل. الوحش، على الأقل، يملأ الفراغ. يعطينا دراما، معنى، قصة نرويها لأنفسنا وللآخرين.

في علم النفس المعاصر، يتحدث بيسيل فان دير كولك في كتابه “The Body Keeps the Score” عن كيفية أن الصدمات لا تُخزن فقط في الذاكرة، بل في الجسد والسلوكيات المتكررة. الوحش ليس غريباً عنا؛ هو نحن عندما نرفض أن نكون كاملين. هو النسخة التي ما زالت تطالب بالحب الذي لم تحصل عليه، حتى لو كان الحب الآن مؤلماً أو مدمراً.

نرى ذلك في العلاقات: المرأة التي تبقى مع الرجل الذي يجرحها لأنه “يفهم جروحها” (أي يعيد تمثيلها). الرجل الذي يعود إلى العمل الذي يكرهه لأنه يؤكد له “أنا مسؤول”. المبدع الذي يعشق آلام الإبداع المزمنة لأنها تذكره بأنه حي.

مواجهة الطفل: الطريق الوحيد للحرية الحقيقية

التحرر الحقيقي ليس عنفاً على الوحش، بل إعادة احتضان الطفل. يونغ مرة أخرى: “ما لم يصبح اللاواعي واعياً، سيظل يوجه حياتك وستسميه القدر”. يجب أن ننزل إلى القبو، نجلس مع الطفل الجريح، نسمع صراخه دون أن نهرب. لا نقتله، ولا نتركه يسيطر. نحاوره.

هذا الحوار مؤلم. يتطلب شجاعة نادرة في زمن يبيع فيه العالم “الشفاء السريع” و”التحرر بالتأكيدات الإيجابية”. الشفاء الحقيقي بطيء، غير مريح، ولا ينتهي أبداً تماماً. لكنه الوحيد الذي يحول الوحش من سيد إلى حليف.

عندما نفعل ذلك، نكتشف شيئاً مذهلاً: العقود التي كنا نعتقد أننا نحبها لم تكن سوى أوهام. الحب الحقيقي للذات يسمح بالرحيل دون كراهية. يسمح للطفل أن ينمو، لا أن يتحول إلى وحش.

خاتمة: أنت تحبها… فماذا الآن؟

أنت لا تتحرر من عقدك لأنك تحبها. هذا صحيح. لكن السؤال الأعمق: هل تحب الطفل الذي داخلها؟ هل أنت مستعد أن تنزل إلى القبو الآن، وأنت بالغ، وتحمله على كتفيك إلى النور؟

الوحش ليس عدونا. هو رسول. يخبرنا أن هناك طفلاً ما زال ينتظر. وفي لحظة الاعتراف به، يبدأ التحرر — ليس بالكسر العنيف للأغلال، بل بتحويلها إلى جسور.

في النهاية، الحرية ليست غياب العقود. الحرية هي اختيار العقود التي تستحق أن تُحب، بعد أن تكون قد أحببت أولاً الطفل الذي كان يريد فقط أن يُرى.

***

بقلم: ذ يونس الديدي - باحث أكاديمي

مما لا شك فيه أن مستقبل التعليم الجامعي لم يعد سؤالًا مؤجلًا إلى العقود المقبلة، بل أصبح قضية نعيشها كل يوم ونحن نتابع التحولات التي تُحدثها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قاعات الدرس، وفي مختبرات البحث، وحتى في الطريقة التي يكتب بها الطلبة تقاريرهم ومشاريع بحوثهم.

أشعر بأن الجامعة تقف اليوم أمام منعطف تاريخي يشبه تلك اللحظات التي غيّرت فيها الطباعة وجه المعرفة، أو التي فتحت فيها شبكة الإنترنت أبوابًا جديدة للتعلم. غير أن ما يحدث الآن يبدو أكثر عمقًا، لأننا لا نتعامل مع وسيلة جديدة لنقل المعرفة فحسب، بل مع أدوات قادرة على إنتاج النصوص، وتحليل البيانات، واقتراح الأفكار، والإجابة عن الأسئلة في ثوانٍ معدودة.

كلما تأملت هذا المشهد، ازددت اقتناعًا بأن الأزمة الحقيقية ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في بقاء الجامعة حبيسة نماذج تعليمية تعود إلى القرن الماضي. فما زالت كثير من المؤسسات الجامعية تقيس نجاح الطالب بقدرته على حفظ المعلومات واسترجاعها في الامتحان، بينما أصبحت تلك المعلومات متاحة بضغطة زر، بل إن الخوارزميات قادرة على تلخيصها وترتيبها وشرحها بلغات متعددة. لذلك لم يعد السؤال الذي يشغلنا هو: هل سيستخدم الطلبة الذكاء الاصطناعي؟ لأنهم يستخدمونه بالفعل. وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل ستتمكن الجامعة من إعادة تعريف رسالتها في زمن أصبحت فيه المعرفة نفسها سلعة متاحة للجميع؟

وأعتقد أن الأستاذ الجامعي سيواجه خلال السنوات المقبلة اختبارًا غير مسبوق. لقد اعتدنا أن يكون الأستاذ المصدر الأول للمعلومة، وصاحب السلطة العلمية داخل المدرج. أما اليوم، فإن الطالب يدخل القاعة وقد ناقش فكرة الدرس مع مساعد ذكي، واطلع على مراجع عالمية، وحصل على شروحات متعددة قبل أن يسمع المحاضرة. وهذا الواقع لا يقلل من قيمة الأستاذ، بل يدفعه إلى الانتقال من دور الملقن إلى دور الموجه، ومن ناقل المعرفة إلى صانع التفكير النقدي.

إنني لا أخشى أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الأستاذ، لأن العلاقة الإنسانية في التعليم لا يمكن اختزالها في خوارزمية. فهناك الإلهام، والحوار، والقدرة على اكتشاف مواهب الطلبة، وإثارة فضولهم العلمي، وهي عناصر يصعب على أي نظام آلي أن يؤديها بالكفاءة نفسها. لكنني أخشى أن يفقد بعض الأساتذة قدرتهم على التكيف مع هذا التحول إذا ظلوا يرفضون التعامل مع التقنيات الجديدة باعتبارها تهديدًا لا فرصة.

وفي المقابل، أجد نفسي أكثر قلقًا بشأن وضعية الطالب. فالذكاء الاصطناعي يمنحه سرعة هائلة في إنجاز الواجبات، لكنه قد يسلبه متعة البحث، وصبر القراءة ومسافاتها المرهق، ومشقة التفكير الطويل. لقد أصبحت بعض التقارير الجامعية تُنتج في دقائق، بينما كان إعدادها يستغرق أسابيع وشهورا . وهذا يدفعني إلى التساؤل: هل نحن نصنع خريجين أكثر معرفة، أم أكثر اعتمادًا على الآلة؟

إنني أؤمن بأن الجامعة التي ستنجح في المستقبل هي تلك التي ستغير فلسفة التقييم بالكامل. فالامتحانات التي تعتمد على الحفظ ستفقد معناها تدريجيًا، لأن أي نظام ذكي يستطيع تقديم الإجابة النموذجية بسرعة تفوق سرعة الإنسان. أما الاختبارات التي تقيس القدرة على التحليل، والنقد، والإبداع، والعمل الجماعي، وحل المشكلات الواقعية، فهي التي ستصبح المعيار الحقيقي للكفاءة الأكاديمية.

وأتصور أيضًا أن البحث العلمي سيشهد ثورة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تحليل ملايين الوثائق العلمية في وقت وجيز، واكتشاف العلاقات بين البيانات، واقتراح فرضيات جديدة للباحثين. وهذا يعني أن الباحث الجامعي لن يقضي معظم وقته في جمع المعلومات، بل سيتفرغ أكثر للتفسير، والنقد، وابتكار الأسئلة الجديدة. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعقل البشري؛ فليست المشكلة في الوصول إلى المعلومة، وإنما في فهم معناها، وربطها بسياقاتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية.

وأشعر كذلك بأن الحدود التقليدية بين التخصصات ستصبح أقل صلابة. فالطبيب سيحتاج إلى معرفة أساسية بعلوم البيانات، والمهندس سيحتاج إلى فهم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأديب سيجد نفسه مدعوًا إلى استيعاب التحولات الرقمية التي تعيد تشكيل مفهوم الإبداع. لذلك لن تكون الجامعة الناجحة هي التي تكدس المقررات، بل التي تفتح جسورًا بين العلوم المختلفة، وتُعد طالبًا قادرًا على التعلم المستمر طوال حياته.

ولا يمكنني الحديث عن مستقبل التعليم الجامعي دون التوقف عند البعد الأخلاقي. فالذكاء الاصطناعي يثير أسئلة معقدة حول الأمانة العلمية، والملكية الفكرية، وحقوق المؤلف، وحدود استخدام المساعدات الرقمية في إنجاز البحوث. وأرى أن الجامعة مطالبة بوضع مواثيق واضحة تحدد الاستخدام المشروع لهذه الأدوات، بحيث يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في التعلم، لا إلى وسيلة للغش أو التحايل الأكاديمي.

ومن زاوية أخرى، أعتقد أن الجامعات المغربية والعربية عموما تمتلك فرصة تاريخية لتجاوز بعض الفجوات التي عانت منها لعقود. فبفضل الأدوات الذكية أصبح الوصول إلى أحدث الأبحاث العالمية أكثر سهولة، وأصبح بالإمكان ترجمة المصادر، وتحليلها، والاستفادة منها بسرعة كبيرة. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى إنجاز حقيقي إلا إذا رافقتها إصلاحات في المناهج، وتطوير للبنية الرقمية، واستثمار جاد في تكوين الأساتذة والباحثين.

وأنا أتأمل هذا المستقبل الملتبس، لا أرى نهاية للجامعة، بل أرى بداية مرحلة جديدة في تاريخها. فالجامعة التي ستبقى مؤثرة ليست تلك التي تكتفي بمنح الشهادات، وإنما التي تصنع العقول القادرة على طرح الأسئلة الحقيقية والصحيحة، حتى عندما تقدم الآلة إجابات تبدو كاملة. لأن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد المعلومات التي نحفظها، بل بقدرتنا على الشك، والمراجعة، والابتكار، وإعادة اكتشاف العالم.

ولهذا السبب، فإنني أنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه امتحانًا للجامعة أكثر مما هو امتحان للطالب. فإذا أحسنت الجامعات استثمار هذه الثورة التقنية، فإنها ستخرج أجيالًا أكثر قدرة على التفكير والإبداع والمنافسة عالميًا. أما إذا اكتفت بمقاومتها أو تجاهلها، أو توبيخ من يستغلها فإنها ستخاطر بفقدان دورها التاريخي كمحرك للمعرفة وصانع للنخب.

وفي النهاية، يبقى اقتناعي راسخًا بأن مستقبل التعليم الجامعي لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل سيصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها بحكمة، ويُخضعها لقيم العلم، وأخلاقيات البحث، ورسالة الجامعة في خدمة المجتمع والإنسانية.

***

عبده حقي

 

لن أتحدث عن نسبيّة الجمال؛ فمن البديهي جدا أن اعتبار ما هو جميل حكمٌ تتفاوت فيه أنظار الناس، ولن أتحدث عن الدافع الفسيولوجي الذي يجعلنا أنصارًا للجمال أعداءً للقُبح؛ فمهما تكن ماهيته، فهو أمر حاصل لا محالة، وواقع ماثلٌ أمام أعيننا يجب أن نتعاطى معه، وهذا هو المهم، وإن كان فهمُ الجذور لا يقلّ أهميةً بَداهَةً.

الجمال قطاع عريض، تتنوّع أوجهه وإسقاطاته، فمنه السمعي ومنه المرئي ومنه المعنوي ومنه ومنه، بَيْدَ أني أركز حديثي هُنا على الجمال البصري، كما أني أستصحب في دهشتي سؤالا مركزيا واحدا يدور بخَلَدي، وهو:

أنحبُّ الجمال البصري لشكله وبريقه وظاهره وذاته استقلالا، أم لحمولة المعنى والإحساس القابعة فيه والمتدلّية منّا؟

ومُؤدّى السؤال: آلجمال تفاعلٌ أو وجودٌ خارجي؟ أهو تفاعلٌ يأخذ منا ويسكبه فيما نُعجَبُ به؟ أم هو وجودٌ مستقلٌ عنا وغير متّكئ علينا؟

فإذا كانت الأولى، فهل الجمال هو لغةٌ مشفّرة من الكون ليكشف لنا عن شيء ما، وجعلنا نلتفت للجمال لنلتفت بدورنا إلى سرٍ ما مُوْدَعٍ في قلب الجمال؟ أم هو ارتدادٌ مستتر لنفوسنا تودّ أن تبعث لنا صرخةً ما، فما وجدتْ سبيلا لهاته الصرخة إلا الجمال؟

وإن كانت الثانية، فكيف يمكن تصوّر مُدرِكات لا تبصر الجمال كما نفعل نحن؟ وماذا لو تمرّدنا على سؤالنا، ووسّعنا الدائرة، لنعيد صياغته ليكون: أتدرك الكائنات الأخرى الجمال؟ وإذا كان الجواب بنعم فهل لها معايير مختلفة؟ وماهي؟ ثم أيدرك الجمالُ جمالَه؟ أتدرك الوردة رونقها، وأيدرك الليل سحره؟ أيدرك المطر عذوبته؟

 أضِف لذلك أننا لو استحضرنا ثنائية الجمال والقُبح، فهل للجمال وجودٌ أصلا؟ أم هل أنه مجرد مسافة تضعها عقولنا لتنظيم فوضى الأشياء، أمْلَتْها عليها طبيعة المقارنة، فلولا القبح والنشاز وتباين مستويات الجمال، لكان كل شيءٍ لا يعدو كونه عاديًا طبيعيا متماثلا فاقدا أيّ تميّز؟

مهما يكن من أمر، فنحن أمام واقع نعيشه ليل نهار، والجمال بهذا الاعتبار له وجودٌ نقيم الدنيا ونقعدها لأجله،

فالانقياد للجمال مُبرمَجٌ فينا على نحو مرعب، فها نحن الرجال مثلا نرى أن الأنثى أجمل مظاهر الطبيعة، فهل الأنثى رسالة؟ أهي انعكاس؟ أهي قطعة تنقصنا؟ هذا أو ذاك أو غيره، إننا نتخذ خطوات جبّارة؛ كَرْمَى هذا الجمال الأنثوي، من حروب ضروس إلى تضحيات جِسام وسفك للدماء، فتأثير الجمال في حياتنا لا يمكن دَحضه ولا القفز عليه بأي حال من الأحوال.

ومحاولةً لتقديم إجابة على سؤالنا المحوري، فإني أجدني عاجزا عن تجاوز وجود حقيقي لحمولة المعنى والشعور لِما نراه جميلا، فما الجمال إلا حركةٌ بندولية بيننا وبين الجميل أكان كائنا ثابتا أم متحركا، بشرا أم حيوانا، من نتاج الطبيعة أو صنع الإنسان، إنه تفاعلٌ على بُعدٍ غامض، يحمل في تضاعيفه ويخبئ بين طيّاته معانٍ مطبوعة في أنفسنا، ومشاعر تستوطننا، ولتفاوت هذا التفاعل فإنه يمكن للواحد منّا أنّ يمر بالجمال ولا يبصره، أن يعبر بالجمال ولا يستشعره، أن يقف إزاءَ الجمال ولا يحرّك فيه ساكنًا، ولفيلسوف الحياة كلمة سائرة وحكمة ماضية في هذا، إذْ يقول في إحدى قصائده العصماء:

والذي نَفسُهُ بغير جَمالٍ***لا يرى في الوجود شيئًا جميلا

ويختمها بقوله:

كُنْ جميلا ترَ الوجود جميلا

جمال المرئيات هو ابن الشعور، والتغذية البصرية للإنسان مصدرٌ يتجاوز بُعد المادة وسطوتها! فمن يحيط نفسه بالجمال فهو محفوف بكثافة من المعاني المدهشة والأحاسيس المتخمة بالحياة، وحمولةُ الجمال من المعنى والشعور سخيّة في عطائها، وهي - إنْ جازَ لي - تردُّ المعروف إلينا بما أنّ لنا نصيبًا من هذا الجمال من حيث كوننا فاعلين لا مجرد متلقّين، فالجمال نتيجةٌ لنا دورٌ فيها، وليست شيئا منفصلا نُمنَح إياه، الجمال امتداد لنا، ولولانا لما كان له وجود، غير أن دورنا خفيٌ لا ندركه، عصيٌ على التعقّل، لكننا نلمسه فينا بكل جلاء، وما يحركه الجمال فينا لا يمكننا نكرانه، ولا يمكن للجمال العَبث بقلوبنا مالم تكن قلوبنا تتآمر معه بلغة مشتركة يستوعبها كلاهما؛ ومن ذاك يُراودنا الجمال جِيئةً وذهابًا بسلاسة مُلْغِزَة!.

***

محمـــد سيـــف

مدخل: لا مناص أن الطائفية في العالم الإسلامي ليست مجرد خلاف مذهبي متوارث، عند التأمل الأعمق، تكتشف بوصفها إحدى أكثر البنى تعطيلًا للمشروع الحضاري المسلمين، كونها لا تقف عند حدود الاختلاف العقدي أو الفقهي المشروع، وإنما تتجاوز ذلك عندما تصبح منطق شامل في تشكيل الوعي، وأداة لإعادة توزيع الولاءات، نظام لغوي تُدار به الخصومات السياسية والاجتماعية، حتى يغدو الانتماء المذهبي أقوى من الانتماء إلى الأمة، وأصلب حضوراً ورسوخاً من فكرة العمران الجامع المانع والمشترك بين التنوعات المسلمة.

وعليه السؤال عن تفكيك الطائفية ليس سؤالاً ثانوياً قابل لتأجيل الإجابة عنه في الفكر الإسلامي المعاصر، بل هو سؤال أساسي واستعجالي واي تخاذل عن خوض غمار تفكيكه سيمسّ قلب مشروع النهضة: كيف يمكن لأمة منقسمة في داخلها أن تنتج حضارة متماسكة في الخارج؟ هذه المسألة مصداقيتها أنها تكشف عن خلل يتجاوز المجال الديني الضيق، حيث لما تتجذر الطائفية، يصبح الخلاف وسيلة للتعبئة، وتكون الذاكرة مجالاً لإعادة خدش الجراح بدل مداواتها، وينتج التنوع الخوف المتبادل. عندئذٍ لا تصبح النهضة مجرد مشروع اقتصادي أو إداري، بل تصبح بالدرجة الأولى مشروعاً لتحرير الوعي من الانحباس داخل الهويات المغلقة القاتلة لأي فكرة حية، مع إعادة بناء الثقة بين مكونات الجماعة الحضارية الواحدة، لذلك لا يمكن تصور الطائفية بوصفها مجرد "مشكلة علاقات بين مذاهب إسلامية"، لأن هذا التوصيف يموه وزنها البنيوي، ويُبقيها في حدود الأخلاق العامة، بينما هي في الواقع تمسّ شروط الاجتماع العام والخاص للمسلمين، ويشوه نوعية المعرفة الدينية، وطبيعة التمثّل الرمزي للذات والآخر.

إشكاليات الطائفية

ينطلق هذا البحث من سؤال مركزي مفاده: كيف يمكن تفكيك الطائفية باعتبارها عائقاً بنيوياً أمام مشروع النهوض الحضاري، من دون الوقوع في إنكار التنوع المذهبي أو مصادرة حق الاختلاف؟ كما ينحدر عنه عدة إشكاليات داعمة: ما الذي يجعل الطائفية تتحول من مجرد اختلاف إلى نظام انقسام؟ وكيف أسهمت البنى السياسية والمعرفية في ترسيخها؟ وما نوع التحول المطلوب في الخطاب الديني والمؤسسات التربوية والمجال العام حتى يتحول التنوع المذهبي من مصدر توتر إلى مصدر غنى حضاري؟

مأزق الطائفية

لا يمكننا ان ننظر للتنوع المذهبي في ذاته كمشكلة، بل هو جزء من التاريخ الإسلامي ومن طبيعته الاجتهادية الواسعة، بينما المشكلة تبدأ حين لا يُدار هذا التنوع ضمن أفق مرجعي جامع، او يُنزَع من سياقه العلمي ليصبح علامة على الاصطفاف والعداء والتسقيط واللاتسامح، هنا لا يعود الخلاف مادةً للاجتهاد والتكامل والحوار والتعارف والتعايش، بل يتحول إلى هويات متصلبة تشتغل بمنطق "نحن" في مواجهة "هم"، هذا المأزق هو جوهر الطائفية، لأنه يعيد تعريف العلاقات بين المسلمين لا على أساس المقاصد الكبرى أو المصالح المشتركة، بل على أساس الحدود النفسية والرمزية التي تصنعها الذاكرة المشوهة والخطابات الاقصائية.

ولعل أخطر ما في الطائفية أنها تحتكر المجال العقائدي، وتتسرب إلى السياسة والتعليم والإعلام، فتنتج أجيالاً تتعلم رؤية الاختلاف بوصفه تهديداً مسبقاً، هكذا يصبح الانفكاك من الطائفية أمراً يتطلب أكثر من نوايا حسنة؛ إنه يحتاج إلى إعادة تشكيل البنية التي ينتج منها الوعي نفسه، ومن غير هذا الشرط البنيوي، ستظل الدعوة إلى الوحدة أقرب إلى التمنيات الأخلاقية منها إلى الاجتهادات التاريخية الفاعلة.

الوعي الحضاري للوحدة

لاريب ان كل مشروع للنهوض الحضاري لا يمكنه ان يستند الى تجميع القوى المادية وحدها، بل يستند إلى شرط أسبق هو القدرة على بناء وحدة معنوية وأخلاقية تسمح بتوجيه الطاقات نحو هدف مشترك. لأن النهضة لا تتحقق في مجتمع يتآكل من الداخل، حيث التآكل الداخلي يبدد الثقة، ويضعف الإرادة الجماعية، ويجعل كل إصلاح جزئي عرضة للانهيار عند أول مطب او أزمة، ومن هنا فإن تفكيك الطائفية ليس عملاً جانبياً، بل هو جزء من إعادة تأسيس المجال الحضاري ذاته، وصياغة هذا الوعي تتقاطع مع ما نبه إليه الفكر الإصلاحي الإسلامي في صيغ متعددة من شتى المذاهب والمدارس الاسلامية، فالاستبداد مثلاً، ليس مجرد خلل في السلطة، بل هو بيئة تولّد العصبيات وتستثمرها، والجهل المتبادل ليس مجرد تشوه أو نقص في المعرفة، بل هو شرط لإدامة وتعميق القطيعة، ثم إن التسقيط المتعمد للآخر ليس مجرد خطأ في السرد، بل هو وسيلة لإبقاء المسلمين داخل دائرة الخوف من بعضهم البعض.

 لهذا تصبح الوحدة هنا مفهوماً حضارياً مركباً، لا شعاراً عاطفياً او خطابات للتكاذب أو المجاملة، إنها تعني أن تتقدم الأمة بوعيها العام على حساسياتها المذهبية التي هي في الأصل اجتهادات بشرية يمكنها اللقاء والتعارف والتعاون والتعايش، دون ان تغفل هذه الأمة عن النظر إلى تعددها بوصفه طاقات قابلة للتكامل لا سبباً للتمزق والتناحر.

من الفرقة إلى الكلمة السواء

عند التمحيص في التجارب الحديثة، نكتشف أن الطائفية لا تنشأ دائماً من النص الديني نفسه، بل كثيراً ما تُصنع في منطقة التوظيف السياسي والاجتماعي، فحين يحتاج محرك الطائفية إلى تثبيت موقعه، أو حين تبحث القوى الهدامة عن أدوات تعبئة سريعة، يكون الانقسام المذهبي استثماراً جاهزاً ومربحاً، حيث يصبح ما كان بالأمس اختلافاً علمياً يتحول اليوم إلى خطاب تهييج طائفي، ثم إلى رموز للفرقة والاصطفاف المذهبي، ثم إلى سردية جماعية مغلقة تحرك ٱلة الخوف وتستدعي عواطف العداء.

هذا الاستثمار هو الذي يجعل الطائفية أكثر خطراً من مجرد التعصب الفردي؛ لأنها تتغذى من شبكات مصالح ومؤسسات وخطابات وسرديات قديمة يتم تحديثها، ويستفاد من هشاشة وارتباك المجال العام.

 لهذا لابد من إدراك وبعمق أن معالجتها لا يمكن أن تكون مجرد وعظ فردي، بل ينبغي أن تشمل إصلاحاً في وعي الأمة، وفي المناهج التعليمية، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الدينية نفسها، وإذا لم يُمسَّ هذا المستوى العميق، فإن أي مشروع نهضوي للأمة الاسلامية نحو الكلمة السواء سيظل هشّاً، لأن المؤامرات ستبقى قائمة حتى لو خفّ الخطاب في العلن.

إعادة بناء الوعي

تجاوز مأزق الطائفية نحو النهوض، يقتضي أولاً إعادة بناء الوعي، وهذا الوعي لا يُبنى على الإلغاء، بل على التمييز بين ما هو اجتهادي وما هو أصيل، وبين ما هو تاريخي قابل للمراجعة والمناقشة وما هو مقصدي جامع، عندما يدرك المسلم أن الاختلاف المذهبي لا ينقض وحدة الدين، وأن الانتماء إلى مدرسة فقهية لا يستلزم العداء لغيرها، تبدأ الطائفية في فقدان قدرتها على التأثير، بينما حين تُقدَّم المذاهب بوصفها كيانات مغلقة مقدسة مكتفية بذاتها، فإن الانقسام يتصلب والشقاق يتوسع ويتعمق، ويصبح الحوار لاحقاً مكلفاً جداً.

إن هذا الوعي المرتجى يحتاج أيضاً إلى لغة جديدة، فالكلمات ليست بريئة، لأنها لا تصف الواقع فقط بل تصنعه، حيث كل خطاب يصر على ترسيخ الصور النمطية عن الآخر، أو يختزل جماعة كاملة في تاريخها الجدلي، يسهم في تثبيت الانقسام حتى لو زعم الدفاع عن الحقيقة. لذلك فالتفكيك الحقيقي للطائفية يبدأ من مراجعة اللغة نفسها: كيف نصف المختلف؟ كيف نرويه في كتبنا؟ كيف ندرّسه؟ وكيف نُدخله في المجال العام بوصفه شريكاً لا خصماً؟

بين التراث والتجديد

لا يمكن فصل الطائفية عن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر: كيف نوفق بين التراث والتجديد من دون أن يتحول التراث إلى مقدس، أو التجديد إلى تحريف؟ الطائفية تزيد هذا السؤال تعقيداً لأنها تُحمّل الهوية المذهبية حمولةً زائدة تجعلها تقاوم كل انفتاح او حوار او مقاربات، فبدل أن يكون التجديد استجابة داخلية لمقتضيات العصر، يصبح موضع شبهة، وبدل أن يكون الاجتهاد وسيلة لتوسيع الفهم، يغدو مجالاً للصراع على الشرعية والملكية المطلقة للحقيقة.

لذا فإن تفكيك الطائفية لا ينفصل عن بناء تصور ناضج للتجديد داخل المجال الإسلامي. التجديد هنا لا يعني استيراد المنطق الغربي في غربلة التراث، بل يعني بناء وعي ديني عقلاني عادل يسمح بإدارة التعدد من غير هيمنة، ويضمن للمذاهب والاتجاهات حقها في الوجود والتعبير ضمن إطار المواطنة والعدل والتعارف فيما بينها وفق منطق استماع القول الأحسن والكلمة السواء والتعاون على البر والتقوى. عندما يتحقق هذا المستوى، يصبح من الممكن أن يتحاور التراث مع التجديد، أما استمرار الطائفية فيجعل الحوار والتعارف والتعايش عسيراً، لأن كل طرف يقرأ التجديد من خلال خوفه المذهبي، لا من خلال حاجات الأمة.

 استراتيجية تفكيك

 تفكيك الطائفية يستدعي استراتيجية متعددة المستويات:

أولاً، لا بد من تحرير الخطاب الديني من نزعة الإقصاء، وإعادة الاعتبار للمشترك الإسلامي بوصفه قاعدةً أعلى من الانتماءات الفرعية.

ثانياً، ينبغي مراجعة المناهج التعليمية حتى لا تُعيد إنتاج الصور المتعصبة في أذهان الأجيال الجديدة.

ثالثاً، يلزم بناء مجال عام عادل يضمن المساواة في الحقوق والتمثيل، لأن غياب العدالة هو أحد أهم الشروط التي تنمو فيها الطائفية وتترسخ وتستشري كأي داء فتاك.

والأهم من ذلك كله أن تتحول الوحدة من دعوة خطابية إلى ممارسة يومية: في المدرسة، والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، حيث الوحدة لا تصنعها الخطب الكبيرة وحدها، بل تصنعها التفاصيل الصغيرة التي تعيد تأسيس العادة الاجتماعية على الثقة بدل الريبة وسوء الظن، عندما يبدأ الناس في رؤية الآخر شريكاً في الحياة العامة لا مهدداً لها، تكون الطائفية قد فقدت جزءاً كبيراً من قوتها.

مستخلص

إن الطائفية ليست مجرد مشكلة جانبية في العالم الإسلامي، بل هي أحد العوائق العميقة التي تعطل تشكل المشروع الحضاري، كونها تضعف الثقة، وتستنزف الطاقات، وتعيد المجتمعات إلى منطق الاصطفاف بدل منطق اللقاء والبناء، لذلك فإن تفكيكها ليس مهمة أخلاقية فقط، بل هو شرط من شروط النهضة نفسها، فلا عمران من دون وحدة معنوية، ولا وحدة من دون عدالة، ولا عدالة من دون وعي يحرر التنوع من أن يصبح ٱفة تمزق وتناحر وتخلف.

إن الرؤية الحضارية التي يمكن أن تنهض في هذا السياق هي رؤية تعتبر التعدد المذهبي ثراءً تاريخياً، لكنها ترفض تحويله إلى حدود وهمية مقدسة بين المسلمين، بل هي رؤية تدرك أن التعايش لا يكفي إذا لم يُدعَم بالإنصاف والرحمة وحفظ كرامة الأخ في الدين مثلما هي الحال مع النظير في الخلق، وأن الخطاب الوحدوي لا يكفي إذا لم يتحول إلى إصلاح تربوي وسياسي ومعرفي وثقافي شامل.

و بالتالي فإن الآفاق البحثية المستقبلية ينبغي أن تتجه إلى دراسة أثر التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في إنتاج أو تفكيك الطائفية، وإلى تحليل النماذج التي نجحت نسبياً في إدارة التنوع داخل إطار المواطنة والمشترك الحضاري سواءاً عربيا أو عالميا..

***

مراد غريبي

 

التركيز على الدماغ وتجاهل الجسد

يرى الخبير الرقمي اليساندرو كولاروسي ان الذكاء الاصطناعي يواجه خطر الوصول الى طريق مسدود. عالِم الظواهرية الفرنسي موريس ميرلو- بونتي (1908-1961) ادّعى انه لكي نفهم الوعي البشري نحتاج للتركيز على "المركز الحي للتجربة"(1) lived body وعلاقته بالعالم. باختصار، الفكرة هي انه بدلا من مواجهة العالم بشكل من "أحاسيس خام"، فان البشر يرون الأشياء باعتبارها تمثيلات ندركها تحديدا من خلال أجسادنا اثناء تفاعلها مع العالم. في هذا المقال سوف نستطلع مفهوم ميرلو بونتي للتجربة الذاتية بهدف فهم ما يُقال عن الذكاء الاصطناعي – الموضوع الذي يركز أساسا على تطوير أنظمة حاسوبية قادرة على أداء مهام تستلزم القدرات الذهنية للكائن البشري. طبقا لفهم ميرلو بونتي للخبرة الذاتية وآليات الادراك، فان الذكاء الاصطناعي محكوم عليه بالفشل لسببين أساسيين:

1- المحاكاة لا يمكن ان تمتلك نفس النوع من التفاعل الهادف مع العالم الذي يمكن ان يخوضه كائن واع متمتع بجسد، وان غياب مثل هذا التفاعل يعني غياب أساسي للذكاء.

2- السبب الثاني وربما الأهم، ان التوضيح الاختزالي للذهن كما جاء في بحوث الذكاء الصناعي ببساطة لا يرسم صورة دقيقة لما يُدرك، ويُمارس ويُستشعر بواسطة عقل مندمج داخل جسد مجرّب. وهكذا، لا يمكن تطوير الذكاء الصناعي بمجرد الهندسة العكسية للدماغ، ولا يمكن ايضا ان يعمل في بيئة مجردة من الجسد كما سنرى.

ان المركز الحي للتجربة او الجسد الحيوي هو علاقة بين الجسم والعالم الخارجي نكون بواسطتها قادرين على التأمل والذكاء. مارلو بونتي يؤكد ان المركز الحي للتجربة واع بعالم يحتوي على بيانات بحاجة للتفسير، مثل أشكال ومعاني مباشرة. احد مظاهر المركز الحي الذي يحلله بونتي هو دور التجربة الحسية، ويبدأ بحقيقة بديهية ان افكارنا هي نتاج لتفاعل الجسم مع العالم الذي يعيش به. وتحديدا، هو يعلن ان الشخص المدرِك "يعرض نفسه مع عالم بوصفه معطى جاهزا، كونه مسرحا لكل حدث ممكن، ويعامل الادراك كواحد من هذه الأحداث" (فينومينولوجيا الادراك،1962،ص 240).

يبدأ بونتي استطلاعه لمفهوم االمركز الحي للتجربة عبر تذكيرنا ان الادراك هو المكوّن الرئيسي لحياتنا في العالم، لكن المهم هو كيف ندرك. بالنسبة له، ان العالم الخارجي تتم ملاقاته، وتفسيره وادراكه بواسطة الجسم، عبر مختلف اشكال الوعي الانغماسي العميق الذي يتم من خلال الفعل. فمثلا، تتجلى جودة اللون في التجربة من خلال نمط سلوكي محدد من جانب الجسم، وتحديدا العين، الموجّهة نحو اللون. في حالة العين، خلايا معينة حساسة للالوان تُحفّز في الشبكية: تفاعل. وحول تجارب حسية أخرى وعلاقتها بالعالم، يكتب بونتي انه "بافتراض وجود العالم الموضوعي، يُفترض انه ينقل الى أعضاء الحس رسائل لابد من تسجيلها ثم فك شفرتها بطريقة تعيد فينا انتاج النص الأصلي. (فينومينولوجيا الادراك،ص7). طبقا لبونتي، هناك ارتباط مستمر بين المحفز الأصلي للعالم الخارجي وتجربتنا الادراكية الأولية له .

ماذا عن ادراكنا للاخرين؟ يكتب مونتي،"وعي الآخر يمكن استنتاجه فقط عندما تُقارن وتُحدد التعبيرات العاطفية للاخرين ، ويتم تمييز ارتباط دقيق بين سلوك الشخص الفيزيقي وتجاربه في الاحداث الخارقة"(ص 410). لذا نحن ندرك عقول الاخرين من خلال التعرف على سلوكنا الخاص نحوها. في الحقيقة، بالنسبة لبونتي، التفاعل مع الاخر يسمح بتطوير الذات. وفي معرض توضيحه لهذه العلاقة، هو يكتب ان "ما تعلمناه في مجال الادراك الفردي هو ان لا تُعتبر وجهات نظرنا كأطراف مستقلة عن بعضها، نحن نعرف انها تنزلق داخل بعضها البعض"(نفس المصدر).

كل شخص بحاجة الى تفاعل

رؤية بونتي جرى قبولها وتعزيزها من جانب علماء الادراك مثل ساندرا و ماثيو بليكيسلي، الذي يكتب بان "المعنى يتجذر في الفرد (المقدرة على التصرف والاختيار)، والفرد يعتمد على التجسيد. في الحقيقة، هذا هو الدرس المكتسب بشق الأنفس والذي في النهاية بدأ مجتمع الذكاء الصناعي استيعابه بعد عقود من الإحباط: لا شيء ذكي حقا سيتطور في حاسوب بلا جسد. في الحياة الواقعية لا وجود لشيء كوعي متحرر من الجسد"(الجسم يمتلك ذهنه الخاص به، 2008،ص12).

يعرض علماء الادراك التجربة الفكرية التالية لتوضيح أهمية المركز الحي للتجربة لبونتي:

"لو كنت تحمل معك حيوان ثديي صغير مثل هر صغير اثناء الشهور الأولى لتطور دماغه، وتسمح له برؤية كل شيء في بيئته لكن لا تسمح له ابدا التحرك بمفرده، هذا المخلوق السيء الحظ سينتهي به المطاف كفيفا مدى الحياة . ومع انه سيكون قادرا لتصور مستويات من الضوء واللون والضلال – القدرات الأساسية والمتأصلة في النظام البصري – لكن ادراكه العميق وتمييزه للأشياء سيكون سيئا للغاية. عيونه وأعصابه البصرية ستكون عادية وسليمة بشكل مثالي، لكن نظامه المرئي العالي سيكون عديم الفائدة".(ص 12-13).

بدون وصول مجسّد للبيئة، فان القط لا يستطيع تطوير نظامه العصبي بشأن الاستجابات الملائمة للمحفزات الخارجية. اذا كان هذا صحيحا، فهو يقترح ان آمال الذكاء الصناعي  (خلق محاكاة كومبيوتر او خوارزم معقدة جدا لدرجة ان تكون واعية) محدودة جدا لسببين رئيسيين:

1- ان الذكاء الصناعي، اذا كنا نعني به ذكاء محاكاة كومبيوتر متقدم، لا يحوز على القدرات المطلوبة للتفاعل البنّاء. أي، رغم ان الكائن البشري قد يتفاعل مع هكذا كومبيوتر، فهذا لا يعني ان  الانسان بهذا يساعد في خلق التقدم في المحاكاة فكريا. فيلم الفيديو الشهير The Sims (لعبة محاكاة الحياة) يوضح ما نعني بهذا. لاعب اللعبة يبني عالما صغيرا تقطنه شخصيات محاكية تشارك بمختلف أنواع التفاعلات مع بعضهم البعض، تنام، تأكل، وحتى تمتلك أهدافا وتذهب للعمل. مع ذلك، سيكون منافيا للمنطق السليم القول ان هكذا محاكاة يمكن اعتبارها تجسيدا فعليا للعالم. عند لعب اللعبة، يصبح ظاهرا بسرعة ان سيمز الصغير هو فقط "يعمل من خلال الحركات"، وان كل مظاهر القصدية والسلوك الموجّه نحو هدف هو فقط مظهر. وبتحديد اكثر، لا وجود هناك لتفاعل ضمن اللعبة عدى جعل الشخصيات ينفذون الخطوات التي جرت برمجتهم فيها. البرنامج لا يتعلم من أي تفاعل مع العالم. مثل القطة المحتجزة، لا فرصة يمكن ان تتعلم فيها الشخصيات. لذلك، خلف سطح المحاكاة، لاشيء – لا حياة داخلية، لا أفكار، لا وعي.

2- السبب الثاني لماذا الذكاء الصناعي لا ينجز ابدا وعيا هو انه لا يستطيع محاكاة الادراك، وانه لم ولن يمتلك القدرة على هذه المحاكاة بدون جسم يحتوي تجربة ذاتية باطنية. فمثلا، التجربة البصرية، هي اكثر من مجرد عملية ميكانيكية لتسجيل تأثيرات الفوتون. الكائن البشري يعرف ماهية رؤية لون ما كاللون الأحمر – ضمن سياق معين، وهو امر تعجز خوارزميات الذكاء الصناعي المحاكية عن تحقيقه.

فلاسفة مثل باتريشا تشرشلاند Patricia Churchland و دانيال دينيت يثيران معارضة لهذا الخط من التفكير، يجادلان انه اذا كان الذكاء يمتلك معرفة بكل الحقائق الفيزيائية، عندئذ سيعرف ماهية اللون الأحمر،مثلا. بكلمة أخرى، لا ينطوي الوعي الواعي على شيء يتجاوز معرفة الحقائق وتمثيلها في نظام لمعالجة الرموز. في الاستجابة لهذه الرؤية، الظواهيري ارثر ميلنك يقول ان منظور شيرشلاند و دينيت يعتمد على وجود توصيف ظاهراتي يمكن ان تدركه عملية فيزيائية او تتوافق معه (الفينيمولوجيا والواقع الفيزيائي للوعي،2011،ص 108)،وأيضا يذكر انه "اذا كانت ماهية اللون الأحمر – من منظور الظواهيرية – عصية على الوصف (ليس فيها توصيف ظاهراتي جوهري سوى خوضنا للتجربة وكونها تبدو على ذلك النحو)، عندئذ ومهما بلغت درجة اكتمال معرفة المرء بالفيزياء لن يكون بوسعه اطلاقا ان يدرك كنه اللون الأحمر او طبيعة الشعور به). بكلمة أخرى، هو يدّعي ان المرء سوف لن يعرف ابدا الطبيعة التجريبية لشيء يشبه الأحمر بدون ممارسته حقا: المعرفة في حقائق حول اطوال موجية، لا تكفي لأنك لايمكنك اختزال طبيعة هذه التجربة في أي نوع من وصف الحقائق. لذلك فان الخصائص الظاهراتية للوعي المجسد لا يمكن استنساخها في أي شكل اصطناعي فقط عبر برمجة حاسوب معين بحقائق.

خلاصة

الهدف من هذا المقال ليس لغرض الحط من قدر حقل الذكاء الصناعي المتنامي بسرعة. بالعكس، الباحثون صنعوا اختراقات مذهلة، مثل كتابة برامج يمكنها هزيمة أساتذة الشطرنج الكبار، او تطوير خوارزميات تتيح استرجاع البيانات بسرعة فائقة، ومهمات أخرى مفيدة للإنسانية. ما نود الإشارة اليه هو انه اذا كان بونتي صائبا بان التجسيد سمة أساسية في تطوير تجربة ذات معنى، عندئذ فان حقل الذكاء الصناعي لايمكنه بأي حال ان يأمل في محاكاة الوعي بمجرد تطوير الخوارزميات. يمكننا القول ان  ذكائنا، وحتى تجربتنا، ليست فقط نتاجا لدماغنا، وانما هي أيضا نتيجة لفعل أدمغتنا في العالم المادي. الذكاء الصناعي محكوم عليه بالفشل كمحاولة لمحاكاة الذكاء البشري من حيث افتقاره لعناصر تستجيب للمركز الحي للتجربة. السبب الأول والأعظم أهمية لفشل الذكاء الصناعي هو الافتقار الى تفاعل مشابه للإنسان. الخوارزميات المتجسدة في الكومبيوتر يمكن ان تكون معقدة جدا لخلق مظهر لسلوك ذكي (كما لوحظ في فيديو اللعبة) بدون بيانات تجريبية مصاحبة لوعي حقيقي والذي يسمح بتطوير تفاعل الذهن الإنساني. هذا يشير الى ان الذكاء الحقيقي والذكاء المحاكى ينتميان الى فئتين مختلفتين جوهريا. الذكاء المحاكى ببساطة يتبع برمجته، وهو خلافا للذكاء الحقيقي، لا يمتلك صوتا باطنيا. لهذا هو لايستطيع التفكير، ولا يستطيع ان يتلقى تغذية واعية من التفاعل بين العالم والجسم.

تنطوي محاكاة الذكاء البشري على ما هو اكثر بكثير من مجرد محاولة نسخ العمليات الفيزيائية للدماغ. في أفضل حالاته، يمكن للذكاء ان يحاكي مظهر السلوك البشري بدقة متناهية بحيث لا يستطيع الانسان التمييز بين الانسان والحاسوب. ومع ذلك، لن يكون بوسعه محاكاة التجارب الظواهيرية للمركز الحي للتجربة وان أي محاولة للقيام بهذا ستكون فقط محاكاة أخرى.

***

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) مفهوم االمركز الحي للتجربة يشير الى تجربة الشخص الذاتية في كونه مادي، بدلا من التعامل مع الجسد فقط كشيء. انه يؤكد على كيفية الادراك والشعور والتصرف في العالم من الداخل الى الخارج، مدركا المعنى خلف الوجود المادي للمرء. في الظواهيرية، يتم التمييز بين الجسم الموضوعي the objective body وهو البناء البايولوجي الفيزيقي الحي و المركز الحي للتجربة the lived body وهو الجسم الواعي المجرّب. كيف تشعر بدقات القلب، تحس بالألم او الإبحار في الفضاء، انت لا تمتلك فقط جسما وانما تمارس ذاتك بجسمك.

في ضوء ما تقدم، نخلص إلى أن ابن خلدون كان صريحًا في نقده للمنطق وبيان حدوده، وهو بذلك يختلف عن أولئك الذين يعدّون المنطق علم التفكير الصحيح في كل الأمور، الدينية منها والدنيوية. ويحسن بنا أن نختم هذا النقد بقول ابن خلدون في علم المنطق:

«فهذا العلم، كما رأيته، غير وافٍ بمقاصدهم التي حاموا عليها، مع ما فيه من مخالفة للشرائع وظواهرها، وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين».

وبهذه الحجج اعتقد ابن خلدون أنه نسف جميع التبريرات المطروحة للبحث في المعقولات الميتافيزيقية للعالم.

ومع كل تحفظ ممكن، ينبغي الاعتراف بأن ابن خلدون قد وضع إصبعه على أهم مشكلة في تاريخ المعرفة، وهي مشكلة العلاقة بين الفكر والواقع، أو مشكلة الحقيقة الموضوعية، التي صيغت في الفكر العربي الإسلامي على النحو الآتي:

«كيف يتطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان؟»

أي: كيف يمكن تثبيت العلاقة بين الذهني الكلي والمادي الحسي المشخَّص والحفاظ عليها؟

وإذ شكك ابن خلدون في مطابقة الذهني الكلي للواقعي الحسي الجزئي المتعين، فإنه شكك، في الوقت نفسه، في كل ما بنته الفلسفة النظرية التقليدية. ولعل من الطريف الإشارة إلى أن مشكلة الكليات تُعد من أبرز المشكلات الفلسفية الكبرى في الفكر الفلسفي المسيحي الوسيط؛ إذ انقسم الفلاسفة بشأنها إلى تيارين كبيرين: الاسميين والواقعيين. وكان السؤال الذي واجه الفلاسفة آنذاك هو: هل الأفكار المجردة مجرد أسماء، أم إنها حقائق واقعية؟

وفي هذا السياق جاءت محاولة ابن خلدون في نقده للعقل الخالص، والمنطق التصوري، والميتافيزيقا التقليدية، بهدف تنقية التصور الفكري في طبيعته ووظيفته المعرفية. فالتصور، من حيث هو مرتبط جدليًا بمقتضى الشمول العقلي وبالطابع الفردي للكائنات الطبيعية، لا يتمتع بأساس متين. كما أن القول بأن المقولات محمولات منطقية وأنطولوجية في الوقت نفسه، أو بأن الواقعي عقلي والعقلي واقعي، لا يزيل الغموض والاضطراب اللذين يحيطان بالتصور ويلازمانه على الدوام.

فابن خلدون يرفض أن تكون المجردات المنطقية موجودة وجودًا موضوعيًا، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بإرادة فهم الواقع، متخذًا موقفًا نقديًا من الذات، والواقع، والتاريخ، والعقل ذاته. وهو بذلك لم يرفض إمكان المعرفة العقلية.

لذا ينبغي القول إن ابن خلدون، في نقده للمنطق التجريدي، لم يكن يهدف إلى هدم مبادئ الفكر أو دحض قواعد التفكير السليم، وإنما أراد وضع المنطق في موضعه الصحيح، بوصفه ليس سوى آلة، أو ميزان، أو نظام لتنظيم الفكر، لا لتحصيل المعرفة. ولذلك رفض أن يقبل به من دون فحص حدوده ووظيفته، مؤكدًا أن الفكر الطبيعي يستطيع الوصول إلى مطلوبه من المعرفة من غير توسط المنطق الصوري. لذا أشار إلى أن:

«فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطلوب في العلوم دون صناعة المنطق».

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية

- "ليست القيمة الحقيقية لأي حدث عالمي في عدد الجماهير التي يجذبها، بل في مقدار الاتساق بين الرسالة التي يرفعها والواقع الذي يعكسه".

- "أثبتت الرياضة أن المنافسة لا تحتاج إلى إلغاء الآخر، بينما ما زال النظام الدولي يعجز عن تطبيق الدرس نفسه " (الكاتب).

***

لم تعد الرياضة في القرن الحادي والعشرين مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية تسعى إلى حصد الألقاب، بل غدت إحدى أهم المؤسسات الاجتماعية التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتصوغ أنماطاً جديدة من العلاقات بين الأفراد والشعوب. فالحضارات لم تمنح الرياضة مكانتها لأنها تحتفي بالقوة الجسدية وحدها، وإنما لأنها نجحت في تحويل النزعة الإنسانية نحو الصراع إلى منافسة منظمة تحكمها قواعد العدالة، والانضباط، وتكافؤ الفرص، واحترام الخصم. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تمثل الرياضة فضاء رمزياً يعيد بناء الثقة بين الجماعات المختلفة، ويخفف من حدة الصور النمطية، ويجعل الاعتراف باستحقاق الآخر جزءاً من عملية بناء الهوية الإنسانية، إذ يتعلم الإنسان أن التفوق لا ينتقص من قيمة الآخرين، وأن المنافسة لا تعني العداء، بل تمثل أحد أكثر أشكال التفاعل الإنساني تحضراً. ولهذا أصبحت البطولات العالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، أكثر من مجرد أحداث رياضية، إنها مناسبات تختبر قدرة البشرية على الاجتماع حول قيم مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والهويات الضيقة.

غير أن علم الاجتماع النقدي يدعونا إلى النظر إلى هذه الصورة من زاوية أخرى أكثر عمقاً. فالأحداث الرياضية الكبرى ليست مجرد تجمعات إنسانية، بل هي أيضاً ظواهر اجتماعية تحمل أبعاداً رمزية وثقافية وسياسية، وتشارك في تشكيل الصورة الأخلاقية للدول التي تستضيفها. ومن هنا تكتسب استضافة الولايات المتحدة الأمريكية لكأس العالم دلالة رمزية تتجاوز بعدها التنظيمي أو الاقتصادي، لأنها تضع إحدى أكثر القوى تأثيراً في النظام الدولي أمام سؤال يتعلق باتساق القيم التي تحتفي بها الرياضة مع صورة الدولة في المجال العالمي. فهل يكفي أن تفتح الملاعب أبوابها لشعوب العالم حتى تصبح رسالة الانفتاح مكتملة؟ وهل يمكن للقيم التي تحتفل بالمساواة والاحترام المتبادل داخل المستطيل الأخضر أن تبقى منفصلة عن النقاشات الأوسع المتعلقة بالعلاقات بين الدول، وبكيفية ممارسة النفوذ، وبصورة العدالة في النظام الدولي؟ إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى نفي أهمية الرياضة، وإنما إلى التأكيد أن القيمة الأخلاقية للرموز الكبرى لا تستمد قوتها من الاحتفال بها، بل من انسجامها مع الواقع الذي تمثله.

إن قوة الرياضة لا تكمن في قدرتها على تنظيم المنافسة فحسب، بل في قدرتها على إنتاج نموذج إنساني للعلاقات يقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الكرامة الإنسانية، والقبول بأن الاختلاف لا يمنع التعاون، وأن التفوق لا يبرر الهيمنة. ولهذا فإن المكانة الحضارية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من ملاعب حديثة، أو بما تنجح في تنظيمه من بطولات عالمية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل القيم التي تعرضها أمام العالم إلى ممارسات تتجسد في تعاملها مع الشعوب كافة. فالعالم لا يحتاج إلى ملاعب تجمع البشر لساعات، ثم يعودون بعدها إلى واقع تحكمه علاقات يغيب عنها الشعور بالمساواة والعدالة، بل يحتاج إلى أن تصبح الفلسفة التي تقوم عليها الرياضة جزءاً من الثقافة السياسية والإنسانية معاً. وعندئذ فقط تتحول كأس العالم من احتفال كروي عابر إلى حدث حضاري يعبر عن صدق القيم التي يعلنها، ويصبح الانتصار الحقيقي ليس في رفع الكأس، بل في بناء عالم يتعامل مع الإنسان بالروح نفسها التي تحتفي بها الرياضة كالمنافسة العادلة، والاحترام المتبادل، والإنسانية التي لا تعرف حدوداً ولا تمييزاً.

بمعنى أدق، إن القيمة الحقيقية للرياضة لا تكمن في عدد الكؤوس التي ترفع، ولا في ضخامة الملاعب التي تشيد، وإنما في قدرتها على ترسيخ منظومة أخلاقية تجعل المنافسة وسيلة للارتقاء لا للهيمنة، وتجعل التفوق مدعاة للاحترام لا مبرراً للإقصاء. وحين تنجح المجتمعات في نقل هذه الفلسفة من ميادين الرياضة إلى ميادين السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، تصبح القوة أداة للمسؤولية لا للسيطرة، ويغدو الاختلاف فرصة للتعاون لا سبباً للصراع. فالحضارة لا تبلغ ذروتها عندما تتقن تنظيم البطولات العالمية، بل عندما تجعل القيم التي تحتفي بها في الملاعب منهجاً دائماً في تعاملها مع الإنسان أينما كان.

***

د. حسام الدين فياض / باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

(1850- 2026)

انتهينا في المقال السابق من هذه السلسلة إلى بيان ملامح مفهوم التدين في مرحلة النهضة العربية والإسلامية، وكيف ارتبط بمشروع الإصلاح والنهوض الحضاري.

وإذا ما انتقلنا إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين، نجد أن مفهوم التدين بدأ يتحرك داخل نسق مغاير تمامًا لما كان عليه في لحظة النهضة؛ إذ لم تعد الأسئلة المركزية تدور حول الإصلاح والعمران والتحديث بقدر ما أصبحت تدور حول الهوية والبقاء والمقاومة.

فمع توغل الاستعمار في المجال العربي والإسلامي، وتهاوي ما تبقى من البنى الجامعة التقليدية، بدأ الوعي الجمعي يعيش حالة قلق حضاري حاد، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الشبيبة إلى البحث عن ملاذ رمزي يعيد إليها الشعور بالتماسك والانتماء. وهنا بالتحديد بدأ التدين يتحول من كونه مشروعًا إصلاحيًا مفتوحًا إلى كونه هوية مقاومة مشحونة بالتوتر الحضاري.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا أن هذا التحول لم يكن وليد التنظير الفكري وحده، بل كان ثمرة نسقية معقدة تشابكت فيها الهزائم السياسية مع التفكك الاجتماعي ومع تغوّل النموذج الغربي في التعليم والإدارة والثقافة. حيث شعر كثير من الناس آنذاك أن المجال العام يُعاد تشكيله بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وأن الدولة الوطنية الناشئة تتجه تدريجيًا نحو أنماط من العلمنة، والإدارة الحديثة لا تمنح الدين موقعه المركزي الذي كان يحتله سابقًا. ومن ثَمّ، بدأ التدين يكتسب وظيفة دفاعية جديدة، لا بوصفه علاقة روحية وأخلاقية فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذات الحضارية من الذوبان داخل الأغيار.

وفي هذا السياق تحديدًا برزت الجماعات الجانحة المتشددة والتيارات الحركية التنظيمية التي أعادت صياغة مفهوم التدين ضمن أطر أكثر انغلاقًا وتشددًا، فلم يعد التدين مجرد تجربة فردية تقوم على التزكية والعبادة وتهذيب النفس، بل أخذ يتحول تدريجيًا إلى مشروع تنظيمي يستند إلى التعبئة والاستقطاب، ويستهدف إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤى أيديولوجية محددة. وهنا يبدوا تحول المفهوم بالغ الأهمية؛ لأن التدين بدأ ينتقل من فضاء المسجد والكتاب والمدرسة إلى فضاء الجماعة والتنظيم والنسق الحركي المنغلق. حيث بدأت صورة المتدين نفسها تتغير داخل الوعي الجمعي، فلم يعد المتدين هو ذلك الإنسان المنصرف إلى إصلاح نفسه ومجتمعه بهدوء، بل أصبح في بعض السياقات هو الإنسان المنخرط في مشروع تعبوي واسع يسعى إلى إعادة صياغة المجال العام بأكمله.

فمع تزايد الاستقطاب السياسي والفكري، بدأت بعض النهوج التنظيمية تميل إلى رسم حدود حادة بين المتدين وغير المتدين، وهي الحدود التي تضخمت لاحقًا بصورة أكثر حدة. فقد تحوّل التدين تدريجيًا إلى غرابيل اجتماعية وثقافية يتم من خلالها تصنيف الناس والحكم على وعيهم ودرجة التزامهم. وشيئًا فشيئًا، أخذت بعض المظاهر الشكلية تحتل موقعًا متقدمًا في تعريف التدين داخل المخيال الشعبي، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأخلاق والعمران والحرية والعدالة.

ومن هنا بدأت تظهر البذور الأولى لذلك الانزياح الذي يقودنا لاحقًا إلى اختزال الدين في مظاهر جزئية أو شعارات مغلقة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام المجترئين كي يحتكروا الحديث باسم الدين ذاته. ناهیک عن أن التحولات الدولية آنذاك أسهمت بدورها في إعادة تشكيل التدين داخل المجال العربي والإسلامي؛ فصعود القوميات الحديثة، وانهيار الخلافة العثمانية، وتزايد الخطاب الاستعماري، كلها عوامل دفعت قطاعات من الشبيبة إلى النظر إلى التدين بوصفه آخر الحصون المتبقية في مواجهة التفكك الحضاري.

غير أن المشكلة لم تكن في هذا الشعور في ذاته، بل في الكيفية التي أُعيد بها تشكيله داخل بعض الأنساق الحركية المغلقة، بحيث تحوّل أحيانًا من قوة أخلاقية منفتحة إلى أداة للمفاصلة والاستقطاب. وهنا بالتحديد بدأ التدين يفقد شيئًا من طابعه الإصلاحي الرحب الذي ميّز لحظة النهضة، ليدخل تدريجيًا في مسارات أكثر توترًا واحتقانًا، الأمر الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع مرحلة الصدام الأيديولوجي والدولة الوطنية بعد منتصف القرن العشرين.

وإذا ما حاولنا الاقتراب من المرحلة الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل الثورات العربية، نجد أن مفهوم التدين بدأ يدخل طورًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته معًا؛ إذ لم يعد التدين في هاتيك اللحظة خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة الدينية التقليدية، ولا لسلطة التنظيمات الحركية المنغلقة كما كان في العقود السابقة، بل بدأ يتحرك داخل فضاء سيّال ومفتوح أعادت تشكيله العولمة والفضائيات والثورة الاتصالية المتسارعة.

ومن هنا تحديدًا بدأت تتفكك النسقية الصلبة التي حكمت التدين طوال عقود، لتحل محلها حالة من التعدد والتشظي والانتقائية، الأمر الذي يقودنا إلى ما يمكن تسميته فعلًا بـالمنطق المائي للتدين المعاصر؛ حيث لا يقين مستقر، ولا مركزية معرفية واحدة، ولا سلطة قادرة على احتكار تشكيل الوعي الجمعي كما كان الأمر سابقًا. فقد شهد حاضرنا المعيش آنذاك انفجارًا هائلًا في وسائل الإعلام الديني، بدءًا من أشرطة الكاسيت التي هيمنت في الثمانينيات، وصولًا إلى القنوات الفضائية العابرة للحدود في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وهنا ظهر ما يمكن وصفه بـالتدين الإعلامي؛ إذ لم يعد المتدين يتلقى معارفه عبر حلقات العلم التقليدية أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل صار يتشكل عبر الشاشات والبرامج الجماهيرية والخطابات السريعة التي تخاطب العاطفة أكثر مما تبني المعرفة العميقة. والأمر الذي يبدوا بالغ الدلالة أن صورة الشيخ نفسها تغيرت؛ فلم يعد الشيخ مجرد متفقه أو عالم تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شخصية جماهيرية قادرة على التأثير في الشبيبة عبر الأداء الإعلامي والكاريزما دون النظر إلى مصدر علمه أو مؤهلاته التي تؤهله للتصدر والتعليم.

وفي هذا السياق برز نمط جديد من التدين يمكن وصفه بالتدين الانتقائي أو الفرداني؛ إذ أخذ الأفراد يُعيدون تركيب تدينهم بأنفسهم خارج الأنساق التقليدية الصارمة. فلم يعد الإنسان ملتزمًا بنهج فقهي أو حركي واحد، بل صار ينتقي من الخطابات والفتاوى والممارسات ما يتوافق مع تجربته الشخصية وواقعه الاجتماعي. ومن ثَمّ، أصبح التدين أكثر مرونة وسيولة، لكنه في الوقت ذاته فقد كثيرًا من تماسكه المعرفي القديم. وهنا بدأت تظهر ظواهر شديدة التعقيد؛ كتدين الاستهلاك، والتدين المناسباتي، والتدين العاطفي السريع، وهي ظواهر لم تكن مألوفة بالصورة ذاتها في المراحل السابقة.

ناهیك عن أن العولمة الثقافية أعادت هي الأخرى تشكيل علاقة الشبيبة بالدين والهوية. حيث وجد كثير من الشباب أنفسهم يتحركون بين عوالم متناقضة؛ عالم محلي محافظ، وعالم رقمي عالمي مفتوح على كل الأفكار والصور وأنماط الحياة. وهذا التداخل بين الأنساق المختلفة خلق حالة من القلق الهوياتي المستمر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بينما دفع آخرين إلى أنماط من التدين الخفيف أو الرمزي أو حتى الانفصال التدريجي عن المجال الديني كله.

وهنا يبدوا أن الأزمة لم تعد أزمة التزام ديني فحسب، بل أزمة معنى وهوية وموقع داخل عالم متغير بصورة متسارعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن التدين أصبح أكثر قابلية للتسليع والاستهلاك الإعلامي. حيث دخل السوق بقوة إلى المجال الديني، وتحول بعض الخطاب الدعوي إلى منتج جماهيري يخضع لقوانين المشاهدة والتأثير والانتشار.

ومن هنا ظهرت شخصيات دعوية جديدة تخاطب الطبقات الوسطى بلغة التنمية البشرية والنجاح الفردي أكثر من مخاطبتها للأسئلة المعرفية والروحية العميقة. وبينما رأى بعض المشككين في هذه الظاهرة نوعًا من التخفف الإيجابي من الراديكالية القديمة، رأى آخرون أنها قادت إلى تفريغ التدين من مضمونه المعرفي والتحويلي، وتحويله إلى ممارسة استهلاكية ناعمة لا تمس البنى العميقة للوعي أو السلوك.

نخلص إذن إلى أن هاتيك المرحلة لم تشهد تراجع التدين بقدر ما شهدت إعادة تشكيله داخل نسق عالمي جديد تحكمه السرعة والسيولة وتفكك المرجعيات الكبرى. فقد خرج التدين من الأطر المغلقة القديمة، لكنه لم يدخل في المقابل إلى حالة استقرار معرفي أو أخلاقي واضحة، بل أصبح يتحرك داخل فضاء متشظٍّ تتنازعه المؤسسات الرسمية، والحركات الحركية، وقادة الرأي، والإعلام، والسوق، والمنصات العابرة للحدود.

وهكذا صار التدين أكثر حضورًا في المجال العام من جهة، وأكثر هشاشة واضطرابًا من جهة أخرى، الأمر الذي سيمهد لاحقًا للانفجار الأكبر مع الثورات العربية وصعود الإعلام الرقمي والخوارزميات في العقد التالي. وللحديث بقية... إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين.

***

بقلم:  د. بدر الفيومي

 

ليست كل الحركات التي يؤديها الإنسان عفوية كما تبدو. فالجسد، في لحظات بعينها، يتكلم بلغة أصدق من الكلمات، ويعترف بما تعجز عنه الشفاه. وما من هيئة أكثر بلاغة من وجه يستند إلى كف، كأن الإنسان في تلك اللحظة يعيد حمل نفسه بنفسه، بعدما أثقلته ألحياة بالكثير

إن اتكاء الوجه على الكف ليس علامة تعب فحسب، بل هو وضعية وجودية.. لحظة يتوقف فيها الصخب الخارجي ليبدأ الضجيج الداخلي. هناك، عند التقاء الملامح براحة اليد، ينكمش العالم إلى مساحة صغيرة، وتصبح الكف وطنا مؤقتا يأوي إليه العقل حين يتشرد، والقلب حين يضيق به اتساع الحياة.

في تلك الهيئة، لا يكون الإنسان جالسا أمام العالم، بل جالسا أمام ذاته. يراجع ما انكسر، ويستحضر ما غاب، ويحاور ما استعصى عليه فهمه. وكأن اليد لا تحمل الرأس وحده، بل تحمل أثقال الأعوام، وخيبات الأحلام، وأسئلة لم تجد بعد إجاباتها.

أحيانا نتكئ لأن الجمال نفسه يفوق قدرتنا على الاحتمال. فليست الدهشة أقل ثقلا من الحزن، وليس الفرح العظيم أقل إنهاكا من الألم العميق. هناك مشاهد تفيض من معناها حتى تضيق بها الحواس، فنلجأ إلى أكفنا لا لنستريح، بل لنحتمي من فيض الشعور. فكما أن العين قد تدمع من الوجع، فإنها قد تدمع أيضا من فرط الجمال.

ولعل اليد، منذ الطفولة، كانت أول ما عرفناه من معاني الأمان. بها احتضنتنا الأمهات، وربت الآباء على الأكتاف، وصافحنا الأحبة، ولوحنا للراحلين. لذلك حين نضع وجوهنا عليها، فإننا نستدعي، دون أن نشعر، ذاكرة الطمأنينة الأولى؛ كأن الإنسان، كلما أرهقه العالم، عاد يبحث عن حضنه الأول، ولو كان ذلك الحضن هو كفه.

وفي التأمل العميق، تبدو هذه الحركة وكأنها مقاومة هادئة للانهيار. فالإنسان لا يضع وجهه على يده لأنه استسلم، بل لأنه يؤجل السقوط. إنه يمنح روحه مهلة قصيرة لترتب فوضاها، ولتعيد إلى أفكارها نظامها، وإلى قلبها نبضه المتزن. فالكف ليست مجرد سند للرأس، بل دعامة للروح وهي تعبر جسور القلق.

وحين يسرح الخيال، تتوارى الحدود بين الواقع والحلم. يصبح الوجه المتكئ نافذة مفتوحة على عوالم لا يراها سواه.. يستعيد وجوها أحبها، وأمكنة فقدها، وأياما لم تكتمل، ومستقبلا لا يزال ينسجه بخيوط الرجاء. فكم من فكرة عظيمة، وقرار مصيري، وقصيدة خالدة، واعتراف مؤجل، ولد في تلك اللحظة الصامتة التي اتكأ فيها الوجه على الكف.

ربما لهذا السبب اقترنت صورة الفيلسوف دائما بالتأمل. فمنذ تمثال المفكر لأوغست رودان، الذي جعل اليد سندا لرأس مثقل بالأسئلة، أصبح اتكاء الوجه على الكف رمزا للوعي الإنساني وهو يصارع الوجود.

لهذا لا ينبغي أن نقرأ هذه الهيئة كعلامة كسل أو شرود، بل بوصفها لحظة يتصالح فيها الإنسان مع هشاشته. فالذين يملكون شجاعة التأمل، يدركون أن القوة لا تعني أن نبقى واقفين دائما، وإنما أن نجد في لحظة الاتكاء ما يعيد إلينا القدرة على الوقوف من جديد.

وهكذا، يظل الوجه المتكئ على الكف صورة تختصر الحكاية الإنسانية كلها.. مخلوق محدود يحمل أسئلة لا حدود لها.. وروحا تبحث عن يقين في عالم يزداد غموضا. وما بين الكف والملامح، يولد ذلك الصمت النبيل الذي لا يقول شيئا، لكنه يكشف كل شيء. ففي بعض الأحيان، لا يكون الاتكاء على اليد تعبيرا عن التعب، بل إعلانًا صامتا بأن الإنسان ما زال يفكر، وما زال يحلم، وما زال يقاوم التلاشي بفعل التأمل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إن ذروة الثورة المنهجية التي أحدثها ابن خلدون تتجلى في نقده للعقل والمنطق؛ إذ رفض الثقة المطلقة بالعقل من حيث هو معيار للحقيقة، وقانون لمعرفة الصواب من الخطأ. وربما كان ابن خلدون قد تأثر بأبي حامد الغزالي (ت 505هـ) في نقده للعقل وبيان حدوده، إذ أشار، في معرض دحضه لدعاوى العقل، إلى ما يلي:

“ولا تثقن بما يزعم لك العقل من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، ويسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كل مدرك، في بادئ رأيه، منحصر في مداركه ولا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه… فلعل هناك ضروبًا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقًا من ذلك… وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمح أن تزن أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حدًّا يقف عنده، ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك”.

يفضح هذا النص المقتبس من المقدمة وجود تشابه واضح مع رأي أبي حامد الغزالي في نقده للعقل وبيان عجزه عن إدراك الأمور الإلهية، وتشبيهه العقل بالميزان الصحيح، أو المحك، أو المعيار.

ورغم ذلك التشابه، فإن ابن خلدون يذهب في نقده للعقل إلى أبعد مما ذهب إليه الغزالي؛ إذ يكشف عن عجز المنطق عن فهم الأمور الاجتماعية والسياسية. ويرى ابن خلدون أن “العلماء من بين الناس أبعد عن السياسة ومذاهبها”، وهو يقصد بالعلماء أولئك الذين يتبعون في علومهم القياسات المنطقية الصورية، إذ يقول إنهم اعتادوا في حياتهم العلمية أن يغوصوا إلى المعاني فينتزعوها من المحسوسات، ويجردوها في الذهن أمورًا كلية عامة، ثم دأبوا على تطبيق هذه الكليات العامة المجردة على السياسة والحياة الاجتماعية، ولهذا نجدهم يفشلون فيها فشلًا ذريعًا.

ولم تكن الثورة المنهجية الكبرى في فجر النهضة الأوروبية الحديثة إلا ثورة فكرية للتخلص من المنطق عامة، والمنطق الأرسطي خاصة، والقياس على وجه الخصوص؛ إذ أدرك الفلاسفة المنهجيون، أمثال فرنسيس بيكون وديكارت وجون لوك وهيوم وفيكو، أن تأخر العلم وتخلف المجتمع يعودان إلى شيوع المنهج الاستدلالي الذي يعتمد المنطق الصوري والقياس الاستنباطي.

وقد كانت الفلسفة والمعرفة عمومًا، طوال القرون السابقة للنهضة، تقومان على أساس منهجي عقيم لا يمكن أن يؤدي إلى علم جديد؛ فقد تجمد المنطق في قوالب فكرية جامدة، حتى إذا استغرق المفكر فيها أمسى وكأنه يدور في حلقة مفرغة لا يستطيع أن يتخلص منها. وقد رأى شيلر أن الحقيقة، في ضوء هذا المنطق، واحدة، والآراء إذن يجب أن تكون فيها متفقة؛ فأنت إما أن تكون مع تلك الحقيقة أو ضدها، فإذا كنت ضدها فأنت هالك، أما إذا كنت معها فليس لأحد أن يجرؤ على مناقضتك أو الاعتراض عليك. إنك محق إذا غضبت على أولئك الذين يجادلونك في الحقيقة؛ فالحقيقة حقيقتك، أو هي بالأحرى أنت إذا جردت نفسك من مشاعرك البشرية.

وهذا يعني أن المنطق لا يزيدك علمًا بشيء من حقائق الأشياء، ولا يقينًا بصحتها، كما لا يزيدك علمًا بخطئك، ولا يصحح لك خطأك. ولو كان العلم بالمنطق، لما كان تاريخه تاريخ تصحيح للأخطاء، بل لصار تاريخ تقديس للحقائق، ولما كان هناك نقد ولا تطور ولا تقدم ولا ارتقاء. فالمنطق، وفق هذا التصور، قد يصبح وسيلة إلى الانغلاق والتعصب وتقديس الأهواء، لا إلى الاختراع والاكتشاف والنقد المستمر والتقدم المتواصل.

وحين نصف المنطق التقليدي بأنه صوري، فإننا نقصد بذلك أنه يهتم بصورة الشيء ويهمل مادته. وأوضح تطبيق لهذا المنطق جاء في الهندسة؛ إذ يهتم المهندسون بالشكل الذي تظهر فيه الأشياء، كالهرم والمخروط والأسطوانة والمثلث والدائرة والمستطيل، ولا يبالون بالمادة التي تتكون منها هذه الأشكال. ولما رأى المناطقة نجاح منطقهم في ميدان الهندسة وغيرها من العلوم الرياضية، ظنوا أنهم سينجحون كذلك في جميع الميادين الفكرية، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والسياسية.

وقد وجد غالبية المفكرين المسلمين، من الفلاسفة والفقهاء والمؤرخين وغيرهم، في المنطق الأرسطي ضالتهم المنشودة، فكانوا يجردون الأفكار من موادها، أي يبحثون -كما وصفهم ابن خلدون- في “صور” قد تجردت من “موادها”، دون مراعاة الوقائع والأحوال. كما اتخذوا القياس المنطقي سبيلًا لتأييد المذاهب والآراء، لذا وجدنا أصحاب المذاهب المتنازعة يتحاربون بسلاح القياس المنطقي كما يتحاربون بالسيف.

ولعلي لا أبالغ في القول إن سبب تخلفنا الثقافي والعلمي إلى اليوم يعود، في وجه من وجوهه، إلى رسوخ ذلك المنطق العقيم في عاداتنا الفكرية؛ إذ نجد كثيرًا من متعلمينا، الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين، لا يزالون يفكرون وفق ذلك المنطق ويتعصبون له، فيهملون الواقع الصارخ، ويحلقون في سماء المنطق الصوري والقياس التجريدي، غير عالمين بما حدث في العصر الحديث من ثورة على ذلك المنطق، وبيان عقمه وضرره. فليس هناك ما هو أشد أثرًا في عرقلة نمو المعرفة العلمية من المنطق التقليدي.

ولم تبدأ انطلاقة الثورة المعرفية العلمية الهائلة إلا بعد أن هدم فرنسيس بيكون جسور المنطق، ودحض أوهامه في الأورغانون الجديد.

ومن هنا تتضح أهمية الطفرة المنهجية الكبرى التي أقدم عليها ابن خلدون قبل بيكون ولوك وهيوم، بنقده مبادئ المنطق الصوري وكشفه عن زيف تطبيقاته على ظواهر الحياة الاجتماعية والتاريخية والسياسية؛ فقد أكد أن “صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس”. ووجه قصور المنطق، في رأيه، أن النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة غير يقينية، ولا تطابق ما هو موجود في الخارج، “اللهم ما يشهد به الحس من ذلك، فدليله شهوده لا تلك البراهين، فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟”

ويستلهم ابن خلدون نقد الشيخ ابن تيمية للمنطق الصوري، كما يستلهم نقد أبي حامد الغزالي للعقل المجرد، ليعيد مزجهما في منهجه النقدي الجديد؛ إذ يرى ابن تيمية (ت 728هـ) أن البرهان المنطقي القائم على الكليات الذهنية لا يوصل إلى علم يقيني، بل إلى أمور ظنية مقدرة في الأذهان فقط، وأن العلم الحق هو الذي يستمد أحكامه من الأشياء الجزئية المتعينة بوجودها الخارجي. كما يميز بين “الإمكان الذهني” و”الإمكان الخارجي”، فالأول يستند إلى التفكير المجرد، بينما الثاني يستند إلى الاستقراء الحسي.

ومثل هذا التمييز نجده عند ابن خلدون بين “الإمكان العقلي المطلق” و”الإمكان بحسب المادة التي للشيء”.

ويروي ابن خلدون قصة طريفة تشبه أسطورة الكهف في جمهورية أفلاطون، مفادها أن وزيرًا اعتقله سلطانه هو وابنه الصغير، ومكثا في السجن سنين نشأ فيها الولد وكبر. فلما نضج عقله أخذ يسأل أباه عن لحم الغنم الذي يؤتى به إلى السجن لإطعامهما: من أي الحيوانات هو؟ لأن الولد لم ير الغنم في حياته، وكل ما رآه من الحيوانات في سجنه هو الفأر وحده، فتصور أن الغنم يشبه الفأر، وأبوه ينكر عليه ذلك.

أراد ابن خلدون من هذه القصة بيان أن تصورات الإنسان لا تخرج عن نطاق ما يألفه ويعتاد عليه في بيئته المحدودة، ولذلك يصعب عليه أن يتصور ما ليس مألوفًا لديه إلا بالقياس على المألوف.

إن ابن خلدون في هذه القصة يشبه الغزالي في قصة العميان مع الفيل؛ إذ ذهب أبو حامد الغزالي إلى أن موقف الناس من الحقيقة يشبه موقف العميان من الفيل، فكل منهم يصور الفيل من خلال الجزء الذي يحسه منه.

وينتهي ابن خلدون إلى القول: “ولا تنكر ما ليس بمعهود عندك، ولا في عصرك، بشيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممتلات، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الأمم السالفة بادروا بالإنكار، وليس ذلك من الصواب؛ فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها”.

في الواقع، لم يكن نقد ابن خلدون للمنطق الصوري نقدًا عابرًا أو سطحيًا، بل كان نقدًا منهجيًا واعيًا؛ إذ أدرك عقم المنهج الاستدلالي في دراسة ظواهر الحياة والتاريخ، كما أدرك ذلك قبله الحسن ابن الهيثم في كتابه المناظر، إذ كتب يقول: “فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات، فلم أحظ من شيء بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجًا، ولا إلى الرأي اليقين مسلكًا جيدًا، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية”.

وفي السياق ذاته، وجدنا ابن خلدون يميز بين صورة الشيء ومحتواه أو مادته، إذ أشار إلى أن المناطقة والمؤرخين الذين يعتمدون القياس المنطقي كانوا مشغولين بصورة الأفكار وأهملوا مادتها. وقد كتب في نقد المؤرخين المقلدين الذين “يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الواقع في العصور الأولى، صورًا تجردت من موادها، وصفائح انتضيت من أغمادها”، أي إنهم اهتموا بأغماد السيوف وأهملوا السيوف التي لم توضع الأغماد إلا من أجلها، وهي كناية عن اهتمام المناطقة بصور الأشياء المجردة وإهمال الأشياء ذاتها.

وينتهي ابن خلدون، في بيان مخاطر المنطق الصوري وعدم قدرته على فهم ظواهر الحياة الاجتماعية، وكيف أن العلماء المناطقة هم أبعد الناس عن فهم السياسة، إلى القول إن الرجل العامي، الذي لم يعتد التجريد الذهني كثيرًا، قد يكون أصدق حكمًا في الأمور من المناطقة؛ إذ إنه، لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده عليه، يقتصر لكل مادة على حكمها، ولكل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به، ولا يتعدى الحكم بقياس أو تعميم، ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة، ولا يجاوزها في ذهنه، كالسابح الذي لا يفارق البر عند الموج، فيكون مأمونًا من الخطأ في سياسته، مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه، فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره، وفوق كل ذي علم عليم.

ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس؛ فإنها تنظر في المعقولات الثانية، ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني.

وحتى لا يساء فهم قولنا بنقد ابن خلدون للمنطق الصوري، فيفهم منه أنه لم ير في المنطق شيئًا جديرًا بالقيمة، تلزمنا الأمانة العلمية أن ننوه بأن ابن خلدون رأى في المنطق فائدة محدودة النطاق، تقتصر على ترتيب الأدلة وتحقيق الاتساق الفكري. فالباحث، في رأي ابن خلدون، لا يحتاج إلى المنطق إلا بعد أن ينتهي من البحث، وعندئذ يستخدمه لتقديم براهينه للناس في صورة منسقة مرتبة. أما فيما عدا ذلك، فإن استخدام المنطق يؤدي إلى نتائج مغلوطة، ومن هنا كان المناطقة غير قادرين على الوصول إلى نتائج صحيحة في الأمور الإلهية وفي الأمور السياسية وغيرها.

والسياسة، كما يقول ابن خلدون، “يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها؛ فإنها خفية، ولعل فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال، وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها، ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر؛ إذ كما اشتبها في أمر واحد اختلفا في أمور أخرى، فيكون العلماء، لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض، إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم، فيقعون في الغلط، ولا يؤمن عليهم”.

هكذا أدرك ابن خلدون الطبيعة المتغيرة لوقائع التاريخ، الذي يتحدث عما لم يره أحد مرتين؛ أي عن ظواهر تاريخية فريدة لا تتكرر أبدًا، وحتى إن تشابهت في بعض الوجوه، فإنها تظل فريدة من حيث زمان وقوعها ومكانه والأشخاص الذين اشتركوا فيها.

***

ا. د. قاسم المحبشي

كتب: براين نورتن

ترجمة: علي حمدان

***

بالنسبة لبرنارد ستيجلر، الفيلسوف صاحب الرؤية الثاقبة لعصرنا الرقمي، فإن التقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية*

***

في أواخر القرن العشرين، بدأ ستيغلر بتطبيق هذه الفكرة على تقنيات الإعلام الجديدة، كالتلفزيون، مما أدى إلى تطوير مفهوم أطلق عليه اسم "علم الأدوية" - وهي فكرة تشير إلى أننا لا نستخدم أدواتنا الرقمية فحسب، بل إنها تتغلغل فينا وتُغيرنا، تمامًا كالأدوية. واليوم، يمكننا توسيع نطاق هذا التشبيه. فالإنترنت يُقدم لنا أرشيفًا ضخمًا من المعلومات المُنسقة والمتاحة بسهولة. مواقع مثل ويكيبيديا تحتوي على تيرابايتات من المعرفة، تراكمت وتناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين. في الوقت نفسه، يُتيح هذا التبادل غير المسبوق للمعلومات نشر كميات هائلة من المعلومات المُضللة، ونظريات المؤامرة، وغيرها من المحتويات الضارة. العالم الرقمي، كما يقول دريدا، سمٌّ ودواءٌ في آنٍ واحد.

دفع هذا النوع من التعددية ستيغلر إلى التفكير بتمعن في التقنيات أكثر من التكنولوجيا نفسها. فبالنسبة لستيغلر، ثمة مخاطر كامنة في التفكير من منظور التكنولوجيا: فكلما ازداد انتشار التقنيات الرقمية في حياتنا، كلما سهُل علينا نسيان أن هذه الأدوات نتاج اجتماعي صنعه البشر. كيف نستمع إلى الموسيقى، والطرق التي نسلكها للوصول من مكان إلى آخر، وكيف نتواصل مع الآخرين، كل هذه الجوانب من حياتنا اليومية أعيد تشكيلها بفعل التقنيات الجديدة والبشر الذين ينتجونها. ومع ذلك، نادرًا ما نتوقف لنفكر في دلالات ذلك بالنسبة لنا. اعتقد ستيغلر أن هذا النسيان يخلق أزمة عميقة لجميع جوانب التجربة الإنسانية. فبالنسيان، نفقد قدرتنا البالغة الأهمية على تخيل طرق بديلة للعيش. ويبدو المستقبل محدودًا، بل ومحددًا سلفًا، بفعل التكنولوجيا الجديدة.

في العالم الناطق بالإنجليزية، يُعرف ستيغلر بكتابه الأول "التقنية والزمن، الجزء الأول: خطأ إبيميثيوس" (1994). في الجملة الأولى، يُبرز الرابط الحيوي بين فهمنا للتقنيات التي نستخدمها وقدرتنا على تخيّل المستقبل. يكتب: "موضوع هذا العمل هو التقنية، باعتبارها أفق كل الاحتمالات القادمة وكل احتمالات المستقبل". ينظر إلى علاقتنا بالأدوات باعتبارها القوة الحاسمة لجميع الاحتمالات المستقبلية؛ فالتقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية، وهي سمة أغفلها الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو وحتى يومنا هذا. فبينما طرح رينيه ديكارت وهوسرل ومفكرون آخرون أسئلة مهمة حول الوعي والتجربة المعيشة (الظاهراتية)، وطبيعة الحقيقة (الميتافيزيقا) أو المعرفة (نظرية المعرفة)، إلا أنهم لم يُفسروا الطرق التي تُساعدنا بها التقنيات في إيجاد إجابات لهذه الأسئلة، أو تُوجهنا نحوها. بحسب ستيجلر، فإن "التقنية هي ما لم يُفكر فيه".

ولتأكيد أهمية التقنيات، يلجأ ستيغلر إلى أسطورة الخلق التي رواها الشاعر اليوناني هسيود في كتابه "الأعمال والأيام"، الذي كُتب حوالي عام 700 قبل الميلاد. أثناء خلق العالم، طلب زيوس من التيتان إبيميثيوس توزيع المواهب الفردية على كل نوع. منح إبيميثيوس الطيور أجنحة لتطير، والأسماك زعانف لتسبح. ولكن عندما وصل إلى البشر، لم يتبقَّ لدى إبيميثيوس أي مواهب. لجأ إبيميثيوس، الذي يعني اسمه (بحسب ستيغلر) "النسيان" باليونانية، إلى أخيه بروميثيوس طلبًا للمساعدة. فسرق بروميثيوس النار من الآلهة، وقدمها للبشر بدلًا من موهبة بيولوجية. وهكذا، وُلد البشر مرة أخرى من فعل النسيان، تمامًا كما في نظرية أفلاطون عن التذكر. ويكمن الاختلاف مع قصة هسيود في أن التقنيات هنا تُوفر أساسًا ماديًا للتجربة الإنسانية. بسبب افتقار الإنسان العاقل لأي مواهب فسيولوجية، يجب عليه البقاء على قيد الحياة باستخدام الأدوات، بدءًا من النار.

يرى ستيغلر أن علم الأدوية التقنية يتيح فرصًا لعلاقات إيجابية أو سلبية مع الأدوات. وكما كتب الشاعر فريدريك هولدرلين في اقتباسٍ كثيرًا ما استشهد به ستيغلر: "حيث يكمن الخطر، تنمو أيضًا قوة الإنقاذ". وبينما يركز دريدا على قدرة الكلمة المكتوبة على تقويض سيادة الفرد، يوسع ستيغلر هذا الفهم لعلم الأدوية ليشمل مجموعة متنوعة من الوسائط والتقنيات. فليس الكتابة وحدها، بل المصانع ومراكز البيانات وحتى الأدوية النفسية تمتلك القدرة الدوائية على تسميم عالمنا أو شفائه، والأهم من ذلك، فهمنا له. يمكن للتطور التكنولوجي أن يدمر إحساسنا بأنفسنا كذوات عقلانية متماسكة، مما يؤدي إلى معاناة ودمار واسعين النطاق. لكن الأدوات يمكن أن تمنحنا أيضًا إحساسًا جديدًا بمعنى الإنسانية، مما يؤدي إلى أنماط جديدة من التعبير والممارسات الثقافية.

في كتابه "البؤس الرمزي، المجلد الثاني: كارثة المحسوس" (2015)، يتناول ستيغلر أثر التقنيات الحديثة، ولا سيما تلك المصاحبة للتصنيع، على الفن والموسيقى. غالبًا ما يُنظر إلى الصناعة، التي تُعرَّف بالإنتاج الضخم والتوحيد القياسي، على أنها مناقضة للحرية الفنية والتعبير. لكن ستيغلر يحثنا على إلقاء نظرة فاحصة على تاريخ الفن لنرى كيف استجاب الفنانون للتصنيع. فعلى سبيل المثال، ردًا على آثار التوحيد القياسي للآلات الجديدة، استخدم مارسيل دوشامب وغيره من رواد الطليعة الفنية في القرن العشرين الأدوات الصناعية لابتكار أشكال جديدة من التعبير الإبداعي. في لوحة "عارية تنزل الدرج، رقم 2" (1912)، وظّف دوشامب المنظورات الزمنية الجديدة التي أتاحها التصوير الفوتوغرافي والسينما لرسم نوع مختلف جذريًا من الصور الشخصية. استلهم دوشامب من قدرة الكاميرا على التقاط الحركة إطارًا بإطار، فرسم عارضة عارية تظهر في لحظات متعددة في آن واحد، كسلسلة من الصور المتتابعة بتقنية الفاصل الزمني. لاقت الصورة رواجًا فوريًا، وأصبحت رمزًا للحداثة وما نتج عنها من تداخل بين الفن والتكنولوجيا الصناعية.

لم تخلُ الابتكارات التقنية، في نظر ستيغلر، من تداعيات سياسية واجتماعية. فعلى سبيل المثال، ربما ساهم الفونوغراف في توحيد الأداء الموسيقي الكلاسيكي بعد اختراعه في أواخر القرن التاسع عشر، ولكنه أسهم أيضًا في تطوير موسيقى الجاز، وهو نوع موسيقي كان رائجًا بين الموسيقيين الذين مُنعوا من الوصول إلى عالم النخبة في الموسيقى الكلاسيكية. وبفضل الفونوغراف، تمكّن موسيقيون سود، مثل عازف البيانو والملحن ديوك إلينغتون، من تعلّم العزف على آلاتهم سماعيًا، دون الحاجة إلى تعلّم قراءة النوتات الموسيقية أولًا. ومن المفارقات أن تصنيع الفونوغراف للأداء الموسيقي أدى إلى الارتجال الحرّ لعازفي الجاز.

يلفت كتاب "التقنية" انتباهنا إلى قدرات أدواتنا في تشكيل العالم، مع تذكيرنا في الوقت نفسه بالطبيعة المصطنعة لواقعنا التكنولوجي. ولا يتجاهل فهم ستيغلر الشامل للتقنية، الذي يشمل كل شيء من الأدوات الزراعية القديمة إلى جهاز التلفزيون، الابتكارات الجديدة. ففي عام 2006، أسس ستيغلر معهد البحث والابتكار، وهو منظمة تابعة لمركز بومبيدو في باريس، تُعنى بدراسة تأثير التكنولوجيا الرقمية على المجتمع المعاصر. وقد أدى إيمان ستيغلر بقدرة التكنولوجيا على تشكيل العالم من حولنا في كثير من الأحيان إلى اتهامه بأنه من دعاة الحتمية التكنولوجية، الذين يعتقدون أن مسار التاريخ برمته يتشكل بفعل الأدوات والآلات. صحيح أن ستيغلر يعتقد أن التكنولوجيا تُحدد هويتنا كبشر، لكن هذه العملية لا تُقيدنا دائمًا بنتائج مُحددة مسبقًا. بل إنها في الوقت نفسه تُوفر لنا أفقًا ماديًا من التجارب الممكنة. تحثنا نظرية ستيغلر في التقنية على إعادة النظر في تاريخ الفلسفة والفن والسياسة، لكي نفهم بشكل أفضل كيف شكّلت التكنولوجيا عالمنا. ومن خلال اكتساب هذا الوعي التاريخي، يأمل أن نتمكن في نهاية المطاف من تصميم أدوات أفضل، مستخدمين التكنولوجيا لتحسين عالمنا بطرق فعّالة.

لا يعني هذا أن ستيغلر متفائلٌ بالتكنولوجيا، وينظر إليها نظرةً عمياء كحلٍّ سحريٍّ لمشاكلنا. أحد مخاوفه الرئيسية بشأن التكنولوجيا الرقمية هو قدرتها على توحيد العالم الذي نعيش فيه. فالبيانات الضخمة، في رأي ستيغلر، تُهدد بتقييد إدراكنا لما هو ممكن، بدلاً من توسيع آفاقنا وفتح آفاق جديدة للتعبير الإبداعي. وكما قامت أفلام هوليوود في القرن العشرين بتصنيع ونشر أيديولوجية الرأسمالية الاستهلاكية في جميع أنحاء العالم، يُشير ستيغلر إلى أن شركات التكنولوجيا مثل جوجل وآبل غالباً ما تنشر قيماً خفية. وخير مثال على ذلك مسابقة الجمال الأولى التي تُحكم بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. فكما ناقشت عالمة الاجتماع روها بنجامين في كتابها "العرق بعد التكنولوجيا" (2019)، روّج مطورو Beauty.AI للمسابقة على أنها فرصة لتقييم الجمال بطريقة خالية من التحيز. إلا أنهم وجدوا أن الأداة التي صمموها أظهرت تفضيلاً ساحقاً للمتسابقات البيض.

في كتابه "المجتمع الآلي، المجلد الأول: مستقبل العمل" (2016)، يُبين ستيغلر كيف يُمكن للبيانات الضخمة أن تُوحّد عالمنا من خلال إعادة تنظيم العمل والتوظيف. في البداية، نُظر إلى الأدوات الرقمية كقوة مُزعزعة قادرة على كسر رتابة الصناعات الكبرى، إلا أن صعود أشكال العمل المرنة في اقتصاد العمل الحر قد خلق طبقة مهمشة كبيرة. فقد باتت فئة جديدة من سائقي أوبر وغيرهم من العمال ذوي الأوضاع الهشة يعملون في ظروف بالغة عدم الاستقرار، محرومين حتى من الحماية التقليدية التي توفرها وظائف الطبقة العاملة. ولا يُقدم الاقتصاد الرقمي دائمًا بدائل مرغوبة، إذ تتلاشى معه أساليب العمل والمعيشة السابقة.

كان أحد الشواغل الملحة التي تناولها ستيغلر قبل وفاته المفاجئة عام 2020 هو قدرة الأدوات الرقمية على مراقبتنا. فقد أدى صعود شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل وأمازون إلى توغل أدوات المراقبة في كل جانب من جوانب حياتنا. فالمنازل الذكية مزودة بكاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة، وتنفق شركات التسويق مليارات الدولارات لجمع البيانات حول كل ما نفعله على الإنترنت. في كتابيه الأخيرين اللذين نُشرا باللغة الإنجليزية، "النيغانثروبوسين" (2018) و"عصر الاضطراب: التكنولوجيا والجنون في الرأسمالية الحاسوبية" (2019)، يشير ستيغلر إلى أن انتشار أدوات المراقبة على نطاق واسع يتعارض مع الوعد الدوائي للتكنولوجيا الجديدة. فعلى الرغم من أن أدوات التتبع قد تكون مفيدة، على سبيل المثال، في الحد من انتشار الأمراض الضارة، إلا أنها تُستخدم أيضًا لحرماننا من عوالم من التجارب الممكنة.

تؤثر التكنولوجيا، سلباً وإيجاباً، على كل جانب من جوانب حياتنا. فإحساسنا بهويتنا يتشكل ويتغير باستمرار بفعل الأدوات المتاحة لنا. تكمن المشكلة، في رأي ستيغلر، في أننا عندما نولي اهتماماً مفرطاً لأدواتنا، بدلاً من كيفية تطويرها واستخدامها، فإننا نعجز عن فهم واقعنا. نقع في فخّ وصف العالم التكنولوجي وفقاً لشروطه الخاصة، مما يزيد من صعوبة فهم تأثيرات التقنيات الرقمية على تجاربنا اليومية. من خلال تشجيعنا على إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القدرة على تشكيل العالم، بما تنطوي عليه من إمكانات للضرر والشفاء، يُرينا ستيغلر ما هو ممكن أيضاً. هناك طرق أخرى للعيش والوجود والتطور. إن التقنيات، لا التكنولوجيا، هي التي ستمنح المستقبل وجهه الجديد.

"انتبهوا، الوحش الذي بداخلكم ساكن، ينتظر الشرارة ليهجم".. الكاتب

تقديم: ليس المسخ كائنا من عالم آخر، إنه في داخلنا، إنه نحن حين نسلّم القيادة للجسد، حين نفقد القدرة على الحب والتفاهم والتعاطف، إن ما تبقى منا، من إنسانيتنا في عصر الحروب والظلم وتسليع الإنسان، يهدّد المسخ الذي بداخلنا وييسّر له أسباب الظهور والخروج، ليضمن مكانا في عالم فقد سيطرته على الأخلاق والقيم.

حين يصنع الإنسان مسخه، فهو لا يخلق كائناً مشوَّهاً بالضرورة، كالمسخ فرانكشتاين، أو مسخ الدكتور مورو، أو الجوليم، وحوشاً بمواصفات مرعبة، لأنه في ثقافتنا ومنطوقنا المسخ كائن مشوَّه، مرعب ومخيف، فالمسخ هنا، غالبا ما يُجسّد أسوأ ما في الإنسان ليُصبح مرآة لقبح الصانع حين تركبه الأهواء والحماقات والانتقام والكره، فيظهر على حقيقته التي تختبئُ وراء الوجه المسالم الذي يعرفه الناس به. فالمسخ لا يلد نفسه، ولا يولد من تلقاء نفسه، بل يخرج من رحم الخوف والغرور والظن بالقدرة على التحكّم، فيتجبَّر، «فهو ليس مجرد تغيير في الشكل، بل هو انعكاس مادّي للتّشوّه الدّاخلي الذي أحدثه المجتمع أو الخوف في روح الإنسان»، وقد يرتد على صانعه حين يشعر أنه ملك هامشا من الاستقلالية الوجودية. فالصانع لا ينقل المحاسن فقط، بل ينقل النزعات التدميرية الكامنة في اللاوعي البشري. فالوحش الرابض في ظلمات النفس يظهر ويختفي كالظل يُظهره بصيص من نور، فينزع إلى الدمار والكراهية، ويُخرج من الغضب المكبوت والمخاوف القديمة والأنانية وغرائز البقاء البدائية ما يجعله وحشاً مدمّراً.

يطفو المسخ أو الوحش على السطح عندما تضعف السيطرة الواعية للعقل، ويستنزف طاقاته النفسية والجسدية، وعندما تحيط به لحظات الخوف أو الخطر ويبتلع المهانات، يظهر المسخ ويتصرف بشراسة غير معهودة لحماية النفس أو للسيطرة على الآخر والمحيط، ويختفي المسخ، وهو هنا لا يموت لأنه جزء من التكوين البشري، لكنه ينام ويخضع للسيطرة حين يتصالح الإنسان مع نفسه ويفهم مخاوفه ونقاط ضعفه، أو حين لا تجد الغرائز الشرسة مبرّراً للظهور، لذا لا يمكن إنكاره أو قتله، بل ترويضه ليظهر، حين يطفو على السطح، أقل وحشية وأكثر تفكيراً واتزاناً.

عندما تتراكم الخسارات، وتصل النفس البشرية إلى الطريق المسدود حيث لا رجعة، وحين يضعف الشعور بالحرية والكرامة بسبب الإذلال والاستغلال والقمع والاحتقار، وحين لا يبقى من الإنسان إلا بقايا إنسان متهالك، أو ما يُشبه الإنسان، عندما يعجز العقل عن قولا "لا"، أو حين يخاف عواقب التمرد والمواجهة، في لحظات الضعف القصوى هاته، يظهر المسخ، وتتبدّى بوادر التّمرّد على السطح، ويَتَسلّم الجسد القيادة بدل العقل، فيفسخ العقود الإنسانية، ويختار شكله الذي به سيواجه خوفه وضُعفه، وينفجر المسخ ثائراً ضد جلاّديه، وهذا هو الثمن الذي يدفعه الإنسان المقهور ليحصل على حريته وكرامته.

وقد يظهر المسخ أيضا، عندما يريد الإنسان أن يتحدّى قدراته، ويخوض سباقاً محموماً للارتقاء بقواه المعرفية أو المادية إلى سقف القدرة المطلقة، فيأتي على القيم فيضربها، وعلى الأخضر فيجرفه ولا يُبقي شيئا، ويكتسي لحظة ضُعف الآخر، حين يتذلّلُ ولاءً، لباس السلطة والجاه والأنا، وينظر إلى ذاته كأنّه الأهم والأحق بالتبجيل، إذ في غمرة هذا الاعتداد والزّهو يظهر المسخ، ذاك الكيان الوحشي الذي ينبث من رحم السيطرة وحب السلطة واحتقار الآخر، فينزع عنه جوهره  الإنساني، ويتحول إلى قوة متوحّشة تهدد من حولها.

كلّنا يحمل مسخه داخله، ليس شرّاً مطلقا ولا رغبة في الأذى، لكنه الجانب المظلم والخفي من النفس البشرية، التي يعجّ مستودعها بالرغبات والدوافع والأحقاد والغرائز التي تسكننا ونرفض الاعتراف بها، لأنّ المجتمع يحكم عليها بالسوء والرفض. لذا، فالوعي بوجود الوحش أو المسخ داخلنا، وأن الشر يحمل بذور فنائه داخله، هو أولى الخطوات لمنعه من السيطرة على أفعالنا أو التّسلل، في غفلة منّا، إلى تصرفاتنا الصغيرة واليومية، فالمسخ لا يملك ولاءً لنفسه، فهو دائماً، قاب قوسين من الظهور حين نتخلّى عن قيمنا الإنسانية، فيدمّر ما حوله ويدمّرنا في الآن نفسه. فالإنسان حين يصنع مسخه يصبح هو نفسه ضحية الوحش الذي أوجده، إذ تُسجن النفس داخل دائرة الشر فتُسحق، لأن الشر ليس طاقة بناء، بل طاقة استهلاك. «فمن يحارب الوحوش عليه أن يحذر لئلاّ يُصبح وحشا هو الآخر.» (نيتشه)

***

عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء ـ المغرب

مدخل: في أزمنة التحولات الحضارية الكبرى، لم يكن المثقف يوماً مجرد فائضٍ عن حاجة المجتمع، بل كان الضمير الحي الذي يفكك بنية التخلف ويستشرف آفاق النهوض، بينما في زمننا الراهن نصطدم بمفارقة تراجيدية؛ حيث في ذروة ثورة الاتصال الكوني، أصبح صانع الأفكار يعيش أعمق درجات اغترابه الأنطولوجي!! هل استقال المثقف طوعاً من دوره الشهودي؟ أم أن تسونامي التفاهة الرأسمالية قد أقصاه قسراً ليُخلي الساحة لـ"فقاعات" الاستعراض؟

المثقف في زمن "الاستعراض"

عبر المنعطفات التاريخية التي تحدد مصائر الأمم، ظلت "الكلمة" هي الحامل الطبيعي لمشاريع النهضة، والمثقف هو حارسها المؤتمن، إلا اننا في المشهد الحضاري الراهن نحن أمام انقلاب جذري في موازين التلقي والتأثير؛ فقد انتقلت ساحات التدافع المعرفي من أروقة الحوار الرصين وحلقات التفكير العميق، إلى منصات رقمية صاخبة لا تحكمها قوة الحجة، بل خوارزميات الاستهلاك اللحظي وأنظمة "التريند".

مع هذا النسق المأزوم، لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجه النخب الفكرية،  فقط الرقابة أو ضيق هوامش الحرية، بل تجاوزه إلى تحدٍ أشد فتكاً يتمثل في بنية العصر ذاته؛ عصرٌ يمجّد السطحية، ويحتفي بالصورة على حساب الجوهر، ويقدم الانفعال الغريزي على حساب التعقل الفلسفي، أمام هذا الانزياح الخطير، اختار الكثير من المفكرين الانكفاء على الذات، والدخول في حالة من الاغتراب او العزلة، تاركين الفضاء العام لثقافة التفاهة والرداءة والهشاشة، كما لا يخفى على أحد منا، أن قراءة هذه الظاهرة لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل هي مدخل رئيسي لفهم أزمة الوعي التي تعصف بالعقل الإنساني والإسلامي المعاصر.

الاغتراب الثقافي في "زمن السيولة"

إن مقاربة عزلة المثقف المعاصر مقاربة موضوعية لا تتم بمعزل عن التحولات المعرفية العميقة التي أفرزتها حقبة ما بعد الحداثة، حيث  أفضت هذه المرحلة، كما يشخصها ببراعة الفيلسوف وعالم الاجتماع "زيغمونت باومان"، إلى حالة من "السيولة" الشاملة التي أذابت السرديات الكبرى واليقينيات الصلبة التي كان يستند إليها العقل البشري في بناء تصوراته عن الكون والمجتمع، ومع تسيد المناخ الرقمي المتوحش، فقدت المعرفة طابعها التراكمي والبنائي، وتحولت إلى شظايا معلوماتية متناثرة، أين تم تبلور الاغتراب الأنطولوجي للمثقف؛ فهو كائن نسقي يبحث عن المعنى الكلي، في عالم يكتفي باللذة الجزئية والمؤقتة، بينما المثقف الذي اعتاد أن يبني أطروحاته على التفكيك المتأني والتركيب المنهجي، يصطدم بواقع يرفض الانتظار والعمق والتفاصيل، فزمن السيولة متسارع يلهث وراء التحديث المستمر، مما يجعل أدوات التحليل الرصينة تبدو وكأنها لغة غريبة فقدت صلاحيتها في سوق التداول اليومي، وهو ما يعمق الهوة النفسية والمعرفية بين المثقف ومجتمعه.

تسليع الخطاب المعرفي

تفكيكاً بعمق لهذه العزلة، تجد أطروحة الفيلسوف الفرنسي "غي ديبور" حول "مجتمع الاستعراض" راهنيتها القصوى في قراءة واقعنا، كون المجتمع برمته تحول إلى شاشة عرض كبرى، حيث تتراجع قيمة "الكينونة" (أن تكون مثقفاً حقيقياً) لصالح "الظهور" (أن تبدو كذلك أمام الكاميرات)، في ظل مجتمع الاستعراض، أصبح المعيار الأوحد للموثوقية هو "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) والقدرة على حصد التفاعلات واللايكات، وليس القدرة على إنتاج الحقيقة الفلسفية أو تغيير الواقع المتردي.

أمام تسونامي الاستعراض، يتعرض الفكر لعملية تسليع ممنهجة ومبتذلة،  في ظل الاقتصاد الرقمي لا يقصي الفكر تماماً، بل يقوم بابتلاعه وإعادة إنتاجه في قوالب مفرغة من محتواها النقدي، محولاً إياه إلى "بضاعة" استهلاكية تنتهي صلاحيتها بمجرد ظهور مؤثر جديد، حيث يُطلب من المثقف، عبر ضغط خفي، أن يتخلى عن عمقه المنهجي ويتحول إلى "شبه مثقف" يختزل نظرياته في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة لتلائم "خوارزمية" المنصة، ومن يرفض الانخراط في هذه اللعبة الاستعراضية، يُحكم عليه بالإعدام الرمزي والتهميش والإقصاء والتسقيط مجتمعياً.

 مجتمع الاستعراض من عالم "الأفكار" إلى عالم "الأشياء"

لو أسقطنا هذا الواقع على جراحنا الحضارية، مستعيرين الرؤية الثاقبة للمفكر الجزائري "مالك بن نبي" رحمه الله، لأدركنا أن جوهر الأزمة يكمن في انتقال مركز الثقل في شبكة العلاقات الاجتماعية من "عالم الأفكار" إلى "عالم الأشياء" وعالم الأشخاص، حيث صارت  مجتمعاتنا  تستهلك التكنولوجيا كأشياء صماء، مفرغة من الروح الحضارية، في ظل هذا الاختلال المفاهيمي، تتراجع مكانة "الكلمة" باعتبارها وعاء الفكرة، لصالح "الصورة" التي تخاطب الغرائز والعواطف، هنا تتجلى محنة المجتمع المسلم المعاصر؛ فالمثقف المسلم، الذي يستمد مرجعيته من نص قرآني مؤسس على التفكر والتدبر، يجد نفسه في مواجهة نمط مادي يمارس ما أسماه المفكر "علي شريعتي" بـ "الاستحمار الحديث". وهو استحمار لا يعتمد على تغييب المعرفة، بل على إغراق الإنسان في طوفان من المعلومات التافهة والملهيات المبرمجة التي تشتت انتباهه عن قضاياه المصيرية، وفي هذا المناخ الخانق، تتحول عزلة المثقف أحياناً إلى رد فعل دفاعي مشروع، ومحاولة نبيلة لحماية لغته ومفاهيمه من التلوث والابتذال الذي تفرضه ثقافة الغوغاء.

"المثقف الشاهد" وشروط الخلاص

رغم قسوة هذا التوصيف، فإن النقد الحضاري لا ينبغي أن يقودنا إلى العدمية أو تبرير الاستقالة التاريخية للنخب، لأن الخروج من نفق الاغتراب يتطلب صياغة "عقد تواصل جديد" ينقلنا من مفهوم "المثقف العضوي" (بمفهومه الغرامشي الذي قد يقع في فخ الذوبان الإيديولوجي)، إلى مفهوم أرحب وأعمق نابع من صميم الرؤية التوحيدية القرٱنية، وهو مفهوم "المثقف الشاهد".

 "المثقف الشاهد" هو النقيض الجذري للمثقف المنسحب في برجه العاجي أو الناقم على مجتمعه، إنه المثقف الحاضر بوعيه في صميم المعركة الحضارية السوسيوثقافية، والذي يمتلك من "النباهة" ما يجعله يرى ما لا يراه المجموع المستلَب في مجتمع الاستعراض، حيث الشهادة هنا (بمفهومها القرآني: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ليست مجرد مراقبة سلبية للأحداث او رد فعل اعتباطي، بل هي حضور أخلاقي ومعرفي فاعل، يرفض تسليع الفكرة، ويتدخل لتقويم الانحراف ويصحح المسارات ويستشرف خيارات الخلاص، المثقف الشاهد يدرك يقيناً أن المعرفة أمانة ائتمانية، وأن الفاعلية وتغيير الواقع هما شرطان من شروط "العبادة العمرانية"، فينزل إلى الميدان ليكون حجة على مجتمعه، منخرطاً بشجاعة في صناعة الوعي البديل.

في الختام، لا مناص أن اغتراب المثقف في مجتمع الاستعراض ليس قدراً أنطولوجياً لا فكاك منه، بل هو عرضٌ مرضي ناتج عن خلل في موازين التفاعل الحضاري، صحيح أن العزلة قد تكون محطة منهجية ضرورية للخلوة التأملية، وترتيب الأفكار بعيداً عن سيولة "التريند"، لكن استدامتها تمثل خيانة صريحة لوظيفة "الشهادة الحضارية".

كون التحدي الأكبر الذي يواجه العقل العربي والإسلامي اليوم، هو كيفية اختراق هذه الحجب الرقمية وبناء "عمران معرفي" جديد عمرانٌ يسترد فيه المثقف دوره كمهندس للوعي، ليس عبر مداهنة مجتمع الاستعراض، بل عبر التأسيس لمنصات تنويرية جادة تخاطب الفطرة، وتستعيد للكلمة قداستها، وتزرع بذور النباهة في حقلٍ أرهقه الاستحمار والاستعمار، إنها معركة إرادات قبل أن تكون معركة أفكار، والانتصار فيها يبدأ من خروج المثقف الشاهد من عزلته، حاملاً مشعل التجديد، مؤمناً بأن زبد التفاهة يذهب جفاءً، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.. والله المستعان.

***

بقلم: مراد غريبي

هناك مفكرون يضيفون إلى المكتبة كتابا، وهناك من يضيفون إلى الوعي طريقة جديدة في النظر إلى العالم. وبين الصنفين مسافة شاسعة؛ فالأول يترك أثرا على رفوف المكتبات، أما الثاني فيترك أثره في العقول والضمائر. والدكتور محمد مدين ينتمي بلا شك إلى الفئة الثانية؛ أولئك الذين لا يكتفون بكتابة الفلسفة، وإنما يعيشونها، ولا يدرسون الفكر بوصفه تاريخا مضى، بل باعتباره طاقة متجددة لتحرير الإنسان من أوهامه، والدفاع عن العقل في زمن تتكاثر فيه أشكال اليقين الزائف

لم يكن مشروعه الفكري مجرد ممارسة أكاديمية داخل قاعات الجامعة، وإنما كان رحلة طويلة للبحث عن الإنسان، وعن معنى الحرية، وعن قيمة السؤال، وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الحضارات بعضها ببعض. ولذلك جاءت أعماله في التأليف والترجمة امتدادا لرؤية تؤمن بأن المعرفة لا وطن لها وأن الفلسفة لا تعترف بالحدود، وأن الحضارات لا تتصارع بقدر ما تتحاور حين تجد من يتقن لغة العقل.

لقد استطاع الدكتور محمد مدين أن يحتل مكانة رفيعة بين أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي، ليس لأنه حفظ تاريخ الفلسفة أو أتقن شرح نظرياتها، وإنما لأنه تعامل معها باعتبارها مشروعا لتحرير الوعي الإنساني. فكان دائم الانحياز إلى العقل النقدي، وإلى الحوار، وإلى الانفتاح على الثقافات المختلفة، مؤمنا بأن الفلسفة ضرورة حضارية ولا يمكن لأمة أن تتقدم من دونها.

ولعل أحد أهم ملامح مشروعه الفكري يتمثل في إيمانه العميق بالترجمة. فالترجمة عنده لم تكن نقلا حرفيا للكلمات، وإنما كانت إعادة بناء للمعنى، وجسرا تعبر عليه الأفكار بين الأمم. ولذلك أسهم في نقل عدد من الأعمال الفلسفية المهمة إلى العربية، واضعا نصب عينيه أن اللغة العربية قادرة على استيعاب أكثر المفاهيم الفلسفية تعقيدا

حين نتأمل المشروع الفكري للدكتور محمد مدين، ندرك أننا أمام عقل اختار أصعب مسارات الفلسفة وأكثرها دقة. فلم ينشغل بالشعارات الفكرية الكبرى، بقدر ما انشغل بالبنية العميقة للمفاهيم، وباللغة التي تتشكل داخلها الأحكام الأخلاقية، وبالسؤال الدقيق عن المعنى والقيمة والمنهج. ولهذا جاءت مؤلفاته وكأنها حلقات متصلة في مشروع فلسفي واحد، غايته إعادة الاعتبار للفلسفة التحليلية وللفكر الأخلاقي في الثقافة العربية.

إن من يقرأ كتبه يكتشف أنه لا يكتب بلغة مغلقة أو متعالية، بل بلغة تجمع بين الدقة الأكاديمية والعمق الفكري، فيشعر القارئ أنه يتحاور مع عقل حي، لا مع صفحات جامدة. وربما كانت هذه إحدى أهم خصائص الفلاسفة الحقيقيين. أنهم يجعلون القارئ شريكا في التفكير، لا مجرد متلقي للمعرفة.

إنه يدرك أن الحضارات لا تنهض وهي منغلقة على نفسها، وأن كل نهضة إنسانية كبرى بدأت بترجمة الآخر، لا بنفيه. ولهذا جاءت ترجماته امتدادا لرؤية فلسفية ترى أن المعرفة ملك للبشرية كلها، وأن اللغة ليست جدارا يعزل الشعوب، وإنما جسر يصل بينها.

في كتابه "جورج إدوارد مور: بحث في منطق التصورات الأخلاقية" أعاد قراءة أحد أهم مؤسسي الفلسفة التحليلية، كاشفا كيف تحولت الأخلاق عند مور من مجرد مواعظ معيارية إلى تحليل منطقي للمفاهيم والقيم. ثم واصل هذا المشروع في كتابيه "الحدس الخلقي: الإطار النظري والمنهجي" و"الحدس الخلقي: مقال في المنهج الأخلاقي"، قدم معالجة فلسفية عميقة لنظريات الحدس الأخلاقي، مبينا أن الضمير الإنساني ليس شعورا عابرا، بل قضية فلسفية تستحق التحليل والنقد.

أما كتابه "الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر: دراسة في مشكلة المعنى. فيمثل أحد أهم إسهاماته في تعريف القارئ العربي بالفلسفة التحليلية الحديثة، إذ تناول فيه قضية المعنى بوصفها محور الفلسفة في القرن العشرين، موضحا كيف أصبح تحليل اللغة مدخلا لتحليل الفكر نفسه.

وفي منطق البحث: دراسة في منطق الفيلسوف الأمريكي جون ديوي.. انتقل إلى الفلسفة البراغماتية مبينا أن التفكير ليس تأملا مجردا، بل عملية بحث متصلة، وأن المعرفة لا تتولد إلا من مواجهة المشكلات والسعي إلى حلها بمنهج علمي نقدي.

ولم يغب ديفيد هيوم عن مشروعه الفكري، فخصص له كتابين مهمين هما "فلسفة هيوم الأخلاقية" و"نظرية القيمة عند ديفيد هيوم: بحث في إعادة بناء رسالة في الطبيعة البشرية"، مقدما قراءة تحليلية دقيقة لأحد أبرز الفلاسفة الذين أسهموا في إعادة صياغة الفكر الأخلاقي الحديث، وكاشفا عن عمق العلاقة بين العاطفة والقيمة والحكم الأخلاقي في فلسفة هيوم.

كما واصل اهتمامه بفلسفة الأخلاق من خلال مؤلفات مثل "دراسات في النظرية الأخلاقية الحديثة"، و"التوجهات الميتاأخلاقية للنظرية المعيارية"، و"التعادلية في القيمة"، و"ألفريد يونج: دراسة في منطق النقد الأخلاقي"، و"النظرية الأخلاقية عند برتراند راسل"، وهي أعمال تشكل في مجموعها موسوعة عربية رصينة في فلسفة الأخلاق المعاصرة، تجمع بين الدقة التحليلية والقدرة على تبسيط أكثر الإشكاليات الفلسفية تعقيدا.

وامتد اهتمامه إلى فلسفة الفن وعالم القيم من خلال كتابيه النظرية الطبيعية في الفن والأكسيولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر، مؤكدا أن الجمال والقيمة ليسا موضوعين هامشيين، بل يمثلان جوهر الخبرة الإنسانية، وأن الحضارة لا تقوم على المعرفة وحدها، بل على الوعي بالقيم التي تمنح تلك المعرفة معناها.

أما كتابه مقدمة في الفلسفة العامة فقد جاء ثمرة خبرة أكاديمية طويلة، يقدم للقارئ مدخلا رصينا إلى أهم القضايا الفلسفية، جامعا بين وضوح العرض وعمق التحليل، حتى أصبح مرجعا مهما للدارسين والباحثين.

ولم يقتصر عطاؤه على التأليف، بل كان واحدا من أبرز المترجمين الذين أدركوا أن الترجمة ليست نقلا للكلمات، وإنما نقل لطرائق التفكير. فقد أثرى المكتبة العربية بترجمات نوعية، من أبرزها كتاب "مشكلة القيم في فلسفة هارتمان ولويس، الذي قدم من خلاله إحدى أهم النظريات المعاصرة في فلسفة القيم، وترجمة كتاب حل المشكلات اليومية بالمنهج العلمي : كيف نفكر مثل العالم؟".. الذي جعل التفكير العلمي أقرب إلى الحياة اليومية، وترجمة كتاب النزعة الإنسانية، التي أعادت طرح سؤال الإنسان بوصفه مركزا للثقافة الحديثة، إضافة إلى ترجمته المهمة لكتاب الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين، الذي فتح للقارئ العربي نافذة واسعة على أبرز التيارات الفلسفية الفرنسية الحديثة.

وإلى جانب كتبه وترجماته، جاءت بحوثه العلمية لتؤكد اتساع مشروعه الفكري؛ فقد ناقش قضايا شائكة مثل نقد الوضعية المنطقية، واللغة الدينية، والإرهاب بوصفه مفهوما فلسفيا، والسببية عند هيوم، والحركة التحليلية، وقدم قراءات نقدية لإسهامات عدد من كبار الفلاسفة المصريين، مؤكدا أن الفلسفة لا تكتفي بشرح التراث، بل تمارس نقده وإعادة بنائه باستمرار.

وهكذا تتكامل صورة المشروع الفكري للدكتور محمد مدين؛ مشروع لا يقوم على كثرة المؤلفات فحسب، بل على وحدة الرؤية. رؤية تؤمن بأن الفلسفة فعل تحليل، وأن الأخلاق قضية عقل، وأن اللغة مفتاح الفكر، وأن الترجمة جسر الحضارات، وأن الدفاع عن العقل هو في النهاية دفاع عن الإنسان نفسه

وربما يستطيع التاريخ أن يحصي عدد ما ألّفه وما ترجمه، لكنه لن يستطيع أن يحصي عدد الأفكار التي أيقظها، ولا عدد العقول التي ساعدها على اكتشاف نفسها، ولا مقدار الأثر الذي تركه في كل من عرفه أو قرأ له أو تتلمذ على يديه.

فالأفكار العظيمة لا تموت، لأنها تسكن البشر، والكتب الحقيقية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، لأنها تبدأ في عقل القارئ. وهكذا سيظل محمد مدين واحدا من أولئك الذين يثبتون أن الفيلسوف الحقيقي لا يعيش في الماضي، ولا ينعزل عن الحاضر، بل يصنع المستقبل بصبر، وبكلمة صادقة، وبعقل لا يتوقف عن التفكير.

لقد سار طويلا في دروب الفكر، ولم يكن همه أن يصل وحده، بل أن يترك خلفه علامات مضيئة حتى لا يضل القادمون الطريق. فيجمع المعاني كما يجمع البستاني أزهاره، ويغرس الأفكار كما يغرس الفلاح بذوره، مؤمنا بأن المعرفة لا تزهر في موسم واحد، وإنما تحتاج إلى أعمار كاملة حتى تؤتي ثمارها.

لذلك، فإن احتفائي بالفيلسوف القدير محمد مدين ليس احتفاءا بمسيرة أكاديمية وقيمه علميه فحسب، بل احتفاء بفكرة نبيلة قاومت الزمن؛ فكرة أن العقل يستطيع أن يكون أكثر رحمة من التعصب، وأن المعرفة أكثر خلودا من السلطة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع، في هدوء، أن تهزم ضجيج العالم.

وما أجمل أن يمضي الإنسان في هذه الحياة، ثم يلتفت خلفه، فلا يجد آثار أقدامه على الطريق، بل يجد حدائق كاملة من الأفكار نبتت حيث مر، ووجوها كثيرة صارت ترى العالم بعيون أكثر جمالا واتساعا

تحية إلى رائد الفلسفة التحليلية الذي آمن بأن العقل هو آخر حصون الإنسان، وأن الترجمة ليست نقلا للمعرفة فحسب بل صناعة للحوار، وأن الثقافة ليست ترفا بل شرطا ضروريا لبقاء الحضارة نفسها.

سلام على أولئك الذين اختاروا أن تكون حياتهم رسالة، وأن يكون الحرف وطنهم، وأن تكون الحكمة رفيقة أعمارهم  وأن تكون كتبهم نوافذ نطل منها على إنسانيتنا .

وسلام على الدكتور محمد مدين، الذي أثبت أن العمر الحقيقي ليس ما نعيشه من سنوات، بل ما نتركه من ضوء في أرواح الآخرين... وأن بعض البشر لا ينتهون عند آخر صفحة من كتبهم، بل يبد أون هناك، حيث يفتح قارئ شاب كتابا، فتولد الفكرة من جديد، ويولد معها الأمل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إذا كانت المدرسة هي المصنع الذي ينتج الإنسان، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح قبل بناء أي مدرسة هو أي نوع من البشر نريد أن نصنع؟ هل نريد إنسانا يحفظ ما يقال له ثم يعيده في ورقة الامتحان؟ أم نريد إنسانا قادرا على إنتاج المعرفة، وتحليل الواقع، ونقد الأفكار، واقتراح الحلول؟ للأسف، فإن معظم الأنظمة التعليمية في العالم النامي اختارت الطريق الأسهل، وهو إنتاج حافظين لا مفكرين. فالطالب يقضي أكثر من خمس عشرة سنة داخل الفصول الدراسية، لكنه يخرج وهو عاجز عن كتابة مقال تحليلي، أو مناقشة فكرة بهدوء، أو تقييم خبر قبل تصديقه، أو التمييز بين البرهان والدعاية. لقد أصبح التعليم في كثير من البلدان عملية ميكانيكية تقوم على الحفظ والاستظهار، حتى تحولت الشهادة إلى غاية، بينما أصبحت المعرفة مجرد وسيلة للحصول عليها. وهكذا فقدت المدرسة رسالتها الحقيقية، وتحولت من مؤسسة لصناعة الإنسان إلى مؤسسة لصناعة الأوراق الرسمية.

إن أخطر ما يفعله التعليم التقليدي أنه يقتل الفضول، والفضول هو بداية كل اكتشاف علمي وكل تقدم حضاري. فالطفل يولد وهو يسأل باستمرار: لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟ لكنه يدخل المدرسة فيتعلم أن المطلوب منه ليس السؤال، بل الإجابة التي يريدها المعلم. ومع مرور السنوات، تتراجع قدرته على التفكير المستقل، ويصبح أكثر ميلا إلى التكرار من الابتكار. وهكذا تتحول المدرسة، من حيث لا تشعر، إلى مؤسسة لإعادة إنتاج العقل نفسه جيلا بعد جيل، دون مراجعة أو تطوير. ولهذا فإن كثيرا من المجتمعات تكرر أخطاءها التاريخية، لأنها تعلم أبناءها الإجابات القديمة، لكنها لا تعلمهم كيف يطرحون أسئلة جديدة. إن الحضارة لا تتقدم بالإجابات وحدها، بل تتقدم بالأسئلة أيضا. فكل اكتشاف علمي بدأ بسؤال، وكل نظرية فلسفية بدأت بشك، وكل اختراع عظيم بدأ برفض الواقع كما هو. أما المجتمع الذي يعتبر السؤال وقاحة، والنقد تمردا، والاختلاف تهديدا، فإنه يغلق الباب أمام أي إمكانية للتطور. وتأتي أهمية الفلسفة، لأنها لا تعلم الإنسان ماذا يفكر، بل كيف يفكر. إنها تحرره من أسر التقليد، وتدفعه إلى مراجعة المسلمات، وإخضاع الأفكار للعقل لا للأشخاص.

ولهذا السبب، لم تكن الفلسفة في يوم من الأيام عدوا للدين أو للأخلاق أو للمجتمع، وإنما كانت عدوا للجمود الفكري. فالفلسفة لا تحطم القيم، بل تمتحنها، ولا ترفض المعتقدات لمجرد أنها موروثة، وإنما تسأل عن أسبابها وحدودها وآثارها. إن المجتمع الذي يمنع أبناءه من التفكير بحجة الحفاظ على الاستقرار، يشبه طبيبا يمنع المريض من معرفة مرضه بحجة المحافظة على راحته النفسية. فالجهل قد يمنح شعورا مؤقتا بالأمان، لكنه لا يصنع مستقبلا. ولعل أكبر دليل على ذلك أن الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار والبحث العلمي ليست هي التي تفرض على طلابها أكبر قدر من الحفظ، وإنما هي التي تمنحهم أكبر مساحة من الحرية الفكرية، وتشجعهم على التجربة، وتقبل الخطأ باعتباره جزءا من عملية التعلم. إن الخطأ في هذه المجتمعات ليس فشلا، بل خطوة نحو النجاح. أما في أنظمتنا التعليمية، فإن الخطأ يتحول إلى وصمة، فينشأ الطالب خائفا من التجربة، ويصبح همه الوحيد هو تجنب العقاب، لا اكتشاف الحقيقة. وهكذا يختفي الإبداع تدريجيا، لأن الإبداع يحتاج إلى بيئة تسمح بالمحاولة، بينما الخوف لا ينتج إلا التقليد ومن المشكلات الكبرى أيضا أن كثيرا من المناهج التعليمية تركز على الماضي أكثر من المستقبل. فهي تعلم الطالب ماذا قال السابقون، لكنها لا تعلمه ماذا يمكن أن يضيف هو. وكأن مهمة الإنسان أن يحفظ التراث فقط، لا أن يشارك في صناعة التاريخ.

إن احترام الماضي لا يعني السكن فيه، كما أن الاعتزاز بالتراث لا يعني تحويله إلى قيد يمنعنا من التقدم. فالحضارات العظيمة لم تتشكل لأنها عبدت الماضي، بل لأنها استفادت منه ثم تجاوزته نحو آفاق جديدة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، أصبحت الحاجة إلى التفكير النقدي أكبر من أي وقت مضى. فالمشكلة لم تعد نقص المعلومات، بل كثرتها. ولم يعد الإنسان يعاني من صعوبة الوصول إلى المعرفة، بل من صعوبة التمييز بين الصحيح والزائف. ولهذا فإن المدرسة التي لا تعلم أبناءها التفكير النقدي، إنما تتركهم فريسة سهلة للشائعات، والدعاية، ونظريات المؤامرة، وخطابات الكراهية.

 في القرن الحادي والعشرين ليست الأمية الأبجدية، وإنما الأمية الفكرية؛ أن يستطيع الإنسان القراءة، لكنه لا يستطيع الفهم، وأن يمتلك المعرفة، لكنه يعجز عن تحليلها. ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير الكتب فقط، ولا ببناء المدارس وحدها، وإنما يبدأ بإعادة تعريف وظيفة التعليم نفسها. فالتعليم ليس حفظا للمعلومات، بل صناعة للعقل، وليس تلقينا للحقائق، بل تعليما لمنهج الوصول إليها. وعندما يصبح التفكير عادة يومية داخل المدرسة، يصبح الإبداع نتيجة طبيعية، ويصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، لأن الأمم التي تعلم أبناءها كيف يفكرون لا تخشى المستقبل، بل تصنعه.

***

زكريا نمر

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

قبل أن نقف عند نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين، يلزمنا التذكير بما قد أشرنا إليه آنفًا في تصنيف ابن خلدون للعلوم؛ إذ وجدناه يفصل فصلًا منهجيًا بين ميدان العلوم الشرعية وميدان العلوم العقلية، ويميز بين نوعين من الخطاب: خطاب هداية يحمل أمرًا مقدسًا (أمرًا شرعيًا) أو “خبرًا” من الله عز وجل ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أمر يستوجب التصديق والإيمان والعمل، وخطاب دراية يخبر عن وقائع من عالم الطبيعة والحياة والتاريخ، ولكل خطاب منهج للمعرفة ومقياس للصدق، ولا يجوز الخلط بين المنهجين.

فمنهج الإسناد، أو التجريح والتعديل، هو منهج الخطاب المقدس الذي يقوم على أساس النقل والسماع والتصحيح، وردِّه باستمرار ردًا تراجعيًا عبر سلسلة الرواة إلى اللحظة “المطلقة”، لحظة التلقي عن الأصل المقدس. أما منهج الخطاب الطبيعي، فهو منهج عقلي إنساني استقرائي استدلالي، قابل للنقاش والنقد.

نقرأ في المقدمة هذا النص المهم:

“… وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية؛ لأن معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط. وأما الأخبار عن الوقائع فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن يُنظر في إمكان وقوعها، وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدمًا عليه.”

ولا جدال في أن هذا الفصل المنهجي بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية يعد خطوة حاسمة نحو العقلانية النقدية في عالم يهيمن عليه النقل والتقليد والمقدس.

ومن اللافت للنظر أن ابن خلدون، في تصنيفه للعلوم، لم يشر إلى علم التاريخ، لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية. ولعل هدف ابن خلدون من ذلك هو تمييز علم التاريخ عن سائر العلوم، وعدُّه علمًا جديدًا، كما جاء في المقدمة.

لقد كانت الخطوة الجريئة والحاسمة في عمل ابن خلدون هي إخراج علم التاريخ من مجال العلوم الشرعية، وهو بذلك قد تميز عن تقليد نظري راسخ في الفكر الإسلامي، تقليد لا يرى في العلوم جميعها إلا علومًا شرعية أو طبيعية، ذات نفع أخروي وغاية أخلاقية وعظية.

أما عدم تصنيف علم التاريخ ضمن العلوم العقلية المعروفة، فيعود -في رأينا- إلى أن ابن خلدون قد استبدل بالتاريخ التقليدي علمًا جديدًا هو فلسفة التاريخ، فهو لذلك: “علم أصيل في الحكمة، عريق، وجدير بأن يُعد في علومها وخليق.”

وكلمة الحكمة الواردة في هذا النص تعني عند ابن خلدون “الفلسفة”، وهو ما يمكن ملاحظته في فصل “إبطال الفلسفة”، إذ يظهر تضلع ابن خلدون في المعرفة الفلسفية وتاريخها، ويورد في تعريفه للفلاسفة: “(جمع فيلسوف، وهو في اللسان اليوناني: محب الحكمة)”. كما أنه كثيرًا ما يستخدم تعبيرات: “العلوم العقلية”، و”العلوم الحكمية والفلسفية”، و”علوم الفلسفة والحكمة”.

وربما كان حرص ابن خلدون الشديد من مغبة تهمة الفلسفة في زمانه وعواقبها، هو ما جعله يخفي الاسم الحقيقي لعلمه الجديد، ويكتفي بالتلميح إليه وإثارة فضول القارئ ليفهم ما بين السطور، إذ كتب يقول:

“إن غرض المقدمة هو بيان علم مستقل ذي موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذي مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته، واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم، وضعيًا كان أو عقليًا. واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص… وهو علم مستنبط النشأة، ولعمري ما وقفت على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة… وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائل هذا الموضوع والطلب.”

ومن الواضح أن العلم الجديد الذي اكتشفه ابن خلدون ليس هو التاريخ بمعناه التقليدي، كما أنه لا يمكن أن يكون الفلسفة بمعناها التجريدي الميتافيزيقي، بل هو وسط بينهما. إنه علم العمران البشري، كما يعتقد بعض الدارسين، وعلم فلسفة التاريخ، كما نعتقد نحن، بالاتفاق مع عدد واسع من الباحثين؛ إذ إن فلسفة التاريخ، من حيث هي فرع جديد من فروع المعرفة التاريخية، تقع في موقع وسط بين علم التاريخ التقليدي وبين الفلسفة التجريدية.

فقد أخذ ابن خلدون من الفلسفة نظرتها العقلية النقدية الكلية، ومن التاريخ واقعيته ومعطياته الجزئية، ليكون منهما علمًا جديدًا واحدًا، يجذب فيه الفلسفة إلى عالم الوقائع حتى لا تحلق في سماء اليوتوبيات، ويجذب فيه التاريخ إلى الفلسفة حتى لا يصبح مجرد روايات وسرد أخبار جزئية لا رابط بينها؛ فإن الفلسفة دون تاريخ خواء، والتاريخ دون فلسفة عمى.

وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي أن أهمية الطفرة التي قام بها ابن خلدون في تاريخ الفكر الاجتماعي تكمن في أنه قام بأول محاولة جادة للنزول بالفلسفة من عليائها، والدخول بها في معترك الحياة الواقعية.

إن غرضنا من التركيز على تلك النزعة الفلسفية الأصيلة التي انطوت عليها مقدمة ابن خلدون يهدف إلى إماطة اللثام عن مكمن السر في امتلاكه رؤية منهجية عقلانية نقدية يندر العثور عليها عند جمهرة المؤرخين وعلماء الاجتماع التقليديين الذين يفتقدون إلى الحس الفلسفي النقدي. فقد كانت قيمة الفلسفة لدى ابن خلدون قيمة منهجية أكثر منها قيمة نظرية تأملية؛ فهو لم يبحث فيما يجب أن يكون عليه المجتمع، بل فيما هو كائن فعلًا، وهو بذلك يقف على طرف نقيض من الفلسفة التقليدية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

نعيش في زمنٍ غريب تتقاطع فيه المفارقات على نحوٍ مربك. فبينما يتزايد القلق من الذكاء الاصطناعي وخطر “تفوّق الآلة”، نجد أنفسنا يوميًا في حوارات بشرية لا تقل ميكانيكية عن أي خوارزمية. كأننا نخشى أن تفكر الآلات بدلًا منا، في الوقت الذي نتنازل فيه نحن تدريجيًا عن التفكير ذاته.

تتداول اليوم مفردات مثل “فقدان الإنسانية” و“برودة التكنولوجيا” عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي، وكأن المشكلة تكمن حصريًا في الآلة. لكن المفارقة الأعمق هي أننا في كثير من الأحيان نمارس شكلاً من الخطاب الآلي دون وعي: عبارات جاهزة، آراء مُعلّبة، ومواقف تُستعاد دون تفكير أو مساءلة. وكما يميّز الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل بين مجرد “استخدام الكلمات” وامتلاك “صوت إنساني أصيل”، فإن جزءًا كبيرًا من تواصلنا اليوم لا يتجاوز كونه إعادة تدوير للغة لا تحمل أثرًا تأمليًا ولا حضورًا ذاتيًا حقيقيًا.

كم من “آراء” نتلقاها يوميًا ليست سوى تكرار لأفكار مسبقة، أو تحيزات متجذرة، أو سرديات إعلامية تتداول دون تحقق أو نقد؟ وكم من الخطابات التي تبدو شخصية ليست في حقيقتها إلا انعكاسًا لما هو شائع ومقبول اجتماعيًا؟ هنا يلفت مارتن هايدغر النظر إلى مفهوم “الثرثرة اليومية” حيث تتحول اللغة إلى دوران مغلق حول “ما يُقال” بدل أن تكون انكشافًا حقيقيًا للعالم. عندها تفقد الكلمات قدرتها على الكشف، وتصبح مجرد صدى لخطاب جماعي لا يسائل نفسه.

لم تكن ميكنة الخطاب البشري ظاهرة جديدة، لكنها اليوم بلغت مستوى غير مسبوق. فمع هيمنة الشبكات الاجتماعية وتدفّق المعلومات داخل “فقاعات خوارزمية”، تراجعت المسافة بين الرأي والتكرار، بين الفكرة والتلقين. لم تعد النقاشات تنطلق من أرضية معرفية مشتركة، بل من عوالم منفصلة من المعلومات، يعيد كلٌّ منها إنتاج قناعاته، ويصعب فيه اللقاء الحقيقي بين الاختلافات.

في هذا السياق، تبدو المفارقة لافتة: أحيانًا يكون الذكاء الاصطناعي أكثر انضباطًا من الخطاب البشري. ليس لأنه أكثر وعيًا، بل لأنه أقل انخراطًا في الأهواء والمعتقدات. فهو لا “يؤمن” بما يقول، بل يحلّل أنماطًا لغوية واحتمالات إحصائية. ومع ذلك، فإنه لا يخلو من التحيزات، إذ يعيد إنتاج ما يحمله البشر أصلًا في بياناتهم. وكما يشير رولان بارت، فإن كثيرًا مما يبدو طبيعيًا في الخطاب هو في الحقيقة بناء أيديولوجي متراكم، يتخفى تحت قناع البديهية.

الذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، لا يقدم حقيقة مطلقة، بل يعرض شكلاً آخر من الذاتية: ذاتية بلا انتماءات عاطفية أو ولاءات فكرية مباشرة، لكنها مشروطة ببنية البيانات التي تشكّلها المجتمعات نفسها. ومن هنا، قد يساعدنا أحيانًا على تفكيك أفكارنا بدل تثبيتها، وعلى اختبارها بدل الاكتفاء بها، لأنه لا يحمل يقينًا خاصًا به ليُدافع عنه.

لكن الأهم من ذلك أن طريقة تعاملنا مع هذه الأدوات تكشف الكثير عن أنفسنا. فحين نحسن طرح الأسئلة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدفعنا إلى مزيد من الدقة، وإلى إعادة صياغة أفكارنا بوضوح أكبر، تمامًا كما كان سقراط يرى في السؤال أداةً لإيقاظ الفكر لا لتقديم إجابات جاهزة. غير أن هذا لا يعني أننا نصل إلى موضوعية خالصة، بل إلى نوع مختلف من التفكير، أقل ارتباطًا بالانحيازات المباشرة، وأكثر انفتاحًا على الاحتمالات.

في المقابل، يذكّرنا هذا كله بأن الخطر الحقيقي قد لا يكمن في “تحدث الآلات”، بل في الطريقة التي نتحدث بها نحن أنفسنا. هل ما زلنا نمارس التفكير كفعل حيّ، أم أننا انزلقنا إلى إعادة إنتاج تلقائية لما يُقال حولنا؟ أحيانًا يبدو أن الآلة ليست سوى مرآة تكشف مدى آلية خطابنا البشري.

وهكذا، فإن الخوف من الذكاء الاصطناعي قد يخفي سؤالًا أكثر إلحاحًا: ليس هل ستصبح الآلات شبيهة بالبشر، بل هل أصبح البشر، في طريقة تفكيرهم وتواصلهم، أقرب إلى الآلات مما يظنون؟

في النهاية، لا يكمن التحدي في رفض التكنولوجيا أو تبجيلها، بل في تعلم كيفية استخدامها دون أن نفقد قدرتنا على التفكير. فالقيمة الحقيقية للكلام ليست في تبادل المعلومات فقط، بل في قدرته على تعميق فهمنا للعالم ولأنفسنا، وإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وصوته الداخلي في عالم يزداد ضجيجًا.

***

محمد إبراهيم الزموري

ثمة دوافع ومتطلبات عديدة، ساهمت في بلورة الحاجة إلى مفاهيم وقيم وثقافات، تساهم في زيادة وتيرة التفاهم بين الأمم والشعوب، وتؤسس لعلاقة سلمية وبعيدة عن خيارات القطيعة والصدام والحروب المفتوحة. فكلما توسعت المسافة بين الشعوب والأمم، ازدادت الحاجة إلى أطر ومبادرات تحول دون أن تتحول هذه المسافة إلى سبب إلى الصراع والصدام.. ولهذا نجد أنه على مستوى التجارب الإنسانية أنه من رحم التعصب الديني والقومي والعرقي تبلورت أفكار التسامح والتعايش، ومن تداعيات الحروب وأهوالها الكبرى نضجت مفاهيم المحبة والحوار وقبول الآخر كجزء لا يتجزأ من الذات والوجود.

ولكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسانية اليوم هو: كيف نجعل من هذه المفاهيم والقيم التي تجسر العلاقة بين الأمم والشعوب، وتضبط حالات التنوع والاختلاف قيما حاكمة وسائدة ليس على مستوى النخب والأطر الضيقة، وإنما تشكل تيارا مجتمعيا قويا، تتجاوز من خلاله كل محاولات التزييف والحصار. ويبدو من نظام العلاقات الدولية السائدة، والجهود العالمية المبذولة لعلاج الكثير من المشكلات العالقة والمزمنة في الإطار الإنساني، أن العالم اليوم لا يتعاطى مع هذه المفاهيم على أسس سليمة، لذلك تبرز حالة الكيل بمكيالين والازدواجية في المعايير وحالات التعامل. من هنا فإننا لا نبالغ حين القول: أنه في الكثير من الحالات يتم التعامل مع هذه المفاهيم على المستوى الدولي وفق أنظمة الاستهلاك التي تتجه إلى توظيفها من أجل مصالح وأهداف خاصة ومحددة..

إن هذه القيم والمفاهيم الإنسانية والأخلاقية، هي من المساحات الهامة المشتركة بين الإنسانية بل هي من صلب الاجتماع الإنساني.. بمعنى أن غياب هذه المفاهيم والقيم على مستوى الواقع، يحول الوجود البشري إلى غابة مليئة بالوحوش والتجاوزات بكل صورها وأشكالها..

ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: أن الكثير من المشاكل والأزمات التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية سواء على صعيدها الداخلي أو على صعيد علاقاتها مع المجتمعات الأخرى، هي من جراء غياب العدالة وأنظمتها ومتطلباتها في نظام العلاقة على المستويين الداخلي والخارجي. والفصام النكد بين النظر والعمل، بين القول والفعل فاقم من هذه الأزمات والمشكلات. فلا أحد على المستوى النظري والتجريدي يكره العدل أو يتخذ من لوازمه موقفا سلبيا، ولكن على المستوى الواقعي والفعلي تمارس كل الأعمال والممارسات المناقضة لهذه القيمة. وبفعل هذا الفِصام والازدواجية لم نتمكن كشعوب عربية وإسلامية من الانعتاق من أسر التخلف والانحطاط، ولم نتمكن من تجاوز المحن الكبرى التي تواجهنا.

وذلك لأن التقدم والقدرة على تجاوز المحن، بحاجة إلى طاقة تدمج بين النظر والعمل وتجعل الإيمان معطى عمليا، مفعما بالحيوية والفعالية.. وعلى هذا فإن المجتمع بكل شرائحه وفئاته، يتحمل مسؤولية كبرى تجاه توطيد حقائق التسامح في المحيط الاجتماعي. وذلك لأن سيادة القيم المناقضة للتسامح، تهدد استقرار المجتمع ووحدته وكل مكاسبه التاريخية والراهنة.. لذلك فإن توطيد حقائق التسامح في المحيط الاجتماعي، هو في حقيقته دفاع عن راهن المجتمع ومستقبله. من هنا فإن هذه المسؤولية، مسؤولية عامة وتستوعب جميع الشرائح والفئات. حيث تسعى كل شريحة من موقعها وعلاقاتها أن تجذر مستوى التفاهم والتعارف بين ابناء المجتمع الواحد، وتؤسس لحقائق التسامح كوسيلة مجتمعية وحضارية في إدارة الفوارق والتمايزات المتوفرة في المجتمع الواحد. فإذا كانت الوحدة مطلبا إسلاميا وحضاريا، إذ قال تعالى [ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ]. (الشورى، الآية١٢ ). فإن الاختلاف هو من الأمور الطبيعية في حياة الإنسان عبر التاريخ، وحقيقة إنسانية عميقة لا يمكن نكرانها. وهنا نصل إلى مربط الفرس، حيث أن الوحدة لا تعني غياب الاختلافات لأنها من جبلة البشر. ولعلنا نرتكب خطيئة تاريخية كبرى، حينما نساوي بين الوحدة والتوحيد القسري بين البشر.

وإن المطلوب هو إعادة النظر في مفاهيم الوحدة والاختلاف. حيث أن الوصول إلى حقيقية الوحدة في المجتمع، تتطلب احترام الاختلافات وإدارتها بعقلية حضارية ومنفتحة، حتى تتراكم عن طريق هذه الإدارة الحضارية حقائق الوحدة القائمة على احترام كل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.. فالوحدة لا تبني على أنقاض الخصوصيات، وإنما احترام هذه الخصوصيات وإدارتها وفق نسق حضاري - تعددي هو الذي يوصلنا إلى الألفة والوحدة.

فالوحدة مهما كان شكلها أو مستواها، لا تبني حينما نغرس بذور العداوة والكراهية والخصومة. إن هذه الوقائع تزيد من التشظي والانقسام، وتباعد بين المجتمع وحقائق الوحدة.

وإن التحليل العميق لمسار الوحدة في المجتمعات الإنسانية، يوصلنا إلى قناعة أساسية ألا وهي: أن التسامح والقبول القانوني والاجتماعي بتعدد الآراء والأفكار والتعبيرات، هو الذي يقود إلى تراكم تقاليد الألفة والاتحاد، وتجاوز كل الإحن والأحقاد في المجتمعات الإنسانية.. فالتسامح تجاه القناعات والأفكار والآراء، لا يقود إلى الفوضى والتشتت. وإنما الذي يقود إلى هذا هو التعامل مع مطلب الوحدة بعيدا عن حقائق التاريخ والمجتمع.

وعليه فإن السعي إلى الوحدة، يقتضي إرساء معالم التسامح والقبول بالآخر وجودا ورأيا. وذلك لأن هذه المعالم هي التي تزيد من فرص التضامن الداخلي، وهي التي تعلي من شأن الانسجام والائتلاف، وهي التي ترعى وتحتضن كل وقائع الوحدة في الوسط الاجتماعي. فالإكراه لا يقود إلى الإيمان، كما أن نفي الخصوصيات لا يقود إلى الوحدة.

لذلك نجد اللّه سبحانه وتعالى، يحذر من ممارسة الإكراه لحمل الناس على الإيمان. إذ يقول الحق [ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ].. ( سورة يونس، الآية 99). فإذا كان الحمل على الحق بالقوة والإكراه محظورا في الإسلام، فمن باب أولى أن يكون الحمل على ما كان ظنيا، أو كان مورد اجتهاد ونظر منهيا عنه باعتبار تسلطا وقهرا. لذلك فإن تسعير البغضاء وتنمية الأحقاد، يعد من عوامل الهدم الأساسية لأي كيان اجتماعي..

وفي إطار العمل على بلورة المسؤولية الاجتماعية تجاه قيم التسامح والتضامن ونبذ

الكراهية، نؤكد على النقاط التالية:

1- إن التسامح كحقيقة اجتماعية، لا يمكن أن تتجسد بدون تطوير الثقافة المجتمعية التي تحتضن كل معالم وحقائق هذه القيمة. وبالتالي فإن المسؤولية الاجتماعية الأولى، هي العمل على تطوير ثقافة الحرية والتواصل وحقوق الإنسان ونبذ العنف والإقصاء والمفاصلة الشعورية بين أبناء المجتمع الواحد. فلكي يبنى التسامح الاجتماعي وتسود علاقات المحبة والألفة وحسن الظن صفوف المجتمع، نحن بحاجة أن نعلي من شأن الثقافة والمعرفة القادرة على استيعاب الجميع بتنوعاتهم واختلافاتهم الاجتماعية والفكرية. وهذا بطبيعة الحال، يتطلب ممارسة قطيعة معرفية واجتماعية مع كل ثقافة تشرع لممارسة العنف والتعصب، أو تبرر لمعتنقها ممارسة النبذ والإقصاء مع الآخرين. فالتسامح الاجتماعي لا ينمو ويتجذر إلا في بيئة تقبل التعدد والاختلاف، وتمارس الانفتاح الفكري والمعرفي، وتطلق سراح الرأي للتعبير والنقد.. فلكي نحقق التسامح، نحن بحاجة أ نبذ واقعنا كل أشكال التعصب وممارسة العنف.. حيث أنه لا يمكن أن تتجسد معالم التسامح في مجتمع تسوده ثقافة تدفع إلى الانغلاق والتعصب وممارسة العنف تجاه المخالفين. إن التسامح بحاجة إلى ثقافة مجتمعية جديدة، قوامها القبول بالآخر المختلف والتعامل معه على أسس حضارية تنسجم وقيم المساواة والعدل.

2-بناء وتعزيز أطر ومؤسسات التفاهم بين مختلف شرائح المجتمع. وذلك لأن الكثير من أنماط العداء والخصومة، ليست وليدة الاختلاف المحض، وإنما هي من جراء غياب أطر ومؤسسات للتفاهم والحوار المباشر. فالجفاء والتباعد المتبادل، يساهم في توسيع شقة الخلاف وتباين وجهات النظر. لذلك من الأهمية بمكان ومن أجل إرساء معالم التسامح في الوسط الاجتماعي، العمل على تطوير خيار التفاهم والحوار المباشر بين مختلف الفرقاء. صحيح أن التفاهم لا ينهي الاختلافات الإنسانية، ولكنه بالتأكيد يمنع تأججها وتحولها إلى مصدر لممارسة العنف والتطرف، وفي ذات الوقت يبقيها في حدودها الطبيعية.

فالتفاهم بين مختلف الآراء والتعبيرات، هو الذي يعمق من خيار التسامح في المجتمع. والتفاهم الذي نقصده هنا لا يعني تطابق وجهات نظر الجميع حول مختلف القضايا والأمور، لأن ذلك مستحيل من الناحية الطبيعية والواقعية. وإنما يعني وجود الاختلافات التي يمكن إدارتها وحلها بوسائل لا نمطية، وبعيدة عن ممارسة العنف والعسف. ونحن هنا لا نلغي جدلية الصراع الاجتماعي، وإنما نلغي فقط أداة خطيرة من أدواته. ومن ثم يمكننا القول: أن إشاعة أجواء السلم والتسامح والقبول بالآخر وجودا ورأيا، هي السلاح الفعال للقضاء على ظاهرة العنف البشري.

فتوطيد أسس التفاهم في المحيط الاجتماعي، هو الذي يبلور آداب وأخلاقيات وضوابط الاختلاف، كما أنه يوفر لنا جميعا الأسباب الموضوعية للدنو والقرب من الحقيقة، ويجعلنا نتعلم من بعضنا البعض على مختلف المستويات.

وفي هذا الإطار لا بد من الإدراك، أن من المهم أن نلتزم بقاعدة الفهم قبل التفاهم.. بمعنى أن يسعى كل طرف إلى أن يفهم وجهة النظر الأخرى كما هي وبدون زيادة أو نقيصة. وبدون الدخول في متاهات التشوية وحرب الشائعات والأوراق الصفراء.

إن الالتزام بهذه القاعدة الذهبية، هو الذي يجعل المجتمع يبدع أسس وأطر للتفاهم بشكل مستديم. وبذلك تتراكم الخبرة الحضارية للمجتمع، وتزداد أسس وقواعد التسامح في المحيط الاجتماعي.

فالمسؤولية الاجتماعية تتجسد في توطيد أركان ثقافة الحوار والتواصل والتسامح والسلم، والقيام ببناء الأطر والمؤسسات التي تعنى بشؤون التفاهم بين مختلف الفئات والشرائح في المجتمع.

وخلاصة الأمر: إننا بحاجة إلى مجتمع جديد، يتجاوز في علاقاته وأنظمته الداخلية، تلك القواعد التي ساهمت بشكل أو بآخر في تفاقم الأزمات، وازدياد المآزق، ووصولنا جميعا إلى طريق مسدود.. وحده المجتمع الجديد الذي يتمكن من تجاوز محن الراهن وبناء المستقبل على أسس حضارية وإنسانية..

***

محمد محفوظ

تعد العقلية المتفتحة والذهنية المتوقدة من أبرز مؤشرات النضج الإنساني والوعي الذاتي العميق، فهي لا ترتبط فقط بامتلاك المعرفة أو سرعة البديهة، بل تتجلى أساساً في القدرة على مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ دون مقاومة داخلية أو تبرير دفاعي أو تهرب من المسؤوليات الشخصية والاجتماعية، بهدف حماية الصورة الشخصية على حساب الحقيقة. هذا النمط من التفكير يعكس اتزاناً داخلياً وانضباطاً وشفافية شخصية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفاعل والتعامل بإيجابية مع الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون عليه.

في المقابل، يظهر بعض الأفراد وكأنهم أسرى لقناعة داخلية مطلقة بصواب آرائهم وسلوكياتهم وأفعالهم، بحيث تتحول الفكرة لديهم إلى جزء من الهوية الشخصية، وليس مجرد رأي قابل للنقاش أو التعديل. هنا يصبح الاعتراف بالخطأ تهديداً للشخص نفسه وليس لسلوكه فقط، وشعوراً بالنقص والدونية لديه، فيلجأ إلى الإنكار أو التبرير أو إلقاء اللوم على الآخرين، واتهامهم بالتقصير، وإثارة موضوعات ضدهم نكاية فيهم أو كراهية لهم، حتى لو كانت الأدلة واضحة ومباشرة. هذا النمط لا يعكس ضعفاً في الذكاء العقلي والعاطفي بقدر ما يعكس هشاشة في المرونة النفسية والمعرفية، وضعفاً في إدارة الأنا والذات.

الشخص المتفتح ذهنياً لا يرى في التراجع عن موقف ما هزيمة، بل يراه انتقالاً طبيعياً من مستوى فهم إلى مستوى أعمق. لذلك تجده أكثر هدوءاً في النقاش والحوار، وأكثر استعداداً للاستماع الفعال، وأقل اندفاعاً في إصدار الأحكام. وهو يدرك أن الحقيقة ليست ملكاً فردياً، وأن الزاوية التي يرى منها قد تكون ناقصة، وأن هناك زوايا أخرى ووجوهاً مختلفة للرؤية. لذلك يرحب بالمعلومات الجديدة حتى لو هزّت قناعاته السابقة، ويتقبل الآراء والأفكار المختلفة عن أفكاره ورؤيته ونظرته.

أما الشخص ذو العقلية الجامدة، فيميل إلى تحويل الحوار إلى ساحة لإثبات الذات ومعركة شخصية، يتهم فيها غيره ويسقط ضعفه وإخفاقاته على الآخرين، بدلاً من البحث عن الحقيقة وصوابية الأفكار والمواقف والأحداث. يتعامل مع النقد باعتباره استهدافاً لشخصه ومكانته، ويشعر أن الاعتراف بالخطأ ينتقص من قيمته وهيبته أمام الآخرين. لذلك يتشبث بموقفه حتى لو فقد المنطق، لأن الهدف يصبح حماية الصورة الذاتية لا تصحيح المسار.

في بيئة العمل يظهر هذا الفرق بشكل واضح. قد نجد مديراً يتخذ قراراً تنظيمياً معيناً، ثم تبدأ المؤشرات الميدانية بإظهار أن هذا القرار غير فعال. الشخص المتفتح يعيد النظر ويتراجع في خطواته، يناقش الفريق ويعدل القرار وفق البيانات الجديدة، بينما الشخص الجامد يصر على استمرار النهج ذاته، ويبرر النتائج السلبية بعوامل خارجية دون أن يتحمل نفسه المسؤولية، مما يؤدي غالباً إلى تراكم المشكلات وإضعاف العلاقة التواصلية بين أعضاء فريق العمل، وبالتالي تراجع الأداء وضعف الإنتاجية. وفي العلاقات المهنية والاجتماعية كذلك، يظهر الشخص المتفتح كعامل تهدئة وتلطيف للأجواء وبناء لها، لأنه يقلل من التصعيد ويعزز ثقافة الحوار، بينما يسهم النمط الآخر في خلق توتر دائم ومشكلات وصراعات متكررة بسبب الإصرار على الصواب المطلق دون مراجعة أو تصحيح للمسار.

هذا الفارق يرتبط بعدة عوامل نفسية، من أهمها طريقة بناء الوعي والإدراك وإدارة وتقدير الذات، فكلما ارتبطت قيمة الشخص بالكمال وعدم الخطأ، كلما أصبح الاعتراف بالخطأ لاحقاً أكثر صعوبة وتعقيداً. كما يرتبط بما يسمى في علم النفس بالتحيز التأكيدي للذات دون الاعتراف بأحقية الآخرين بأفكارهم وجهودهم، حيث يميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تدعم قناعاته وتجاهل ما يخالفها. كذلك تلعب الخبرات الاجتماعية دوراً مهماً، فالأفراد الذين تربوا في بيئات تعتبر الخطأ عيباً أخلاقياً وتعاقب عليه وليس فرصة للتعلم، غالباً ما يطورون دفاعية عالية تجاه النقد لحماية أنفسهم من المحاسبة.

إن تطوير العقلية المتفتحة يبدأ من إدراك بسيط لكنه عميق، وهو أن الخطأ ليس تهديداً للذات بل فرصة لتطويرها ونموها. حين يفصل الإنسان بين قيمته الشخصية وبين آرائه، يصبح أكثر حرية في التفكير، وأكثر شجاعة في الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، وأكثر قدرة على النمو. كما أن ممارسة الاستماع الفعال، وتقبل وجهات النظر المختلفة، وإعادة فحص المعتقدات بشكل دوري، كلها ممارسات تعزز هذا النضج الذهني وتجعله سلوكاً يومياً وليس مجرد فكرة نظرية.

وفي النهاية، يمكن القول إن الفارق الحقيقي بين الإنسان الناضج والإنسان الجامد الذي يفتقر إلى الوعي لا يكمن في عدد المرات التي يكون فيها على صواب، بل في قدرته على أن يكون مخطئاً دون أن يفقد توازنه أو يشعر بالحرج، وأن يعيد بناء فهمه دون أن يشعر بأن ذلك ينتقص من قيمته. فالعقل المتفتح لا يبحث عن الانتصار في الحوار، بل عن التطور في الفهم، وهذه هي العلامة الأعمق للنضج الإنساني الحقيقي. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه.

***

د. أكرم عثمان

27-6-2026

كتب: براين نورتن

ترجمة: علي حمدان

***

بالنسبة لبرنارد ستيجلر، الفيلسوف صاحب الرؤية الثاقبة لعصرنا الرقمي، فإن التقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية*

***

أصبح من شبه المستحيل فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية. يُفسَّر الواقع عبر شاشات متوهجة، وتدفقات بيانات لا تنضب، وحلقات تغذية راجعة بيومترية، وأطراف اصطناعية رقمية، وشبكات متنامية تربط ذواتنا الافتراضية بمصفوفات أقمار صناعية في مدار ثابت بالنسبة للأرض. تُفسِّر ساعات اليد حالتنا الجسدية من خلال عدّ الخطوات ونبضات القلب. تتتبع الهواتف كيفية قضائنا وقتنا على الإنترنت، وترسم خرائط المواقع الجغرافية للأماكن التي نزورها، وتسجل تاريخنا في أرشيفات رقمية. تُقيم منصات التواصل الاجتماعي تحالفات وتخلق إمكانيات سياسية جديدة. وتُحدِّد الشبكات اللاسلكية الواسعة - التي تربط الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والأسلحة "الذكية" - كيفية خوض حروب عصرنا. تجاربنا في العالم مُشبعة بالتقنيات الرقمية.

لكن بالنسبة للفيلسوف الفرنسي برنارد ستيغلر، أحد أوائل وأبرز منظري عصرنا الرقمي، فإن فهم العالم يتطلب منا تجاوز النظرة التقليدية للتكنولوجيا. فقد اعتقد ستيغلر أن التكنولوجيا لا تقتصر على تأثيرات الأدوات الرقمية وكيفية تأثيرها على حياتنا، ولا على كيفية ابتكار الأجهزة واستخدامها من قبل منظمات قوية أو دول أو أفراد. إن علاقتنا بالتكنولوجيا أعمق وأكثر جوهرية، إنها تتعلق بالتقنيات نفسها.

بحسب ستيغلر، فإنّ التقنية - أي صنع التكنولوجيا واستخدامها بمعناها الأوسع - هي ما يُميّزنا كبشر. فأسلوب وجودنا الفريد في العالم، المُختلف عن باقي الكائنات، يتحدد بالخبرات والمعارف التي تُتيحها لنا أدواتنا، سواءً أكانت واجهة متطورة بين الدماغ والحاسوب مثل نيورالينك، أو فأسًا من الصوان استُخدم في عصور ما قبل التاريخ لإزالة الأشجار. لكن لا تظنّوا خطأً: فكلمة "تقنية" ليست مُجرّد مُرادف لكلمة "تكنولوجيا". وكما كتب مارتن هايدغر في مقالته "المسألة المُتعلّقة بالتكنولوجيا" (1954)، والتي استخدم فيها المصطلح الألماني "Technik" بدلًا من "Technologie" في العنوان الأصلي: "جوهر التكنولوجيا ليس بأي حال من الأحوال شيئًا تكنولوجيًا". وهذا يتوافق مع تاريخ الكلمة: فأصل كلمة "تقنية" يُعيدنا إلى ما يُشبه المصطلح اليوناني القديم للفن - "technē". إذن، جوهر التكنولوجيا لا يكمن في جهاز، مثل الجهاز الذي تستخدمه لقراءة هذه المقالة. إنها عملية إبداعية مفتوحة، وعلاقة مع أدواتنا والعالم.

هذا هو إرث ستيغلر. طوال حياته، طوّر فكرة التقنيات هذه، التي استكشفها لأول مرة أثناء سجنه بتهمة السطو المسلح، أكثر من أي شخص آخر. لكن أفكاره غالبًا ما تم تجاهلها وسوء فهمها، حتى قبل وفاته عام 2020. واليوم، أصبحت هذه الأفكار أكثر ضرورة من أي وقت مضى. كيف لنا أن نتعلم، بخلاف ذلك، فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية؟ كيف لنا أن نبدأ في فهم تاريخ واقعنا الغريب؟

لم يكن طريق ستيغلر ليصبح الفيلسوف الأبرز في عصرنا الرقمي سهلاً على الإطلاق. فقد وُلد في فيلبون سور إيفيت، جنوب باريس، عام 1952، خلال فترة ازدهار ونهضة شهدتها فرنسا عقب ويلات الحرب العالمية الثانية. في سن السادسة عشرة، شارك ستيغلر في الموجة الثورية عام 1968 (وانضم لاحقًا إلى الحزب الشيوعي)، حين أجبرت انتفاضة طلابية وعمالية جذرية الرئيس شارل ديغول على اللجوء مؤقتًا إلى ألمانيا الغربية. إلا أنه بعد الدعوة إلى انتخابات جديدة وإزالة المتاريس، خاب أمل ستيغلر في الماركسية التقليدية، وكذلك في التيارات السياسية السائدة في فرنسا آنذاك. بدا اليسار الفرنسي ممزقًا بين وجودية ما بعد الحرب لجان بول سارتر، ومعاداة الإنسانية للويس ألتوسير. بينما أصرّ سارتر على قدرة الإنسان الإبداعية على تشكيل مصيره، جادل ألتوسير بأنّ هيمنة الأيديولوجيا في المجتمع الرأسمالي قد تركتنا عالقين بلا حول ولا قوة في أنظمة سلطة خارجة عن سيطرتنا. لم يُرضِ أيٌّ من هذين الخيارين ستيغلر، لأنّ أياً منهما لم يستطع تفسير الصعود السريع لقوة تاريخية جديدة: التكنولوجيا الإلكترونية. بحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أدرك ستيغلر أنّ هذه التكنولوجيا الجديدة تُعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا، وبالعالم، وببعضنا البعض. ولتفسير هذه الظروف الجديدة، اعتقد أنّه لا بدّ من إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من جذوره، من منظور التقنية. لم تقترب لا الوجودية ولا الماركسية ولا أيّ مدرسة فلسفية أخرى من الاعتراف بالرابط الجوهري بين الوجود الإنساني والتاريخ التطوري للأدوات.

في العقد الذي تلى عام 1968، افتتح ستيغلر نادياً لموسيقى الجاز في تولوز، أغلقته الشرطة بعد بضع سنوات بتهمة ممارسة الدعارة غير القانونية. ولحاجته الماسة لتأمين لقمة العيش، لجأ ستيغلر إلى سرقة البنوك لسداد ديونه وإطعام أسرته. وفي عام 1978، أُلقي القبض عليه بتهمة السطو المسلح وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. كان ستيغلر، الذي ترك الدراسة الثانوية ولم يشعر يوماً بالراحة في بيئة السجون، قد طلب زنزانة خاصة به عند وصوله إلى السجن، ودخل في إضراب عن الطعام حتى تمت الموافقة على طلبه. وبعد أن وافق مدير السجن أخيراً، بدأ ستيغلر يلاحظ كيف كانت القراءة والكتابة تُؤثران على علاقته بالعالم الخارجي. كان هذا إدراكاً بالغ الأهمية. فمن خلال الكتب والورق والأقلام، تمكن من التواصل مع الناس والأماكن خارج أسوار السجن.

خلال فترة سجنه، بدأ ستيغلر بدراسة الفلسفة بتعمق أكبر، يلتهم كل كتاب يقع بين يديه. في مذكراته الفلسفية "التصرف بجرأة" (2009)، يصف ستيغلر فترة سجنه بأنها كانت فترة استكشاف ذاتي جذري وتجربة فلسفية. قرأ أعمالًا كلاسيكية في الفلسفة اليونانية، ودرس اللغة الإنجليزية، وحفظ الشعر الحديث، لكن الكتاب الذي لفت انتباهه حقًا كان حوار "فيدروس" لأفلاطون. في هذا الحوار بين سقراط وفيدروس، يوضح أفلاطون مفهومه عن "التذكر"، وهي نظرية في التعلم تنص على أن اكتساب المعرفة الجديدة ليس إلا عملية تذكر ما كنا نعرفه في حياة سابقة. ففي دوامة لا تنتهي من الموت والولادة، ننسى ما نعرفه في كل مرة نولد فيها من جديد. بالنسبة لستيغلر، أصبحت فكرة التعلم كذكرى أقل روحانية وأكثر مادية: فالتعلم والذاكرة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتقنيات. من خلال الأدوات التي نستخدمها - بما في ذلك الكتب والكتابة والمحفوظات - يمكننا تخزين وحفظ كميات هائلة من المعرفة.

بعد محاولة أولية لكتابة الروايات في السجن، التحق ستيغلر ببرنامج فلسفي مُصمم خصيصًا للسجناء. وخلال فترة سجنه، حصل على شهادة في الفلسفة، وتواصل مع مفكرين بارزين، من بينهم الفيلسوف والمترجم جيرار غرانيل، الذي كان أستاذًا ذا نفوذ في جامعة تولوز لو ميراي (التي عُرفت لاحقًا بجامعة تولوز جان جوريس). عرّف غرانيل ستيغلر على بعض أبرز الشخصيات الفلسفية في ذلك الوقت، بمن فيهم جان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا. أشرف ليوتار على رسالة الماجستير لستيغلر بعد إطلاق سراحه، بينما أشرف دريدا على أطروحته للدكتوراه، التي أنجزها عام 1993، والتي أُعيدت صياغتها ونُشرت بعد عام كأول مجلد في سلسلة "التقنية والزمن". بمساعدة هؤلاء الفلاسفة ومُثُلهم الجديدة، بدأ ستيغلر في إعادة تشكيل التزامه السياسي السابق بالمادية الماركسية، ساعياً إلى تفسير الطرق التي تُشكل بها التقنيات الجديدة العالم.

مع بداية سبعينيات القرن العشرين، بدأ عدد متزايد من الفلاسفة والمنظرين السياسيين في التشكيك في فورية تجربتنا المعيشية. لم يعد العالم من حولنا يُنظر إليه من قِبل هؤلاء المفكرين على أنه أمر مُسلّم به، كما كان الحال بالنسبة للفلاسفة الظاهريين مثل إيمانويل كانط وإدموند هوسرل. بل أصبح العالم يُقدّم نفسه كبيئة مبنية تتألف من أشياء مثل الطرق ومحطات توليد الطاقة والمنازل، وكلها أصبحت ممكنة بفضل المؤسسات السياسية والممارسات الثقافية والأعراف الاجتماعية. وهكذا، بدت الحقيقة أيضاً وكأنها بناء اجتماعي، وليست أمراً مُسلّماً به.

كان لويس ألتوسير أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين الذين تعمقوا في دراسة واقعية اللحظة الراهنة. ففي مقالته "الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية"، التي نُشرت عام 1970، أي قبل سنوات من تتلمذ ستيغلر على يديه، يُشير ألتوسير إلى أن الأيديولوجيا ليست مجرد معتقد فردي، بل هي ظاهرة تتجاوز بكثير نطاق الفرد، أو حتى المجتمع. فكما نلتفت لا شعوريًا عندما نسمع من ينادينا من الخلف، فإن للأيديولوجيا تأثيرًا تلقائيًا ولا شعوريًا علينا، إذ تتسلل إلينا من الخارج. وقد طوّر ميشيل فوكو، أحد تلاميذ ألتوسير في المدرسة العليا للأساتذة في باريس، نظريةً للسلطة تعمل بطريقة مماثلة. في كتابه "المراقبة والمعاقبة" (1975) وفي مواضع أخرى، يجادل فوكو بأن السلطة الاجتماعية والسياسية لا تتركز في أيدي الأفراد، بل تُنتَج من خلال "الخطابات، والمؤسسات، والأشكال المعمارية، والقرارات التنظيمية، والقوانين، والتدابير الإدارية، والبيانات العلمية، والمقترحات الفلسفية والأخلاقية والإنسانية". وقد تمثلت رؤية فوكو في إظهار كيف تُشكّل السلطة كل جانب من جوانب العالم، بدءًا من التفاعلات الصفية بين المعلم والطالب، وصولًا إلى مفاوضات اتفاقية تجارية بين ممثلين عن دولتين مختلفتين. من هذا المنظور، تتشكل السلطة في الممارسات المادية ومن خلالها، لا أنها شيء يمتلكه الأفراد.

هذه هي الأسس التي بنى عليها ستيغلر فكرته عن التقنية. ورغم تقديره للطرق التي حاول بها فوكو وألتوسير تفسير التكنولوجيا، إلا أنه ظل غير راضٍ عن إهمال أنواع محددة منها، فضلاً عن عدم تقديم أيٍّ منهما بدائل حقيقية لأشكال السلطة التي وصفاها. في كتابه "رعاية الشباب والأجيال" (2008)، يوضح ستيغلر أنه استطاع تجاوز فوكو بمساعدة مفهوم "الفارماكون" الذي طرحه معلمه دريدا. في مقالته "صيدلية أفلاطون" (1972)، بدأ دريدا بتطوير هذه الفكرة وهو يستكشف كيف يمكن لقدرتنا على الكتابة أن تخلق وتقوض (تعالج وتسمم) إحساس الفرد بهويته. بالنسبة لدريدا، فإن فعل الكتابة - وهو بحد ذاته نوع من التكنولوجيا - له علاقة متناقضة بالذاكرة الفردية. على الرغم من أن الكتابة تتيح لنا تخزين المعرفة والخبرة عبر فترات زمنية طويلة، إلا أنها تثبط عزيمتنا عن ممارسة قدرتنا الذهنية على التذكر. فالكلمة المكتوبة تقطع الصلة المباشرة بين التجربة المعيشة والذاكرة الداخلية. إنها "تعالج" حدودنا المعرفية، ولكنها في الوقت نفسه "تسمم" إدراكنا بتقييد قدراتنا.

"كل تكريم يمنحه المجتمع هو إعلان غير مباشر عن نوع المستقبل الذي يريده لأبنائه، فالقيم التي يرفعها إلى القمة اليوم هي ذاتها التي ستقود وعي الأجيال الصاعدة، وترسم ملامح حضارته غداً " (الكاتب).

تشكل الشخصيات التي يمنحها المجتمع مكانة التقدير والاحترام مرآة صادقة لمنظومته الثقافية واتجاهه الحضاري، لأنها تعكس القيم التي يختار ترسيخها في وعي أفراده والأجيال القادمة. فالتقدير الاجتماعي ليس فعلاً عفوياً أو مجرد استجابة للإعجاب، بل هو آلية ثقافية تعلن من خلالها الجماعة ما تعتبره جديراً بالاقتداء والاتباع.

لذلك فإن دراسة الشخصيات التي تتصدر المشهد العام تكشف كثيراً من ملامح البناء الثقافي للمجتمع، وتوضح طبيعة الأولويات التي تحكمه. فإذا كانت المكانة تمنح لأصحاب الفكر، والعلم، والإبداع، والنزاهة، فإن ذلك يعكس مجتمعاً يستثمر في رأس ماله الثقافي ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً ورقياً. أما إذا انتقلت هذه المكانة إلى أصحاب النفوذ الفارغ، أو الشهرة العابرة، أو الإثارة الإعلامية، فإن المجتمع يكون قد بدأ في إعادة صياغة منظومة قيمه على أسس هشة، الأمر الذي يمثل مؤشراً مبكراً على بداية التراجع الحضاري والانحطاط الثقافي.

وحسب دراسات علم الاجتماع الثقافي المعاصرة، لا يبدأ الانحطاط الثقافي بانهيار المؤسسات الكبرى، وإنما يبدأ بتغير المعايير التي تحدد من يستحق المكانة والاحترام داخل المجتمع. فعندما تتراجع قيمة المعرفة أمام جاذبية الاستعراض، ويهمش أصحاب الكفاءة لحساب أصحاب العلاقات والمصالح، وتصبح الشهرة بديلاً عن الإنجاز، فإن المجتمع يدخل في مرحلة من الاضطراب القيمي يعيد خلالها تعريف النجاح بصورة مشوهة.

وهنا تتجلى أخطر مظاهر الانحطاط الثقافي، إذ تنشأ الأجيال الجديدة وهي تعتقد أن المكانة الاجتماعية لا تكتسب بالعطاء أو الإبداع أو المسؤولية، بل بالقدرة على لفت الانتباه وتحقيق المكاسب السريعة. ومع تكرار هذه الأنماط تتراجع المكانة الرمزية للعلم، ويضعف تأثير المثقف الحقيقي، وتتقلص قيمة العمل المنتج، بينما تتسع دائرة النماذج التي تستهلك الوعي أكثر مما تبنيه. وبهذا يصبح الانحدار الثقافي عملية اجتماعية متراكمة، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، حتى تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي يصعب الانفكاك عنه.

إن مستقبل المجتمعات يصنع قبل كل شيء داخل منظومة القيم التي تحدد من يستحق أن يكون قدوة ورمزاً في الوعي العام. فالمجتمع الذي يكرم أصحاب الضمير والعلم والإبداع يبعث برسالة واضحة مفادها أن التقدم يبدأ من العقل، وأن الحضارة تبنى بالمعرفة والعمل والمسؤولية. أما المجتمع الذي يخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الحضور الإعلامي والاستحقاق، فإنه يفقد تدريجياً بوصلته الثقافية، لأن القدوات التي يصنعها اليوم ستصبح المرجعية التي تشكل طموحات الأجيال في المستقبل.

 ولهذا فإن مواجهة الانحطاط الثقافي لا تبدأ بإدانة نتائجه، بل بإصلاح معايير التقدير الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للنخب العلمية والفكرية، وترسيخ ثقافة تكافئ الإنجاز الحقيقي لا الضجيج، وتحتفي بمن يضيف إلى وعي المجتمع لا بمن يستثمر في تسطيحه. فحين ترتقي معايير التكريم، يرتقي معها الوعي الجمعي، وتستعيد الثقافة دورها في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.

خلاصة القول، إن استعادة العافية الثقافية لا تبدأ بإقصاء أشخاص أو استبدال أسماء بأخرى، بل ببناء وعي جمعي يمتلك القدرة على مراجعة معاييره باستمرار، وعلى مساءلة كل قيمة قبل تحويلها إلى نموذج يحتذى. فالمجتمعات الحية هي التي تعلم أبناءها أن الاحترام مسؤولية تكتسب بالعطاء، وأن المكانة تبنى بالأثر لا بالضجيج، وأن القيمة الحقيقية لأي إنسان تقاس بما يضيفه إلى حياة الآخرين وإلى مستقبل مجتمعه. لذلك، اجعلوا من التربية، والقراءة، والنقد الواعي، والذائقة الثقافية الرفيعة، أدوات يومية لإعادة تشكيل الوعي العام، لأن نهضة الأمم لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من جودة المعايير التي تحكم أحكامها واختياراتها.

 وحين يصبح المجتمع قادراً على التمييز بين القيمة الحقيقية والقيمة المصطنعة، فإنه لا يستعيد ثقافته فحسب، بل يؤسس لحضارة أكثر رسوخاً وعدالة وقدرة على صناعة المستقبل. ولا يتحقق هذا التمييز بالانطباعات أو بالدعاية أو بالشهرة العابرة، وإنما بمنظومة من المعايير الموضوعية التي تجعل الإنجاز مقدماً على الولاء، والكفاءة متفوقة على النفوذ، والأثر المجتمعي أسبق من الصورة الإعلامية. فالمجتمعات الناضجة لا تقيس قيمة الأفراد بما يمتلكونه من سلطة أو حضور، بل بما يتركونه من معرفة، وما يحققونه من منفعة عامة، وما يرسخونه من قيم أخلاقية ومؤسساتية قابلة للاستمرار. وعندما تصبح هذه المعايير جزءاً من الوعي الجمعي، يفقد التزييف قدرته على صناعة الرموز، ويتراجع تأثير الامتيازات المصطنعة أمام الاعتراف المستند إلى الجدارة. وعندئذ يتحول التكريم من مجرد فعل احتفالي إلى آلية اجتماعية لإعادة إنتاج القيم الأصيلة، وتغدو الذاكرة الجمعية أكثر قدرة على فرز النماذج الجديرة بالاقتداء من تلك التي صنعتها السلطة أو المال أو الدعاية، وبذلك يترسخ نظام رمزي يكافئ الاستحقاق، ويؤسس لمسار حضاري يجعل من الكفاءة والإنجاز معياراً للارتقاء الاجتماعي، لا الولاء أو المصالح العابرة.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم يعد التعليم مجرد عملية تقنية لنقل المعرفة، بل أصبح ظاهرة مركبة يمكن فهمها فقط عند تقاطع الفلسفة وعلم الاجتماع. من جهة فلسفية، التعليم مرتبط بسؤال الوجود والمعنى ما الإنسان؟ ما المعرفة؟ ما الغاية من التربية؟ ومن جهة سوسيولوجية، التعليم هو مؤسسة اجتماعية تعمل داخل علاقات قوة طبقية وسياسية وثقافية، وتعيد إنتاج هذه العلاقات بشكل مستمر. بين هذين البعدين يتشكل جوهر التعليم كمساحة صراع على تعريف الإنسان نفسه.

في الفلسفة، التعليم يرتبط مباشرة بنظرية المعرفة ونظرية الإنسان. عند أفلاطون، التعليم هو خروج من الكهف نحو الحقيقة أي انتقال من الوهم إلى المعرفة. عند كانط، التعليم مرتبط بالانتقال من القصور العقلي إلى الاستقلال العقلي أي قدرة الإنسان على استخدام عقله دون وصاية. عند فوكو، المعرفة ليست بريئة، بل مرتبطة بالسلطة، والتعليم جزء من أنظمة الضبط التي تنتج الإنسان القابل للحكم والتنظيم. هذا يعني أن التعليم في الفلسفة ليس بريئا أبدا، بل هو جزء من سؤال أكبر من يملك تعريف الحقيقة؟ ومن يحدد شكل العقل؟. علم الاجتماع ينظر إلى التعليم كمؤسسة اجتماعية وظيفتها الأساسية ليست فقط نقل المعرفة، بل إعادة إنتاج البنية الاجتماعية. عند إميل دوركايم، التعليم هو وسيلة لدمج الأفراد في المجتمع عبر غرس القيم المشتركة. عند بيير بورديو، التعليم ليس محايدا، بل يعيد إنتاج الطبقة الاجتماعية من خلال ما يسميه الرأسمال الثقافي، حيث يتم تفضيل ثقافة الطبقات العليا وإعادة إنتاج امتيازاتها داخل المدرسة. عند باولو فريري، التعليم التقليدي هو تعليم بنكي يودع فيه المعلم المعرفة في الطالب، بينما التعليم التحرري هو الذي يحول المتعلم إلى فاعل نقدي يشارك في إنتاج المعرفة. يظهر أن التعليم ليس فقط مؤسسة معرفية، بل هو تقاطع بين الفلسفة التي تسأل عن معنى المعرفة، وعلم الاجتماع الذي يدرس كيف يتم توزيع هذه المعرفة داخل المجتمع، ولمصلحة من.

في الواقع السياسي، هذا التقاطع يصبح أكثر حدة. الدولة تستخدم التعليم كأداة لتشكيل المواطن، ليس فقط عبر القوانين، بل عبر تشكيل الوعي نفسه. هنا يتقاطع فوكو مع علم الاجتماع السياسي فالسلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل بإنتاج أنظمة معرفة تجعل بعض الأفكار طبيعية وأخرى غير ممكنة. المناهج الدراسية ليست مجرد محتوى، بل هي اختيار سياسي لما يعتبر حقيقة.

في الواقع الاقتصادي، يظهر تحليل ماركس غير المباشر للتعليم: المدرسة ليست منفصلة عن نمط الإنتاج، بل جزء من البنية الفوقية التي تعكس وتدعم الاقتصاد. التعليم الحديث في ظل الرأسمالية يتحول إلى جهاز لإنتاج قوة عمل متخصصة، ويعيد تشكيل الإنسان وفق احتياجات السوق. هنا يتقاطع التحليل الاقتصادي مع الفلسفة النفعية التي تختزل المعرفة في فائدتها العملية، ومع علم الاجتماع الذي يدرس كيف يتم توزيع الفرص التعليمية بشكل غير متكافئ.

يظهر بوضوح أن التعليم ليس مساحة متساوية. نظرية بورديو عن إعادة الإنتاج الاجتماعي تفسر كيف أن الطالب لا يدخل المدرسة بشكل محايد، بل يحمل معه رأس مال ثقافي ولغوي واجتماعي يؤثر على نجاحه. المدرسة تبدو محايدة، لكنها في الواقع تفضل أنماط التفكير والتعبير الخاصة بالطبقات المهيمنة؛ وهنا يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها. أما من زاوية الفلسفة النقدية، فإن التعليم يجب أن يكون مساحة لتحرير الإنسان من الطبيعة الاجتماعية المفروضة عليه. عند هابرماس مثلا، المعرفة لا تكون حقيقية إلا إذا كانت ناتجة عن تواصل عقلاني حر من الهيمنة، لكن الواقع التعليمي غالبا ما يكون بعيدا عن هذا النموذج، لأنه محكوم بعلاقات سلطة داخلية وخارجية.

في المجتمعات المتعددة ثقافيا، يتضاعف هذا التوتر بين الفلسفة وعلم الاجتماع. فلسفيا، التعليم يجب أن يعترف بتعدد الهويات والمعاني؛ أما سوسيولوجيا، فالتعليم غالبا ما يخدم مركزا ثقافيا واحدا ويهمش بقية المكونات. هنا يتحول التعليم إلى أداة لإنتاج هوية رسمية بدل أن يكون مساحة للاعتراف بالتعدد. الأزمة العميقة هنا أن التعليم يعيش تناقضا دائما بين وظيفتين وظيفة فلسفية تقول إن التعليم يجب أن يحرر العقل ويطور الإنسان كذات واعية، ووظيفة سوسيولوجية تقول إن التعليم يجب أن ينظم المجتمع ويعيد إنتاج استقراره. هذا التناقض لا يمكن حله بسهولة، لأنه ليس خطأ في النظام، بل هو جزء من طبيعته. كل نظام تعليمي هو في الوقت نفسه مشروع فلسفي عن الإنسان، ومشروع اجتماعي عن النظام.

 التعليم ليس مجرد مؤسسة داخل المجتمع، بل هو نقطة تقاطع بين سؤال الفلسفة عن معنى الإنسان، وسؤال علم الاجتماع عن كيفية تنظيم البشر داخل المجتمع. وبين هذين السؤالين يستمر الصراع هل التعليم يصنع إنسانا حرا يفكر خارج النظام، أم إنسانا مندمجا داخل النظام دون مساءلة؟.

***

زكريا نمر

 

في زمن صارت فيه الكتابة الفلسفية لدى كثير من تلامذتنا أقرب إلى "طقس كهنوتي" اشبه بترانيم مكررة وشاحبة، تُقدَّم يوم الامتحان كقداس للتكفير عن خطيئة عدم التفكير وذنب تغيب السؤال. ترانيم حزينة عكست وتعكس أنين الحكمة الى اليوم، تُحفظ عن ظهر قلب وتُستظهر يوم الخلاص.

نعم المقالات التي نطلق عليها في اقسامنا اسم مقالات فلسفية ونتداولها اليوم تغيب عنها لذة الكتابة وتنعدم فيها الدهشة. انها تُثقل كاهل الروح وتُتعب الجسد لحظة تصحيحها وتقييمها، فهي لا تنبع من الداخل، ولا تصدر عن معاناة فكرية، ولا يحركها قلق سؤال. ولا صلة لها بجوهر الفعل الفلسفي الصادق والاصيل: ذلك الفعل المتفرد والمتمرّد تفكيرا وقولا وكتابة، كتمرّد بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة، لقد اراد أن يمنح البشر، بتمرده على الرتابة والمألوف، نور المعرفة والدفء والحضارة.

تلك النار المحرقة المحركة والفاعلة، أوحت بالشعلة الأولمبية وولّدت عند أهل الحكمة وخاصتها ما سمي "أولمبياد الفلسفة الدولي" وهو فضاء وضّاءٌ بازغٌ، تتنافس فيه عقول طلاب الثانوية من أكثر من خمسين دولة، عقول تلاميذ مفكرة يتقاسمون دهشة السؤال وحرقته ويشتغلون على مدار أربعة ساعات على كتابة أجود المقالات الفلسفية وأعمقها وأكثرها أصالة.

هنا يكمن التوتر الذي ينطلق منه مقالنا هذا: من جهة نفور مما هو كائن من "كتابات استهلاكية استعراضية"، تجترّ المعلوم وتكرر الماضي، عاطلة عن الفعل ومعطّلة للفكر، ومن جهة أخرى انجذاب الى ما يجب أن تكون عليه الكتابة في أولمبياد الفلسفة، حيث المقال الفلسفي ليس ترفاً لغوياً ولا استعراضاً لمحفوظات، بل هو جواب مؤسَّس على سؤال يُفهم في بعده الإشكالي. إنه كالشعور: تيار متدفق، وتجربة فريدة، تعكس تفكير صاحبه في تماسكه وجرأته وأصالته. إنه أشبه بقبس من تلك النار المسروقة، نارٌ تحمل في داخلها دفء الحكمة ونورها الوضّاح.

هناك، في دورة 2025، تكررت مغامرة بروميثيوس: مقالات جريئة ومبدعة ومتمردة على المألوف، كتبها تلاميذ تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والعشرين، غاب عنها العرب. مقالات أصيلة كشفت عن صرامة التحليل وعمقه، ومهّدت، كسابقاتها، الطريق نحو دورة أولمبياد الفلسفة الدولي لعام 2026 -النسخة الرابعة والثلاثين- التي أقيمت في وارسو عاصمة بولندا، في الفترة من 14 إلى 17 ماي 2026.

وبين هاتين الدورتين، يعود السؤال الذي ظل يلازمني منذ مقالي الأول "أولمبياد الفلسفة.. تقليد لا يمارسه العرب" المنشور قبل خمس سنوات: لماذا يعجز عقل التلميذ العربي عن كتابة مقال فلسفي متميز ورصين، ليكون حاضراً في هذا المحفل العالمي؟ هل المشكلة في غياب القدرة المؤسسة لهذا الفعل، أم في مناهجنا الفلسفية ذاتها التي لا تزال أسيرة الحفظ والاستظهار؟ وهل عقل أستاذ الفلسفة عندنا قادر على الانفتاح على هذه النماذج، أم إنه "عقل لم يتصير عقل بعد"، بتعبير المرحوم البشير ربوح؟ وكيف ننتقل بالتلميذ العربي من كائن يخاف السؤال إلى كائن يقدّسه، فيمارس حقّه في سرقة نار المعرفة كما فعل بروميثيوس؟

المقالات الفائزة لعام 2026

دورة 2026 قدمت لنا مقالات استثنائية، يمكن قراءتها كمختبر حي لمعايير المقال الفلسفي المتميز شكلا ومضمونا، وكشفت عن نمطين رئيسيين من النجاح الفلسفي: النمط الجدلي النقدي المتوازن، والنمط التفكيكي الإبداعي.

- النوع الأول: النمط الجدلي النقدي المتوازن

يمثله مقالان: الأول لـ لويس إيمانويل غوميز غوزمان (المكسيك) حول الاختيار عند أرسطو، والثاني لـ أبينيشواري نارايانان (سنغافورة) حول اقتباس آيريس موردوخ للفيلسوفة والروائية الإنجليزية آيريس مردوخ (1919-1999): "نعيش في عالم خيالي، عالم أوهام والمهمة الكبرى في الحياة هي العثور على الواقع"

غوميز غوزمان تلميذ البكالوريا في التعليم الثانوي بالمكسيك أمسك بأطروحة أرسطو في "الأخلاق إلى نيقوماخوس" وفككها بدقة جراحية، انطلق من حجتين مؤيدتين قويتين (العقل يمنع الاندفاع، الشخصية ضرورة أخلاقية)، ثم انقلب عليها باستدعاء خصمين فلسفيين من الإرث الفلسفي الحديث والمعاصر: دافيد هيوم وفكرة العقل عبد للعواطف، والرغبة هي المحرك الأول للفعل والفيلسوف جون بول سارتر ومسلمة الحرية تسبق العقل، ونحن نختار أولاً ثم نبرر. وهو لا يروم من ذلك هدم فكرة أرسطو، بل ليصل إلى نتيجة مركبة ومتوازنة: أرسطو يصف "الفرد الأخلاقي المثالي"، لا السلوك البشري الفعلي في فوضويته.

العقل والرغبة والشخصية: دراسة نقدية لأرسطو حول الاختيار

لويس إيمانويل غوميز غوزمان (Luis Emanuel Gómez Guzmán) -المكسيك

سؤال ما الذي يميز الفعل البشري عن الحركة المجردة قد شغل الفلاسفة لقرون. يقدم أرسطو، في كتاب أخلاقيات نيقوماخوس، إجابة دقيقة: أصل الفعل هو الاختيار (prohairesis)، والاختيار نفسه ينشأ من الرغبة والتفكير الموجه نحو غاية. ثم يضيف شرطًا حاسمًا – لا يمكن أن يوجد الاختيار بدون كل من العقل والذهن وحالة أخلاقية. بمعنى آخر، يتطلب الفعل الجيد (ونقيضه) مزيجًا من الذهن والشخصية. أجد هذا الادعاء عميق الإلهام، لكنه غير كامل أيضًا. بينما أوافق على أن الاختيار يفترض العقل والتربية الأخلاقية، سأجادل بأن أرسطو يقلل من دور العاطفة وظاهرة ضعف الإرادة (akrasia)، والتي تعقد تركيبه الأنيق. للدفاع عن هذا الموقف، سأحلل أولاً التمييزات الرئيسية عند أرسطو، ثم أقدم حجتين مؤيدتين لرأيه، يلي ذلك حجتان مضادتان مستمدتان من ديفيد هيوم وجان بول سارتر، وأخيرًا أقدم خاتمة متوازنة.

يميز أرسطو بين السبب الكافي والسبب الغائي. السبب الكافي هو ما يحرك العملية؛ أما السبب الغائي فهو الغرض أو الغاية التي يُفعل من أجلها الشيء. هنا، يقول إن الاختيار هو الأصل الكافي للفعل – وليس السبب الغائي، الذي هو الغاية المرغوبة. ينبع الاختيار نفسه من مصدرين: الرغبة (orexis) والتفكير (logos) الذي يحسب الوسائل نحو غاية. هذا يتحدى بالفعل أي تفسير فكري بحت أو عاطفي بحت للفعل. علاوة على ذلك، يصر أرسطو على أن الاختيار يتطلب حالة أخلاقية (hexis)، أي استعدادًا مستقرًا للشخصية يتشكل من خلال التعود. بدون شخصية جيدة، لا يستطيع العقل وحده إنتاج اختيار جيد. النتيجة اللافتة هي أن كلا الذهن والشخصية ضروريان. إذا افتقر المرء إلى الحكمة العملية (phronesis) أو كانت شخصيته فاسدة، فسيكون الاختيار معيبًا.

هذا الرأي جذاب لأنه يتوافق مع التجربة اليومية: نحن نعجب بالأشخاص الذين لا يعرفون الصواب فحسب، بل يرغبون في فعله ولديهم الميل الاعتيادي للتصرف جيدًا. ومع ذلك، يترك إطار أرسطو مجالًا ضيقًا للحظات يعرف فيها المرء الخير لكنه يفشل في اختياره – وهي مشكلة سأعود إليها.

من الأسباب القوية للاتفاق مع أرسطو أنه بدون التفكير، سيصبح الفعل مجرد اندفاع. تخيل شخصًا يتصرف بناءً على رغبة فورية فقط – مثل الإمساك بكعكة لأنها تبدو لذيذة، دون التفكير في العواقب الصحية أو البدائل. قد لا يُعتبر هذا الفعل حتى اختيارًا بمعنى أرسطو؛ إنه أقرب إلى سلوك الحيوانات. يتضمن الاختيار الحقيقي التداول، مهما كان موجزًا. كما كتب أفلاطون في بروتاغوراس (352c): «قوة المعرفة شيء جميل قادر على حكم الإنسان، وإذا عرف شخص ما الخير والشر، فلن يُغلب أبدًا بشيء». يدافع أفلاطون هنا عن الفكرية – فكرة أن المعرفة تضمن الفعل الصحيح. أرسطو أكثر اعتدالًا: هو يمنح الرغبة دورًا، لكنه يحافظ على أن التفكير الموجه نحو غاية لا غنى عنه.

يمكننا اختبار ذلك بمثال. افترض أن طالبًا يقرر الدراسة للامتحان بدلاً من الذهاب إلى حفلة. يتضمن هذا الاختيار تفكيرًا (الدراسة تؤدي إلى درجات أفضل، والتي تؤدي إلى مستقبل مرغوب) ورغبة (الرغبة في النجاح). بدون تفكير، قد يذهب الطالب إلى الحفلة اندفاعيًا. وبدون رغبة، لن يكون لدى الطالب دافع حتى. لذا، يحدد أرسطو بشكل صحيح المصدر المزدوج للاختيار. يوافق كثير من علماء النفس المعاصرين على أن الوظائف التنفيذية (العقل) والدافعية (الرغبة) كلاهما مطلوبان للفعل المتعمد.

الحجة الثانية المؤيدة لأرسطو هي أن العقل وحده لا يمكنه ضمان الفعل الجيد لأن العقل محايد – يمكنه خدمة غايات جيدة أو سيئة. يستخدم المجرم الذكي التفكير بفعالية لكنه يفتقر إلى حالة أخلاقية فاضلة. لذا، كما كتب أرسطو: «لا يمكن أن يوجد فعل جيد بدون مزيج من الذهن والشخصية». هذا يتردد صداه مع ادعائه الشهير بأن الفضيلة هي هكسيس اختيارية (hexis prohairetike) – استعداد يتضمن الاختيار. يوافق إيمانويل كانط، رغم أنه يأتي من تقليد مختلف، على أن القيمة الأخلاقية تعتمد على توافق الإرادة مع الواجب، لا على الذكاء فقط. يقول كانط في أساس ميتافيزيقا الأخلاق: «من المستحيل تصور أي شيء في العالم، أو حتى خارجه، يمكن اعتباره خيرًا بلا قيد أو شرط، إلا إرادة طيبة». إرادة كانط الطيبة تشبه الحالة الأخلاقية الفاضلة عند أرسطو: إنها التوجه الداخلي الذي يجعل الفعل جديرًا بالثناء الأخلاقي.

لذلك، أرسطو على حق في الإصرار على أن الذهن والشخصية يجب أن يعملا معًا. قد يعرف شخص أن الصدق فضيلة لكنه يكذب إذا كانت شخصيته فاسدة. وعلى العكس، قد يكون شخص ذو شخصية جيدة لكنه بدون حكمة عملية طيبًا بطرق مضللة. فقط عندما تتحدان الحكمة العملية والفضيلة يظهر الاختيار الجيد الموثوق. هذا هو السبب في أن أخلاقيات الفضيلة لا تزال مؤثرة: فهي تلتقط تعقيد الوكالة الأخلاقية.

رغم قوة رأي أرسطو، أعتقد أنه يغفل أولوية العاطفة في تحفيز الفعل. جادل ديفيد هيوم بشكل شهير بأن «العقل هو، ويجب أن يكون فقط، عبد العواطف، ولا يمكنه أبدًا أن يدعي أي وظيفة أخرى سوى خدمة العواطف وطاعتها» (رسالة في الطبيعة البشرية). بالنسبة لهيوم، لا ينتج العقل الفعل أبدًا؛ إنه يحسب الوسائل فقط نحو غايات تحددها العواطف. الرغبة، لا التداول العقلي، هي محرك الاختيار. قد يرد أرسطو بأن الرغبة بدون تفكير عمياء، لكن هيوم يمكنه الرد بأن التفكير بدون رغبة خامل. الخلاف الأعمق يتعلق بما إذا كان العقل قادرًا على توليد الرغبة. يبدو أن أرسطو يفترض أن التفكير نحو غاية ينتج الاختيار بشكل طبيعي، لكن الرغبة في تلك الغاية يجب أن تكون موجودة بالفعل.

اعتبر حالة واقعية: شخص يقرر التبرع بالمال للأعمال الخيرية. الرغبة في مساعدة الآخرين (عاطفة) تأتي أولاً؛ ثم يحدد التفكير أفضل جمعية خيرية. لو غابت الرغبة، فلن يؤدي أي قدر من التفكير إلى التبرع. لذا، قد يُعكس تعبير أرسطو «الاختيار هو رغبة وتفكير»: الرغبة هي المصدر الأولي، والتفكير أداة ثانوية. هذا يتحدى ادعاء أرسطو بأن الاختيار لا يمكن أن يوجد بدون عقل وذهن. إذا كانت العاطفة وحدها قادرة على تحريكنا (كما في أعمال بطولية مفاجئة بدون تداول)، فقد ينشأ الاختيار من مركبات شخصية-عاطفية ليست بالضرورة عقلانية. قد يكون تأكيد أرسطو على التفكير فكريًا جدًا.

النقد الثاني، الأكثر داخلية، يأتي من الظاهرة التي تصدى لها أرسطو نفسه بشكل مشهور: ضعف الإرادة (akrasia). الشخص الضعيف الإرادة يعرف ما هو الخير (لديه تفكير صحيح) ولديه حالة أخلاقية مقبولة، لكنه يختار العكس مع ذلك. على سبيل المثال، شخص يعرف أن التدخين ضار لكنه يدخن على أي حال. يناقش أرسطو هذا في الكتاب السابع من أخلاقيات نيقوماخوس، لكن تفسيره – أن الضعيف الإرادة لديه معرفة بمعنى مؤهل، مثل شخص نائم أو سكران – ليس مقنعًا تمامًا. إذا كان الاختيار يتطلب عقلًا وحالة أخلاقية، فيجب أن يكون الفعل الضعيف الإرادة مستحيلاً. لكنه يحدث طوال الوقت.

يقدم جان بول سارتر بديلاً جذريًا: الاختيار ليس محددًا بالعقل أو الشخصية؛ إنه فعل حر غير مشروط. في الوجودية إنسانية، يكتب سارتر: «الإنسان ليس شيئًا آخر سوى ما يصنعه من نفسه». بالنسبة لسارتر، حتى شخصيتنا وتفكيرنا هما نتاج اختيارات سابقة. الشخص الضعيف الإرادة ليس لغزًا بل دليلاً على أننا نستطيع دائمًا اختيار ما يخالف حكمنا الأفضل. هذا الرأي الوجودي يعارض مباشرة ادعاء أرسطو بأن الاختيار يتضمن دائمًا تفكيرًا نحو غاية. سيقول سارتر إن الاختيار يسبق العقل؛ نختار أولاً، ثم نبرر.

بينما لا أقبل تمامًا حرية سارتر الجذرية (يبدو أنها تتجاهل علم النفس والعادة)، فإن نقطته تكشف ضعفًا في أرسطو. إذا كان ضعف الإرادة حقيقيًا، فإن الارتباط الضروري بين الاختيار والتفكير ينكسر. قد يعيش مراهق في السابعة عشرة هذا يوميًا: أعرف أنني يجب أن أدرس، ولدي شخصية جيدة (في الغالب)، لكنني أختار مشاهدة يوتيوب. سيقول أرسطو إن تفكيري كان ناقصًا أو حالتي الأخلاقية غير كاملة. لكن هذا يبدو كتبرير للمشكلة بدلاً من حلها.

كيف سيكون رد أرسطو على هذه الحجج المضادة؟ قد يقبل نقطة هيوم لكنه يصر على أن الرغبة البشرية ليست عمياء؛ من خلال التعود، تصبح رغباتنا عقلانية. يرغب الشخص الفاضل فيما يوافق عليه العقل. لذا، الرغبة والتفكير ليسا قوتين منفصلتين بل متكاملتين. أما بخصوص ضعف الإرادة، فيحافظ أرسطو على أن الشخص الضعيف الإرادة يفتقر إلى معرفة حقيقية – لديه معرفة عامة فقط («التدخين سيء») لكنه لا يطبقها على الخصوص («هذه السيجارة الآن سيئة لي»). هذا التمييز معقول لكنه ضعيف Arguably عندما ننظر في ضعف الإرادة الواعي (مثل شخص يدخن وهو مدرك تمامًا للمخاطر ويقول حتى «لا يجب أن أفعل هذا»).

في رأيي، يقدم أرسطو إطارًا ممتازًا للوكالة الأخلاقية المثالية، لكن الفعل البشري الحقيقي أكثر فوضوية. أحيانًا تتجاوز العواطف التفكير دون تدمير الاختيار. وضعف الإرادة يظهر أن الشخصية والذهن يمكن أن يتعارضا. لذا، أخلص إلى أنه بينما أرسطو على حق في أن الاختيار يتطلب كلا العقل والحالة الأخلاقية في الوكلاء الذين يعملون جيدًا، فإن ادعائه قوي جدًا كضرورة عامة. بيان أدق سيكون: الاختيار يتضمن عادة العقل والشخصية، لكن الأفعال يمكن أن تنشأ من الرغبة وحدها أو من صراع بين المعرفة والفعل. هذا الرأي المنقح يحتفظ برؤية أرسطو دون تجاهل تعقيد الإنسان.

في الخاتمة، يظل حساب أرسطو للاختيار واحدًا من أكثر التفسيرات إقناعًا للفعل البشري لأنه يعترف بأن لا العقل ولا الرغبة وحدهما كافيان للوكالة الأخلاقية. إصراره على أن الفعل الجيد يتطلب كلا الذهن والحالة الأخلاقية الفاضلة يلتقط حقيقة مهمة عن الحياة الأخلاقية: يتصرف الناس جيدًا ليس فقط لأنهم يعرفون الصواب، بل لأنهم طوّروا الشخصية التي تجعلهم يرغبون فيه ويسعون إليه. في الوقت نفسه، تكشف النقدات التي أثارها هيوم وسارتر قيودًا مهمة في إطار أرسطو. غالبًا ما يدفع البشر بالعاطفة بطرق تتجاوز السيطرة العقلانية، وواقع ضعف الإرادة يظهر أن المعرفة والشخصية لا تضمنان دائمًا الفعل الصحيح. لهذا السبب، يعمل نظرية أرسطو بشكل أفضل كوصف للوكيل الأخلاقي المثالي بدلاً من حساب كامل للسلوك البشري الفعلي. في النهاية، يتشكل الاختيار من تفاعل معقد بين العقل والرغبة والعاطفة والحرية. يحدد أرسطو بشكل صحيح الدور المركزي للعقل والشخصية، لكن نظرية مقنعة تمامًا للفعل يجب أن تعترف أيضًا بعدم الاستقرار والصراع اللذين هما جزء من التجربة البشرية العادية.

نارايانان تلميذة البكالوريا ابدعت في استراتيجية "القراءات المتعددة". اختبرت "القراءة القوية" لادعاء موردوخ (العالم خيال مطلق، والواقع هو الهدف الأعظم) وحطمت بحجج مضادة للشك (حجة مور ومعيار اليقين). ثم فكرة (الواقع مُشيَّد ذاتياً كما عند كانط وما بعد الحداثة). لكنها في النهاية خلت إلى أن الصورة "المتواضعة" لموردوخ (الدعوة إلى الفضائل المعرفية والتساؤل) هي الأكثر بقاءً، وإن كانت فلسفياً "تافهة" لا جديد فيها. السمة هنا هي الصرامة المنطقية: القدرة على عرض الحجج وتفنيدها بلا مجاملة، مع شجاعة القول إن الفيلسوفة الكبيرة قد تكون مخطئة، أو على الأقل غير أصلية في ادعائها الأقوى.

- النوع الثاني: مقالة النمط التفكيكي الإبداعي

تمثله مقالة سيميون كاردجييف (بلغاريا) حول الاقتباس نفسه لموردوخ

كاردجييف لا يناقش الاقتباس، بل يزعزع افتراضاته الأنطولوجية. يرى أن موردوخ تسجننا في ثنائية (وهم/واقع) كل طرف فيهما لا يُعرَّف إلا بنفي الآخر، فيقعان في دائرة منطقية مغلقة. ثم يستدعي مفهوماً فلسفياً غير متوقع: "الافتراضي" عند جيل دولوز. الافتراضي ليس وهماً ولا واقعاً فعلياً، بل هو "حقيقي دون أن يكون فعلياً"، مثل الذاكرة أو العاطفة تجاه شخصية روائية. بهذا المفهوم الثالث، يهدم كاردجييف الثنائية كلها، ويعيد تعريف الحقيقة لا كشيء "يُعثر عليه" بل كشيء ينكشف.

نعيش في عالم خيالي، عالم وهم.

المهمة الكبرى في الحياة هي اكتشاف الواقع. — آيريس موردوخ

سيميون كاردجييف (Simeon Kardzhiev) — من بلغاريا.

طالب في الصف الحادي عشر

إنه بالضبط هذا السؤال — حول ما هو «حقيقي» وما هو «زائف» — الذي لاحق وطارد بلا راحة تاريخ الفكر الغربي وتطوره منذ طاليس. لقد عمل هذا الانقسام في الوقت نفسه كمحفز للتغيير في الفلسفة الغربية، ولكنه أيضًا بدا وكأنه غير قابل للحل إلى الأبد. وبسبب هذه المفاهيم ذاتها، وبناها، وبنية الأنطولوجيا التي نألفها، لا نجرؤ على التفكير خارج هذا النموذج. يبدو أننا، بحكم الطبيعة، نميل إلى التفكير بأن الواقع والحقيقة شيء يجب «العثور عليه». في الاقتباس نفسه، تظهر هذه التوتر واضحًا؛ إذ يفترض ثلاثة أمور:

1. أننا نسكن عالم وهم، عالم زيف، عالم لا يتوافق مع الواقع، عالم يُعرَّف فقط بعدم علاقته بالصدق.

2. أن هدف «الحصول» على هذه الحقيقة هو «مهمة عظيمة»، جبل يجب تسلقه.

3. أن المهمة هي «العثور» على تلك الحقيقة، أي ما يتوافق مع الحق.

علينا اكتشاف النموذج الثابت للوجود الذي اعتبرته العادة مركز بنيتنا. في هذه المقالة، سأحاول تفكيك هذه البنى والثنائيات، لأرسم شيئًا يمكن أن يكون حقيقيًا وزائفًا في الوقت نفسه، ولأوجه فكرنا لا إلى «العثور» على الواقع الثابت، بل إلى تعزيز اكتشاف نشط للوجود داخل أنفسنا.

الواقع، والحقيقة بالطبع، ليسا شيئين ثابتين مفردين يُعثَر عليهما. الواقع والحقيقة هما حدث، حدوث مستمر في العالم، وليسا مجرد شيء يُعثَر عليه؛ إنهما يكشفان نفسيهما لنا في الوجود ذاته. إن المعارضة التي تخلقها موردوخ بين الخيالي والحقيقي دائرية؛ فهما يبرران بعضهما البعض ويسكنان مجالًا واحدًا. الشيء الذي لا تستطيع هذه البنية الثنائية احتواءه هو المفهوم الديلوزي للـ«افتراضي» (virtual) — ذلك الذي هو إمكاني، لكنه غير فعلي؛ إنه ليس في الواقع (غير حاضر)، ولا في الخيال؛ إنه ممكن. من خلال الافتراضي، يمكننا إعادة التفكير في الانقسام بين الحقيقي وغير الحقيقي، لا كشيء موجود أنطولوجيًا بالضرورة، بل كشيء يُيسَّر بواسطة بنى الفكر. الحقيقة ليست شيئًا يُنال، بل هي أليتيا (aletheia) — ذلك الذي يكشف نفسه لنا — ولا تكتشف نفسها بمحاولتنا «العثور» عليها، بل بحضورنا في الوجود. في هذا الإطار، ليس الخيال والوهم معارضين تمامًا لفعل تجربة الحقيقة، بل هما شيء يساعدنا على تجربة الواقع.

1- العلاقة بين الخيال والواقع

يفترض الاقتباس أن طبيعة الواقع مفردة، وأن كل فرد في هذا «نحن» الذي تشير إليه موردوخ يختبر الوجود بنفس الطريقة. لكن هذا تعميم خطير جدًا؛ يمكننا فقط افتراض أن كل ذات تختبر هذه البنية المفردة للواقع. بنية — مرة أخرى — تبدو محصورة في الواقع ذاته ويجب «العثور» عليها. «العثور» على شيء يعني اعتباره شيئًا ملموسًا. نحن نعرف ما نحتاجه، وكل ما علينا هو معرفة أين نبحث. يبدو كأن مهمتنا هي اتباع والمشاركة في هذه الأنطولوجيا للحضور، لنعثر على الحق مرة واحدة وإلى الأبد ونسكنه. التيليولوجيا (علم الغايات) التي نميل إلى اتباعها هي التوافق مع الحق والواقع. ولكي نكون حاضرين وجزءًا من الواقع، نُجبر أيضًا على اعتبار أن الواقع والحقيقة ذاتهما ثابتين. مفهوم ونمط فكري تكلسا في الفكر الغربي منذ أفلاطون ومثل الغار، مرورًا باللاهوتيين المدرسيين، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وصولًا إلى يومنا هذا. لكن بالتراجع خطوة إلى الوراء والنظر إلى مصدر الالتباس — أفلاطون — يمكننا رؤية أصل الالتباس. حسب هايدغر في محاضرته «عقيدة أفلاطون في الحقيقة»، اعتدنا اعتبار الحقيقة شيئًا ثابتًا وغير قابل للتغيير إلا بالصدفة البحتة. هناك، يعيد هايدغر — وفي «الوجود والزمان» — تعريف الحقيقة حسب تعريفها المفقود: أليتيا — عدم الاختباء — وأن الحقيقة تكشف نفسها. في الغار، لا تُمسك الذات الحقيقة و«تعثر» عليها، بل من خلال تجربته تكشف الحقيقة نفسها له عبر الظلال والنار والنجوم والشمس. من خلال هذه المشاركة الديناميكية والمتدفقة والمتغيرة في الوجود، يختبر الحقيقة والواقع، ولا «يعثر» عليه. لذلك، لا يمكننا أن نربط الحقيقة بشيء مفرد أو ثابت، بل كشيء ديناميكي.

بالعودة إلى الاقتباس، نرى أن اللغة التي تستخدمها موردوخ تزرع فورًا في فكرنا تسلسلًا هرميًا للنمطين من الوجود اللذين يشكلاننا حسبها. في هذه البنية، يُرتب الوهم والخيال في أسفل السلم؛ ليس لهما وزن أو سلطة أو أهمية، بخلاف الواقع والحقيقة اللذين يجلسان في القمة وهما سمو هذه الميتافيزيقا. لذا، ليس لدينا خيار سوى التفكير في كل شيء من خلال هذا التعارض الثنائي: إما حقيقي أو زائف. من السيئ أن نعيش في الخيال، لأننا لا نحقق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع. لكن إذا نظرنا عن كثب وبدأنا نسأل أنفسنا: ما الذي يجعل شيئًا جزءًا من الواقع أو الخيال؟ فإن هذا الإطار الصلب ينهار على نفسه. الوهمي لا يُعرَّف بغير عدم علاقته بالحقيقي، والعكس بالعكس؛ الحقيقي هو فقط ما ليس في مجال الخيال. هذه المفاهيم التي اعتدنا اعتبارها آمنة تنهار تحت توترها الخاص، لأن تعارضهما يتميز فقط بعدم كونهما ما هو الآخر. لذا، ليسا في تعارض حقيقي، بل يخدمان لتبرير بعضهما البعض. إنهما يشكلان نفسيهما ذاتيًا، ولا يمكنهما الوجود بدون بعضهما، محيطين بنا في منطق دائري يبدو صعب الخروج منه. وربما بالفعل، بسبب تركيزنا الشديد على تحقيق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع، لا نستطيع تحقيقها. إن دافعنا النشط للعثور على الحقيقة هو العائق الذي يمنعنا من اكتشافها، حسب هايدغر، بالضبط لأننا نريد بشدة السيطرة على الوجود، وأمر أنفسنا عقلانيًا، فلا ننجح. بل نحتاج إلى تعزيز ما يسميه «الانفتاح على الكشف». نتيجة بحثنا حتى الآن هي أن لا الخيال ولا الوهم في هذا الإطار يوجدان حقًا بذاتهما دون أن يكونا مقيدين بالمفهوم الذي يعارضانه. وهذا يثبت أن مركز هذه البنية ليس داخلها، بل خارجها. وسأحاول الآن العثور على شيء لا تستطيع البنية ومفاهيمها المكونة الاستيلاء عليه بالكامل.

2- المصطلح الثالث: الافتراضي (الافتراضي)

لكن هل هناك شيء قد يكون وهميًا وحقيقيًا في الوقت نفسه، ولا نستطيع تصنيفه بسهولة في فئة واحدة؟ إنه هذا المصطلح الثالث الذي تخفيه البنية ضمنيًا، والذي من خلاله يمكننا زعزعة مركزها وتفكيكها، ونكون قادرين على رؤية كيفية عملها حقًا. الافتراضي، الذي صاغه برغسون أصلًا، يُجذِّره ديلوز ويعرفه بأنه ذلك الذي يسكن الواقع دون أن يكون ممكنًا. الافتراضي نفسه غير مُفعَل، ولا يمكن تفعيله بالكامل. الافتراضي يتناقض مع الانقسام الأنطولوجي التقليدي من أرسطو فصاعدًا، بين الممكن والفعلي. الفعلي حاضر، يمكن العثور عليه، يمكن الإشارة إليه، هو حقيقي، هو هنا ويمكن الإشارة إليه. الكرسي حقيقي وفعلي في آن. أما الممكن فيفترض داخل نفسه غاية — الفعلية. لكن الافتراضي حقيقي دون أن يكون فعليًا؛ إنه ليس لا شيء، لكنه ليس أي شيء؛ إنه قوة، ميل. بذور الشجرة افتراضية؛ الشجرة موجودة وحقيقية، لكنها غير فعلية.

من خلال هذا، يمكننا إعادة تقييم كلا مفهومي الخيال والواقع. إذا حاولنا تطبيق إطار موردوخ على شيء مثل الذاكرة، على سبيل المثال، نرى أنه لا يستطيع الصمود. الذاكرة ليست حقيقية تمامًا، فهل تعني ذلك أنها شيء وهمي؟ الماضي ليس شيئًا يمكننا الإشارة إليه بشكل ملموس، لكنه حقيقي بالتأكيد، لأنه حدث. فكيف لا نستطيع تعريفه بسهولة حسب مصطلحات موردوخ؟ يصبح الأمر أكثر إرباكًا عندما نفكر في تأثيرات الذكريات؛ يمكن للذاكرة أن تحتوي على مجموعة واسعة من المزاجات، وعند العودة إليها يمكننا اختبار هذه العواطف. إنها ليست شيئًا حقيقيًا بمعنى أنها محيطة بنا وملموسة، بل هي غير ملموسة جذريًا، حتى من خلال اللغة، لكننا نستطيع إدراكها تمامًا من خلال التجربة. على أي حال، لها وزن أنطولوجي. ينهار منطق موردوخ هنا؛ الذكريات ليست خيالًا، لكنها ليست حقيقية تمامًا أيضًا. لذلك يمكننا تعريف الذاكرة كشيء افتراضي — إنها حقيقية لكنها غير فعلية؛ حقيقتها تكشف نفسها لنا من خلال التجربة والمسافة. محتويات وتأثيرات هذا المثال للافتراضي حقيقية وتغير إدراكنا للعالم، دون أن تكون الذاكرة نفسها شيئًا يمكن الإشارة إليه. الحزن الذي نشعر به تجاه شخصية خيالية حقيقي، دون أن تكون الشخصية فعلية، وهذا الحزن يمكن أن يؤثر فينا ويغير الطريقة التي نختبر بها الواقع والحقيقة. إنه هذا التأثير الذي يمكن أن يسمح لنا بـ«العثور» على الواقع، لا كشيء نهائي، بل كمفتاح لمشاركتنا في الوجود. الرغبة حقيقية، لكننا لا نستطيع الإشارة إليها، رغم أن تأثيرها علينا شيء يمكن ملاحظته.

3- الخاتمة

مفارقة موردوخ هي أنه رغم كونها كاتبة غزيرة الإنتاج، فإنها تبدو وكأنها تدين الخيال كشيء غير حقيقي وخيالي يصرفنا عن هدف العثور على الواقع. ببساطة، في هذا النمط الثنائي للفكر — بين الخيال والواقع — لا يستطيع الوجود ذاته أن يظهر نفسه بشكل كامل وأصيل في كل مجالاته وسجلاته. إذا اعتقدنا أن الواقع هو مرمى هدف، أو كأس يُفوز به، أو مكافأة نهائية لطريق، فلن نستطيع أبدًا اختبار الوجود والواقع في تعقيده. بالضبط هذا الاقتباس يعمل كنقطة تفكيك من خلالها نفهم موردوخ والوجود بشكل أفضل؛ إذ إن ما يُعتبر خيالًا هنا هو بالمفارقة الشيء الذي يسمح لنا بإدراك الواقع والحقيقة. الخيال ليس عقبة أمام الفهم وكشف الواقع، بل هو شيء من خلاله نستطيع اكتشافه بشكل أفضل. البنى التي نعتبرها صلبة تخفي داخلها علاقة نحتاج إلى التكيف معها. علينا تحويل التركيز من الخارجي الذي يمكن امتلاكه، إلى الافتراضي الداخلي، الأرضية غير المؤسسة التي تسمح للحقيقة بأن تكشف نفسها لنا.

بارك يون وو تتفوق على الجميع بتحليلها لسلطة أرندت. تنطلق من تعريف أرندت (السلطة هرمية غير قسرية، تقف بين الإكراه بالقوة والإقناع بين أنداد) ثم تختبره بلا هوادة. تبتكر "عتبة انقلاب القوة" وجدولاً يصنف أشكال القوة، وتحلل العلاقة بين "ذات السلطة" و"موضوع السلطة" كما لو كانت معادلة فيزيائية. لكن ضربتها الكبرى هي تجربتها الفكرية عن "الشخص ج": ذات عقلانية محضة، متحررة من كل حاجة وكل علاقة، يُعرض عليها الدخول طواعية في سلطة. تثبت بارك، خطوة بخطوة، أن هذا الشخص لن يقبل، لأن العقل الخالص لا مصلحة له في سلطة. إنها تصل إلى نتيجة وجودية مزلزلة: السلطات توجد، لكنها لا تستطيع تبرير وجودها داخلياً أبداً.

- أسئلة العقل العربي معنى الغياب وإمكان الحضور

نعود الآن إلى الأسئلة التي افتتحنا بها هذا المقال، والتي تزداد إلحاحاً بعد هذه الرحلة.

لماذا يعجز عقل التلميذ العربي؟ ليس لأن الذكاء مفقود، ولا لأن الموهبة معدومة. الخلل أعمق. الخلل في أن مناهجنا صممت لتنتج "الترانيم الحزينة" التي وصفناها، لا "النار المحرقة" التي ننشدها. تلميذنا يُدرّب على الحفظ والاستظهار، لا على السؤال والتفكيك. يُطلب منه أن يكون وعاءً للمعلومة، لا منتجاً للمعنى. وحين يصل إلى لحظة الكتابة، لا يجد في داخله إلا صدى ما حُفظ، لا صوت ما فُكّر فيه. كيف ننتقل به من الخوف إلى التقديس؟ بأن نغير السؤال في فصولنا: لا "ماذا قال أرسطو؟"، بل "ماذا تقول أنت؟ وكيف ترد على أرسطو؟". بأن نعلمه أن الفلسفة ليست مادة دراسية، بل مغامرة وجودية، و"سرقة نار" كما فعل بروميثيوس ولن نصل الى هذه الغاية الا بإصلاح تربوي شامل.

وهل عقل أستاذ الفلسفة "لم يتصير عقل بعد"؟ سؤال البشير ربوح يوجع لأنه صادق. كثير من أساتذتنا وقعوا في الفخ نفسه: صاروا حراساً للمعرفة لا مشاركين في إنتاجها. يدرّسون الفلسفة كما تدرس الجغرافيا: أسماء وتواريخ ونظريات واغلب الأساتذة للأسف لا يقرأون ولا يكتبون وبالتالي لا يفكرون فلسفيا. والفلسفة الحقيقية تُمارس. ولكي نمارسها مع تلامذتنا، علينا العودة جميعا الى لحظة الدهشة والى مصادرها . وعلينا أن ننفتح على هذه النماذج العالمية، لا لنقلدها، بل لنفهم روحها. روح التحليل والتفكيك والجرأة على قول "لا" لنص فلسفي كبير. إذا كان أستاذنا يخاف السؤال، فكيف لتلميذه ألا يخاف؟

أليس غيابنا عن هذا الأولمبياد مرآة تعكس علاقتنا الملتبسة بالفلسفة أصلاً: نقدّسها في كتب التراث ونغتالها في ممارساتنا التعليمية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً. نحن أمة تتفاخر بفلاسفتها القدامى، لكنها لا تنتج فلاسفة. تحتفي بالكندي وابن رشد، لكنها لا تخلق فضاءً لشاب في الثامنة عشرة ليكتب مقالاً أصيلاً وينافس به العالم. ثمة انفصام بين التمجيد اللفظي للفلسفة والتخلّي العملي عنها. وحده الفعل الذي يرمم هذا الانفصام. فعل تأسيسي وثورة تبدأ من القرار السياسي بإصلاح الفلسفة والنظام التعليمي ككل، ويمر بتدريب الأساتذة على التفلسف لا تدريس الفلسفة، وينتهي بتلميذ يكتب مقاله بقلمه وروحه، لا بذاكرته. وحين سرق بروميثيوس النار، لم يستأذن. لم ينتظر أن تصدر الآلهة مرسوماً يبيح له الفعل. هو فعل ما فعل لأن حبه للبشر كان أكبر من خوفه من العقاب. هذا هو الدرس الأخير الذي تحمله إلينا مقالات أولمبياد الفلسفة: أنها مكتوبة بروح بروميثيوس. روح لا تنتظر الإذن، ولا تخشى التمرد على المألوف، ولا ترضى بكتابة "ترانيم حزينة" فمتى نقرر نحن العرب، أن نسرق النار؟ متى نقرر أن نعلّم تلامذتنا ألا يخافوا السؤال وحرقته، تلك هي "المهمة الكبرى" للفلسفة.

***

عمرون علي

استفتِ قلبك وأن أفتوك..

هذا الشعار المهم يجب حمله مع القوانين والتشريعات الدينية، فالضمير الأخلاقي هو الأساس والبوصلة لخطى الإنسان، لأن الحكم الفقهي ظاهري في غالبيته قد لا يصيب الواقع، وهو يفيد إبراء الذمة يوم القيامة فيما اذا اتبعنا الحكم الخاطىء، فنكون معذورين أمام الله تعالى، لكن في الحياة الدنيا نحن غير معذورين حين نسيء لأحد ونأكل حقوقه بحجة أن المفتي قال ذلك.. المفتي يعطي الحكم بعنوانه الأولي العام، ولايعلم ملابسات قضيتك الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، أنت من تشخص موضوع مسألتك، وتقع عليك مسؤولية تحقيق العدالة، ولذلك بعض الأحيان المكلف يتلاعب بموضوعه لتضارب المصالح، كمثال: الولاية الجبرية للأب، يقول المفتي: اذا وجد الأب أن مصلحة الطفل تقتضي البقاء مع الأم فيجب ابقاؤه معها حتى وان تزوجت وبلغ الطفل السابعة، هنا يضع الحق بيد الأب في تقرير مصلحة الطفل، لكن قد تتضارب مصلحته مع مصلحة المحضون، فقد لايريد الانفاق عليه، فيخدع نفسه فيقرر أخذ الطفل من أمّه.

فالأب هنا بيده السلطة التي تجعله المتحكم في القرار فيصدر قراره بناء على مصلحته، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، فيكيّف الوقائع بما يخدم مصلحته الشخصية، ثم يختبئ خلف الفتوى ليمنح قراره غطاءً شرعياً..

بينما في هذه المسألة يجب الرجوع للقاضي الذي تعينه الدولة لأحقاق حق المواطن بغض النظر عن الفتوى الفقهية المستمدة من فقه الفرد، لا فقه الدولة أو المحتمع، فالفقه هنا يتعامل مع افراد متفرقين وليس بينهم الا علاقات الابوة والأمومة والبنوة والزوجية والقرابة.

فأعطت للرجل صلاحيات واسعة في أتخاذ القرارات بشأن الأبن، مع افتراض حسن نيته وعدالته. فلا وجود لمصلحة الأسرة مثلا، لأن هو لايفهم هذه الجماعة، الا من خلال عناوين معينة المذكورة بالكتب الفقهية،فهو يتعامل مع افراد: الاب، الزوج، الأم، الوارث، الدائن، المدين. فلا ولاية للقاضي او الدولة في مراعاة حقوق المواطنين خارج حق الأب والأم والجد على الطفل.

ركز الفقه الفردي على الحقوق الفردية والعلاقات المباشرة، أكثر من تركيزه على مفهوم المؤسسة الاجتماعية كالأسرة بوصفها كيانا كاملا فهي لاتظهر كوحدة احتماعية ذات مصلحة عامة، بل كمجموعة حقوق متقابلة بين أفراد يمتلكون سلطات متفاوتة

أن التجربة الإنسانية تثبت أن السلطة حين تجتمع مع المصلحة الخاصة تحتاج دائما الى رقابة خارجية، لأن الإنسان يميل الى تبرير أفعاله، خاصة عندنا يمتلك سندا دينيا أو قانونيا يخفف عنه تأنيب الضمير.

من هنا تظهر ضرورة الانتقال من فقه الفرد الى فقه الدولة والمجتمع التي يمكنها أن تقيم محاكم خارج ما أنتجه الفقه الفردي من منظومة حقوقية.

المشكلة ليست بالدين أو الفقه نفسه بل بالنزعة الفردية حين تم نقلها بكل تصوراتها لتكون قانونا عامل يشمل الدولة، بلا آليات جديدة تراعي كيان المجتمع والدولة.

إن وجود سلطة قضائية مستقلة عن مصالح الافراد لايناقض الدين بل يحمي المقاصد الأخلاقية للدين من التلاعب الفردي، بينما الأن – كما يلاحظ في العراق – أن المحكمة ذاتها تطلب نصوصا موحدة للجميع تستمد من الفقه الفردي نفسه لتقرر على ضوئه القرار القضائي أو القرار التمييزي، فلا تخرج قرارات السلطة القضائية عن فتاوى وتفسيرات الفتوى الفردية نفسها. فالقضاء أصبح هنا مجرد إدارة ملفات إدارية، وإلزام تنفيذي على المكلف، فلم تعد الفتاوى خاصة بالامتثال الفردي، بل يجبر على تنفيذ الفتوى الفقهية، التي صارت قانونا عاما ينفذ في كل واقعة تقريبا.

إن الدولة الحديثة لم تنشأ فقط لتنظيم السلطة، بل أيضا لمنع الأفراد من أن يكونوا خصوما وحكاما في الوقت نفسه، لكن الفقه المقنن بقى يعطي الحق للأب -في هذا المثال المذكور - أن يكون هو الخصم والحكم عندما جعلت سنا معينا محددا للطفل للانتقال من حضانة الأم المنفصلة عن الأب، إلى الأب، دون البحث الكافي في كل حالة حول مصلحة المحضون. فالقضاء هنا تحول الى أداة تنفيذية فقط ما رسمه الفقه الفردي الخاص بإبراء الذمة الأخروي

في الفقه الإسلامي؛ الإنسان قد يكون معذورا أمام الله تعالى إذا اتبع فتوى خاطئة عن حسن نية، لكن ذلك لايلغي الضرر الذي يقع على الناس في الحياة الدنيا. فالظلم باقٍ حتى لوامتلك الظالم فتوى تبرر فعله. لذلك الضمير الأخلاقي النابع من القلب هو الأساس، وهذا مايذكره الحديث المنسوب للنبي ص: (استفت قلبك وأن افتاك الناس وأفتوك). فالقلب يعرف العدالة، استفت قلبك وهو ليس بديلا عن الفقه بل رقيب عليه من الداخل يمنع الناس من تحويل الأحكام الشرعية الى أدوات سلطة والتهرب من المسؤولية، وطلم الناس باسم الشريعة، ومن بعد ذلك تأتي الدولة بقوانينها الرادعة والملزمة إذا تاه الفرد عن بوصلة أخلاقه، وكان الفقه يخاطب الفرد فقط. بفقه ظاهري ينفع يوم الحساب في إبراء الذمة ولايفيد الحياة الدنيا بالضرورة.

***

ا. د. بتول فاروق

النجف ٢٥/ ٦/ ٢٠٢٦

مقاربة تفكيكية للخطاب الأسطوري والخطاب الاستعماري المعاصر

البنية المعرفية للأسطورة وتوظيفها السلطوي

يرتكز الفهم الفلسفي المعاصر للخطاب الأسطوري على كونه ليس مجرد حكايات خرافية غابرة تنتمي إلى طفولة البشرية الأولى، بل هو بنية معرفية ممتدة وعابرة للتاريخ تُستخدم بوعي لإنتاج المعنى وتثبيت دعائم السلطة عبر أطر لغوية مدروسة بعناية. في هذا السياق، ينطلق المشروع النقدي للمفكر رولان بارت من فكرة ثورية تؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة للتواصل البشري، بل هي نظام فكري عقائدي متكامل يتجلى بوضوح في أطروحاته التأسيسية حول صياغة الكتابة والأنظمة العلاماتية المعاصرة.

تتبدى الأسطورة في هذا الطرح بوصفها نظاماً علاماتياً يعمد بالدرجة الأولى إلى تفريغ الواقع التاريخي من محتواه الحركي السائل، وتحويله إلى "طبيعة بديهية" أزلية ساكنة لا تقبل النقاش أو المساءلة. إن الأسطورة تأخذ الوقائع التاريخية والتحولات السياسية وتحيلها إلى ما يشبه القوانين الطبيعية الفيزيائية؛ فهي تجعل الهيمنة الطبقية أو التوسعية تبدو كأنها أمر حتمي وطبيعي تماماً كما تشرق الشمس وتغرب، مما يحرم المتلقي القدرة على رصد الصيرورة التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذا الواقع وأسست لتلك الامتيازات.

المأزق الاصطلاحي والصراع الدلالي في الفضاء العربي

يتأصل هذا التزييف اللغوي الممنهج في صميم الصراع الدلالي حول تسمية المفاهيم وتحديد غاياتها؛ إذ يكشف تفكيك مصطلح "ما بعد الاستعمار" عن قطيعة معرفية متوهمة تصوّر وجود حد فاصل بين مرحلة ما قبل الاحتلال وما بعدها، متغافلة عن امتداد آليات الهيمنة بوسائل ناعمة. وفي الفضاء التداولي العربي، يثور جدل لغوي وعميق حول ترجمة اللفظ الأجنبي للاستعمار؛ إذ تحمل اللفظة العربية في جذرها دلالة إيجابية مستمدة من التعمير والبناء والاستخلاف، بينما ينطوي الواقع الفعلي والممارس على الأرض على الإذلال والنهب المنظم واقتلاع الهويات. هذا التناقض الصارخ دفع كوكبة من المفكرين التفكيكيين إلى اقتراح بدائل مفاهيمية تكشف عن جوهر الفعل مثل "الاستخراب" أو "الاستكبار" للتعبير الدقيق عن حقيقة التدمير البنيوي.

يتوازى هذا التزييف مع مصطلح "التغريب" الذي يحمل في جذوره اللغوية الأصلية معاني التنحية، والإقصاء، والنفي عن الوطن والبيئة، لكنه شهد تطوراً بنيوياً هائلاً في العصر الحديث ليعبر عن استلاب الهوية وإقصاء الذات الحضارية والثقافية لصالح قيم المركز المهيمن وفرض نمطه المعرفي كنموذج وحيد للتقدم الإنساني.

العقل الأداتي: من ملحمة أوديسيوس إلى الهيمنة المعاصرة

إن الارتداد التنويري نحو الأسطورة يمثل في جوهره إعادة إنتاج مستمرة لعلاقة الصراع العنيف والهيمنة على الطبيعة والإنسان على حد سواء. هذا التحول العميق يفسره الفيلسوفان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر عبر قراءة فلسفية تفكيكية لأسطورة أوديسيوس في الملحمة اليونانية القديمة؛ حيث يقيد أوديسيوس نفسه بإحكام إلى صاري السفينة ليسمع غناء الحوريات الساحر دون أن يندفع نحوهن ويهلك، مستعبداً في الوقت ذاته بحارته عبر سد آذانهم بالشمع ليتفرغوا للتجديف دون وعي بما يدور حولهم. تعبر هذه الصورة الأسطورية الرمزية بدقة عن نشأة "العقل الأداتي" بوصفه أداة للسيطرة الذاتية الصارمة وقمع الغرائز بهدف إحكام الهيمنة على الطبيعة والسيطرة على الآخر وإخضاعه.

يجدر بنا هنا التمييز بين مفهومين محوريين:

مفهوم "المحاكاة" التي تحفظ التوازن والانسجام الفطري بين الذات والموضوع، ومفهوم "الإسقاط" الذي يمثل حالة من العوارض الارتيابية التسلطية التي تحول البيئة المحيطة وكل ما هو خارجي إلى مجرد امتداد تابع للذات المستبدة، مما يلغي خصوصية الآخر ويسلبه وجوده المستقل.

هندسة التضليل والتعمية: البلاغة كبديل للقوة المادية

ينشأ التوازي الجوهري والعميق بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب التوسعي الهيمني المعاصر من هذه النقطة بالذات؛ حيث يتحول الخطاب السياسي إلى عقيدة تبريرية مطلقة للسلطة عندما تفصل الجماعة التاريخية فصلاً حاداً بين الحاكم والمحكوم. وكما يوضح ماكس فيبر عبر التحليلات الهرمنيوطيقية للفيلسوف بول ريكور، فإن هذه المرحلة من الانفصال تتطلب بالضرورة صياغة خطاب بلاغي إقناعي مكثف وشديد التأثير ليكون بديلاً مستداماً عن الاستخدام العاري والمستمر للقوة المادية والبطش العسكري.

تاريخياً، وظف الخطاب الأسطوري الرموز الميتافيزيقية السامية والتعبيرات الفقهية الموجهة لشرعنة الاستبداد وإضفاء هالة من القداسة على الحاكم الفرد. وفي العصر الراهن، يعيد الخطاب الهيمني المعاصر علمنة هذه الأسطورة وصياغتها في قوالب حداثية؛ إذ حل مفهوم "النظام العالمي الجديد" أو "قيم المركزية الغربية" محل المشيئة الإلهية المطلقة، لتبرير غزو الشعوب وتدمير بنيتها الاجتماعية ونهب مقدراتها الاقتصادية باسم نشر قيم الديمقراطية، والعولمة، وحماية حقوق الإنسان.

إن فعل الخداع في كلا الخطابين يقوم على بنية منطقية مغالطة وممنهجة بعناية فائقة لتوجيه الوعي الجمعي وإفراغ التفكير النقدي من مضمونه التساؤلي؛ إذ لا يُعنى هذا الجدل السياسي بإثبات الحقائق الموضوعية، بل بحسم الصراع لصالحه من خلال إثارة العواطف ومخاطبة مخاوف الذات المقهورة وتوجيه قلقها.

العقيدة، السرد، وصناعة الجهل البنيوي

لا تكتمل دائرة الخداع والتعمية بالاعتماد على المغالطات المنطقية الفردية أو العابرة، بل تتطلب بالضرورة بناء نسق سردي متكامل وممتد يتداخل فيه النص بالتوجه الفكري لإنتاج الجهل وإعادة توليده دورياً. يفكك النقد البنيوي الآلية السردية للخطابات المهيمنة مبنياً الدور المحوري لـ "ضمير الغائب" في الرواية وكتابة التاريخ؛ إذ يرى بارت أن استخدام ضمير الغائب يمنح السرد موضوعية مصطنعة ومحايدة توفر للقارئ طمأنينة التخييل القابل للتصديق على الرغم من زيفه البنيوي الكامن. ينتصر ضمير الغائب على ضمير المتكلم في أدبيات الطبقات المهيمنة لأنه يعرض الجوهر والمواقف كمعطيات نهائية وأزلية معزولة تماماً عن الذات الكاتبة وصراعاتها المصلحية الواقعية، مما يمنح الأسطورة حصانة شكلية تبعدها عن مشرط التشكيك والنقد.

في المقابل، يسعى الخطاب السياسي الاستبدادي في المنطقة إلى فرض صوته الأوحد من خلال لغة غامضة وتعاليم حاسمة تؤكد باستمرار على علاقات الفوقية والتبعية؛ حيث يتحول الخطاب من كونه حواراً مجتمعياً متبادلاً إلى إملاء عمودي يفرض السمع والطاعة المطلقة، معززاً أطروحات "مكرمات الراعي على الرعية" كبديل مشوه عن الحقوق الدستورية والمدنية الأصيلة للأفراد.

آليات الدفاع النفسي والدورات المفرغة لإعادة إنتاج الخضوع

يستمر نظام الخداع النفسي الإدماني بالعمل بكفاءة عبر آليات سلوكية دفاعية تلجأ إليها الشعوب الواقعة تحت القهر للتخفيف من وطأة عجزها التاريخي الممتد، وهي دفاعات تنقلب في نهاية المطاف لتسهم في إغلاق الدائرة المفرغة وإعادة إنتاج شروط التخلف والخضوع التام. وتتخذ هذه الآليات الدفاعية النفسية والاجتماعية صوراً بنيوية محددة يمكن تفصيلها في المحاور التالية:

الانكفاء على الماضي والجمود:

عندما يستعصي الواقع الراهن والمعقد على التغيير، وتنسد آفاق الفعل الحضاري والإنتاجي أمام الإنسان المقهور، فإنه ينكفئ تلقائياً على ذاته مستمسكاً بالتقليد الحرفي والعودة المتخيلة إلى الماضي المجيد كدرع واقٍ ضد قلق التلاشي والضياع الهوياتي. يغدو هذا الماضي ملاذاً وهمياً يُعوض فيه الفرد في مخيلته عن مهانته الحاضرة وتبعيته الحالية. ورغم أن هذا التمسك يكتسب في بدايته دلالة حمائية للدفاع عن الذات، إلا أنه يتحول بفعل المبالغة والتقديس إلى جمود معرفي صارم يرفض النقد الذاتي، مما يبقي المجتمع عاجزاً عن امتلاك أدوات العصر المعرفية والتقنية، وبالتالي تكرس السلفية الفكرية التبعية المطلقة للمركز الاستعماري المتفوق أداتياً وعلمياً.

الذوبان في العلاقات الدمجية والتعصب الأعمى:

يفر الإنسان المقهور من مسؤولية وعيه الحاد بفقدان كرامته الفردية وحريته الشخصية عبر الذوبان الكامل وغير المشروط في الجماعة والعلاقات الدمجية الأولية كالعشيرة، أو القبيلة، أو الطائفة المذهبية. تسهم هذه الكيانات الفرعية في تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وتآكل المفهوم الحديث للدولة؛ حيث تكتسب العصبية الضيقة دلالة المثل الأعلى والخير المطلق في نظر أعضائها، بينما يُسقط على كل ما هو خارجها دلالات شريرة ومشاعر العداء المستحكم والخشية الدائمة. يتحول الخارج هنا إلى "أسطورة الشر والسوء المطلق" التي تجب محاربتها لحماية النقاء المتوهم للداخل، مما يؤدي إلى هدر طاقات الداخل والخارج معاً في صراعات عبثية، ويسهل على القوى التوسعية اختراق هذه الكيانات المفتتة وإدارتها والتحكم في مصيرها بيسر تام.

الهروب السحري والارتباط بخرافة الخلاص الميتافيزيقي:

أمام العجز المادي والعملي عن مواجهة أدوات القهر المنظم، يتخلى العقل المقهور عن سببيته المنطقية الصارمة وينزلق نحو التفكير الانفعالي الغيبي والسحري. يتجلى ذلك بوضوح في اللجوء العارم لـ "أسطورة قضاء الحاجات" والتعلق المفرط بالتمائم، والخوارق لكف الحسد، أو جمع الحبيبين، أو تحقيق النصر المؤزر على الخصوم دون أي مجهود مادي أو علمي مبذول على أرض الواقع. يتولى هؤلاء الأولياء أو المخلصون الغيبيون في المخيلة الشعبية حل المشكلات العميقة التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها الفعلي، أو ما قصر الطاغية المستبد في تلبيته من احتياجات أساسية. تلبي هذه الأوهام حاجة نفسية طارئة لتخفيف القلق الوجودي، لكنها تفصل الجماهير تماماً عن الفعل السياسي والتاريخي الحقيقي، وتجعلها مستسلمة لقدرها وقابلة لمزيد من التلاعب المنظم من قبل أجهزة السلطة وهيمنة الآخر.

مقاربة تفكيكية لتجاوز بنية الاستلاب والاعتراف

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن التوازي المطرد بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب الاستعماري المعاصر ليس توافقاً عارضاً أو وليد الصدفة، بل هو ترابط بنيوي وثيق وممتد في أدوات الهيمنة المعرفية والنفسية والاجتماعية. فالخداع المشترك ينجح باستمرار من خلال استغلال الهشاشة السيكولوجية للمتلقي وتحويل استلابه الحضاري إلى حالة إدمانية حادة يدافع الضحية عنها بنفسه ويبرر وجودها.

إن تأسيس "مقاومة معرفية" حقيقية لمواجهة صناعة الجهل يتطلب التحرر الفعلي والعملي من أجهزة صناعة الجهل البنيوي الكولونيالية والمحلية على حد سواء، وذلك من خلال الانتقال الحاسم من مناهج التلقين واستبطان التقاليد والمقولات الجاهزة التي لا تحتمل النقاش، إلى ترسيخ مناهج التفكير النقدي، والتحليلي، والاستقصائي التفكيكي التي تكشف الافتراضات المضمرة والخفية للخطابات المهيمنة وتكسب الأجيال الجديدة مناعة فكرية صلبة ضد مغالطات التضليل وآليات التعمية البلاغية.

تقتضي هذه المهمة المصيرية كشف زيف الخطاب الحداثي الشكلي والتمويلي، ومواجهة خطابات الاستبداد التقليدية في آن واحد. يبدأ هذا التحرر المعرفي بإعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية العارية، وتعرية الطمأنينة المزيفة التي يضفيها ضمير الغائب السردي، لتعود الذات المقهورة ناطقة بضمير المتكلم الفاعل، المسؤول تاريخياً وحضارياً عن صياغة مصيرها واستعادة حريتها المسلوبة.

***

غالب المسعودي

في البداية، هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ وما وجه الاختلاف إذا افترضنا وجود اختلافات فعلية بينهما؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى إشكاليًا، لأن المثقف العراقي هو في نهاية المطاف جزء من الفضاء الثقافي العربي، ويتشارك معه اللغة والمرجعيات الكبرى والأسئلة الحضارية ذاتها. ومع ذلك، فإن خصوصية التجربة العراقية خلال العقود الخمسة الأخيرة تجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت هذه التجربة قد أنتجت نموذجًا مختلفًا للمثقف العراقي، أو على الأقل فرضت عليه شروطًا تاريخية ومعرفية تختلف عن تلك التي عاشها نظيره العربي في بلدان أخرى.

برأيي المتواضع، ما تزال المرجعيات الفكرية للمثقف العراقي محكومة إلى حدٍّ بعيد بإرث الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولا أقصد بذلك التقليل من قيمة تلك المرحلة أو منجزاتها الفكرية والأدبية، بل الإشارة إلى أن الكثير من التصورات والأسئلة والأسماء التي شكلت الوعي الثقافي العراقي آنذاك ما تزال تحتل موقع المركز في المخيال الثقافي العراقي حتى اليوم.؟ لا ننسى أن هناك تحشيد حزبي ثقافي يساري يميني (قومي) تشكل منذ الخمسينات من القرن الماضي في العراق وكان من أشهر ضحاياه الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب. كذلك، ربما يعود ذلك التباين العربي العراقي في المنجز الثقافي إلى وجود فجوة تاريخية امتدت لما يقارب عقدين من الزمن، بدأت بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتواصلت مع سنوات الحصار الاقتصادي والثقافي التي لم تؤدِّ فقط إلى إنهاك المجتمع والدولة، بل أسهمت أيضًا في قطع الكثير من قنوات التواصل المعرفي والثقافي مع العالم العربي والعالم الأوسع. وخلال تلك الفترة، شهدت الساحات الثقافية العربية تحولات فكرية ومنهجية وجمالية متسارعة، بينما كان المثقف العراقي منشغلًا بمواجهة تداعيات الحرب والعزلة والانهيار الاقتصادي، الأمر الذي خلق نوعًا من الانقطاع الزمني بينه وبين محيطه الثقافي.

فهل تغيّرت هذه المعادلة بعد عام 2003، ومع الانفتاح الكبير الذي شهده العراق على وسائل الاتصال الحديثة وشبكات المعرفة العالمية؟ في الداخل العراقي، لا أعتقد أن التغيير كان بالحجم الذي يُفترض أن يحدث. فما تزال أشباح المثقفين الرواد وأسماؤهم تهيمن على المشهد الثقافي العراقي ، ليس فقط بوصفهم جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية، بل بوصفهم مرجعيات حاضرة بقوة المقارنات الساذجة والغير موضوعية في عملية إنتاج المعنى والحكم على التجارب الجديدة. وكأن الثقافة العراقية ما تزال تنظر إلى نفسها من خلال مرآة الماضي، أكثر مما تنظر إلى إمكاناتها الراهنة ومستقبلها الممكن.

ولا يعني ذلك غياب المواهب الشابة أو انعدام التجارب الجديدة، فثمة أسماء وتجارب واعدة في الشعر والسرد والنقد والفنون المختلفة، إلا أن هذه التجارب لم تستطع بعد أن تشكل تيارًا ثقافيًا مؤثرًا وعابرًا للتحقيب التاريخي، قادرًا على فرض أسئلته الخاصة وإنتاج مرجعياته المستقلة. وما يزال الكثير من النتاج الثقافي الجديد يتحرك داخل الأطر التي رسمتها الأجيال السابقة، أو يسعى إلى اكتساب شرعيته من خلالها. أما في فضاء الشتات العراقي، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا. فقد انقسم عدد غير قليل من الكتّاب والمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج بين اتجاهين متناقضين إلى حدٍّ ما. الأول اتجاه ماضوي يواصل اجترار الأسئلة القديمة وإعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وكأن الزمن الثقافي العراقي توقف عند لحظة معينة لا يجوز تجاوزها. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه نهضوي أو كوزموبوليتاني يسعى إلى الاندماج الكامل في السياقات الفكرية العالمية، ويقفز أحيانًا فوق الفوارق التاريخية والثقافية والمعرفية التي تفصل بين بيئة المهجر والبيئة العراقية. وفي كثير من الأحيان، لا يأخذ هذا الاتجاه الأخير بالاعتبار اختلاف شروط التلقي والإنتاج الثقافي بين العالم الذي يعيش فيه ويكتب ضمن مؤسساته الفكرية والثقافية، وبين العراق الذي يمتلك إيقاعًا مختلفًا في تطوره الاجتماعي والمعرفي. ولذلك تبدو بعض الخطابات الثقافية القادمة من الخارج متقدمة جدًا على واقعها العراقي، أو منفصلة عنه جزئيًا، ليس بسبب ضعفها الفكري، بل بسبب اختلاف التوقيت المعرفي بين البيئتين.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بتفوق المثقف العراقي أو تأخره مقارنة بالمثقف العربي، بقدر ما تتعلق بالظروف التاريخية الاستثنائية التي مرت بها الثقافة العراقية، والتي جعلت علاقتها بالزمن الثقافي العربي والعالمي علاقة معقدة ومتذبذبة وربما مضادة للتحديث.

المثقف أو منتج الثقافة العراقي ما يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقطاعات والحروب والهجرات والتحولات السياسية الحادة، وهي عوامل تركت آثارها العميقة على طبيعة إنتاجه الثقافي وعلى مرجعياته الفكرية. ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ بل: هل استطاعت الثقافة العراقية أن تتجاوز آثار القطيعة التاريخية التي عاشتها خلال العقود الماضية؟ هل تمكنت من إنتاج جيل ثقافي جديد قادر على بناء توازن خلاق بين الوفاء لتراثها الفكري الغني، والانفتاح على الأسئلة المعاصرة والتحولات العالمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ما تزال مفتوحة، وربما تحتاج إلى مزيد من الزمن والدراسات قبل أن تتضح ملامحها بصورة نهائية.

***

ياسين غالب

إذا كان العمر هو المجال الذي تجري فيه التجربة الإنسانية، وكانت الآلام والابتلاءات من الحقائق الملازمة لهذه التجربة كما بينت المقالة السابقة "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، فإن الصبر يمثل الاستجابة الوجودية والروحية التي تحدد الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع تلك الحقائق. ومن هنا كان الصبر أحد أكثر المفاهيم عمقا في الفكر الديني والفلسفي والروحي؛ لأنه لا يتعلق بما يقع للإنسان بقدر ما يتعلق بما يصير إليه الإنسان من خلال ما يقع له. فالألم واقعة قد تفرض على الإنسان، أما الصبر فهو موقف وجودي وروحي يتخذه الإنسان إزاء ما يواجهه من أحداث وتقلبات.

ولعل من أسباب شيوع مفهوم الصبر أن كثيرا من الناس يتصورونه مفهوما بسيطا واضح الدلالة، بينما يكشف التأمل العميق أنه من أكثر المفاهيم تركيبا واتساعا. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، ولا مجرد تماسك نفسي في مواجهة الشدائد، بل هو رؤية مخصوصة للوجود، وطريقة في فهم العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الإرادة الإنسانية ومجريات القدر، وبين المحدود البشري والحكمة الإلهية التي تحكم حركة العالم. وليس الصبر مجرد فضيلة أخلاقية يكتسبها الإنسان بجهده الخاص، بل هو كذلك منحة ربانية ونعمة إلهية امتن الله بها على عباده، ولذلك تكرر الأمر به في القرآن الكريم، ووعد الصابرين بأعظم الجزاء. ولعل سر هذه العناية الإلهية أن الصبر هو سفينة الإنسان في بحر الوجود المتلاطم؛ إذ لا يكاد يخلو عمر من بلاء أو تكليف أو صراع مع النفس، فجعل الله له من الصبر ما يعينه على عبور تلك الأمواج دون أن يفقد وجهته أو يغرق في اليأس والاضطراب.

إن الإنسان بطبيعته كائن يتطلع إلى الثمرة قبل أوانها، ويرغب في اختصار المسافات، ويتمنى أن تخضع الحياة لرغباته وتوقعاته. غير أن قوانين الوجود لا تسير دائما وفق ما يشتهي الإنسان؛ فهناك ما يتأخر رغم السعي إليه، وهناك ما يفقده الإنسان رغم تعلقه به، وهناك من الآلام ما يداهمه دون اختيار منه. وهنا يظهر الصبر بوصفه قدرة على التعايش الواعي مع تعقيد الحياة دون أن يفقد الإنسان اتزانه أو إيمانه أو ثقته بالمعنى.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصبر باعتباره أحد أهم شروط النضج الإنساني. فالطفولة النفسية تتجلى في الرغبة الدائمة في الإشباع الفوري، أما الرشد الوجودي فيبدأ حين يتعلم الإنسان كيف يؤجل رغباته، وكيف يحتمل الغموض، وكيف يواصل السير في الطريق دون يقين كامل بمآلاته. ولهذا فإن الصبر ليس مجرد فضيلة أخلاقية بين الفضائل، بل هو البنية الداخلية التي تستند إليها فضائل كثيرة؛ إذ لا علم بلا صبر، ولا إصلاح بلا صبر، ولا حب صادق بلا صبر، ولا مشروع حضاري أو روحي يمكن أن يكتمل دون صبر طويل.

وإذا تأملنا مفهوم الصبر وجدناه يتخذ صورا متعددة تعكس تنوع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الصبر على الابتلاءات والمصائب وما يصحبها من آلام وخسارات، وهناك الصبر على الطاعة والالتزام بما يقتضيه الواجب الأخلاقي والديني رغم ما فيه من مشقة، وهناك الصبر عن الشهوات والأهواء حين تدعو النفس إلى ما يفسد توازنها أو يبدد طاقتها الروحية. ولهذا لم ينظر الحكماء إلى الصبر بوصفه حالة عارضة، بل باعتباره مشروعا متكاملا لتربية الإرادة الإنسانية وتحريرها من الاستبداد الخفي للرغبات والانفعالات.

والصبر - من الناحية الفلسفية – يرتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة الزمن. فالإنسان الذي يأسره منطق العجلة يريد أن يرى نتائج أفعاله فورا، وأن يزول ألمه في اللحظة نفسها التي يشعر بها، وأن تنكشف له الحكمة كاملة قبل اكتمال التجربة. أما الصبر فيعلم الإنسان أن للوجود إيقاعا خاصا لا يخضع دائما لعجلة البشر، وأن كثيرا من الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن بعض الحكم لا تدرك إلا بعد اجتياز المحنة نفسها. ولهذا كان الصبر نوعا من المصالحة الواعية مع الزمن، وثقة بأن المعنى لا يتكشف دفعة واحدة، بل يتدرج في الظهور كما تتدرج الثمرة في النضج.

ولعل الحكمة الإلهية الكامنة في الصبر تتجلى في كونه الوسيلة التي ينتقل بها الإنسان من أسر الانفعال إلى رحابة البصيرة. فالنفوس في بداياتها تحاكم الأحداث من خلال ما تجلبه لها من لذة أو ألم، ربح أو خسارة، قرب أو بعد. أما الصبر فيدفع الإنسان إلى تجاوز هذه القراءة الجزئية نحو رؤية أعمق للوقائع، رؤية لا تتوقف عند ظاهر الحدث بل تحاول النفاذ إلى ما وراءه من دلالات ومعان. فالوقائع في ذاتها قد تكون متشابهة، لكن المعنى الذي يكتشفه الإنسان فيها هو الذي يحدد قيمتها في بناء شخصيته وتوجيه مسار حياته.

ومن هنا ارتبط الصبر في الرؤية الإيمانية بمفهوم الابتلاء. فالابتلاء ليس مقصودا لذاته، ولا الألم مطلوبا في ذاته، وإنما المقصود ما يمكن أن ينشأ عنهما من تهذيب للنفس، وتحرير للإرادة، وتوسيع لأفق الرؤية. ولعل من أعمق الحكم الكامنة في الابتلاء أنه يكشف للإنسان عن حقيقة نفسه أكثر مما تكشفها أوقات الرخاء؛ فالشدائد لا تخلق جوهر الإنسان بقدر ما تكشفه. وما يظهر في لحظات المحنة من ثبات أو ضعف أو سعة أفق أو ضيق رؤية إنما هو تعبير عن مكنونات كانت كامنة في النفس تنتظر ظرفا يزيح عنها الحجاب. فالذهب لا تظهر نقاوته إلا بعد تعرضه للنار، وكذلك النفس الإنسانية كثيرا ما تكتشف أعماقها وقدراتها الكامنة في أوقات الشدة أكثر مما تكتشفها في أوقات الرخاء.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الصبر بعدا أكثر عمقا واتساعا. فالصبر عند أهل السلوك ليس مجرد احتمال للمحنة، بل مقام من مقامات الترقي الروحي. ولهذا تعددت تعريفات الصوفية له تبعا لاختلاف زوايا النظر إليه؛ فبعضهم رآه حبسا للنفس عن الجزع، وبعضهم نظر إليه بوصفه مجاهدة مستمرة للأهواء، وبعضهم جعله احتمالا للمكروه مع دوام التعلق بالحكمة الإلهية. غير أن هذه التعريفات جميعا تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الصبر مدرسة لتزكية الإرادة وتحرير القلب من الاستسلام للانفعالات العابرة.

إنه انتقال من الانشغال بالفعل الإلهي إلى التأمل في الحكمة الإلهية، ومن النظر إلى البلاء بوصفه حدثا مؤلما إلى النظر إليه بوصفه فرصة للتزكية والمراجعة والتقرب. ولهذا كان الصبر عندهم مرتبطا بالمجاهدة؛ لأن النفس بطبعها تنفر من المشقة، وتتطلع إلى العاجل، وتضيق بالغموض، بينما يعلمها الصبر كيف تتحرر من أسر هذه النزعات لتبلغ درجة أعلى من الصفاء والسكينة. بل إنه يمثل في كثير من تجليات التجربة الصوفية حركة دائمة من التخلية والتحلية؛ تخلية النفس من السخط والجزع والاعتراض، وتحليتها بالثقة والسكينة وحسن الظن بالله.

غير أن الصبر في هذا المقام لا يعني إلغاء المشاعر الإنسانية أو إنكار الألم. فالإنسان الصابر قد يحزن ويتوجع ويبكي، لكنه لا يسمح للألم أن يتحول إلى قنوط، ولا للحزن أن يتحول إلى اعتراض على معنى الوجود. إنه يدرك أن المشاعر جزء من إنسانيته، لكنه يدرك أيضا أن الاستسلام لها ليس قدره المحتوم. ومن هنا كان الصبر نوعا من الحرية الداخلية التي تمكن الإنسان من الاحتفاظ بتوازنه الروحي مهما اضطرب العالم من حوله.

إن أعظم ما يمنحه الصبر للإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم. فهو يحرره من وهم السيطرة المطلقة على مجريات الحياة، ويعلمه أن الكمال ليس في امتلاك كل شيء، بل في حسن التعامل مع ما يأتي وما يذهب. كما يوقظه إلى حقيقة أن كثيرا من معارك الإنسان ليست مع الخارج بقدر ما هي مع ذاته القلقة، ورغباته المستعجلة، ومخاوفه المتضخمة.

ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء التي يشير إليها عنوان هذه المقالة. فالارتقاء الإنساني ليس صعودا في المكانة أو زيادة في المكاسب المادية فحسب، بل هو قبل ذلك ارتقاء في الوعي، واتساع في البصيرة، ونضج في العلاقة مع الذات والوجود. والصبر هو أحد أهم الجسور التي تعبر عليها النفس نحو هذا الارتقاء؛ لأنه يعلمها كيف تحول المحنة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والانتظار إلى مدرسة للحكمة.

ومع ذلك يبقى الصبر مرحلة من مراحل الارتقاء الروحي لا غايته النهائية؛ إذ إن الصابر ما زال يعيش حالة المجاهدة والمقاومة في مواجهة أعباء الحياة وتقلباتها. ومن رحم الصبر يولد مقام أعمق وأوسع، هو مقام التوكل؛ ذلك أن الإنسان كلما تمرس بالصبر أدرك حدود قدرته البشرية، وأيقن أن الأخذ بالأسباب - على ضرورته - لا يكفي وحده لضمان النتائج. وهنا ينتقل من مجرد احتمال الشدائد إلى الثقة بالله في خضمها، ومن الانشغال المفرط بالمآلات إلى السكينة الناشئة عن الاعتماد عليه مع استمرار السعي والعمل. ومن ثم كان الصبر تربية للإرادة في مواجهة الابتلاء، بينما كان التوكل تربية للقلب على الثقة بمن بيده تدبير الأمور كلها.

خلاصة القول: الصبر ليس مجرد خلق من الأخلاق، بل هو رؤية وجودية ومقام روحي وفعل معرفي في آن واحد. إنه القدرة على السكنى في زمن الابتلاء دون انهيار، وعلى مواصلة السير في الطريق دون استعجال، وعلى الثقة بالحكمة الإلهية دون تعطيل للإرادة الإنسانية. وإذا كان العمر هو ميدان التجربة، وكانت الآلام إحدى حقائقها الكبرى، فإن الصبر هو الفن الذي يحول تلك التجربة من مجرد تعاقب للأحداث إلى مسار للارتقاء الإنساني والروحي، ومن مجرد معاناة عابرة إلى حكمة باقية تنير الطريق للإنسان في رحلته نحو اكتماله الممكن.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم