عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

منذ فترة قريبة انتبه الدكتور استيفان كوكاف لمشروع الأخ ماجد الغرباوي في التسامح. وخصص له مساحة من عدة بحوث نشرها في برلين وبوسطن، باللغتين الألمانية والإنكليزية.

ركز الدكتور كوكاف على مسألتين في هذا الموضوع.

الأول بمعنى التحمل. وأصله باللاتينية توليرنتيا. ويعني المشقة، وهو مفهوم له علاقة بالأنا وليس الآخر. فالمكابدة مع الظروف ومع النفس مشكلة لاهوتية واجتماعية. وغالبا ما ينجم عنها ما يعرف بعلم النفس العصاب (النيوروسيس). ولكن لدى العرب وحسب المعاجم الرسمية تأخذ الكلمة معنى الكرم والوجود والاستعداد للعطاء. ولذلك تتجه نحو معنى التسامي، وأحيانا تكون هي المدخل إلى محاكاة المثال، إن لم يكن الأنا الأعلى. وأرى أنها تدخل في قانون الأب (بلغة لاكان)، وتتحول من فكرة إلى رمز أو قانون يرتكز على المحاكاة الإيجابية. وعلى ما يبدو أن العقل الحضاري يلعب دورا بارزا في تحديد اتجاه المفهومات. فالديمقراطية الغربية (المولودة من خاصرة الإغريق- نموذج أثينا بالتحديد) غير البطريركية الشرقية (المتورطة بجريمة قتل الأب وحداد الأبناء عليه). وبالعودة إلى كوكاف تطور معنى التسامح في الغرب من الضرورة ومعايشة ما تكرهه النفس. ولكنه عند العرب المسلمين يأتي من معنى الصعوبة (شق النفس) وهي العناء الخارج على حد العادة.   وهي شرعيا وفقهيا عارض سلبي - حادث فقط. ويسعى الدين للتخفيف منه (بناء على القاعدة الشرعية: المشقة تجلب إلى التيسير).

المعنى الثاني. وهو الذي أولاه الغرباوي كل عنايته فيدل على التسامح. وهذا الإجراء ينظم العلاقة مع الآخر، ولكن كما لاحظ الغرباوي قد نفهم من الكلمة التساهل. ولا يخلو هذا المعنى من مشكلة التكرم والمنة. غير أن السياق في القرآن (وضمنا ما ورد عن دفع الجزية والوضع الخاص لغير المسلم) له شروط تحكم المعنى وتوجهه.

الشرط الأول أن التسامح ليس منة ولكنه طبع.

الثاني أن الجزية هي الوجه الآخر للزكاة المفروضة على المسلم.

والثالث أن الذمي لا يدفع إلا إذا اختار أن لا يحارب مع جيوش المسلمين. وهذا يقابله في بعض الدول قانون "البدل" الذي يدفعه كل مسلم وغير مسلم إذا طلب الإعفاء من الواجب الإلزامي (كخدمة العلم والخدمة الاجتماعية وسوى ذلك).

ويضيف الدكتور كوكاف على ما سبق الخلافات في المفهوم بين الاتجاه السلفي (وشعاره لا يوجد لماذا في الدين - لأنه لا يجوز مراجعة الفقيه ولا كلام الوحي)، والسلفية التنويرية ومن أمثلتها (جمال الدين القاسمي). وشعارها (الجمع بين العقل والنقل - ونبذ التقاليد واللجوء إلى المصدر الذي لا خلاف عليه وهو القرآن والأحاديث الصحيحة وكلام الصحابة الذين عاصروا الرسول). وما عدا ذلك يحتمل الدس والخطأ والتحريف. وللأسف لم يرد ذكر للقاسمي في الدراسات التي تخصصت بعلاقة التراث مع الثورة - وكان ذلك شعار المرحلة الوطنية التي دشنها ناصر في مصر وتطورت إلى دكتاتوريات عسكرية بشعار قومي في عدة بلدان في شمال إفريقيا وشرق المتوسط. ولكن ورد اسمه بشكل عابر في كتاب للطيب تيزيني قرره على قسم الفلسفة في جامعة دمشق. وعنوانه "التفكير الاجتماعي والسياسي: أبحاث في الفكر العربي الحديث والمعاصر". وقد صدر عام 1981. وإدراج القاسمي في الإسلام العربي له مبرراته. وبالأخص أنه توقف مطولا عند "تعريب" الإسلام إن صحت العبارة. بمعنى أنه كان هدية من السماء للعرب، حتى وإن كانت هدية يترتب عليها مسؤوليات تصل إلى درجة التضحية والعطاء والبذل.

ومن أهم الموضوعات التي عالجها كوكاف كانت عن الإسلام الحركي. وقد اتهمه بالنفعية - وليس البراغماتية. بمعنى تحميله لإيديولوجيا وضعية تعتمد استراتيجية اختطاف الأفكار. وهكذا تحول الفضاء التشريعي والتحرري إلى شعارات وأدوات سياسية وانقلابية أنجبت ما يسميه الغرب الفاشية الإسلامية (كما يرى شتيفان فيلد). ومن أهم صفاتها احتكار الحقيقة - مفهوم الفرقة الناجية وغير ذلك. (لكنه لم يلاحظ أزمة الإسلام الحركي بمختلف تياراته. وأولها اشتراكه بانقلابات ما بعد الحرب العالمية الثانية للإطاحة بحكومات الاستقلال، وتحويل الحكومات إلى دول - ثم استبعاده من كل المراكز الحساسة. وأقارن هذه الأزمة بمشكلة غيفارا في كوبا، وتروتسكي في الاتحاد السوفياتي). يضاف إلى ذلك تجاهل غنى الإسلام الكلاسيكي بالمفهومات (ومن أبرز الأمثلة تحولات وأطوار الإمام الغزالي). وهو عند كوكاف نقطة التقاء تجتمع فيها أفكار ابن تيمية مع نهج ابن عربي، وذلك لخدمة الإنسان وليس العرش. ويأخذ كوكاف على الإسلام السياسي تقديم الغايات والوسائل على القناعات والمبادئ (بلغته: القراءة الأحادية والانتقائية)*.

*** 

د. صالح الرزوق

..............................

*Kokew, S. (2014). Annäherung an Toleranz: Ausgangspunkte, Kontexte und zeitgenössische Interpretationen des Toleranzbegriffs aus dem schiitischen Islam. Ergon/Nomos.

حين تغيب الأسماء العربية ويحضر السؤال العربي

كل عام، حين تفتح جائزة نوبل أبوابها على العالم، لا تبدو المسألة مجرد احتفال سنوي بأسماء تتقدم إلى منصة التتويج، ولا مجرد ميداليات وشهادات وأرقام مالية؛ إنها لحظة كونية يعاد فيها ترتيب خريطة الاعتراف بالإنجاز الإنساني في ميادين العلم والأدب والسلام. وفي هذه اللحظة تحديداً، يجد العالم العربي نفسه أمام مرآة لا تجامل أحداً: ماذا أنجزنا؟ وأين يقف علماؤنا ومبدعونا في المشهد العالمي؟ ولماذا ما زال حضورنا في سجل نوبل محدوداً إلى هذا الحد؟

في عام ٢٠٢٦، ذهبت جائزة نوبل في الأدب إلى الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، تقديراً لما وصفته الأكاديمية السويدية بنتاجها (الجريء والمبتكر)، وما أحدثته من أشكال جديدة في الأدب المعاصر من خلال حوارها الخلاق مع التراث الكلاسيكي. وهي كاتبة تجمع بين الشعر والنثر والترجمة والدراسة الكلاسيكية، وتتعامل مع الأشكال الأدبية بوصفها فضاءً مفتوحاً للتجريب والتجاوز.

ومرة أخرى، لم يظهر اسم عربي بين المتوجين بجائزة نوبل في الأدب. ولم يكن هذا الغياب جديداً؛ فقد اعتدناه حتى كاد يتحول من سؤال ثقافي إلى قدر متخيل، ومن مناسبة للمراجعة والنقد إلى خبر عابر لا يوقظ في المؤسسات العربية ما يكفي من الأسئلة.

لكن المشكلة ليست في أن العربي لم يفز هذا العام، فالجائزة ليست مسابقة قومية، وليست ميداناً ينبغي أن تتوزع جوائزه بالتساوي بين الشعوب. المشكلة الأعمق أن المجال العربي، بما يملكه من تاريخ معرفي وثقافي طويل، ومن طاقات بشرية واسعة، لا يزال عاجزاً عن تحويل هذه الإمكانات إلى منظومة عالمية متماسكة للإنتاج العلمي والأدبي والفكري.

لقد عرف العرب نوبل، وإن كان حضورهم محدوداً. ففي الأدب كان نجيب محفوظ أول كاتب يكتب بالعربية يحصل على نوبل للآداب عام ١٩٨٨، وقد رأت الأكاديمية السويدية في مشروعه الروائي تأسيساً لفن سردي عربي قادر على مخاطبة الإنسانية جمعاء. 

وفي العلوم، جاء أحمد زويل ليحصل عام ١٩٩٩ على نوبل في الكيمياء عن أبحاثه المتعلقة بالمراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتوثانية، فكان إنجازه العلمي مثالًا على قدرة العالم العربي، حين تتوافر له بيئة البحث والمعرفة، على أن يصنع أثراً في قلب العلم العالمي. 

وفي مجال السلام، حصل أنور السادات عام ١٩٧٨ بالاشتراك مع مناحم بيغن، تقديراً لجهودهما في التفاوض على السلام بين مصر وإسرائيل، بينما حصل ياسر عرفات عام ١٩٩٤ بالاشتراك مع إسحاق رابين وشمعون بيريز تقديراً لجهودهم المرتبطة بمسار السلام في الشرق الأوسط. كما حصل محمد البرادعي عام ٢٠٠٥ بالاشتراك مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودهما في منع استخدام الطاقة النووية لأغراض عسكرية وتعزيز الاستخدام السلمي الآمن لها. 

ومن الضروري هنا أن نميز بين أنواع الجوائز نفسها. فنوبل للسلام ليست جائزة علمية أو أدبية؛ ولذلك لا يجوز وضع السادات وعرفات والبرادعي في الخانة نفسها التي يوضع فيها محفوظ أو زويل. لكل جائزة معيارها ومجالها وسياقها التاريخي. كما أن القول إن الجوائز السياسية «مجرد مجاملات» يختزل تاريخاً معقداً في حكم واحد لا تسنده بالضرورة حيثيات الجائزة الرسمية.

غير أن هذا لا يلغي السؤال العربي، بل يجعله أكثر إلحاحاً.

لماذا لا نرى حضوراً عربياً أكبر في العلوم والآداب والفكر؟

هنا ينبغي أن ننتقل من جلد الذات إلى نقد البنية.

فالمشكلة لا تكمن في غياب المواهب. العالم العربي لم يكن يوماً فقيراً بالمبدعين. لدينا شعراء وروائيون وفلاسفة ومفكرون وأطباء ومهندسون وفيزيائيون وكيميائيون وباحثون في مختلف الحقول. ولدينا ملايين الطلاب والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية. لكن امتلاك الأعداد لا يعني امتلاك منظومة إنتاج معرفي.

فالموهبة الفردية تحتاج إلى جامعة حرة، ومختبر مجهز، وتمويل مستقر، ومجلات علمية رصينة، ومراكز بحث مستقلة، وبيئة تسمح بالخطأ والتجريب، ومؤسسات قادرة على حماية الباحث والمبدع من التهميش. كما يحتاج الأدب إلى دور نشر قوية، وحركة ترجمة واسعة، ونقد أدبي قادر على تقديم المنجز العربي إلى العالم لا إلى القارئ العربي وحده.

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية: لسنا بحاجة إلى مزيد من الاحتفاء بالمبدع بقدر حاجتنا إلى صناعة البيئة التي تُنتج المبدع.

إن جائزة نوبل لا تبدأ في ستوكهولم؛ تبدأ قبل ذلك بعقود في المدرسة، وفي الجامعة، وفي المختبر، وفي المكتبة، وفي الأسرة، وفي احترام السؤال، وفي حرية البحث، وفي الاعتراف بأن المعرفة ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات.

والأشد إيلاماً أن العالم العربي يملك تاريخاً حضارياً يجعل هذه المفارقة أكثر قسوة. فالأمة التي أنجبت الخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس وابن رشد، والتي صنعت تقاليد عريقة في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك واللغة والأدب، لا يجوز أن تكتفي باستدعاء ذلك المجد كلما أرادت الدفاع عن حاضرها.

الحضارة لا تُستعاد بالذاكرة وحدها؛ الحضارة تُستأنف بالفعل.

ومن هنا فإن السؤال عن نوبل ينبغي ألا يكون: «لماذا لم يفز العربي؟» فقط، بل: ماذا فعلنا لكي يصبح الفوز ممكنًا؟

لقد أصبحت جوائز العالم الكبرى مرآة لواقع أوسع من الجائزة نفسها. وحين نبحث عن أسماء عربية قليلة في قوائم الفائزين، ينبغي أن نسأل عن عدد المختبرات التي أُنشئت، وعدد الأبحاث التي مولت، وحجم الإنفاق الحقيقي على البحث والتطوير، وعدد الكتب التي ترجمت إلى اللغات العالمية، ومدى استقلال الجامعات، وحرية الباحث، ومكانة الكتاب والمكتبة والمجلة العلمية في حياتنا العامة.

إن النتيجة لا تُصنع في عام واحد، ولا تُنتزع بحملة إعلامية، ولا تُستجدى من لجنة تحكيم. الجوائز الكبرى تأتي غالباً بوصفها أثراً متأخراً لمنظومة نجحت قبل ذلك بسنوات طويلة في إنتاج المعرفة والجمال والقيمة.

أما الشاعر العربي أدونيس، الذي ظل اسمه حاضراً بقوة في النقاشات والتوقعات المرتبطة بنوبل للآداب، فقد غاب مجدداً عن منصة الجائزة في ٢٠٢٦، التي ذهبت إلى آن كارسون. وهذا لا ينتقص من قيمة تجربته الشعرية والفكرية، كما أن عدم الفوز لا يمكن أن يُقرأ بوصفه حكماً نهائياً على قيمة أي كاتب؛ فنوبل ليست سلّماً مطلقاً لترتيب الأدباء في العالم.

إن مأساة الغياب العربي لا تكمن في غياب اسم بعينه، وإنما في أننا لم ننجح بعد في بناء حضور معرفي وثقافي عربي مستمر، يستطيع أن يجعل أسماء كثيرة ــ لا اسماً واحداً ــ جزءاً طبيعياً من المشهد العالمي.

وهنا نصل إلى المفارقة الأكثر مرارة:

نحن نغيب عن كثير من منصات العلم والأدب، لكننا نحضر بكثافة في منصات الصراع.

تنفق المنطقة طاقات هائلة في إدارة الأزمات والحروب والانقسامات، بينما تحتاج المعرفة إلى الاستقرار، ويحتاج الإبداع إلى الحرية، ويحتاج المختبر إلى سنوات من الصبر، ويحتاج الكتاب إلى قارئ، ويحتاج الباحث إلى مؤسسة تحميه، ويحتاج المبدع إلى مجتمع لا ينظر إلى الثقافة بوصفها هامشاً.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والطب الجيني، والطاقة، والفيزياء المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية، والعلوم الإنسانية الجديدة، لا يكفي أن نتحدث عن أمجاد الماضي أو أن نحصي أسماء أجدادنا العظام.

العالم لا يمنح الجوائز للتاريخ، وإنما للإنجاز الذي يضيف إلى الحاضر ويفتح أبواب المستقبل.

ولذلك فإن الغياب العربي عن نوبل ينبغي ألا يتحول إلى مرثية سنوية، ولا إلى اتهام دائم للجان التحكيم، ولا إلى نظرية مؤامرة تريحنا من مسؤولية السؤال.

علينا أن نحول لحظة إعلان نوبل من مناسبة للعتب إلى مناسبة للمراجعة.

أن نسأل عن جامعاتنا قبل أن نسأل عن الجائزة.

وعن مختبراتنا قبل أن نسأل عن الميدالية.

وعن حرية الباحث قبل أن نسأل عن اسمه في قائمة المرشحين.

وعن الكتاب الذي لا يجد ناشراً، والمخطوط الذي لا يجد قارئاً، والعالم الذي يهاجر لأن مختبره لا يجد تمويلاً، والشاعر الذي يكتب في العزلة، والمفكر الذي يستهلك عمره في مقاومة العوائق بدل أن يكرس حياته لإنتاج المعرفة.

نوبل ليست المشكلة؛ نوبل هي المرآة.

وإذا أردنا يوماً أن نرى أسماء عربية كثيرة في تلك القوائم، فعلينا ألا ننتظر أكتوبر من كل عام كي نحزن على الغياب، بل ينبغي أن يبدأ العمل في اليوم التالي لإعلان النتائج.

فالميدالية التي تُسلَّم في ستوكهولم ليست سوى اللحظة الأخيرة من رحلة طويلة بدأت، في الغالب، قبل عقود: في عقل طفل سأل سؤالًا غير مألوف، وفي أستاذ شجعه على البحث، وفي جامعة احتضنت فضوله، وفي دولة آمنت بأن المعرفة ثروة، وفي مجتمع أدرك أن الكتاب والمختبر والفن ليست كماليات، بل شروطاً لبقاء الإنسان في التاريخ.

وإذا كان لنا أن نغادر مقاعد المتفرجين، فعلينا أن نبدأ من هنا: أن نصنع الإنسان العربي الذي يستحق أن يضيف شيئاً جديداً إلى ذاكرة العالم، لا أن ينتظر من العالم شهادةً على ما كان عليه أسلافه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

مقدمة: علاقاتنا بين الألفة والانجذاب

تتعدد في حياة كلٍّ منا العلاقات الإنسانية؛ مع الأقارب والأصدقاء والزملاء والجيران وأبناء المدينة الواحدة. ثم تأتي علاقات الحب، التي يفشل الكثير منها، بينما يستمر بعضها الآخر. وبين عشرات، وربما مئات، العلاقات التي مررنا بها مع أشخاص التقيناهم في الدراسة أو العمل ولم تدم طويلاً، حتى إننا لم نعد نتذكر أسماءهم، بينما استمرت علاقات أخرى سنوات طويلة.

لكن بعيداً عن هذه العلاقات التي نشأت في ظل معرفة وظروف سابقة، يحدث أن نلتقي، بين حين وآخر، أشخاصاً جدداً لم نلتقِ بهم من قبل، فنشعر تجاه بعضهم بألفة سريعة، وتنشأ بيننا علاقة قد تصبح، في وقت قصير، أقوى من علاقات قديمة امتدت لسنوات. وقد يلتقي أحدنا بشخص يجذبه، فيأخذ بلبّه ويقع في حبه، سواء أكان أعزباً أم متزوجاً.

هذه الألفة السريعة والانجذاب القوي، اللذان يصعب أحياناً تفسيرهما، نسميهما في لغتنا اليومية «الكيمياء». فما هذه الكيمياء التي تنشأ بين الأصدقاء والأحباء؟ وهل هي مجرد تعبير مجازي، أم أن وراءها فعلاً تفاعلات كيميائية وبيولوجية تحدث داخل أدمغتنا وأجسادنا؟

لماذا نستخدم كلمة «كيمياء» لوصف العلاقات؟

تُستخدم كلمة كيمياء (Chemistry) لوصف ذلك النوع من الانسجام السريع الذي قد ينشأ بين شخصين، سواء أفضى إلى صداقة قوية، أو إعجاب، أو محبة، أو حتى انسجام في العمل. وليس المقصود بالكيمياء هنا معناها العلمي الدقيق، وإنما ذلك التوافق والانجذاب والارتياح المتبادل الذي يصعب أحياناً تفسيره بالعقل والمنطق وحدهما.

والتعبير مستعار من علم الكيمياء؛ فعندما تتفاعل مادتان، قد يؤدي التفاعل إلى تغير في خصائصهما أو إلى تكوين مادة جديدة، وقد يحدث أحياناً عدم تفاعل أو تنافر. وبالمثل، عندما يلتقي شخصان، قد يحدث بينهما انسجام غير متوقع، وكأن تفاعلاً خاصاً نشأ بينهما، فأنتج شعوراً جديداً بالألفة والانجذاب والارتياح. ومن هنا شاع التعبير: «هناك كيمياء بينهما»، أي أن بينهما انسجاماً أو تناغماً أو انجذاباً متبادلاً يتجاوز مجرد التعارف العادي.

وهذه «الكيمياء» لا تعني بالضرورة الحب الرومانسي فقط؛ فقد تنشأ بين صديقين، أو زميلين، أو حتى بين الطبيب ومرضاه، أو بين شخصين يعملان معاً. وهي تظهر غالباً في سهولة الحديث، وسرعة فهم أحدهما للآخر، والتقارب والشعور بالارتياح والثقة، حتى في فترة قصيرة من التعارف.

أما لماذا تنشأ هذه «الكيمياء» أحياناً بسرعة، فقد يرتبط ذلك بتشابه الشخصيات والقيم وطرائق التفكير، وبنبرة الصوت ولغة الجسد وروح الدعابة والخبرات المشتركة، فضلاً عن عوامل نفسية وبيولوجية قد تعمل في خلفية وعينا دون أن ندركها بوضوح.

اللحظة الأولى.. عندما يلفت شخصٌ انتباهنا

هنا يأخذ الموضوع منحى أكثر إثارة. فعندما نلتقي شخصاً ونشعر نحوه بانجذاب أو ارتياح غير معتاد، تبدأ في الدماغ والجسم سلسلة معقدة من العمليات العصبية والكيميائية. وتتداخل فيها مواد وناقلات عصبية وهرمونات، من بينها الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين والأدرينالين، ولكل منها أدوار مختلفة في الانتباه والمكافأة، والدافعية، والاستثارة، والتعلّق. ولا يعمل أي منها منفرداً، بل ضمن شبكة عصبية وهرمونية أكثر تعقيداً.

ومن المثير أن هذه العملية لا تحدث دفعة واحدة، بل تتغير ملامحها مع تطور العلاقة. فقد يبدأ الأمر بلحظة انتباه وانجذاب، ثم يتحول إلى رغبة في الاقتراب والتعرّف، وقد يتطور إلى حالة من الحب والتعلّق، ثم إلى علاقة أكثر هدوءاً واستقراراً مع مرور الوقت.

قد تبدأ الحكاية في لحظة عابرة؛ نظرة تلتقي بنظرة، أو ابتسامة، أو نبرة صوت، أو حتى طريقة في الحديث والحركة. وفي تلك اللحظة قد نشعر، من دون أن نعرف السبب، بأن هذا الشخص لفت انتباهنا أكثر من الآخرين.

ماذا يحدث داخلنا في تلك اللحظات القصيرة؟ تبدأ العين والأذن وسائر الحواس بإرسال المعلومات إلى الدماغ، حيث يجري تقييمها بسرعة شديدة، ليس فقط من حيث المظهر، وإنما من خلال مجموعة كبيرة من الإشارات: ملامح الوجه، ونبرة الصوت، ولغة الجسد، والرائحة، وطريقة الحركة، وحتى بعض التفاصيل التي قد لا ننتبه إليها بوعي.

إذا وجد الدماغ هذه الإشارات جذابة أو ذات أهمية، تبدأ دوائر المكافأة والانتباه في النشاط، ويبرز هنا دور الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالمكافأة والدافعية والتوقع. لذلك قد نشعر برغبة في النظر إلى الشخص مرة أخرى، أو الحديث معه، أو معرفة المزيد عنه. وكأن الدماغ يقول لنا: «هذا الشخص يستحق انتباهك». وقد أظهرت دراسات التصوير العصبي ارتباط الحب الرومانسي المبكر بنشاط مناطق من منظومة المكافأة والدافعية، ومنها المنطقة السقيفية البطنية (Ventral Tegmental Area).

وفي الوقت نفسه، قد تنشط استجابة الجسم للإثارة واليقظة، بما فيها الجهاز العصبي الودّي (Sympathetic Nervous System)، فتظهر بعض العلامات الجسدية التي نعرفها جيداً: زيادة ضربات القلب، واتساع حدقة العين، وارتفاع درجة اليقظة، وربما شيء من التوتر أو الارتباك. وهنا قد نشعر بما نسميه عادةً «الخفقان».

ولا يعني ذلك أن الدماغ قد قرر أننا «وقعنا في الحب» منذ النظرة الأولى. فالانجذاب الأولي شيء، والحب العاطفي شيء أكثر تعقيداً؛ إنما هي بداية محتملة لسلسلة من العمليات النفسية والعصبية التي قد تستمر إذا تكرر التواصل وازداد الاهتمام المتبادل.

ومن هنا تبدأ المرحلة التالية: نريد أن نعرف المزيد عن هذا الشخص. نبحث عن فرصة للحديث معه، وننتبه إلى كلماته وتفاصيل شخصيته، وقد نجد أنفسنا نفكر فيه بعد انتهاء اللقاء. ومع تكرار التفاعل، يمكن أن يصبح حضور هذا الشخص أكثر أهمية في منظومة المكافأة في الدماغ.

وهنا يدخل الدوبامين في قصة الحب بصورة أوضح؛ فكل لقاء ممتع، أو رسالة ننتظرها، أو ابتسامة نتلقاها، قد يعزز شعور المكافأة والرغبة في تكرار التجربة.

لكن قصة الحب لا يكتبها الدوبامين وحده. فمع استمرار العلاقة وتطورها، تدخل مواد أخرى في الصورة، لكل منها دور مختلف.

ثالثاً: أبطال كيمياء الحب الأربعة

إذا كانت «الكيمياء» بين شخصين تبدأ بإشارات تلتقطها الحواس ويعالجها الدماغ، فإن وراء هذه التجربة شبكة معقدة من النواقل العصبية والهرمونات. ومن أبرز العناصر التي ترتبط بمراحل مختلفة من الانجذاب والحب والتعلّق: الدوبامين، والأدرينالين، والسيروتونين، والأوكسيتوسين. ولكل واحد منها دوره الخاص في هذه القصة.

يرتبط الدوبامين بنظام المكافأة والدافعية؛ ولذلك يمكن أن يسهم في شعورنا بالحماس والرغبة في الاقتراب من الشخص الذي جذب انتباهنا، وأن يجعلنا نتطلع إلى لقائه أو سماع صوته أو تلقي رسالته.

أما الأدرينالين فهو هرمون يرتبط بالإثارة واليقظة واستجابة الجسم للمواقف المنبّهة، ولذلك قد تظهر عند الانجذاب علامات مثل تسارع ضربات القلب، وزيادة الانتباه، والتوتر الذي نشعر به عندما نكون بالقرب من شخص يهمنا.

والسيروتونين ناقل عصبي يؤدي أدواراً واسعة في الدماغ والجسم، ويرتبط بتنظيم المزاج والنوم والشهية وغيرها من الوظائف. وتشير بعض الدراسات إلى تغيرات في منظومة السيروتونين خلال المراحل المبكرة من الحب الرومانسي، وإن كانت العلاقة بينه وبين الحب أكثر تعقيداً من مجرد القول إنه «هرمون الحب».

ثم يأتي الأوكسيتوسين، الذي يرتبط بالتقارب الاجتماعي والارتباط، وله دور في عدد من عمليات الترابط الاجتماعي. ويُفرز في سياقات متعددة، منها التلامس الجسدي والعلاقات الحميمة وبعض التفاعلات الاجتماعية، كما يؤدي أدواراً مهمة في الولادة والرضاعة. وتشير الأدلة إلى تفاعل بين الأوكسيتوسين ودوائر الدوبامين في بعض آليات الارتباط الاجتماعي، لكن تأثير الأوكسيتوسين ليس بسيطاً أو محصوراً في «هرمون الحب».

ولا يقتصر الأمر على هذه المواد الكيميائية؛ فلكلٍّ من الكورتيزول والتستوستيرون دور في كيمياء الحب أيضاً. قد يرتفع الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط بالتوتر والاستجابة للضغط، في المراحل الأولى من الوقوع في الحب، وهو ما قد يفسّر شيئاً من القلق والتوتر والانفعال الذي يرافق البدايات. أما التستوستيرون، فيرتبط بدرجة أكبر بالرغبة والانجذاب الجنسي، وهو موجود لدى الرجال والنساء مع اختلاف مستوياته. وهكذا تتداخل مجموعة من الهرمونات والناقلات العصبية لتشكّل ذلك المزيج المعقّد الذي نسمّيه حباً.

ولعل من أبرز من حاولوا تفسير الحب من منظور علمي العالمة الأمريكية هيلين فيشر، التي درست الحب من زاوية علم الأعصاب والأنثروبولوجيا البيولوجية. وترى فيشر أن ما نسميه «الحب» يقوم على ثلاثة أنظمة دماغية متداخلة: الرغبة الجنسية، والانجذاب الرومانسي، ثم التعلّق العاطفي. وترتبط هذه الأنظمة بمزيج من الهرمونات والناقلات العصبية؛ فالتستوستيرون والأستروجين يرتبطان بالرغبة، والدوبامين والنورأدرينالين بالانجذاب والحماس، بينما يسهم الأوكسيتوسين والفازوبريسين في بناء التعلّق والارتباط.

وهكذا، فإن الحب الذي نشعر به في القلب له، في الوقت نفسه، قصة معقدة تجري داخل الدماغ والجسم.

الأوركسترا البيولوجية

لكن الأهم أن هذه المواد لا تعمل منفردة، ولا يمكن اختزال الحب في مادة كيميائية واحدة. فالحب تجربة إنسانية معقدة تشترك فيها دوائر متعددة من الدماغ، إلى جانب الذاكرة والمشاعر والخبرات السابقة والسياق الاجتماعي والعلاقة الفعلية بين الشخصين.

ولهذا يمكن النظر إلى «كيمياء الحب» باعتبارها أوركسترا بيولوجية؛ لا يصنعها عازف واحد، بل تتداخل فيها عناصر كثيرة، ويتغير صوت كل منها مع تغير مراحل العلاقة.

بين كيمياء الصداقة وكيمياء الحب

من المهم الإشارة إلى أن «الكيمياء» لا تقتصر على الحب الرومانسي. فالكيمياء التي تنشأ بين صديقين تختلف في طبيعتها وشدتها عن تلك التي تنشأ بين عاشقين. ففي الصداقة، يلعب التشابه في القيم والاهتمامات وروح الدعابة دوراً أكبر، بينما في الحب الرومانسي تتداخل عوامل بيولوجية أكثر تعقيداً، مثل الرغبة والتعلّق والارتباط العاطفي العميق.

وتشارك منظومات الأوكسيتوسين والدوبامين، إلى جانب منظومات عصبية وهرمونية أخرى، في عدد من أشكال التفاعل الاجتماعي والارتباط، لكن الحب الرومانسي يمتاز بتركيبة خاصة تجمع بين الإثارة والمكافأة والتعلّق في آن واحد.

لماذا تخفت كيمياء العلاقة؟

لكن إذا كانت «الكيمياء» قد جمعت شخصين وأشعلت بينهما الحب، فلماذا تنتهي أحياناً بعض العلاقات، بل ولماذا يفشل بعض الزواج رغم أنه بدأ بقصة حب قوية؟

قد يكون أحد الأسباب أن طبيعة العلاقة نفسها تتغير مع الزمن. فمرحلة الانجذاب والحب المبكر تكون غالباً مليئة بالإثارة والتوقع والمكافأة، بينما تتحول العلاقة مع مرور السنوات إلى حياة مشتركة تتطلب التفاهم والصبر وتقاسم المسؤوليات. ومع تكرار الحياة اليومية، قد تخف حدة الإثارة الأولى، وهذا لا يعني بالضرورة أن الحب انتهى، بل قد يكون انتقالاً طبيعياً من مرحلة إلى أخرى.

لكن المشكلة قد تبدأ عندما ترافق ذلك عوامل أخرى، مثل ضعف التواصل، وتراكم الخلافات دون حل، وفقدان الثقة، والإهمال العاطفي، أو اختلاف القيم والتوقعات. وقد تتحول المشاعر الجميلة التي جمعت الطرفين في البداية إلى مسافة عاطفية إذا لم تجد العلاقة ما يحافظ عليها وينميها.

وهنا يظهر الفرق بين الوقوع في الحب والمحافظة على الحب. فالأول قد يحدث بصورة عفوية وسريعة، أما الثاني فيحتاج إلى اهتمام متبادل، واحترام، وتواصل، وقدرة على تجاوز الخلافات.

ولعل أجمل ما في الأمر أن «كيمياء» البداية ليست بالضرورة هي التي تحافظ على العلاقة؛ فقد تبدأ القصة بشرارة كيميائية، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى الإنسان نفسه كي تبقى مضيئة.

خاتمة: بين كيمياء الحب وإنسانية العلاقة

وهكذا نكتشف أن «كيمياء الحب» تبدأ أحياناً بلحظة صغيرة لا نخطط لها: نظرة، ابتسامة، صوت، أو شعور غامض بأن شخصاً ما يختلف عن الآخرين. ثم تتدخل منظومة معقدة من العمليات العصبية والبيولوجية، فتمنحنا الانجذاب والحماس والرغبة في الاقتراب، وقد تتطور مع الوقت إلى حب وتعلّق وارتباط.

لكن الكيمياء التي تشعل البداية لا تستطيع وحدها أن تضمن استمرار العلاقة. فمع مرور الزمن، تتحول الإثارة الأولى إلى حياة مشتركة تحتاج إلى الثقة والاحترام والتفاهم والاهتمام والقدرة على مواجهة الخلافات. وقد يخفت بريق البداية، لا لأن المشاعر كانت زائفة، وإنما لأن العلاقة انتقلت إلى مرحلة جديدة تتطلب جهداً من نوع مختلف.

وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة في «كيمياء الحب»: قد تبدأ بشرارة كيميائية، لكن استمرارها يحتاج إلى شيء يتجاوز الكيمياء نفسها. فما يبدأ بشرارة لا نملك تفسيرها، فان استمراره يحتاج إلى قلبين يعرفان كيف يُبقيان تلك الشرارة متّقدة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

فرش إشكالي: لا تزال المقالة الفلسفية تحتل موقعًا مركزيا في التعليم الثانوي في كثير من الدول التي تمتلك تقاليد فلسفية، بوصفها التمرين الذي يتيح للتلميذ أن ينمّي ملكة الحكم والنقد، وأن يمارس التعبير العقلاني الحر، فيتأهّل بذلك ليكون مثقفًا قادرًا على الالتزام. ولا تزال عبارة فيكتور كوزان، وهو يصف دور الفلسفة في إعداد الرجال والمواطنين الأحرار، صادقة إلى اليوم: «في صف الفلسفة يتعلم الطلاب الحرية من خلال ممارسة التفكير الحر». وقد اكدت كثير من البحوث الأكاديمية انه: «من واجب الفلسفة الاشتغال على تدريب الذكاء وبناء الشخصية وتنمية حرية الأفراد، فالأمر يتعلق بتعلّم التفكير والاستعداد للاختيار الحر مع تحمّل المسؤولية»، لذلك شبّهت الفلسفة بعمل يانوس، الإله ذي الوجهين في الميثولوجيا الرومانية، وجه ينظر إلى الماضي وتراث الفكر، ووجه ينظر إلى المستقبل وحرية الحكم.

غير أن هذه الغايات النبيلة والتي يستمد منها الفعل الفلسفي مشروعيته، لا تعفينا من ملاحظة ميدانية متكررة يعرفها كل من مارس تقييم وتقويم الدرس الفلسفي لاسيما في جانبه التطبيقي المتعلق بالمقال الفلسفي، فبين النية المُعلَنة والإنجاز الفعلي تقع هوّة واسعة. حيث يبدأ أغلب التلاميذ مقالاتهم بمقدمة واسئلة متشابهة مكررة، ثم ينهار البناء مباشرة بعدها. وبدل معالجة الاشكال الفلسفي بحجج مرتبة، يسرد الطالب معارف متناثرة وأمثلة متفرقة وحججًا متناقضة، أو يكتفي بعرض «الرأي وضده» دون أن يُقيم وزنًا لأي منهما. والسبب في ذلك بسيط في ظاهره عميق في جذوره، لقد تعلّم كيف يحفظ المقال في أحسن الأحوال ولم يتعلم كيف يطرح السؤال و يجادل فيه.

وهذا بالضبط ما يحاول مقالنا معالجته، من خلال الربط بين محورين لا ينفصلان في بنية المقال الفلسفي رغم أن تدريسهما كثيرًا ما يُفصل بينهما، الإشكلة بوصفها اللحظة التي يُولد فيها التساؤل، والمحاجة بوصفها اللحظة التي يبلغ فيها فعل التفلسف أبعد مداه. وهذان المحوران يتطابقان مع ما تصفه أدبيات تعليم الفلسفة بالكفاءات الفلسفية الثلاث التي تقوم عليها المادة: الأشكلة، والمفهمة، والمحاجة. من هنا نطرح جملة من التساؤلات التي سترسم خريطة هذا المقال:

- ما الذي يميّز الإشكالية الفلسفية عن المشكلة التقنية؟ وكيف نختبر عمليًّا وجود إشكال فلسفي حقيقي يستدعي كتابة مقال؟

- ولماذا لا تستطيع الأسئلة الجاهزة والمعدة سلفا صياغة اشكال فلسفي حقيقي؟ وما الذي يسقط فيه الطالب حين ينتقل من طرح السؤال إلى سرد الأمثلة دون بناء حجاجي؟

- ما طبيعة المحاجة الفلسفية بالتحديد؟ وهل تخضع لمعيار البرهان العلمي، أم أنها تسكن موقعًا وسيطًا بين البرهان الصارم والإقناع الخطابي المحض؟

- وما الأدوات التي يستعملها الفيلسوف في محاجته؟ وما أخطاء الاستدلال الشائعة التي ينبغي الحذر منها؟

- وأخيرًا، كيف تُترجَم هذه المحاجة إلى كتابة فعلية متماسكة، من الفقرة الأولى إلى الخاتمة؟

من السؤال إلى الإشكال

قبل الحديث عن المحاجة، لا بد من التذكير بالخطوة السابقة عليها، لأن المحاجة تحتاج دومًا إلى شيء نجادل من أجله، وهذا الشيء هو الإشكالية. فثمة فرق جوهري بين ثلاثة أنماط من الأسئلة: سؤال معلوماتي محض من نوع «متى ولد ابن رشد؟»، له جواب واحد قاطع لا مجادلة فيه، ومشكلة تقنية كحساب مساحة دائرة التي هي سؤال مغلق له حل محدد، وإشكالية فلسفية من نوع «هل تقوم السلطة على القوة أم على الرضا المتبادل بين الحاكم والمحكوم؟»، حيث كل إجابة تصطدم بحجج معقولة مضادة، ولا حل نهائي يُغلق النقاش فهي سؤال مفتوح فمثلا عندما يتعامل الطالب مع هذا السؤال«هل تقوم السلطة على الإكراه أم على الرضا؟» يحتاج أولًا إلى ملاحظة منطقية بسيطة يكتسبها بالتمرين لا بالحفظ وهي الانتباه الى الروابط المنطقية فحرف «أو» هنا حصري (إما هذا أو ذاك)، بخلاف سؤال من نوع «هل هدف الدولة الحفاظ على النظام أم إقامة العدل؟» حيث «أم» شامل حيث يمكن أن يكون الهدف كليهما معا. ومجرد توضيح هذا الفرق المنطقي البسيط بين الفصل الحصري والفصل الشامل ينقذ الأستاذ والطالب معا من نصف الأخطاء الشائعة في معالجة هذا النوع من المواضيع.

ويجب ان ننبه هنا الى عدم كفاية صياغة الإشكالية وحدها لانه بمجرد أن يُصاغ الإشكال، يقع أغلب الطلاب في خطأ شائع، هو الانتقال المباشر من طرح السؤال إلى ذكر أمثلة متناثرة، دون بناء حجة حقيقية تربط بينها. وكما تلاحظ كاثرين جوين، أستاذة الفلسفة الفرنسية، فإن كثرة الأوراق التي تخلط بين الأمثلة والحجج ليست سوى انعكاس لخلط أعمق بين السرد والمحاجة حيث الطالب يروي لكنه لا يُجادل. وما يُميّز الخطاب العقلاني، الذي تُبنى عليه المحاجة الفلسفية، عن مجرد السرد أو إبداء الرأي، يمكن تلخيصه في أربعة معايير عملية تستحق أن تُعلَّم صراحة:

1. تحديد ما نتحدث عنه بدقة، عوض استعمال المفاهيم كما اتفق.

2. أن يُجادل الطالب لصالح فكرته، ويستبق الاعتراضات عليها، ويردّ عليها.

3. أن تتسلسل أفكاره منطقيًّا، فتُستنبط كل فقرة مما سبقها، لا أن تُصفّ جنبًا إلى جنب كقائمة تسوّق.

4. ألّا يتوقف عند أول جواب مُرضٍ، بل يستمر في السعي إلى تجاوز الحلول المطروحة ومساءلتها من جديد.

وقد صاغت مجموعة بحث فرنسية بقيادة ميشيل توزي هذا المطلب في حدّه الأدنى الصوري، ألّا تناقض الحجة نفسها، وأن تكون منسجمة مع الأطروحة المدافع عنها، وأن تكون منسجمة أيضًا مع بقية الحجج التي تخدم الأطروحة نفسها، وهو معيار بسيط يمكن للطالب أن يُراجع به نصه بنفسه قبل التسليم.

وهناك تمرين عملي حيث نطلب مثلا من تلاميذ قسم الثانية آداب وفلسفة، في مجموعات صغيرة من شخصين أو ثلاثة، أن يخططوا فقرة واحدة من مقال عبر الحوار والمناقشة، ثم يقارنوا مخططهم بمخطط مجموعة أخرى، هذا العمل يفترض ان كل مجموعة مطالبة بتبرير موقفها أمام آخرين، وهو سلوك من شأنه ان يصقل الحجة أكثر وله مردود اكبر من الكتابة الفردية الصامتة. وقد أظهرت تجارب ميدانية في التعليم الثانوي أن التلاميذ الذين اشتغلوا بالمحاجة الحوارية بين الأقران أدوا أداء أفضل بفارق ملحوظ في مقال حجاجي نهائي، مقارنة بمجموعات ضابطة درست المحتوى نفسه بالطرائق المعتادة، كما بينت دراسات أخرى أن جودة التفاعل داخل المجموعة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بجودة النص المنتج .

طبيعة المحاجة الفلسفية

أغلب سوء الفهم حول المحاجة الفلسفية ينبع من محاولة إخضاعها لمعيار غريب عنها، معيار البرهان العلمي ولضبط المصطلحات، يقترح لالاند في قاموسه الفلسفي تمييزات دقيقة يحسن استحضارها أمام الطلاب: فـ«الحجة» استدلال موجه لتشريع قضية أو دحضها، و«الدليل» حجة معترف بكونها صالحة ويقينية تحيل إلى وقائع وأحداث ملموسة، أما «البرهنة» فاستنباط يؤكد نتيجة استنادا إلى مقدمات معترف لها بالصدق، و«المحاجة» أو «الحجاج» هي تلك السلسلة من الحجج التي تنتهي كلها إلى تأكيد نتيجة واحدة، أي طريقة تنظيم الحجج وعرضها.

وتاريخيا يمكن الإشارة الى أرسطو الذي أرسى في أعمال الأورغانون تمييزا مبكرا بين الاستدلال التحليلي البرهاني والاستدلال الجدلي المنطلق من آراء معقولة لا من حقائق مبرهنة. وقد ميز أرسطو في هذا الإطار ثلاثة مستويات للاستدلال: البرهان العلمي (في التحليلات الأولى والثانية)، والجدل أو فن المناظرة بالسؤال والجواب في Topics، والخطابة ويشترك الجدل والخطابة في اعتمادهما في الأكثر على حجج الاحتمال لا اليقين، وإن اختلفا في موضوعاتهما وصيغتهما الأدبية.

وفي العصور الوسطى الغربية رسّخت اعتقادًا بأن البرهان وحده هو النموذج الأمثل للاستدلال، فعانى الدرس الحجاجي ركودًا طويلًا في السياق الغربي وفي المقابل شهد المجال العربي الإسلامي، منذ القرن الثامن، ازدهارا حجاجيا كبيرًا مع ترجمة أعمال أرسطو وتوظيف أدواته في علم الكلام والفقه وأصول الفقه، على يد فلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، الذين مارسوا الحجاج الفلسفي بدل الاكتفاء بالبرهان الصوري وحده. ونجد هذا واضحًا في نص ابن رشد من «فصل المقال» حيث يستند إلى سلطة الشرع نفسه ليبرر مشروعية النظر الفلسفي، وقد حلل الدارسون هذا النص بوصفه عملا جدليا بالمعنى الأرسطي، يستعمل تقنيات واردة في الجدل، ولا سيما الحجاج من المشابه أي الاحتجاج بتشابه موضوعين لنقل محمول من أحدهما إلى الآخر. وقد اعتُبر «فصل المقال» نصّا يقرر، انطلاقًا من منطق أرسطو، ثلاث طبقات للخطاب، البرهان، والجدل، والخطابة، ويتخذ الجدل أداته الخاصة، حتى مع اعتراف ابن رشد بدور الجدل السالب في تهيئة الأرض أمام الخطاب البرهاني الفلسفي

ولم يستعد هذا الاعتراف الفلسفي بالمحاجة في الغرب المعاصر إلا مع الفيلسوف البلجيكي حاييم بيرلمان، الذي اقترح استبدال الثنائية الحادة بين البرهان والإقناع بنظام ثلاثي أدق: البرهان في طرف، والإقناع العاطفي المحض في الطرف الآخر، والمحاجة في المسافة الصعبة وغير الواضحة بينهما وهي المسافة التي تسكنها الفلسفة فعليًّا. وقد كان هذا التمييز الثلاثي في أصله أرسطيًّا (منطق/جدل/خطابة)، ثم أعاد المعاصرون كتندال وفيغا رينيون إحياءه.

أدوات المحاجة

إذا كانت المحاجة الفلسفية موقعا وسيطا بين البرهان والإقناع كما رأينا، فإنها تستعمل مع ذلك عائلتين مختلفتين من الأدوات يحسن أن يتعرّف عليهما الطالب ليميزهما في النصوص التي يقرأها، وليوظفهما بوعي في كتابته. ويمكن تصنيف هذه الحجج تصنيفين متكاملين: تصنيف عملي قائم على الشكل الظاهر للحجة (جدلي/استدلالي مقابل بلاغي)، وتصنيف نظري أدق اقترحه بيرلمان وأولبريختس-تيتكا.

أولا: الحجج الاستدلالية الجدلية

1- البرهان بالخلف: يفترض فكرتين متعارضتين، تعمل الثانية على دحض الأولى بإظهار ضعفها أو عدم صلاحيتها، كما نجد في أسلوب أبيقور حين يفكك مخاوف الإنسان من الموت بإظهار تناقضها الداخلي. ويُدرج هذا النمط في نظرية الحجاج الحديثة ضمن الحجج المبنية على النتائج، وخصوصًا الصورة المعروفة باسم البرهان بالخلف أو الاستدلال بالخلف، القائم على مبدأ إظهار ما يلزم عن الأطروحة المنافسة من نتائج غير معقولة مؤشره اللغوي: صيغ مثل «لو كان... لكان...، لكن لا يمكن أن يكون... إذن...

2- الاستدلال الاستنباطي أو البرهان المنطقي: ينتقل من مقدمات إلى نتائج بضرورة منطقية داخلية، ويُعرف من أدوات شرطية كـ«بما أن... فإن... إذن». وهو أقرب الحجج إلى الصورة المنطقية، ولذلك يُصنّف عادة في خانة الحجج شبه المنطقية.

3- الاستقراء: يتدرج من أمثلة واقعية متعددة إلى تعميم يُستخلص منها، ويراعى فيه أن يُبيَّن أساس التعميم حتى لا يتحول إلى قفزة غير مبرَّرة.

4- الحجة بالمثال: ينتقل من حالة جزئية إلى حكم أعم بالنظر إلى كونها حالة ممثِّلة لنمط. وقد كان المثال (Paradeigma) أحد نوعي الحجة عند أرسطو في الخطابة إلى جانب القياس الضميري (الانتيميم) .

5- الحجة بالمماثلة: تكشف تناسبًا بين علاقتين مختلفتين، فتنقل الحكم من مجال مألوف القبول إلى مجال آخر، وهي أوسع الحجج استعمالًا في الكتابة الفلسفية المدرسية، لكنها أيضًا أكثرها تعرّضًا للاعتراض، لأن شخص المماثلة لا يشمل كل الأوجه.

6 - حجة المقارنة: تستكشف أوجه التشابه والاختلاف بين حالات متعددة، وتتفرع صورها في تقليد الجدل إلى ثلاثة أنماط على الأقل: آ فورتيوري (بالأحرى أو بالأولى)، وآ مينوري (بالأضعف)، وآ سيميلي (بالمشابه)؛ وقد بُنيت هذه الأنماط في تاريخ الجدل بوصفها قياسات لا تلزم نتيجتها بالخصائص الصورية للحجة، بل بعلاقة مادية بين المقدمات والنتيجة: ما يصدق على الأكثر ينبغي أن يصدق على الأقل ولذلك فهي من الحجج التي تحتاج إلى تبرير مضاف، لا مجرد العرض.

7- الحجاج بالاستناد إلى سلطة موثوقة: كالاستشهاد بأقوال الفلاسفة الكبار او سلطة النص الديني، كما نجد بوضوح في نص ابن رشد من «فصل المقال» حين يستند إلى سلطة الشرع نفسه ليبرر مشروعية النظر الفلسفي ويُدرج هذا النمط في التصنيفات الحديثة للحجاج تحت اسم «الحجة من رأي الخبير» أو الحجة من السلطة وشرطه ألّا يستعمل كبديل عن الحجة، بل داخل سيرورة حوارية تُقيم وزن القول أمام الأقوال المقابلة.

الحجج البلاغية

التشبيه والمجاز والاستعارة والأسئلة الاستنكارية: وهي أدوات لا تقل قيمة حجاجية عن سابقتها، خلافا لما يظنه كثير من الطلاب الذين يعتقدون أن «الجدية الفلسفية» تقتضي الاقتصار على المنطق الصرف. والحقيقة أن أغلب النصوص الفلسفية الكبرى، من ديكارت إلى هوسرل، تُمزج فيها هاتان العائلتان بإحكام، فحين يكتب ديكارت مقارنًا التفلسف باستعمال العينين لهداية الخطوات بدل السير بعينين مغمضتين، فهو يوظّف استعارة بصرية لتقوية حجة عقلية، لا مجرد زخرفة أسلوبية منفصلة عن الاستدلال.

إلى جانب التمييز العملي السابق، يقترح بيرلمان وأولبريختس تصنيفًا رباعيا للحجج هو الأدق في نظرية الحجاج، ويمكن تقديمه للطلاب المتقدمين بوصفه خريطة الحجج وهي على النحو التالي:

الحجج شبه المنطقية: لها مظهر البرهان الصوري دون أن تكون نتائجها لازمة منطقيًّا؛ ومنها حجج التعدّي/التعاقب والحجج المبنيّة على صورة القياس، وحجج المقارنة. وسمّيت «شبه منطقية» لأن استعمال عناصر اللغة العادية في علاقة منطقية يوهم بأن الحجة أقوى، لاعتماد القياس المنطقي والرياضي في الأذهان ومن حسنات إبراز هذه الخانة أمام الطالب أنه يتعلم أن مظهر الصرامة ليس صرامةً، وأن الشكل الاستنباطي قد يخفي فجوة.

1. الحجج القائمة على بنية الواقع: تستمد قوتها من علاقات يراها الجمهور قائمة فعلًا في الواقع، مثل علاقة السبب/النتيجة، والوسيلة/الغاية، والجزء/الكل، والجماعة/أعضائها، والشيء/صفته؛ فيحاول المحاجُّ نقل القبول من إحدى العلاقتين إلى الأخرى مثالها: «أكل الفواكه يساعد على النحافة، فهو يُقنع بتحويل الموقف الإيجابي من النحافة إلى أكل الفواكه

2. الحجج المؤسِّسة لبنية الواقع: تنظم الواقع عن طريق الاستقراء أو المماثلة، فتنتج تعميمات أو منقولات. وتشمل المثال والتوضيح والنموذج، إلى جانب الاستقراء والمماثلة.

3. الحجج التفكيكية (الانفصال): وهي الطبقة الصغرى في التصنيف، وتعمل عكس سابقاتها: تفصل عناصر يراها الجمهور متلازمة، فتُبطل ترابطها. ومن هنا أهميتها الخاصة في المقال الفلسفي المدرسي، لأن أشهر مآزق «الرأي وضده» هو أن الطالب يبدأ من التقابل الجاهز بين الرأيين دون أن يفكك عناصر هذا التقابل.

تجنّب أخطاء الاستدلال الشائعة

لاجل تفادي الأخطاء المنطقية والارتقاء بجودة الكتابة الفلسفية في بعدها الحجاجي لابد من تدريب الطلاب على التمييز بين نوعين من مواقف الكتابة عند التحليل: الحجاج داخل نص فلسفي جاهز، حيث دور الطالب استخراج حجاج الكاتب نفسه عبر تتبّع الروابط المنطقية وتحويلها إلى حجج واضحة دون أن يقحم عليها حجاجه الخاص، والحجاج في مواجهة مقولة أو سؤال مفتوح، حيث يبني الطالب حجاجه بنفسه انطلاقًا مما توحي به صيغة القول وتركيبته المنطقية

ومن أفضل ما يمكن تقديمه للطلاب عمليًّا قائمة مبسطة بأشهر مغالطات التفكير، ليستعملوها كأداة لمراجعة نصوصهم الخاصة قبل تسليمها:

- المعضلة الزائفة: تحصر الخيار بين طرفين فقط بينما توجد خيارات أخرى.

- الخلط بين السبب والنتيجة: كقلب العلاقة السببية بالزعم أن العبيد «خُلقوا للعبودية» لأنهم عبيد فعلًا، بدل تفسير كونهم عبيدًا بظروف تاريخية.

- حجة المنحدر الزلق : تتنبأ بأن أي إجراء جديد سيؤدي حتمًا إلى أسوأ العواقب دون تبرير لهذا التسلسل.

- الهجوم الشخصي: يفنّد الفكرة بالتشكيك في صاحبها بدل مناقشة مضمونها.

وهذه المغالطات الأربع من أكثر المغالطات التي يعمل عليها في تدريس التفكير النقدي، وتحصر في تصنيفات المنطق غير الصوري تحت مجموعة تنتظم معها، الهجوم الشخصي، ورجل القشّ، والاحتكام إلى سلطة غير ذات صلة، والتوسل بالجهل، والاستدلال الدائري، والمنحدر الزلق، والالتباس بين الارتباط والسببية، وقد لاحظ دارسو هذا المجال أن مغالطات من نوع المعضلة الزائفة والمنحدر الزلق والهجوم الشخصي لها وظيفة خاصة في تحليل الخطاب السياسي، حيث تعدد وجهات النظر جزء من طبيعة الخطاب نفسه ومن الناحية العملية يفضل بعد كل مقال يكتبه الطلاب، تخصيص خمس دقائق لتبادل الأوراق بين زميلين، وليبحث كل طالب عن مغالطة واحدة محتملة في نص زميله مستعملًا هذه القائمة، فهذا التمرين يُنمّي «النظافة الفكرية» بتعبير أندريه سينيك أكثر من أي محاضرة نظرية عن المنطق. ويُستحسن أن يُعرض التمرين في صيغة حوار مُؤدّى لا في صيغة قائمة مغلقة، لأن العرض الحواري للمغالطات يقدّمها للطلاب في سياقها الطبيعي؛ مع إبقاء الأمثلة التقليدية للواجبات والمناقشة وللسبب نفسه تُوجَّه اليوم انتقادات لجداول المغالطات المغلقة (اتهامها بالتقادم والتبسيط والانفصال عن السياق والصيغة العدائية)، فتُقترح بدائل تدمج المغالطة في سياق واقعي وفي اشتغال تعاوني بين الطلاب

ويمكن هنا ان نقدم مخطط عملي يمكن توزيعه على الطلاب:

1. صغ السؤال بصيغة تقبل جوابين معقولين ومتعارضين، لتختبر وجود إشكالية حقيقية.

2. عرّف المفاهيم الأساسية الواردة فيه بدقة قبل أي محاجة.

3. اختر الجواب الأول وابنِ له حجتين أو ثلاثًا مرتبة منطقيًّا لا أمثلة معزولة، مستعينًا عند الحاجة بحجة استقرائية أو حجة مماثلة أو استشهاد بسلطة فلسفية موثوقة.

4. استبق أقوى اعتراض ممكن عليه واعرضه بأمانة.

5. انتقل بعدها إلى الجواب المقابل بالطريقة نفسها.

6. لا تكتفِ بالقول إن كلا الرأيين صحيح، بل أظهر أين يبقى التوتر قائمًا رغم كل الحجج، وما الذي تكشفه هذه الصعوبة ذاتها عن طبيعة السؤال نفسه.

7. راجع نصك بحثًا عن مغالطة واحدة على الأقل قبل التسليم، متسائلًا عما إذا وقعتَ في معضلة زائفة أو هجوم شخصي أو منحدر زلق دون أن تشعر.

من المحاجة إلى الكتابة

قد تكون لدى الطالب حجة جيدة في ذهنه، لكنها تضيع عند الكتابة. هنا تنصح كاثرين جوين بجعل الكتابة ذاتها موضوعًا للتعلّم لا مجرد أداة تقييم نهائية، عبر ثلاثة تمارين رئيسية:

1. تدريب الطلاب على تحويل قصة أو مثال شخصي إلى مَثَل عام، يُجرّد الفكرة من حادثتها الجزئية ليصبح قابلًا للنقاش الفلسفي العام.

2. ممارسة الحوار الفلسفي المكتوب بأنواعه التوضيحي والجدلي والتعليمي، فتنوع هذه الأنواع يُظهر للطلاب أن أسلوب الكتابة نفسه اختيار حجاجي لا زخرفة شكلية.

3. توظيف كتابة الرسائل كتمرين يُطالب الطالب بالدفاع عن فكرة فلسفية موجهة لشخص محدد لا لقارئ مجرد، فيتدرب مباشرة على ما وصفه بيرلمان بخاصية المحاجة الثالثة، وهي مخاطبة جمهور محدد طمعًا في صحة كونية.

ويمكن تنظيم هذا كله عبر تمارين متدرجة اقترحتها مجموعة بحث ميشيل توزي، تمرين المحاججة على الشك (ينطلق الطالب من رأي شائع ثم يبحث عن اعتراضات عقلية عليه ليحوّله إلى سؤال مفتوح)؛ وتمرين إيجاد أطروحات متعددة للمحاجة عليها انطلاقًا من سؤال واحد، مع تنويع محتوى المفهوم المركزي بحسب المعنى المقصود منه؛ وأخيرًا تمرين الاشتغال على الحجج ذاتها، بإيجاد تناقض داخلي فيها، أو مناقضتها بحجة من نوع مختلف تمامًا (كمناقضة حجة اقتصادية بحجة أخلاقية)، أو تغيير إطارها المرجعي من الفردي إلى الجماعي ومن النفسي إلى الأخلاقي.

ويُسند هذا التدرّج بما أظهرته أبحاث الكتابة الفلسفية من أن جودة تفاعل الطلاب داخل المجموعة مرتبطة بجودة النصوص، وأن الاشتغال التعاوني يساعد على تحويل الأفكار المجردة إلى مفاهيم فلسفية عملية، وعلى استخدام هذه المفاهيم في خطاب الطالب نفسه، وعلى إشكاله أفكاره وتقديم حجج لسندها كما يُسنده التوجّه إلى جعل الكتابة الفلسفية المبنيّة على مصادر موضوعًا لتعليم استراتيجيات كتابة خاصة بالمادة، وإلى تدريب الطالب على إنتاج أمثلة مضادّة للأطروحة بوصفها مدخلًا إلى تقويضها وتقويمها

الخاتمة

يخطئ من يظن أن الأشكلة والمحاجة مرحلتان منفصلتان، الأولى في المقدمة والثانية في العرض. الحقيقة أن المقال الفلسفي الناجح هو الذي تبقى فيه الإشكالية حاضرة وموجِّهة في كل خطوة من المحاجة، فكل حجة يجب أن تُعيد إنتاج التوتر الذي افتتحته المقدمة وتتقدم بنا خطوة نحو تجاوزه لا حلّه نهائيًّا. وهذا يتسق تمامًا مع طبيعة الاستدلال الفلسفي كما وصفها غرانجي: معرفة لا تقود إلى حقيقة يقينية مغلقة، بل إلى إظهار وإفصاح متجدد.

فالإشكال يفتح الباب، والمحاجة تسير بنا داخل الغرفة خطوة بخطوة، دون أن تُغلق الباب أبدًا خلفنا؛ وهذا بالضبط ما يمنح المقال الفلسفي، خلافًا للبرهان الرياضي المغلق على نفسه، قدرته على أن يبقى حيًّا حتى بعد انتهاء القارئ من قراءته. وهو ما يفسّر أيضًا، كما رأينا في المقدمة، لماذا ظلت هذه الغاية التربوية العميقة — تعلّم التفكير الحر بدل تلقين إجابات جاهزة — هي نفسها منذ تعليمات 1925 إلى اليوم.

***

عمرون علي

...........................

المراجع

أرسطو، الأورغانون (التحليلات الأولى والثانية، الطوبيقا)، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي، منطق أرسطو، دار القلم، بيروت.

- أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد الرحمن بدوي.

- ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة .

- ديكارت، مبادئ الفلسفة.

- روسو، العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل الثاني (مأخذه الأرجح في مثال «العبيد خُلقوا للعبودية»).

- أبيقور، رسالة إلى مينيسي.

نعيش اليوم وسط خوارزميات تقترح ما نشاهده، وتختار الإعلانات التي تصل إلينا، وتساعد في فرز طلبات العمل، وتقيس أداء العاملات والعاملين. وغالبا ما نتعامل معها كأنها أدوات محايدة، غير أن الخوارزمية لا تأتي من فراغ؛ فهي نتاج عمل بشري، وتتعلم من بيانات صنعها مجتمع يحمل تاريخا من التفاوت والصراع الطبقي والجندري. لذلك لا تحتاج الخوارزمية إلى أن تكون منحازة للرجال حتى تعيد إنتاج التمييز والتفاوت، إذ يكفي أن تتعلم من واقع غير متساو ومن نظام رأسمالي ذكوري يستخدمها لصالحه، ويحولها إلى وسائل إنتاج جديدة تملكها قلة من الشركات الاحتكارية.

أولا: التوظيف والإعلانات، حين يتحول الماضي إلى معيار للمستقبل

ويظهر ذلك بوضوح في التوظيف. فإذا تعلم نظام خوارزمي من تاريخ شركة كان الرجال فيه يشغلون معظم المناصب القيادية، فقد يتعلم أن السير الذاتية التي تشبه مسارات الرجال هي الأقرب إلى النجاح. قد لا تحتوي الخوارزمية على كلمة "رجل"، لكنها تستطيع أن تعيد إنتاج النتيجة نفسها، فيتحول سوق العمل الذي همش النساء تاريخيا إلى قاعدة بيانات تعيد إنتاج هذا التهميش آليا. وهكذا يتحول الماضي إلى معيار للمستقبل، ويصبح ما كان نتيجة لتفاوت اجتماعي وكأنه معيار موضوعي للجدارة.

وما يحدث في التوظيف لا يختلف كثيرا عما يحدث في الإعلانات. فقد تظهر للنساء إعلانات أكثر عن الجمال والأطفال والمنزل والرعاية والأعمال الخدمية القليلة الأجر أو الأعمال غير مدفوعة الأجر، بينما تظهر للرجال إعلانات عن السيارات والاستثمار والتكنولوجيا. الخوارزمية لا تخترع هذه الصورة من تلقاء نفسها؛ إنها تتعلم من السلوك السابق ومن النظام السائد، وتحكمها في النهاية حسابات الربح: فهي تختار الجمهور الأقل كلفة والأكثر ربحا، ويصبح التمييز نتيجة جانبية مقبولة ما دام يخدم الأرباح. لكن حين تستمر في عرض الصورة نفسها، فإنها تتجاوز عكس الواقع إلى المساعدة على تثبيته. وهكذا تتحول الصورة الاجتماعية القديمة إلى دائرة مغلقة: المجتمع ينتج البيانات، والخوارزمية تتعلم منها، ثم تعيد إنتاجها في حياتنا اليومية.

وتؤكد ذلك أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة الصادرة في حزيران 2026 حول التمييز الجندري في الذكاء الاصطناعي، إذ أظهرت دراسة شملت 133 نظاما للذكاء الاصطناعي أن 44% منها يحمل تحيزا جندريا، وأن 26% يجمع بين التحيز الجندري والعرقي. كما تواصل النماذج اللغوية الكبيرة ربط النساء بالمنزل والعائلة والأطفال، والرجال بالأعمال والقيادة والراتب، وجاءت نحو إجابة من كل خمس إجابات متحيزة جنسيا حين طلب منها إكمال جمل تبدأ بجنس الشخص. ولا تذكر سوى 24 دولة من أصل 138 المساواة الجندرية في استراتيجياتها الوطنية للذكاء الاصطناعي.

ثانيا: العمل غير المرئي والإنسان مصدرا للبيانات

ومن الإعلان نصل إلى العمل، حيث تصبح الخوارزمية أكثر تأثيرا في حياة الناس. فهناك أنظمة تقيس عدد المهام وسرعة الإنجاز وساعات العمل وعدد الطلبات، وتبدو محايدة لأنها تطبق على الجميع، لكنها لا ترى الظروف التي يعمل فيها كل شخص: موظفة أو موظف يعود إلى المنزل للاعتناء بطفل أو طفلة، أو بشخص مسن أو مريض، ويحتاج إلى مرونة في ساعات العمل.

ومن هنا تظهر مشكلة أعمق: ما لا تستطيع الخوارزمية قياسه بسهولة يعامل كأنه أقل قيمة. فالعمل المنزلي والرعاية لا يظهران في جداول الإنتاج، رغم أنهما ما يجعل بقية أشكال العمل ممكنة، والنظام الرأسمالي يعتمد على هذا العمل غير المأجور، الذي تتحمل النساء معظمه، لإنتاج قوة العمل وإعادة إنتاجها يوميا دون أن يدفع ثمنه. وعندما تدخل الخوارزميات إلى مكان العمل، تعيد إنتاج هذا الاختفاء بلغة الأرقام.

وتمتد هذه العملية إلى العمل الذي يصنع التكنولوجيا نفسها. فخلف الذكاء الاصطناعي عاملات وعاملون يجمعون البيانات ويصنفونها ويراجعون المحتوى، وكثير منهم في الجنوب العالمي بأجور زهيدة، بينما تتراكم الأرباح في مراكز الشمال الرأسمالي. وكلما بدت التكنولوجيا أكثر استقلالا، اختفى العمل البشري الذي يجعلها ممكنة: فمن الذي يصنع الذكاء الذي ننسبه إلى الآلة؟

وحتى المستخدم والمستخدمة يصبحان جزءا من هذه العملية. فكل ما نشاهده ونشتريه ونبحث عنه يتحول إلى بيانات تستخدمها الشركات للتنبؤ بسلوكنا وتوجيهه، بعدما أصبحت البيانات المادة الخام الجديدة للرأسمالية، وصار الإنسان يعمل لصالح المنصة دون أجر، وغالبا دون أن يدري. غير أن الخوارزمية لا ترى منه إلا ما اختير قياسه. فالعاملة التي ترفض رحلة في وقت متأخر لأسباب تتعلق بالأمان، أو العامل الذي يغير ساعات عمله بسبب مسؤوليات أسرية، قد يظهران في النظام أقل التزاما أو إنتاجية، بينما تختفي الأسباب التي شكلت سلوكهما. الخوارزمية ترى النتيجة، وتغيب عنها الحياة التي أنتجتها.

ثالثا: من يصمم الخوارزميات؟ هيمنة الرجل في صناعة التكنولوجيا

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل المشكلة في الخوارزمية نفسها؟

ليس تماما. خلف كل خوارزمية شركة أو مؤسسة أو جهة تحدد ما الذي يجب قياسه، وما الذي يعتبر نجاحا، وكيف تستخدم النتائج. لذلك لا يكفي أن نسأل هل الخوارزمية دقيقة؛ علينا أن نسأل أيضا: ماذا تقيس؟ ومن حدد ما يستحق القياس؟ ومن يملك البيانات؟ ومن يستفيد من النتائج؟ ومن يتحمل تكلفتها عندما تخطئ؟ وهي في جوهرها أسئلة طبقية، فمن يملك وسائل الإنتاج الرقمية يملك سلطة تعريف الجدارة والإنتاجية والقيمة.

ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن سؤال آخر: من يصمم الخوارزميات أصلا؟ فصناعة التكنولوجيا ما تزال تحمل طابعا رجوليا واضحا، إذ يهيمن الرجال على فرق البحث والتصميم ومواقع القرار في الشركات الكبرى. وحين يصمم فريق من الرجال في الغالب نظاما ما، تصبح تجربة الرجل هي «الوضع الافتراضي»، وتتحول تجارب النساء إلى استثناء أو هامش لا تلتقطه البيانات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك المساعدات الصوتية الرقمية التي منحت أصواتا وأسماء نسائية، وبرمجت على الطاعة والرد المهذب حتى على الإهانات، في استعادة رقمية لصورة المرأة الخادمة. وهكذا يلتقي الطابع الرجولي مع الطابع الطبقي في صناعة تتحكم فيها قلة من الشركات الكبرى، في تحالف واضح بين الأبوية ورأس المال.

وبحسب التقرير الأممي نفسه، لا تشكل النساء سوى 30% من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي عالميا. ويظهر أثر هذا الطابع الرجولي بوضوح في العنف الرقمي، إذ أفادت نحو ربع المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحفيات اللواتي شملهن استطلاع الهيئة بتعرضهن لعنف رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

فقد تكون الخوارزمية دقيقة جدا في تنفيذ المهمة التي طلب منها تنفيذها، لكن هذا لا يعني أن المهمة نفسها عادلة. وقد تجعل التكنولوجيا حياة شخص أكثر راحة، بينما تجعل عمل شخص آخر أكثر سرعة ومراقبة وضغطا. ولهذا فإن التقدم التقني لا يعني تلقائيا تقدما اجتماعيا، فالتكنولوجيا في ظل الرأسمالية تتطور وفق حاجات التراكم قبل حاجات البشر.

من هنا يصبح نقد ذكورية الخوارزميات نقدا للطريقة التي تنتقل بها علاقات القوة الاجتماعية والبنية الاقتصادية من المجتمع إلى التكنولوجيا. فالخوارزمية لا تخلق هذه العلاقات من العدم، لكنها تستطيع أن تعيد تنظيمها وتوسيعها ومنحها لغة جديدة. قد تختفي كلمة التمييز والتفاوت ويحل محلها رقم، وقد تختفي السلطة خلف نظام تقييم، وقد يتحول الحكم البشري إلى "توصية" تبدو موضوعية.

والخطر الحقيقي هنا يكمن في أن نبدأ نحن بتنظيم حياتنا وفقا لما تستطيع الآلة قياسه، أكثر مما يكمن في أن تصبح الآلة مثل الإنسان. عندها يصبح ما لا يدخل في البيانات أقل قيمة، ويصبح العمل غير المرئي أكثر اختفاء، وتتحول التفاوتات القديمة إلى نتائج تبدو طبيعية. فحين تتحول علاقات القوة والربح إلى بيانات، لا تختفي هذه العلاقات؛ إنها تصبح فقط أكثر هدوءا، وأكثر انتشارا، وأصعب في الرؤية.

رابعا: نحو خوارزميات قائمة على المساواة

إن بناء تكنولوجيا أكثر عدلا يتجاوز الكود وحده، ونقطة انطلاقه أسئلة تتعلق بحياة النساء: من تعمل ولا يحسب عملها؟ ومن يملك ويقرر؟ ومن تدفع ثمن قرارات الآلة؟ ومن هنا تبدأ الخوارزميات القائمة على المساواة ومجتمع لا طبقي, بكسر الاحتكار الرجولي لفرق البحث والتصميم وصنع القرار، بحضور نسوي تحرري منحاز للعاملات والمهمشات يتجاوز التمثيل الشكلي لنساء النخبة، وبجعل حقوق وتجارب النساء منطلقا للتصميم عوضا عن اعتبار الرجل معيارا، مع بيانات مصنفة حسب الجنس وتدقيق جندري مستقل يكشف الفجوات قبل الاستخدام. ويتطلب ذلك إنهاء الصور النمطية المبرمجة، وإشراك العاملات وتنظيماتهن النسوية والنقابية في تحديد ما يقاس وفق قاعدة المساواة.

في النهاية، يكمن الخطر الأكبر في أن الخوارزميات تعيد إنتاج عالم غير متساو بلغة تبدو محايدة، فحين يصبح العمل الذي يدر ربحا أكثر قيمة من العمل الذي يرعى الحياة، تتحول التكنولوجيا من أداة لتحرير الوقت إلى أداة للسيطرة عليه. لذلك يبقى النضال من أجل خوارزميات عادلة جزءا من النضال النسوي والطبقي الأوسع، لأن تحرير النساء لا ينفصل عن تحرير العمل من الاستغلال، ولا عن مواجهة نظام يحول العمل والجسد والوقت والبيانات إلى سلع ومصادر للربح.

فالتحرر النسوي يتجاوز وصول نساء أكثر إلى مواقع السلطة داخل التكنولوجيا، ليطال تغيير طبيعة السلطة نفسها: من يملك التكنولوجيا، ومن يقرر أهدافها، ومن يحدد ما يعتبر عملا وقيمة وإنتاجية، ومن يستفيد من ثمارها، ومن يتحمل تكلفتها. ومن هنا فإن بناء خوارزميات أكثر عدلا يرتبط ببناء علاقات اجتماعية واقتصادية أكثر عدلا، بحيث تتحرر التكنولوجيا من خدمة رأس المال على حساب النساء والعاملات والمهمشات، وتصبح جزءا من النضال من أجل مجتمع يضع الإنسان والحياة والرعاية والمساواة قبل الربح.

فبناء مجتمع متساو وعادل ينطلق من تغيير المجتمع والنظام الذي يصنع الآلة ويحدد لمن تعمل ولصالح من، ومن تحرير التكنولوجيا من علاقات القوة التي تعيد إنتاجها، قبل أي حديث عن الآلة ذاتها.

***

بيان صالح

 

من القواعد المستقرة في فقه القانون، أن التشريع ما وضع إلا ليكون أداة لضبط السلوك الإنساني، ووسيلة لفرض السكينة والاستقرار في كنف الدولة. غير أن الملاحظ في واقعنا التشريعي المعاصر، أن حمى إصدار القوانين والقرارات المتلاحقة باتت تنتج مفعولاً عكسياً، يحاكي في جوهره نظريات الفيزياء حول "الإنتروبي" أو عشوائية الأنظمة المغلقة؛ فكلما تضخمت النصوص وتكاثرت دون دراسة حقيقية لروح الواقع، تولدت عنها فوضى عارمة تخلخل الطمأنينة الاجتماعية والقانونية.

إن الإفراط في التشريع، والاندفاع نحو صياغة نصوص استثنائية أو ترقيعية لمواجهة أزمات وقتية، غالباً ما يأتي على حساب انسجام المنظومة القانونية واستقرارها. هذه الحالة التي نسميها "الفوضى القانونية المنظمة"، تجعل المواطن والمكلف بالخدمة العامة في حيرة من أمرهم أمام نصوص متضاربة، ينسخ بعضها بعضاً بغموض، أو يفتح أبواب التأويل والاجتهاد في مورد النص؛ وهو الأمر الذي حذر منه القضاء دوماً، كون النص الواضح لا يحتمل اللبس، والعدالة لا تستقيم مع الضبابية.

وعليه، فإن التضخم التشريعي العشوائي يقود حتماً إلى إضعاف هيبة القانون؛ إذ يتحول من وسيلة لتحقيق الإنصاف وحماية المكونات والروابط الاجتماعية، إلى عبء يربك أجهزة إنفاذ القانون والقضاء على حد سواء. فالقوانين الفضفاضة، التي تولد في مناخات الاستعجال السياسي أو الإعلامي، تخلق بيئة خصبة للتجاوز والتهرب من المسؤولية الجنائية والمدنية.

إن المشرّع الحصيف هو من يدرك أن جودة التشريع تكمن في صرامته، ووضوحه، وقلة تعديلاته، ومراعاته للبعد الإنساني والواقعي الملموس. ومن هنا، نرى أن الحد من هذه "العشوائية المجتمعية" يتطلب العودة إلى رصانة البناء القانوني، والكف عن ممارسات التشريع الانفعالي؛ فالقانون يجب أن يظل ملاذاً للأمن والاستقرار، لا مصدراً لإنتاج الفوضى وإرباك حياة الناس.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

النزاهة الفكرية هي عدم ادّعاء معرفة ليس مصدرها كاتب المقال، والالتزام بنسبة الأفكار إلى أصحابها. تتعرض هذه المبادئ لضغوط هائلة في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي جعل كتابة المقالات والأبحاث مسألة دقائق.

يمكن القول أن الذكاء الاصطناعي يغير تقييم الكتابه العلميه والمعرفية، التي لم تعد شيئًا ينتجه العقل، بل شيئًا يتم توليده آليًا. وهذا يهدد مبادئ النزاهة الفكرية، وقيمة الجهد الاكاديمي واصاله الابداع الفكري. لذا، ينبغي تقديم شرح واضح لاصل الفكرة والمراجع المستخدمة.

يُعيد الذكاء الاصطناعي ايضا تعريف الجهد الفكري، الذي كان يتطلب في الماضي وقتًا وقراءة وتحليلًا، أما الآن فقد أصبح الجهد الفكري سؤالًا تستطيع الآلة الإجابة عنه. علاوة على ذلك، يُهدد الذكاء الاصطناعي استقلالية العقل، الذي أصبح يعتمد على الآلات في الفهم والتحليل والكتابة.

لذا، ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة، لا كبديل؛ بل كجزء من العملية، لا كبديل عنها. وعند استخدام الذكاء الاصطناعي، يجب تحديد دوره في إنتاج النص بوضوح، إذ ينبغي أن يكون النص نتاج تفكير الكاتب العميق، وتحليله، ومقارنته، وتفكيكه، وإعادة بنائه.

وهكذا يتطلب الاستخدام النزيه للذكاء الاصطناعي صياغة سؤال جيد، فحص الإجابة وتفهمها بعمق،

وتحويلها إلى معرفة شخصية. ولن تُصان النزاهة الفكرية إلا إذا حافظ البشر على دورهم كمنتجين للمعنى، لا مجرد مستخدمين لنصوص مُعدة مسبقًا.

أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في إنتاج البحوث العلمية، وأصبحت هذه التقنيات لا غنى عنها في العديد من المجالات البحثية، وكذلك في كتابة المقالات العلمية والمعرفية. هذا عرض سريع لاهم ادوات الذكاء الاصطناعي للبحث العلمي:

Elicit: استخراج البيانات، وتلخيص النتائج من الأوراق البحثية بدقة.

Perplexity AI: يقدم إجابات فورية مدعومة بمصادر وروابط مباشرة للأبحاث والمقالات.

Consensus: يحلل الأوراق العلمية ليقدم خلاصة.

Semantic Scholar: منصة أكاديمية لفهرسة ملايين الأبحاث واستخراج الأفكار الرئيسية.

SciSpace: منصة لمناقشة وقراءة وفهم الأوراق العلمية المعقدة وتفسيرها.

Connected Papers: توضح العلاقات والروابط بين الأبحاث ذات الصلة بموضوع البحث.

Claude : قراءة الأوراق الطويلة وتحليلها نقديًا.

Paperpal: تحسين اللغة الأكاديمية وفق معايير المجلات العلمية.

Copilot: مساعد معرفي شامل للكتابة والتحليل وبناء الهيكل.

ChatGPT: كتابة النصوص، تحليل البيانات، والبحث عن المراجع.

Google: تلعب دورًا محوريًا في الوصول للمصادر والمواقع الأكاديمية، والترجمة الأولية.

Google Scholar: من أهم أدوات البحث الأكاديمي للأوراق العلميه العلمية.

Google Translate: ترجمة أولية سريعة.

قررت الجامعات الكبرى وضع خطط لاستخدام الذكاء الاصطناعي وإرشادات حول كيفية الإشارة إلى استخدام هذه الأدوات في الأبحاث المنشورة من اجل تحقيق التوازن بين الفوائد الكبيرة التي يمكن أن تقدمها هذه التقنيات والتحديات الأخلاقية التي تهدد النزاهة الأكاديمية. كما يجب توضيح حقوق الملكية الفكرية للنتائج التي يتم الحصول عليها، وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي. يجب على الباحثين أيضاً التأكد من أن الأدوات التي يستخدمونها تتوافق مع القوانين واللوائح المتعلقة بالخصوصية وحماية البيانات.

ومن النقاط المهمة الأخرى أنه يجب إدراك أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطراً على بعض الأبحاث العلمية، لأن كفاءة خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعتمد على صحه البيانات التي يتم تدريبها عليها، مما يزيد من احتمالية تقديم معلومات خاطئة. لذلك يجب التاكد من دقة وصحة المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من خلال المراجعة البشرية.

يوجد حاليًا إجماع في الجامعات الكبرى والمؤسسات الأكاديمية على أن الذكاء الاصطناعي يمكن اعتباره مساعدًا بحثيًا، لأنه يوفر الكثير من الجهد في البحث عن المعلومات والمراجع، مع فحص كل معلومة تقدمها هذه الأدوات لضمان دقتها. كذلك، تقبل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة الجمل، خاصة إذا لم يكن الباحثون من الناطقين الأصليين باللغة الإنجليزية، وذلك لنقل المعلومات بوضوح، بشرط عدم قيام هذه الأدوات بالكتابة نيابه عن الباحث بشكل كامل.

يعتمد كاتب هذا المقال في معظم كتاباته على استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يطرح سؤالاً مُصاغاً بدقة ليقوم الذكاء الاصطناعي بالبحث عن معلومات محددة. وفي بعض الأحيان، يطرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة أو باللغة الإنجليزية بدلاً من العربية لضمان الحصول على أفضل المراجع.

وللتحقق من صحه الإجابة، يتم استخدام خوارزميات مختلفة للإجابة على نفس السؤال ومقارنتها بالنتائج التي قدمتها الخوارزميات المستخدمة في البداية. ثم تُحلل المعلومات بدقة لفهمها بعمق، وتُعرض بأسلوب واضح يناسب معظم القراء. وتُستخدم تقنيات الترجمة عند استخدام المصادر الإنجليزية، ويتم وتُكرر عملية الترجمة لتناسب أسلوب المؤلف وتجنب أي مصطلحات غامضة أو مبهمة.

بعد ذلك يتم تحليل المعلومات لفهمها بعمق، ثم طرحها باسلوب واضح يناسب اغلب القراء. وتستخدم وسائل الترجمه عند استخدام مراجع باللغه الانجليزيه ويتم مراجعه اسلوب الترجمه لتناسب اسلوب الكاتب مع الابتعاد عن اي مصطلحات غير واضحه او لها اكثر من معنى واحد.

مما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي يسهل ويسرع بشكل كبير عملية البحث عن المعلومات، ولكن يجب أن يعكس المنتج النهائي أسلوب الكاتب وفهمه للمعلومات التي تم الحصول عليها.

ينبغي التوضيح أن معرفة أي شخص تراكمية، وهي نتاج ما قدمه الآخرون. وقلما يقدم أحدٌ معرفة جديدة لم تكن موجودة من قبل؛ فهؤلاء هم نخبة المعرفة البشرية وقادتها، ويجب الاعتراف بدورهم عند استخدام أفكارهم أو اكتشافاتهم.

ختاماً، يلعب من ينشرون المعرفة للجمهور دوراً حيوياً في مشاركة اكتشافات وأفكار علماء بارزين واهم فلاسفه ومفكرين في تاريخ البشريه. فبدون جهودهم، لربما بقيت أهم الأفكار والاكتشافات حبيسة الابراج العاجيه للعلماء والمفكرين والمكتبات المرموقة.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

كل مرحلة من تاريخ البشرية حملت سؤالها الكبير. كان سؤال الماضي يدور حول البقاء، ثم أصبح سؤال الدولة والحرية والحقوق، أما اليوم فيبدو أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف يعيش الإنسان مع إنسان آخر يختلف عنه، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى مصدر خوف أو صراع؟

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في النقاشات المتعلقة بالهويات الدينية، والقومية، والعرقية، والثقافية. ومع أن الهوية تمنح الإنسان جذوره وذاكرته وشعوره بالانتماء، فإنها تتحول إلى عبء عندما تصبح المعيار الأول للحكم على الآخرين. عندها ينقسم العالم إلى دوائر مغلقة، ويغدو الإنسان أسيرًا لتعريفاته قبل أن يكون إنسانًا.

من هنا تبرز فكرة التعايش الواعي بوصفها أفقًا جديدًا للعلاقات الإنسانية. إنها دعوة إلى الانتقال من الدفاع المستمر عن الهوية إلى بناء علاقة تقوم على احترام الإنسان في إنسانيته أولًا، مع الاعتراف بحقه في أن يحتفظ باختلافه وثقافته وقناعاته. فالتنوع حقيقة رافقت البشرية منذ بداياتها، والاختلاف مصدر ثراء عندما يجد بيئة أخلاقية تحتضنه.

هذا التصور يجد أساسًا فلسفيًا عميقًا عند الفيلسوف إيمانويل ليفيناس، الذي جعل العلاقة مع الآخر منطلقًا للأخلاق. فالإنسان، في نظره، يلتقي بوجه الآخر قبل أن يطلق عليه الأحكام أو يضعه داخل التصنيفات. هذا اللقاء يوقظ الإحساس بالمسؤولية، ويجعل احترام الكرامة الإنسانية سابقًا على الخلافات الفكرية والدينية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن التعايش يثير سؤالًا مهمًا: هل يكفي ارتفاع مستوى الوعي حتى يعم السلام؟

التاريخ يقدم صورة أكثر تعقيدًا. فقد عرفت مجتمعات شرقية فترات كانت الأمية فيها واسعة، ومع ذلك عاش الناس في كثير من الأحيان ضمن حالة من التعايش والاستقرار، بينما شهد العصر الحديث، الذي ارتفعت فيه مستويات التعليم وانتشرت المعرفة، حروبًا عالمية وصراعات لم يعرف التاريخ مثيلًا لها. هذه المفارقة تدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والسلام.

يبدو أن السر يكمن في وجود ثقافة أخلاقية مشتركة كانت تنظم الحياة اليومية. احترام الجار، وإكرام الضيف، وحفظ الكلمة، ومكانة الأسرة، والالتزام بالأعراف، كلها شكلت منظومة عملية تحد من النزاعات، وتمنح المجتمع قدرة على استيعاب الاختلاف. كانت الحكمة تنتقل عبر التجربة والتربية، وتتحول إلى سلوك يومي ينعكس في تفاصيل الحياة.

أما الإنسان المعاصر، فقد أصبح يمتلك معرفة واسعة بالعالم، ويعيش في فضاء رقمي مفتوح، ويتلقى في كل لحظة سيلًا من الأخبار والآراء والخطابات المتناقضة. هذا التدفق الهائل للمعلومات منح الإنسان أدوات جديدة للفهم، وفتح في الوقت نفسه أبوابًا واسعة للاستقطاب والتحريض وصناعة الصور النمطية. وهكذا اتسعت المعرفة، بينما تراجعت في كثير من الأحيان القدرة على الإصغاء والحوار.

لهذا يبدو أن المستقبل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع الوعي، والثقافة الأخلاقية، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي، والاقتصادي. عندما تتفاعل هذه العناصر، يصبح الاختلاف فرصة للتعاون، وتتحول الهوية إلى مساحة للتعارف، ويكتسب الإنسان ثقة تسمح له برؤية الآخر شريكًا في بناء الحياة.

ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يحمله القرن الحادي والعشرون مختلفًا عن أسئلة القرون السابقة. فبدل الانشغال بالسؤال: "من يشبهني؟"، يبرز سؤال أكثر عمقًا وإنسانية: "كيف أعيش مع من لا يشبهني؟"

عند هذه النقطة يبدأ التعايش الواعي، وتبدأ معه رحلة الانتقال من صراع الهويات إلى شراكة الإنسان مع الإنسان، حيث تصبح الكرامة الإنسانية القيمة الأعلى، ويغدو الاختلاف طريقًا إلى الاتساع، لا سببًا للانقسام.

***

بولص آدم

مأساة كيتس والأرواح المحترقة

(لقد كنت مذهولاً كيف يمكن للبشر أن يموتوا شهداء من أجل الدين – كنت أرتجف من ذلك – ولا أرتجف بعد الآن. يمكنني أن أستشهد من أجل ديني – الحب ديني – يمكنني أن أموت من أجل ذلك – يمكنني أن أموت من أجلكِ. عقيدتي هي الحب وأنتِ وحدكِ عقيدته، لقد اختطفَتِني بقوة لا أستطيع مقاومتها).. جون كيتس "من رسالة إلى فاني براون، 13 أكتوبر 1819".

بعد سنة بالضبط من تمجيد الشاعر الإنجليزي جون كيتس (31 أكتوبر/1795م – 23 فبراير/1821م) لمُتع الأعزب، وجد نفسه واقعاً في أسر الحب العارم. وبحسب المعايير المتعارف عليها للجمال، لم تكن فاني براون جميلة بالمعايير الكلاسيكية، لكنها كانت فاتنة بسعة معرفتها، وعينيها شديدتي الزرقة، وابتسامتها المبهجة. فوجد كيتس نفسه متّقداً بالجنون الحاد المؤقت بأن الولع يوجع قلب المرء، ومنهمكاً بأفكاره عن حبيبته، وغير قادر تماماً على تجسيد فكرته الأسطورية التي أسسها قبل عامين “القدرة السلبية” – تلك القدرة على الارتياح للمجهول وعدم فرض النتائج بناءً على عدم اليقين.

سقوط اليقين الفلسفي على صخرة الفتنة الروحية

في الأصل الفلسفي، عندما صاغ كيتس مفهوم “القدرة السلبية”، كان يعنى بها قدرة الشاعر على المكوث في حالات الشك والارتياب وعدم اليقين، دون السعي المللح وراء الحقيقة أو العقلنة؛ وهي حالة من الانفتاح المطلق والهدوء التأملي أمام غموض الكون. غير أن الحب، بوصفه جحيمًا عاطفياً، جاء ليقوض هذا السكون تماماً؛ إنه حالة من "عدم اليقين" القسري المُلتهب الذي يطلب اليقين المفقود ولا يجده، ليتحول كيتس من شاعر يتقن قبول الغموض إلى عاشق هائم يبحث عن استقرار مستحيل. وقد تجسد هذا التحول في افتتانه بـ فاني براون؛ فمع أنها لم تكن جميلة بمعايير التناظر التقليدي، إلا أنها امتلكت كيمياء الفتنة الكامنة في سعة المعرفة والنظرة العميقة. وهذا يذكّرنا بأن عقل الشاعر الرومانسي لا يبحث عن القوالب البصرية الجاهزة، بل يبحث عن "الصدى الروحي"؛ فقد كانت فاني مرآة انعكس فيها شغفه العارم بالوجود، فانفرط معها عقد اتزانه الفكري أمام سطوة الوجد.

جنون الوجد: العشق بوصفه ديانةً وألماً

حمل اقتباس كيتس نبرة صوفية متطرفة لا تساوم: "الحب ديني... الحب عقيدتي وأنتِ وحدك عقيدته". هنا يتخلى الشاعر عن إلهه القديم (الفن النقي المحايد) ليقيم محراباً جديداً موضوعه الكائن البشري الفاني المتقلب. وحين يتحول الإنسان إلى عقيدة وموضوع للعبادة الروحية المطلقة، يصبح الألم والتعذيب قدراً حتمياً لا مفر منه؛ لأن أبسط تقلبات الوصال، أو جفاء الفراق، أو حتى تمنع الحبيبة، لا يعود مجرد خلاف عاطفي عابر، بل يتحول إلى "تدنيس مقدّس" لهذا المحراب. وقد تجلى هذا الامتزاج المرير في رسائل كيتس الأخيرة، حيث التبست غيرة العشاق المشتعلة بمرض السل الذي ينخر جسده الفاني، فصار الموت والعشق شيئاً واحداً لا ينفصمان.

مفارقة الاحتراق: الفناء الجسدي مقابل الخلود الإبداعي

من الناحية الإنسانية البحتة، كان هذا العذاب مدمراً بحق؛ فقد استنزف طاقة كيتس، وعذب روحه، وعجل بوفاته وهو في مطلع الشباب. لكن من الناحية الفنية والتاريخية، لولا هذا الجحيم لما وُلدت درر كيتس الخالدة. لقد كان كيتس يحترق بنيران شغفه ليضيء لنا صفحة خالدة من الأدب الإنساني، مطبقاً معادلة قاسية مفادها أن الفناء الجسدي كان هو الثمن الإلزامي للخلود الإبداعي.

وهم "السلام البسيط" مقابل "السلام المعقد

إن التأمل في تجربة كيتس يعيد صياغة مفهومنا الجذري عن الطمأنينة؛ فوهم "السلام البسيط" يربط الهدوء الداخلي بغياب المشاكل وتوقف الصراعات السطحية، وهو نوع من السكون الراكد الذي يميت الإبداع ويقود النفس إلى الجمود والتكلس. أما السلام الحقيقي الذي يزدهر في ظلّه الإبداع الرفيع، فهو "السلام المعقد" أو سلام العارف المتأمل الذي يشبه "عين العاصفة" (The Eye of the Storm)؛ حيث تدور من حوله رياح الهواجس، والاضطرابات العاطفية، والتناقضات الكونية الحادة، لكن مركز الكيان يظل قادراً على الاتزان واستيعاب كل هذا الصخب واحتوائه وإعادة صياغته في قوالب فنية نافذة.

المعاناة كشرط إلزامي للوعي: جراحة الروح وميلاد البصيرة

فلا تولد العبقرية من فراغ الرفاهية؛ إذ تظل الطمأنينة السطحية والعيش الآمن المكتفي بذاته مقبرةً للوعي، وحاضنةً للبلادة الفكرية. وحدها المعاناة تتبوأ مكانة الشرط الإلزامي والمحرك الجذري للتبصر البشري؛ فهي ليست شقاوةً عبثية، بل هي "المشرط الجراحي" الذي يكسر القشور السميكة والسطحية للذات، ليجبر الإنسان – والمبدع تحديداً – على النزول صاغراً ومضطراً إلى الطبقات السحيقة والأعمق من التجربة الإنسانية. إن الرفاهية تترك الإنسان على قشرة الوجود، بينما الألم يغوص به في صميم الجوهر.

ولولا هذا الاحتكاك الدامي والمستمر بين حدّة الشعور واضطراب الوجدان، لما توفرت قط لدى الكائن تلك الحساسية المفرطة، النافذة، والموجعة لالتقاط التفاصيل الدقيقة للوجود؛ تلك التفاصيل التي تمر على العيون العادية مرور الكرام، لكنها تتجسد تحت مطرقة المعاناة شعراً مقدساً، وفلسفةً لا تموت، وبصيرةً تكشف عري العالم وعمقه في آنٍ واحد.

ولم يكن جون كيتس سوى حلقة مضيئة في سلسلة طويلة من أساطير الفكر والأدب الذين اتخذوا من الدمار مشعلاً؛ فأبو العلاء المعري عاش رهين المحبستين وعمى البصر ليصوغ فلسفة تشاؤمية عميقة تكشف زيف العالم في رسالة الغفران واللزوميات، ودوستويفسكي الذي نُفذ فيه حكم الإعدام صورياً قبل أن يُساق إلى غياهب سيبيريا، ليخرج من رحم ذلك العذاب بروايات تختبر أعقد أقباط النفس البشرية وجنونها الأخلاقي، ونيتشه الذي حفر في صخرة العذاب والمرض العقلي والنفسي ليعلن ميلاد إنسان فائق يتجاوز مأساوية الوجود، وصولاً إلى فان جوخ الذي أحرقته لوحاته وأرقه، فتحولت لوحاته المغموسة بالجنون إلى شمس دافئة لا تغيب. إنهم جميعا يؤكدون أن الألم ليس عارضاً طارئاً في حياة المبدع، بل هو القالب الحتمي الذي يُصاغ فيه الخلود. النفس البشرية بطبيعتها ليست كتلة صماء مصمتة، بل هي مسرح هائل للتناقضات الحادّة والصراعات الدفينة بين الرغبة والخوف، الخلود والفناء، العقل والجنون. ومن هنا تصبح المعركة الداخلية المحرك الأساسي للإنتاج الفكري؛ فالإبداع العظيم ليس سوى النتيجة المباشرة لمحاولة الإنسان تسوية هذه الصراعات الضارية ومنحها صوتاً حياً وناطقاً. المبدع لا يحاول الهروب من ساحة المعركة هذه، بل يتخذ منها منبراً ومادة أولية لصياغة أسئلته الوجودية.

كيمياء الاحتراق وشذوذ النقاء: كيف يصنع المبدع خلوده من جرف الهاوية؟

إن التمعق في مأساة جون كيتس لا ينفصل عن فهم البنية الجوهرية للوعي الإبداعي الذي لا يكتفي بمراقبة الخراب، بل يتخذه مادة أولية. فالمبدع الحقيقي يمتلك "كيمياء فنية" فريدة قادرة على استنطاق الألم وإعادة تدويره؛ فالآلام التي تكسر الشخص العادي وتتركه في عزلة صامتة، تتحول تحت معالجة الروح المبدعة إلى لغة حية ومجازات عميقة، ينقلب معها الدمار من عبء مأساوي إلى طاقة دافعة للخلود. ومن هنا، فإن ريادة الحب لديه لا تأخذ الشكل الاستهلاكي أو السطحي المألوف، بل يُختبر العشق كحالة قصوى ومغامرة كبرى تمتد حافاتها إلى تخوم الهاوية، ليرتقي به القلم من مجرد نزوة عاطفية إلى مرتبة الفلسفة والعقيدة التي تعيد صياغة العواطف البشرية بعيداً عن ابتذال السائد. هذا الاشتباك العنيف مع التجربة يقود بالضرورة إلى ما يمكن تسميته بـ "الشذوذ النقي"؛ وهو ليس انحرافاً، بل صفاء استثنائي وحساسية مفرطة تكشف عيوب العالم وبلادته، وتجعل صاحبها عاجزاً جذرياً عن التكيف مع الأفكار المعلبة أو الاستقرار اليومي الباهت. إنهم يعيشون بجلدة مكشوفة تماماً أمام الصدمات، مما يجعلهم عرضة للاحتراق السريع أسرع من غيرهم، لكنه في المقابل يمنح أعمالهم ذلك العمق الجذري والنقاوة المطلقة التي تفصلهم عن الاستهلاك وتعبر بهم نحو الخلود

فلسفة الدمار والعبقرية

تضعنا هذه المأساة أمام حقيقة أن المعاناة والعبقرية الفنية يمثلان قانوناً حتمياً لا مفر منه. فكيتس لم ينهار بمعزل عن رغبته الباطنية، بل إنه أحب هذا الدمار الذي وقع فيه، مدركاً بالفطرة أنه إن لم يكن الدمار، لم يكن كيتس.  فالمبدعون الحقيقيون يمتازون بقدرتهم على استغلال الدمار من أجل صياغة التعبير الراقي، واستتمام أساليب الحب ليكونوا مختلفين، ومن الشاذين في نقاوة الفكر عن باقي البشر. وهنا يبرز التناقض البديع؛ فالإبداعات البشرية تزدهر في ظل السلام الداخلي، رغماً عن أن هذا السلام ليس هدواً ساكناً، بل هو ساحة معركة طاحنة ما بين الوجدان والشعور وكافة التناقضات الموجودة داخل النفس البشرية. ومن رحم هذا الاحتراق الواعي، يولد الفن الذي لا يمحى.

***

ئاريان علي

وجهه نظري أن المعلم الذي يضرب تلميذه لا يمارس سلطة تعليمية بقدر ما يكشف، في لحظة انفعاله، عن عجزه عن ممارسة السلطة الأكثر رقيا: سلطة العقل

و قد تنجح العصا في إسكات الطفل، لكنها تفشل في تربيته.

وقد تصنع جسدا مطيعا، لكنها لا تصنع عقلا حرا

ومن يثق في نفسه وفي قيمة ما يقول لا يحتاج إلى أن يجعل جسد الآخر مساحة لإثبات قوته.

التربية في جوهرها ليست عملية إخضاع، وإنما عملية تحرير.

ولهذا كان سقراط يرى أن المعرفة لا تزرع في الإنسان من الخارج، بل تستخرج منه بالحوار والسؤال

أما الضرب فيفعل العكس تماما.

إنه لا يصنع إنسانا منضبطا بقدر ما يصنع إنسانا يتعلم كيف يتجنب العقوبة.

والفرق هائل.

فالطفل الذي يتصرف خوفا من الضرب لم يتعلم الصواب؛ لقد تعلم الخوف وفقد الثقه بنفسه3310 ibt

الإنسان الذي يشعر بأن مكانته مهددة، وأن الآخرين لا يستجيبون له إلا بالقوة، فقد يلجأ إلى العنف بوصفه تعويضا نفسيا عن شعور داخلي بالعجز.

ولهذا يمكن أن نفهم بعض صور العنف التربوي بوصفها لغة شخص فقد ثقته في قدرته على التأثير

وفي كل مرة يرفع فيها المدرس يده، يكون قد أعلن، من حيث لا يدري، إفلاسه التربوي

ميشيل فوكو لفت الانتباه إلى العلاقة العميقة بين السلطة والجسد، وكيف يمكن للسلطة أن تستخدم الانضباط والسيطرة على الأجساد لإنتاج الطاعة

والمدرسة، حين تتحول من فضاء للمعرفة إلى فضاء للخوف، تصبح نموذجا مصغرا لهذه السلطة.

كيف نطلب منه ألا يمارس العنف، بينما الشخص الذي يفترض أن يكون قدوته يمارس العنف أمامه؟

كيف نقنعه بأن الحوار وسيلة لحل الخلاف ثم نغلق باب الحوار ونفتح باب الضرب؟

أخطر ما في الضرب ليس الألم الذي يشعر به الطفل في لحظته. لا تنتهي الصفعة عندما يعود الطفل إلى منزله.

إنها قد تستمر داخله سنوات كجرح داخلي لكرامته

الأخطر هو المعنى الذي قد يستقر داخله.. وقد يخشى السؤال حتى لا يبدو جاهلا.

وقد يخفي رأيه حتى لا يتعرض للسخرية والضرب

ربما نحتاج إلى إعادة النظر في تصورنا القديم للتربية.

فالطفل ليس حيوانا ينبغي ترويضه، ولا عقلا ينبغي كسره حتى يستقيم، ولا جسدا ينبغي إخضاعه حتى يصبح مؤدبا

إنه كائن في طور اكتشاف العالم.. يخطىء ويعترض ويتمرد

المعلم الحقيقي هو من يملك القدرة على إدارة الاختلاف.

أن يضع الحدود دون إهانة.

أن يعاقب الخطأ، إن لزم الأمر، بطريقة تربوية تحفظ كرامة الطفل

نحن نحتاج إلى مدارس يشعر فيها الطفل أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن السؤال ليس جريمة، وأن الاختلاف ليس عصيانا، وأن كرامته لا تسقط أمام سلطة أحد.

احتضنوا أولادكم...

فالعالم قاس بما يكفي، فلا تجعلوا البيت والمدرسة امتدادا لقسوته.

احتضنوا أبناءكم قبل أن يبحثوا عن حضن في مكان آخر، واسمعوا أسئلتهم قبل أن يبحثوا عن إجابات عند من لا يعرفونهم، وامنحوهم الأمان قبل أن تطالبوهم بالطاعه

الطفل لا يحتاج إلى يد تهوي عليه، بقدر ما يحتاج إلى يد تمسك بيده.

لا يحتاج إلى صوت يصرخ في وجهه، بل إلى صوت يقول له: أنا أراك، أفهمك، وسأساعدك على أن تصبح أفضل

احتضنوا أولادكم.

ليس لأنهم دائما على حق، وإنما لأنهم ما زالوا يتعلمون كيف يعيشون.

احتضنوا أولادكم...

فربما كانت بعض الأخطاء التي نعاقبهم عليها صرخات صامتة يطلبون بها أن نراهم.

وربما كان بعض عنادهم خوفا لا يعرفون كيف يعبرون عنه.

وربما كان بعض غضبهم بحثا عن أمان فقدوه.

صححوا أخطاءهم، لكن لا تكسروا أرواحهم.

ضعوا لهم الحدود، لكن لا تهينوا كرامتهم.

كونوا حازمين، لكن لا تكونوا قساة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ليس من قبيل المصادفة أن تستقر في الوعي الجمعي مقولات تبدو بديهية حدّ التكرار، «العقل السليم في الجسم السليم»، حتى غدت مع مرور الزمن أشبه بحقيقة نهائية لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن التأمل الفلسفي الهادئ يدفعني إلى إعادة النظر في ترتيب العلاقة بين العقل والجسد؛ فالجسد السليم ليس، في تقديري، شرطًا سابقًا للعقل السليم بقدر ما هو أحد ثماره. العقل هو الذي يمنح الجسد معنى العناية، وهو الذي يقرر ماذا نأكل، وكيف نعيش، ومتى نتحرك، ومتى نتوقف، وكيف نواجه إشارات الألم قبل أن تتحول إلى إنذار متأخر. الجسد يحملنا في الطريق، لكن العقل هو الذي يقرر إلى أين نمضي وكيف نمضي. ولهذا فإن مسؤولية الإنسان تجاه جسده تبدأ، قبل كل شيء، من وعيه به.

فالعقل ليس مجرد آلة للتفكير أو مستودع للأفكار، وإنما هو نظام توجيه كامل يضبط إيقاع الحياة ويمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما يبني وجوده وما يقوّضه. ومن دون هذه البوصلة الداخلية يصبح الجسد عرضة لقوى عمياء: شهوة بلا ميزان، وعادة بلا مراجعة، وكسل بلا مقاومة، وتأجيل مستمر لما ينبغي فعله الآن. وقد يمتلك الإنسان المعرفة الكافية بكل ما يضر جسده، لكنه يواصل فعله، وكأن المعرفة وحدها تكفي لإنقاذه. وهنا تكمن المفارقة: أن نعرف ما ينبغي أن نفعله، ثم نعجز عن فعله، وأن نرى الخطر يقترب، ثم نؤجل مواجهته إلى أن يتحول من احتمال إلى واقع. كنت واحدًا من هؤلاء الذين يعرفون، لكنهم لا يفعلون.

ذات صيف بارد قبل عام من الآن تقريبا. كنت أتمشى مع صديقي الدكتور حسين جعفر السقاف في مدينة دنبوش التاريخية. كان وزني آنذاك نحو 118 كيلوغرامًا، وكنت أمشي ببطء واضح. وبعد نحو نصف ساعة من السير بدأت ألهث من التعب، فالتفت إليّ رفيقي وقال جملة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها استوقفتني طويلًا: «أراك غير مهتم بجسمك، وزنك لا يتناسب مع سنك». كانت جملة قصيرة، لكنها أصابت الحقيقة في مكانها تمامًا. قلت له: نعم يا صديقي، أشعر بالتعب حين أمشي أو أصعد الدرج، فضلًا عن الألم في الركبة والقدم. أخذ بيدي إلى مقهى قريب يطل على مجرى نهري، وطلب لي القهوة السادة التي أحبها، ثم بدأ يحدثني عن الجسد الحي، وعن طاقته ووظائفه، وعن مسؤولية صاحبه تجاهه. اتذكر انه قال بما معناه: أن للجسد الحي، من منظور الطبيعة، وظيفة أولى وبسيطة، هي أن تستمر حياة النوع البشري من خلاله. يولد الإنسان، وينمو، ويحب، وينجب، ويعمل، ويرعى أبناءه حتى يكبروا ويقفوا على أقدامهم. وربما تمنحه الطبيعة في هذه المرحلة قدرًا من القوة والشباب والطاقة يعينه على أداء هذه المهمة. لكن الطبيعة، بعد ذلك، تبدأ في الانسحاب منه شيئًا فشيئًا. يشيب الشعر، تضعف العضلات، تقل المرونة، يتغير الجسد، وتظهر علامات الزمن، وكأن الطبيعة تقول للإنسان في صمت: لقد أديت دورك، والباقي عليك.

فبعد أن يؤدي الجسد الإنساني كما هو كل جسد حيواني مهمته البيولوجية تجاه استمرار حياة، نوعه تبدأ مهمته تجاه نفسه. هنا لا ينبغي له أن ينتظر من الطبيعة أن تفعل ما كانت تفعله في مرحلة الشباب. عليه أن يتدخل بوعيه وإرادته: يحافظ على جسده، يحرك عضلاته، ينشط عقله، ينظم غذاءه، ينام بما يكفي، يمشي، يسبح، يحب، يسافر، يضحك، ويخلق لنفسه أسبابًا جديدة للحياة. العمر بعد ذلك لا تمنحه لنا الطبيعة بسهولة؛ نحن الذين ندافع عن وجودنا فيه. وربما تكون الحكمة في النصف الثاني من العمر أن ندرك أن الطبيعة قد أدت جزءًا كبيرًا من وظيفتها معنا، وأن ما تبقى أصبح مسؤوليتنا نحن.

ومنذ تلك اللحظة بدأت أنظر إلى جسدي لا باعتباره شيئًا أحمله معي، وإنما باعتباره أنا نفسي؛ جزءًا من وجودي وحضوري ومسؤوليتي وصحتي ومستقبلي.

وقد جاءت عبارة قرأتها لاحقًا للدكتور وليد الحيالي، رئيس الجامعة الدنماركية العربية في كوبنهاغن، لتمنح هذه الفكرة صياغة أخرى شديدة الكثافة: «كنتُ أنا والصحة نبحث عن المال، والآن أنا والمال نبحث عن الصحة». بدت لي هذه العبارة كأنها تختصر دورة كاملة من دورات الحياة. ففي الشباب نستهلك الصحة بحثًا عن المال، ثم يأتي العمر الذي نبدأ فيه بإنفاق المال بحثًا عن الصحة التي أهدرناها من قبل. وهنا تظهر المفارقة الإنسانية المؤلمة: أننا قد ننجح في جمع المال، لكننا لا نستطيع بالضرورة أن نشتري به ما فقدناه من صحة وعافية.

منذ تلك اللحظة الدنبوشية قررت أن آخذ جسدي على محمل الجد بصرامة لا تعرف المساومة التي أعيشها منذ أن ادركت الخطر في القاهرة الحبيبة.

لن أنسى ما حييت ذلك الصباح القاهري في 2 فبراير 2023، حين حاولت النهوض من سريري فلم أستطع بسبب ألم شديد في عمودي الفقري. حاولت مرة أخرى فسقطت وصرخت من شدة الوجع. كان الألم ينتشر في الجزء السفلي من جسدي كما لو أنها صعقة كهربائية تبدأ من أخمص القدم اليمنى وتصعد إلى منتصف ظهري. في تلك اللحظة شعرت أن جسدي، الذي طالما اعتبرته أمرًا مسلمًا به، قد تحول فجأة إلى سؤال مفتوح وتحدي وجودي يستدعي الاستجابة الفورية بلا مماطلة ولا تأجيل.

وهذا ما جعل ذاكرتي تستدعي مفهوم «المواقف الحدية» الذي درسته طويلًا في الفلسفة الوجودية. فالموقف الحدي هو تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام حدود وجوده، حيث تتراجع الأشياء الثانوية كلها، ولا يبقى أمامه إلا السؤال الأساسي: ماذا سأفعل؟ أقاوم أم أستسلم؟

كان وزني يومها نحو 130 كيلوغرامًا. وكنت أخفي هذه الحقيقة عن عائلتي وأصدقائي، وربما كنت أخفيها عن نفسي قبل الآخرين. لم أكن أريد أن أرى الرقم على الميزان، ولا أن يراه أحد. كنت أتعامل مع جسدي بمنطق التأجيل والإنكار، وأقنع نفسي بأن آلام القدم والظهر عابرة، وأنها ستذهب كما جاءت. لكن ذلك الصباح أسقط كل الأوهام دفعة واحدة. لقد رأيت النجوم في عز الظهر فعلًا!

ترددت طويلًا قبل أن أذهب إلى الطبيب، إلى أن تحاملت على نفسي وذهبت إلى الدكتور المتميز حمدي الكلدي في عيادته بالعشرين. وبعد حوار وفحص أولي أوصى بإجراء تصوير للعمود الفقري بجهاز الرنين المغناطيسي. ومع ذلك، واصلت التأجيل أسابيع أخرى. كنت لا أزال أتعامل مع جسدي بالعقلية اليمنية نفسها: غدًا أفعل، وغدًا أبدأ، وغدًا أذهب إلى الطبيب. وكأن الإنسان يستطيع أن يؤجل الحقيقة إلى ما لا نهاية لكن الألم لا يعرف المجاملة ولا المماطلة.

فحين اشتد آلمي، ذهبت إلى أحد المختبرات الحديثة في أول فيصل، وأجريت الفحص الذي أوصى به الطبيب. دخلت الجهاز الأسطواني شبه عارٍ، مستلقيًا بلا حركة قرابة عشر دقائق، وكأنني جثة تنتظر أن تُقرأ تفاصيلها من الداخل. خرجت وفي يدي نتيجة لم تكن مجرد صورة طبية؛ كانت أشبه برسالة إيقاظ: بداية انزلاق غضروفي.

كانت تلك الأشعة الممغنطة لحظة فاصلة في علاقتي بجسدي إذ لأول مرة أدركت أن الإنسان يستطيع أن ينشغل بالعالم كله وينسى أقرب الأشياء إليه: جسده الذي يحمله كل يوم. قد نكتب عن التاريخ والحضارة والفلسفة والسياسة والإنسان، وننسى أن هذا الإنسان الذي نكتب عنه له جسد يحتاج إلى الرعاية. وقد نبحث عن معنى العالم، بينما نعجز عن صعود درجتين دون أن نلتقط أنفاسنا.

يومها اقترح الدكتور حمدي محاولة علاج الانزلاق الغضروفي دون عملية جراحية، وبدأت تناول بعض الأدوية التي وصفها لي، لكنني شعرت بخمول عام ومشاعر سلبية لم تكن مريحة لي. عندها اتخذت القرار الأصعب: أن أغيّر نظام حياتي نفسه، وأن أخفض وزني، مستلهمًا وصية والدي، رحمه الله: «تعب الصحة ولا تعب المرض» وفي تلك اللحظة الحدية تذكرت نظرية جان بول سارتر (الحرية في موقف) ف" لكي ينجح المرء في الإقلاع عن التدخين، لا يكفي أن يمتنع عن الفعل، بل يجب عليه القيام بما يسميه سارتر "تفكيك التبلور"؛ أي أن يُعيد اختيار ذاته ومشروعه بالكامل دون أن يكون التبغ جزءاً من معاني الأشياء حوله" ف الحرية هنا تظهر في أقصى تجلياتها: الإقلاع عن التدخين هو قرار ببدء حياة جديدة وبناء "أنا" جديدة تواجه العالم مباشرة دون وسيط رمزي، وهو ما يجسد فكرة أن الإنسان يصنع ماهيته باستمرار عبر قراراته الحرة ومسؤوليته على حياته. ومعنى (تفكيك التبلور) هو تجريد الأشياء والمواقف من الرموز الأسطورية أو العاطفية الزائدة التي أضفاها وعينا اليها ، وإعادتها إلى حقيقتها الخام المجردة بهدف التحرر من التبعية لها. إي النظر إلى الأشياء في قاع المعنى. وتلك هي الفائدة التي غنمتها من قراءة كتاب (الوجود والعدم)

أثناء بحث عن طرق علاج الانزلاق الغضروفي

نصحني الخبير بالأدوات الطبية مساعد الطبيب نبيل الشبحي بجهاز شد الظهر من الصين. اتصل بابن أخي، مهيب صالح المحبشي، مدير شركة الاتجاهات الأربعة للشحن والتصدير في كوانجو فأرسل مشكورا لي الجهاز الظاهر في الصورة ادناه. كانت أمارسه التدريب كل صباح ومساء فضلا عن ممارسة السباحة والمشي لمدة ستة اشهر قبل السفر إلى الأراضي المنخفضة هولندا الخضراء.

أتيت هولندا بوزن يقارب 120 كيلوغرامًا فوجدتها فرصة مناسبة لإعادة بناء علاقتي بجسدي بما توفره من ممكنات لوجستية مساعدة. نصحتني الطبيبة الرائعة Laura لورا براون بضرورة تخفيض وزني، ومنحتني نظاما صحيًا التزمت به، إلى جانب برنامج جاد في المشي والسباحة. إذ لم أعد أتعامل مع المشي والسباحة باعتبارهما رياضة عابرة أو نشاطًا ثانويًا، وإنما باعتبارهما جزءًا من عاداتي اليومية في عملية استعادة العلاقة بين عقلي وجسدي.

طبعا لم يكن الطريق سهلًا. فالإنسان لا يغير جسده فقط عندما يغير طعامه؛ إنه يغير عاداته، ومزاجه، ووقته، ونظرته إلى نفسه. كل كيلوغرام ينخفض كان يعني في الحقيقة معركة صغيرة مع عادة قديمة، وكل خطوة إضافية كنت أمشيها كانت بمثابة تصحيح لعلاقة اختلت طويلًا بيني وبين جسدي.

في نهاية هذه الرحلة، لم أعد أنظر إلى جسدي بوصفه مجرد وعاء للروح أو أداة يحملها العقل من مكان إلى آخر، بل بوصفه شريكًا كاملًا في وجودي، وأمانة لا يجوز أن أتنصل من مسؤوليتها. من 130 كيلوغرامًا إلى 90 كيلوغرامًا لم تكن المسافة أربعين كيلوغرامًا فحسب، بل كانت مسافة بين ذاتين: ذاتٍ كانت تؤجل وتبرر وتتجاهل إشارات الجسد، وذاتٍ أخرى قررت أن تنصت، وأن تتحمل مسؤوليتها، وأن تبدأ من النقطة التي ظنت أنها نقطة النهاية. لقد علّمني الألم ما لم تعلّمني إياه صفحات كثيرة من الكتب: أن الجسد يتكلم، وأن علينا أن نصغي إليه قبل أن يرفع صوته، وأن العناية بالصحة ليست بحثًا عن جسد مثالي، بل احترام للحياة نفسها. وفي النصف الثاني من العمر، حين تبدأ الطبيعة في استرداد شيء من قوتها، نكتشف أن الإنسان لا يزال يمتلك قوة أخرى: قوة الوعي والإرادة والاختيار. لا يستطيع المرء أن يوقف الزمن، ولا أن يستعيد شبابه، لكنه يستطيع أن يمنح ما تبقى من عمره معنى مختلفًا. لذلك لم يعد الرقم 90 بالنسبة إليّ مجرد وزن على ميزان، بل علامة على استعادة شيء من الجسد، وشيء من النفس، وشيء من القدرة على الحياة. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي خرجت به: لقد كنت أبحث عن معنى الحياة في الفلسفة والتاريخ والكتب والمدن، ثم اكتشفت أن المعنى يبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء: أن تنهض من سريرك، وتمشي، وتتنفس، وتشعر بأن جسدك لم يعد عائقًا أمام الحياة، بل أصبح شريكًا فيها. ولهذا أقول لجسدي اليوم: سامحني لأنني تأخرت في الانتباه إليك، لكنني الآن أراك، وأسمعك، وأتحمل مسؤوليتي تجاهك. لقد كنت أبحث طويلًا عن معنى الحياة، فاكتشفت أخيرًا أن من شروط معناها أن تكون قادرًا على أن تعيشها.

***

د. قاسم المحبشي

لا دولة تقدّمت، ولا دولة نهضت، ولا دولة أصبحت عالمية بتعليم أهلي أو خاص. كل دولة صنعت مجدها اعتمدت على التعليم الشامل والمجاني كحق لكل مواطنيها. فنلندا، التي تتصدر العالم في جودة التعليم، جعلت التعليم المجاني من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة حقاً دستورياً لكل مواطن، مع وجبات مدرسية مجانية ونقل مجاني وكتب مجانية. سنغافورة، التي تحوّلت من دولة فقيرة إلى واحدة من أغنى دول العالم، تفرض تعليماً إلزامياً مجانياً على جميع أطفالها، وتنفق 13.3% من ميزانيتها على التعليم. الصين، التي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية عالمياً، وسّعت نطاق التعليم المجاني ومدّدت سنوات التعليم الإلزامي، لأنها أدركت أن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة. السويد، التي تُعد من أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية، تقدم تعليماً مجانياً ممولاً من الضرائب من سن السادسة، وتتيح التعليم العالي مجاناً مع مساعدات طلابية للجميع.

هذه ليست مصادفة. هذه ليست صدفة تاريخية. هذه قاعدة ثابتة فالأمم لا تنهض إلا بتعليم شامل ومجاني يصل إلى كل طفل، في كل قرية، وفي كل مدينة، بغض النظر عن دخل أسرته أو خلفيته الاجتماعية.

 حين يتحول الحق إلى امتياز

في العراق، التعليم المجاني ليس ترفاً ولا منّة، بل هو حق قانوني ودستوري منذ عام 1974، حين أصدرت الحكومة قراراً أكدت فيه مجانية التعليم لجميع أبناء المجتمع ولكافة المراحل الدراسية، بل ذهبت أبعد من ذلك وألغت المدارس الأهلية في عام 1975. كان العراق منذ تاسيسه والى تلك الحقبة منارة للعلم والمعرفة في المنطقة، وكان تعليمه مجانياً وشاملاً فعلاً لا قولاً.

لكن اليوم تحول هذا الحق إلى مسخرة، فالتعليم في العراق رمز للتدهور والفساد، والجامعات عاجزة عن أداء دورها. نسبة الالتحاق بالتعليم العالي لا تتجاوز 19%، ونصف الجامعات متمركزة في بغداد، بينما نينوى والأنبار وصلاح الدين لا تمتلك سوى 1% منها. والأخطر أن التعليم العالي لم يعد مجانياً ولا شاملاً، بل صار سلعة يشتريها القادرون فحصة التعليم الأهلي نحو 30% من المقبولين، والهدف رفعها إلى 50%، في بلد أكثر من 60% من سكانه تحت سن الثلاثين. ففي 2024، هناك 31 جامعة حكومية تضم 541 ألف طالب، مقابل 165 جامعة أهلية تضم أكثر من 211 ألف طالب، أي أن الخاص يعمل بمنطق الربح لا الحق. كذلك لم يعد التعليم الموازي والمسائي قنوات مساندة، بل بوابة خلفية لخصخصة التعليم الحكومي: رسومه تتراوح بين 2 و8 ملايين دينار للتخصصات الإنسانية و6 و15 مليوناً للطبية، وطالب طب موازي دفع 12 مليوناً ثم خُفّضت إلى 9 ملايين، وهو مبلغ هائل قياساً بمتوسط دخل عائلي لا يتجاوز 750 ألف دينار، وأكثر من 27% من العراقيين تحت خط الفقر. وتقديرات 2024/2025 تشير إلى أكثر من 120 ألف طالب في الموازي والمسائي الحكومي و90 ألفاً في الأهلي، وقُبل 21,765 طالباً في الموازي، بينهم 2,995 في المجموعة الطبية. هؤلاء يدفعون مقابل تعليم يفترض أنه حق دستوري مجاني، دون أي امتياز حقيقي، إذ تتساوى الشهادتان قانونياً. وهكذا يتحول التعليم إلى آلة لاستخراج الأموال من الأسر، لا لخدمة الطلبة، تحت ذريعة استيعاب الأعداد. والدول التي نهضت — فنلندا، كوريا الجنوبية، سنغافورة، الصين، السويد — لم تترك تعليمها العالي للخاص ولا ابتكرت قنوات موازية لبيع المقاعد، بل جعلته حقاً مجانياً وشاملاً. أما العراق، فبينما يعاني نصف شبابه من البطالة، يوسّع التعليم المدفوع ويحوّل الجامعة من مصنع للمواطنين إلى دكان لبيع الشهادات. هذا انتحار حضاري، فأما أن تعود الجامعات إلى مجانيتها وشموليتها، وأما نستعد لمجتمع طبقي، نصفه يتعلم بالمجان والنصف الآخر يشتري حقه بالدينار. العراق الذي علّم العالم الكتابة لا يستحق أن يبيع التعليم بالمزاد.

الفساد الآفة التي تنهش عظام التعليم العراقي

الفساد في العراق لم يعد خفياً ولا مستتراً. لقد أصبح نظاماً، وأصبح التعليم أحد أبرز ضحاياه. في قطاع التربية والتعليم، تشكل أزمة نقص الأبنية المدرسية واللجوء إلى خيار "الدوام الثلاثي" أحد أبرز الشواهد على تراجع مستوى الخدمات الأساسية. ملف طباعة المناهج الدراسية تحوّل إلى ماكنة لنهب المال العام، حيث يتم تغيير المناهج سنوياً دون مبرر علمي واضح، مما يؤدي إلى إتلاف النسخ القديمة وتبرير إبرام عقود طباعة جديدة ومستمرة.

وزير أُحيل إلى المحكمة الجنائية بتهم فساد تتجاوز 21 مليار دينار. وفي احدى المحافظات، كُشفت عملية اختلاس أكثر من مليار دينار من مخصصات التربية. هذه ليست حالات فردية. هذه منظومة فساد تغذيها المحاصصة والمحسوبية والنفوذ السياسي. الوزارات والجامعات تعاني من المحسوبية والرشوة والتأثير السياسي، وشهادات مزورة تُهدد قيمة الشهادات الحقيقية.

 أرقام صادمة تفضح تخاذل الدولة

العراق ينفق أقل من 6% من ميزانيته الوطنية على التعليم، مما يضعه في أدنى مرتبة بين دول الشرق الأوسط. بينما يخصص 11.5% فقط من موارده للإنفاق التعليمي العام، وهو أقل بكثير من التزام 15-20% المطلوب في إعلان إنتشون. في المقابل، تنفق سنغافورة 13.3% من ميزانيتها على التعليم، وتنفق فنلندا بسخاء على كل طالب من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة.

الفرق ليس في الموارد. العراق بلد نفطي غني. الفرق في الإرادة السياسية. الفرق في الرؤية. الفرق في الضمير.

 التعليم الشامل ليس تكلفة، بل استثمار

على القيادات العراقية أن تفهم أن التعليم الشامل والمجاني ليس عبئاً على الميزانية، بل هو أعلى عائد استثماري يمكن أن تحققه أي دولة. فنلندا، التي تقدم تعليماً مجانياً من الحضانة إلى الدكتوراه، هي من أكثر الدول ابتكاراً وتنافسية في العالم. سنغافورة، التي تستثمر بسخاء في تعليم مواطنيها، بنت اقتصاداً قائماً على المعرفة والتكنولوجيا. الصين، التي وسّعت تعليمها المجاني والإلزامي، تحوّلت إلى مصنع العالم ومركز الابتكار العالمي.

العراق الذي يملك أكثر من 45 مليون نسمة، غالبيتهم تحت سن الثلاثين، لا يمكنه أن يترك هذه الثروة البشرية الهائلة عرضة للجهل والفقر والتطرف. كل طفل عراقي لا يجد مقعداً في مدرسة مجانية هو خسارة للعراق. كل شاب عراقي لا يجد جامعة مجانية قريبة من بيته هو طاقة مهدرة. كل أستاذ جامعي يهمل تدريبه أو يُهجَّر أو يُهمَّش هو عقل مفقود للأبد.

 المطلوب هو إصلاح جذري لا تجميل

المطلوب من القيادات العراقية ليس خطابات ولا وعوداً، بل إجراءات جذرية:

أولاً: إعادة إحياء مبدأ مجانية التعليم في جميع المراحل، وإلغاء أي رسوم أو تكاليف غير قانونية تُفرض على الطلاب. التعليم حق، لا سلعة.

ثانياً: ضمان شمولية التعليم ببناء مدارس في كل منطقة، وإنهاء نظام الدوام الثلاثي الذي يُهين الطلاب والمعلمين على حد سواء.

ثالثا: تأميم الجامعات الاهلية او جعلها غير ربحية.

رابعا: محاربة الفساد في قطاع التعليم بلا هوادة، ومحاسبة كل من ينهب قوت أطفال وشباب العراق، من وزير إلى أصغر موظف.

خامسا: رفع نسبة الإنفاق على التعليم إلى 20% من الميزانية الوطنية، كما التزم العراق في المحافل الدولية.

سادسا: إعادة الاعتبار للمعلم والأستاذ الجامعي، وتحسين رواتبهم وظروفهم المعيشية، لأن من يربي أجيال العراق لا يجب أن يعيش في ذل.

 وفي النهاية.. العراق يستحق أن يعود

العراق الذي علّم العالم الكتابة، وبنى أولى الحضارات، وخرّج العلماء والأطباء والمهندسين، لا يمكن أن يقبل بأن يكون في ذيل قائمة الأمم المتعلمة. التعليم الشامل والمجاني ليس مجرد سياسة تعليمية، بل هو قرار وجودي لمستقبل العراق. إما تعليم شامل ومجاني يرفع العراق إلى مكانته الطبيعية بين الأمم، أو فساد وتعليم خاص يعمّق الجهل والطبقية والتخلف.

العراقيون يستحقون أفضل مما هم فيه. أطفال العراق يستحقون مدارس نظيفة وآمنة ومجانية. شباب العراق يستحقون جامعات قريبة وعالمية المستوى. العراق يستحق أن يعود. وعودته لا تبدأ من النفط، بل من الطفل الذي يحمل حقيبة مدرسية مجانية، ومن الطالب الذي يدخل جامعة مجانية، ومن المعلم او التدريسي الذي يكرّمه وطنه كما يكرّم أبطاله.

هذا ليس حلماً. هذا ما فعلته فنلندا. هذا ما فعلته سنغافورة. هذا ما فعلته الصين. هذا ما فعلته السويد وكل دولة تحترم شعبها. فلماذا لا يفعلها العراق؟

***

د. محمد الربيعي

 

هناك لحظات لا يحدث فيها شيء.. لا خبر سيئا يصل، ولا كارثة تقع، ولا أحد يغادر، ولا شيء ينكسر أمام أعيننا.

ومع ذلك نشعر، بطريقة غامضة، أن شيئا في الداخل قد انطفأ.

نجلس في المكان نفسه الذي جلسنا فيه بالأمس، نرى الأشياء نفسها، نسمع الأصوات نفسها، نفتح الهاتف نفسه، نمر على الوجوه نفسها، وننجز ما اعتدنا إنجازه... لكن شيئا ما لا يعود يشبهنا.

لا نستطيع أن نسميه حزنا. ولا هو تعب. ولا هو اكتئاب بالضرورة.

إنه ذلك الشعور المراوغ الذي يجلس إلى جوارنا دون أن يتكلم:

الملل.

لكنني لا أعتقد أن الملل دائما يعني أن الحياة فارغة.

أحيانا يكون العكس تماما.

أحيانا يكون الملل هو اللحظة التي تكتشف فيها أن الحياة أصبحت أضيق من أسئلتك.. وأن المكان الذي اعتدت أن تسكنه لم يعد يتسع لك.

وأن الروتين الذي كان يمنحك الأمان بدأ يتحول إلى قفص.

وأنك لم تعد بحاجة إلى مزيد من الأشياء، وإنما إلى معنى جديد للأشياء الموجودة.

لهذا أعتقد أن الملل ليس دائما فراغا في الحياة.

أحيانا يكون احتجاجا صامتا على حياة لا تشبهنا.

ولكن لماذا نشعر بالملل؟

السؤال يبدو بسيطا، لكنه ليس كذلك.. فالإنسان يستطيع أن يشعر بالملل في أكثر الأماكن ازدحاما، وفي أكثر الأيام نجاحا، وحتى وسط أشخاص يحبهم.

وقد يعيش إنسان حياة شديدة البساطة دون أن يشعر بالملل، بينما يعيش آخر وسط السفر والعمل والناس والأحداث، ويشعر بأن كل شيء يتكرر.

إذن ليست كثرة الأشياء هي التي تهزم الملل. ولا ندرة الأشياء هي التي تصنعه.

ربما المسألة أعمق: علاقة الإنسان بما يعيشه.

حين تتوقف الحياة عن مفاجأتنا، يبدأ الملل.

وحين نتحول نحن إلى نسخ متوقعة من أنفسنا، يبدأ الملل.

وحين نعرف مسبقا ماذا سنفعل، وماذا سنقول، وماذا سيحدث، وماذا سيقوله الآخرون، تصبح الأيام متشابهة حتى لو تغيرت تواريخها.. يبدأ الملل

فالملل ليس أن يتكرر اليوم.

الملل أن يتكرر الإنسان داخل اليوم.

عند هايدغر، يصبح الملل أكثر من شعور عابر.

إنه حالة وجودية تكشف للإنسان شيئا عن علاقته بالعالم.

في الملل العميق لا يكون الشيء مملا بالضرورة.

قد لا يكون هناك شيء محدد نستطيع أن نشير إليه ونقول: هذا ما يزعجني.

كل شيء يبدو موجودا، لكن لا شيء يبدو قادرا على جذبنا.

العالم لا يختفي. بل يفقد بريقه.

الأشياء حولنا تبقى في أماكنها، لكنها تفقد قدرتها على استدعائنا.

وهنا تصبح تجربة الملل مرآة قاسية:

ربما ليست المشكلة أن العالم فقد معناه، وإنما أننا فقدنا علاقتنا بالمعنى.

ولهذا قد يكون الملل أحيانا دعوة إلى الاستيقاظ.

أن نسأل:

ماذا حدث لي؟

متى أصبحت الأشياء التي كانت تدهشني عادية؟

متى توقفت عن السؤال؟

متى تحولت الحياة إلى قائمة مهام؟

ومتى أصبحت أعيش لأن علي أن أعيش، لا لأنني أشعر أنني أعيش؟

أما شوبنهاور، فيأخذنا إلى منطقة أكثر تشاؤما.

فالإنسان، في رؤيته، يتأرجح بين الألم والملل؛ نريد شيئا، فنظل قلقين حتى نحصل عليه، ثم حين نحصل عليه يفقد بريقه، فنبدأ في البحث عن شيء آخر.

نرغب.

نسعى.

نصل.

نشبع.

ثم نشعر بالفراغ.

ثم نرغب من جديد.

كأن الرغبة هي التي تدفع عجلة الحياة، وكأن إشباعها لا يمنحنا دائما السعادة التي تخيلناها.

وهنا تكمن إحدى مفارقات الإنسان المعاصر:

لقد امتلكنا وسائل لا حصر لها لقتل الملل، لكننا لم نعرف بالضرورة كيف نعيش.

لدينا آلاف الأفلام، وملايين الصور، وموسيقى لا تنتهي، وأخبار لا تتوقف، وهواتف تستطيع أن تفتح أمامنا العالم كله.. ومع ذلك يمكن للإنسان أن يشعر بفراغ هائل.

لأننا أحيانا لا نحتاج إلى مزيد من المثيرات.

نحتاج إلى شيء يجعل وجودنا جديرا بالانتباه.

وهنا أصل إلى علاقتي الشخصية بالملل.

أنا لا أخاف الملل. ولا استسلم له

لكنني أتعامل معه كإشارة.

حين أشعر أن الأيام أصبحت متشابهة، لا أسأل نفسي:

بماذا أقتل الوقت؟

هذا السؤال في حد ذاته يزعجني.

لماذا نريد دائما أن نقتل الوقت؟

أليس الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا نستطيع استعادته؟

أنا أسأل سؤالا آخر:

ماذا يريد هذا الملل أن يقول لي؟

أحيانا يكون الجواب واضحا.

ربما أحتاج إلى تغيير.

ربما أحتاج إلى الابتعاد عن مكان أو شخص أو نمط حياة.

ربما عقلي يحتاج إلى سؤال جديد.

وربما أكون قد أمضيت وقتا طويلا في شيء لم يعد يضيف إلي شيئا.

لهذا لا أهرب من الملل دائما. بل أجلس معه.

أراقبه.

أتركه يتكلم.

فقد يكون الملل في بعض الأحيان أكثر صدقا من الانشغال.

الانشغال يستطيع أن يخدعنا.

يمكننا أن نملأ اليوم بالعمل والرسائل والمواعيد والضجيج، فقط كي لا نسمع السؤال الموجود في الداخل.

أما الملل فيجبرنا على مواجهته.

أنا أواجه الملل بالكتابة.

لا لأن الكتابة تسليني، وإنما لأنها تحول الفراغ إلى سؤال.

حين أشعر أن شيئا ما في داخلي يريد أن يتكلم، أكتب.

قد تبدأ الفكرة صغيرة جدا.

كلمة... مشهد.. سؤال.. جملة سمعتها... وجه مر في الشارع... شجرة وقفت أمامها.ثم يبدأ السؤال في النمو.

وهكذا يصبح الملل مادة خاما للفكر.

أحيانا أكتب لأنني لا أعرف ماذا أفعل.

ثم أعرف، وأنا أكتب، ماذا كان ينقصني.

وهذا أحد أسرار الكتابة بالنسبة إلي:

أنها لا تقتل الملل؛ إنها تستخرج منه معنى.

وأواجه الملل أيضا بالفضول.

أقرأ كأنني لم أعرف شيئا من قبل.

أذهب إلى فكرة لا أعرفها.

أفتح كتابا لا يشبه الكتب التي اعتدت قراءتها.

أدخل منطقة فكرية لا أعرف إلى أين ستقودني.

فالفضول هو العدو الطبيعي للملل.

الإنسان الذي ما زال يسأل لا يستطيع أن يكون مملا تماما، حتى لو كان جالسا في غرفة واحدة.

السؤال يفتح نافذة.

والفكرة تفتح بابا.

والدهشة تعيد للوقت حركته.

لذلك أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يشعر بالملل، وإنما أن يفقد فضوله تجاه العالم

وأحيانا أواجه الملل بأن أغير شيئا صغيرا.

لا أحتاج دائما إلى ثورة.. قد أغير المكان.. أمشي بلا هدف.أجلس وحدي.

ألتقي شخصا لم أره منذ وقت.

أقرأ شيئا مختلفا.

أعيد ترتيب المكان.

أذهب إلى مدينة احبها

أستمع إلى موسيقى قديمة. او الي اغنياتي المفصل

أجلس أمام البحر.

أمشي تحت المطر.

فالإنسان ليس آلة تحتاج دائما إلى إنجازات ضخمة كي تشعر بالحياة.

أحيانا يكفي أن نخرج من الطريق الذي حفظناه

لكنني أعتقد أن هناك مللا أعمق من ملل الروتين.

إنه ملل الوجود.

ذلك السؤال الذي لا علاقة له بما سنفعله مساء اليوم، وإنما بما نفعله بحياتنا كلها.

لماذا أعيش؟

إلى أين أمضي؟

هل ما أفعله يشبهني؟

هل أريد هذه الحياة فعلا؟

هل أعيش وفق اختياراتي أم وفق ما اعتدت عليه؟

هل أنا الشخص الذي أردت أن أصبحه؟

هنا يصبح الملل فلسفة.

لأنه لا يعود سؤالا عن الوقت، وإنما عن المعنى.

وربما لهذا كان كامو مهما في التفكير في الحياة.

فالإنسان يبحث عن المعنى، بينما العالم لا يقدم له دائما إجابة جاهزة.

وهنا تظهر العبثية.

لكنني لا أرى أن اكتشاف العبث يجب أن يقودنا إلى الاستسلام.

ربما العكس.

ربما حين نكتشف أن الحياة لا تقدم لنا معناها جاهزا، تصبح مهمتنا أن نصنع معناها بأنفسنا.

أن نكتب.

أن نحب.

أن نفكر.

أن نترك أثرا.

أن نعيش رغم عدم وجود ضمانات.

أن نصنع من وجودنا إجابة شخصية على سؤال الوجود

أحيانا أتساءل:

هل نحن نمل لأن الحياة لأن توقعاتنا منها أصبحت ضخمة إلى درجة يستحيل معها أن ترضينا؟

نريد حياة استثنائية.

نري أن يكون كل يوم ممتعا.

نريد أن نكون سعداء طوال الوقت.

نريد النجاح والحب والسفر والإنجاز والدهشة.

ثم نتفاجأ بأن الحياة تحتوي أيضا على أيام صامتة، وأيام متشابهة، وأيام لا يحدث فيها شيء.

لكن ربما هذا طبيعي.

فليست الحياة حفلا متواصلا.

وليست كل لحظة مطالبة بأن تكون عظيمة.

هناك أيام مهمتها الوحيدة أن تمر.

وهذا لا يعني أنها بلا قيمة.

قد يكون الهدوء نفسه جزءا من الحياة.

وقد يكون الفراغ أحيانا مساحة يتنفس فيها العقل.

ولهذا لا أريد أن أحارب كل ملل

أخطر أنواع الملل، في رأيي، هو أن يعتاد الإنسان حياته إلى درجة يتوقف فيها عن السؤال إن كان سعيدا.

أن يقول: هكذا هي الحياة.

هذه الجملة القصيرة قد تكون قبرا كاملا.

هكذا هي الحياة؟

ومن قال؟

ومن قرر أن الطريق الذي نمشي فيه هو الطريق الوحيد؟

ومن قال إن ما اعتدناه هو ما نريده؟

ربما يكون جزء كبير من نضج الإنسان هو أن يجرؤ، بين حين وآخر، على أن ينظر إلى حياته من الخارج.

أن يسأل نفسه:

لو التقيت نفسي اليوم لأول مرة، هل سأختار أن أعيش هذه الحياة؟

السؤال مؤلم.

لكنه ضروري

وأعتقد أن المرأة التي أكونها اليوم لا تستطيع أن تعيش طويلا في حياة مغلقة.

أنا بطبيعتي أحتاج إلى الحركة الفكرية.

أحتاج إلى الكتابة.

إلى السؤال.

إلى الاختلاف.

إلى الكتب.

إلى الناس الذين يضيفون إلي شيئا.

إلى الأفكار التي تزعج يقيني.

أشعر بالاختناق حين يصبح كل شيء متوقعا.

حين تصبح الكلمات محفوظة.

والحوارات مكررة.

والأيام نسخة عن أيام سابقة.

لذلك ربما لا يكون عدوي الحقيقي هو الملل.

عدوي الحقيقي هو الجمود.

فالملل يمكن أن يكون بداية حركة.

أما الجمود فهو أن أشعر بالملل ثم أقرر أن أعيش معه.

أن أعرف أن شيئا ما لا يشبهني ثم لا أغيره.

أن أشعر بأن حياتي تضيق ثم أتعلم كيف أتنفس في الضيق.

أن يصبح الاعتياد بديلا عن الحياة.

وهذا ما اريده

أريد أن أظل امرأة يمكن أن تغير رأيها.

يمكن أن تتعلم شيئا جديدا.

يمكن أن تبدأ مشروعا جديدا.

يمكن أن تكتب عن موضوع لم تكتبه من قبل.

يمكن أن تذهب إلى مكان لم تذهب إليه.

يمكن أن تكتشف في نفسها منطقة لم تكن تعرفها.

لا أريد أن أصبح سجينة النسخة التي صنعتها عن نفسي.

حتى صورتي عن نفسي أريد أن أترك فيها نافذة مفتوحة.

فربما تكون الحياة الحقيقية هي تلك المساحة التي لم نكتشفها بعد في أنفسنا

والملل، في النهاية، ليس دائما عدوا.

وأحيانا يكون الملل رسول غامض يجلس أمامنا ويقول:

لقد انتهى شيء.

كيف أتخلص من الملل

ربما تكون الحياة الممتعة هي التي نظل فيها قادرين على رؤية ما يحدث.

أن نرى الضوء على جدار.

أن ننتبه إلى صوت المطر.

أن نسمع جملة فتوقظ فينا فكرة.

أن نقرأ كتابا فنكتشف أننا لسنا الشخص نفسه بعد الصفحة الأخيرة.

أن نجلس مع شخص فننسى الوقت.

أن نحب شيئا دون أن نحتاج إلى تبرير حبنا له.

أن نستطيع أن نقول:

اليوم لم يحدث شيء عظيم.

لكنني كنت حاضرة.

وهذا يكفي.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مفهوم مُصطلحيّ الأصالة والمعاصرة كما فسّره لنا أقطابُ الأدب، وفقهاء اللغة، وصناديد ُالفِكر، وفرسانُ الثقافة، والإبداع على مصاطب العِلم، وفى حلقات الدرْس وما جاء مبثوثاً فى بطون كتب وأسفار المصادر، ومظانّ المراجع التاريخية، والأدب، والنقد، والفكر، والعِرفان.. بعيداً عن السياسة وبمنأى عن أهوالها وويلاتها.. يطيب لي بادئ ذي بدء أن ألفت نظر القراء الكرام أنّ هذا المقال لا علاقة، ولا صلة له إطلاقاّ من قريبٍ أو بعيد بالسياسة أو بالأحزاب السياسية من أيّ لونٍ كانت، خاصّة، والبلاد عاشت مؤخراً فى خضمّ أوار، وأتون الحملات الإنتخابية المستعرة للأستحقاقات التي شهدها المغرب فى الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الفارط 2026.

حزب الصّداقة الخالصة!

 ينبغي أن أنهي إلى وطيد علمكم - بهذه المناسبة - بادئ بدء أنني لم أنتمِ قطّ فى حياتي لأيِّ حزبٍ سياسيٍّ فى بلادنا، وإن كانت تربطني صداقات حميميّة متينة مع العديد من الأعضاء، والمنتمين أو المسيّرين أو زعماء بعض هذه الأحزاب الكبرى في بلادنا حيث كنت وما زلت أنشر مقالاتي، ودراساتي بين الفينة والأخرى فى صُحفهم وجرائدهم، ولا أخفي عنكم سرّاً إنْ أنهيتُ إلى علمكم أيضاً أنه قد عُرض عليّ فى العديد من المناسبات الإنتماء إلى بعض هذه الأحزاب منذ سنوات بعيدة خلت إلى يومنا هذا المشهود، حيث زارني بعضُهم لهذه الغاية خلال تأدية مهامّي كملحق صحفي، ومستشار سياسي، وثقافي، ووزير مُفوّض، ثمّ كقنصل عام، وسفير مفوّض وفوق العادة فى بعض مقارّ عملي بقصلياتنا، وسفاراتنا فى مختلف البلدان التي عملتُ بها، ولكنني كنت دائماً أعتذر بلطف للجميع.. ! وكنت فى تدوينةٍ سابقة قد أنهيتُ إلى علكم أنَّ الحزبَ الوحيد الذي أتنمي إليه حقيقةً هو (حزب الصّداقة الخالصة التي تربطني بكم جميعاً معشر لقراء الكرام والقارئات الكريمات) ويملأني ذلك فخراً، وزهواً، ونخوةً وإعتزازاً.. وما أكبرَ، وما أعظمَ، وما أوسعَ، وما أشسعَ قاعدة حزبنا الصّلبة التي تغطيّ مختلفَ أنحاء المعمور فى مشارق الأرض ومغاربها، وهي تضمّ تحت فضائها الوريف مختلف الجنسيّات، والأصول، والجذور، والملل، والنّحل، والإثنيات، والأعراق الذين أكنّ لهم ولهنّ جميعاً كلّ المودّة، والتجلّة، والتقدير. بعد هذه التوطئلة انتقل الى القول:

كما هو فى علمكم وعلم الجميع أنّ صفوةٌ من النُخبٍ السياسية فى مجتمعنا المغربي أمعنت منذ سنوات بعيدة خلت على إستعمال مُصطلحيْ الأصالة والمعاصرة -المُثقليْن بحمولةٍ وِقْرِيّةٍ، وَسَقيّةٍ هائلة تنوءُ بكاهلِ حامليها حضاريّاً، وتراثيّاً، وروحيّاً، وثقافيّاً، وفكرياً، وتاريخيّاً، وعوائديّاً، وأدبيّاً، وشعريّاً، ولغوياً وسواها- دأب هؤلاء وألئك على إستعمال هاذين المُصطلحين فى صُلب أهوال السياسةوويلاتها، التي قد يَنظرُ إليها غيرُ قليلٍ من النّاس بنوعٍ من التلكّؤ، والشّزر، والإزدراء، والإرتياب، فى حين قد ينظر إليها آخرون بقدرٍ باهظٍ من الإعجابِ، والإعتزازِ، والزّهوِ، والفخار.. ! فكلّ شئٍ يظلُّ نسبياً فى عُرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرتْ أنشتاين! وقديماً قال أحدُ العارفين: مَنْ تسيّسّ ولم يتسلّق، فقد أخفقَ، ومَنْ تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنّه مَنْ تفقّه ولم يتصوّف، فقد يتفسّقَ، ومَنْ تصوّف ولم يتفقّه، فقد يتزندقَ، ومَنْ جمعَ بين هذه المعاني، والأماني، والمثاني جميعِهاً فقد تحقّق…! إنّهم هؤلاء وأولئك الذين:

(يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْراً وتـارةً / يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ).. !

موضوع سال من أجله مداد غزير فى ثقافتنا، له صلة مباشرة بما يُنعَتُ إصطلاحاً بالثابت والمتحوّل، أو الأثيل والدخيل، أو الأصيل والمعاصر، أو الوافد والتليد، أو الإتّباع والإبداع، فهناك من يتشبّث بالأصول لا يرضى بها أو لها بديلا تحت ذريعة حفظ الهويّة والجذور، وهناك من يعانق كلَّ جديدٍ وافدٍ كَسِمَةٍ وعلامة من سمات أو علامات الإنفتاح، والتطوّر، والحداثة، والعصرنة، بمعانيها الواسعة، وهناك من يحاول الجمع، أوالتقريب بين هاذين التيارين الذين يبدوان للوهلة الأولى وكأنّهما يقومان على طرفي نقيض. وينطبق هذا على مختلف مجالات الفكر، والثقافة، والآداب، والعلوم، والشّعر، والشريعة، واللغة ومعظم المجالات، والمفاهيم، والسلوكيّات التي أضحت تتحكّم فى حياتنا العصرية فمصطلح الثابت معناه الرّسخ أو الرّاسخ، أو القارّ والمستقرّ، ومعناه الديمومة، والإستمرارية، والملازمة، والمكوث، والبقاء، وجاء فى مُحكم التنزيل: (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)، وأمّا مصطلح المتحوّل، أو المتغير، أو المتحرّك، أو المتنقّل فمعناه التحوّل، والتبدّل، والتغيير، أو التغيّر، و جاء هذا المعنى فى القرآن الكريم (إنّ الله لا يغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسِهم).

بين مفهوميْ الثّابت والمُتحرّك

الثابت والمتحوّل، يفضيان إذن إلى ما يُعرف بالاصالة والمعاصرة، أو بالقديم والحديث، أوبالمطلق والنسبي، أو بالموروث والحداثة.ويؤكد غير قليل من الباحثين أنّ الجدلية بين ثقافة المجتمع وقيمه لا يمكن أن تنفصم، وكلّ ثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع السائدة فيه هي ثقافة منبوذة، وعليه فإنّ أيَّ مجتمعٍ أيّاً كان لا يمكنه أن يتأقلم مع ثقافات أجنبية دخيلة أو وافدة عليه تتنافى أو تتجافى مع القيم الأصيلة لهذه المجتمعات أو هذه الثقافات.

وليس معنى التشبّث بالثقافة الأصلية إهمال ثقافة الآخر، وعدم الاطلاع عليها والإفادة منها، بل إنها تعني العودة إلى الأصول، والإغتراف من الينابيع الأولى أيّ الرجوع إلى (الأصل أو الأثل) بمعناهما الواسع. مع ضمان المرونة والإنفتاح.

وما فتئنا نشهد معاركَ كلامية ساخنة، ولا أقول طاحنة إلى يومنا هذا بين مُسمّيات، ومُصطلحات لغوية متعددة ولكنها تصبّ فى آخر المطاف فى معنىً واحد، وهي طالما وردت وكرّرت وإنثالت على ألسن مختلف الدّارسين فى مختلف ربوع وأصقاع العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف، مثل مصطلحات من باب (التقليد والتجديد، والأصيل والدخيل، والمحافظة والتحديث، والجمود، والجموح، والتحرّر، والإنعتاق، والرجعية والتقدمية، والأنا والآخر، والقيد والإنطلاق، والإنسية والإستلاب، والوافد والتالد، والمحليّ والعالمي، والقديم والجديد، والتراث والحداثة.. إلخ.

ويؤكّد الناقدان الانجيزيان ريتشارد وأوغدن Ogden and Richardsفى كتابيْهما الذائع الصّيت فى معنى المعنى The Meaning of Meaningأنّ الثقافة مثل اللغة (مخلوقٌ حيٌّ يدبّ على قدميْن) وهي ليست جامدة، أو هامدة بل إنها فى تبدّل وتطوّر دائميْن، وهي فى نموّ مطّرد، وتغيّر متواصل. وإلقاء نظرة على تاريخنا وثقافتنا ولغتنا فى مختلف العصور يؤكّد لنا مصداق هذا القول. فالإنفتاح الذي طبع ثقافتنا هو الذي كفل لها الغنى والثراء، والإستمرارية، والتطوّر الذين تتميّز بهما اليوم، متشبّثة بماضيها التليد، وقائمة على حاضرها العتيد، ومنفتحة على غدها الواعد.

كلمة ¨أدب وتطوّرها عبر العصور

فلنتوقّف قليلاً فى هذا المجال عند كلمة الأدب بالذّات على سبيل المثال وليس الحصر كنموذج للتطوّر واالتحوّل اللذين تشهدهما اللغة نفسها، والكلمات والألفاظ التي تتالّف منها، فقد صار معنى كلمة الأدب يكتسب فى كلّ عصر مفاهيم جديدة لم يكن يعنيها من قبل، وهي من المصطلحات التي دارت حولها مناقشات عدّة. هذا ما أكّده لنا جهابذة الدارسين، والمدرّسين للأدب العربي، والنقد الأدبي بشكل مباشر فى حلقات الدّرس الذي كنّا نختلف إليها بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة ّ أمثال الدكاترة مصطفى الشكعة، وعبد القادر القطّ، وعزّ الدّين إسماعيل، ومصطفى ناصف، ولطفي عبد البديع وسواهم، من تلامذة تلاميذ طه حسين رحمه الله. فهذه الكلمة أدبعرفت عدّة مراحل أو أطوار لغوية، ففي الجاهلية إستعملت في كلامهم شعرًا ونثرًا بمعنى الدعوة إلى الطعام، ويستدلّ المؤرخون القدماء على ذلك بقول الشاعر المنكود الطالع، المأسوف على شبابه طرفة بن العبد :نحن في المشتاةِ نَدْعُو الجَفَلَى / لاتــرى الآدِب فينا يَنْتَقِر، (إنك لا ترى الدّاعي فينا إلى الطعام يخصّ شخصاً دون آخر)، ومنها اشتقوا كلمة (أدٌب – يأدٌب) بمعنى أعدّ أو صنع طعامًا، كما إشتقّت منها كلمة (المأدبة) جمع مآدب وهي الوليمة، أو الولائم.

وقد تحوّل هذا المعنى إلى قياس، فالضّيف أو الآدب إلى المأدبة غالبا ما يتّسم بأدب، وحشمة، وخجل، وخلق، والغريب أنّه فى لغة أو أمازيغية سكّان منطقة كتامة وضواحيها وأرباضها (الواقعة على الطريق الجبلية القديمة الرّابطة بين مدينتي تطوان والحسيمة)حيث توجد ثاني أعلى قمّة فى المغرب وهو جبل تدغين بعد توبقال، يُسمِّي بعضُهم الضيوفَ بهذا المعنى أيّ الخجولون ! فيقولون على سبيل الدعابة والمزاح: (إمْحَاشمَنْ ينقّين أوزرطيط) أيّ (الضيوف يقتلهم البّرد).. ! وهي منطقة معروفة بالبرد الشديد القارص الزّمهرير خلال فصل الشتاء على وجه الخصوص، ويقال عند أهل الرّيف فى هذا الصّدد بنفس المعنى: إنبجيونْ إنقّين أصمّيض.وهناك أبيات طريفة فى سياق آخرعن الضيف للصّوفي الشهير الحسين ابن منصور الحلاّج يقول فيها:

نديمي غيرُ منسـوبٍ / إلى شـــــــيءٍ من الحيفِ

سقاني مثلما يشــــرب / كفعل الضيفِ بالضيفِ

فلـــما دارت الكــأسُ / دعا بالنّطعِ و الســّــــيفِ

 كذا مَنْ يشربُ الرّاحَ / مع التنّين في الصّـــــيفِ

ولقد إستعمل الرّسول الكريم كلمة أدب فيما بعد فقال أدّبني ربّي فأحسن تأديبي .ثم إستعملت فى العصر الأموي بالمعنى الخلقي والتهذيبي، إلا ّأنه أضيف لها معنى تعليمي، فالمؤدّبون كانوا يعلّمون أبناءَ الخلفاء مختلف العلوم، والمعارف، والآداب، والأخبار. ثمّ أصبحت هذه الكلمة تعني (العِلم) الذي كان يطلق إبّانئذٍ غالباً على العلوم الدينية والفقهية إلخ.وقيل كلّ إناء يضيق بما فيه، إلاّ إناء العِلم فإنه يزداد إتّساعاً، ويُقال:مَنهُومَان لا يشبعان طالبُ علمٍ وطالبُ مال.!

وكان التعليم الأدبي فى العصر العبّاسي قائماً على الحفظ، والإجترار، والعنعنة، والرّواية، والنّسب، والشّعر، واللغة، ونحوها، فأطلقت على كلّ هذه العلوم، قال صاحب المقدّمة ابن خلدون الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كلّ علم بطرف.ثمّ صارت الآداب تطلق على فنون المنادمة وأصولها، إذ كانوا يعتبرون معرفة النغم، والأغاني، والسّماع من أرقى وأرقّ فنون الآداب، ثم إنفرد لفظ الأدباء بالشّعراء والكتّاب.ثم أصبح الأدب يرادف لفظ الثقافة، فالعلوم، والمعارف، والإنسانيات، والإجتماعيات، واللّسنيات، والفنون الجميلة كالموسيقى، والرّسم، والتصوير، والشعر، ومختلف مجالات الإبداع، تدخل في باب الأدب بمعناه العام والواسع اليوم.

اللّغات الأصلية والهويّات والأعراق

كنت قد نبّهت فى عدّة مقالات سابقة فى هذا المنبرالاعلامي الرّصين وفى سواه أنّ الدّفاع عن جذورنا، وأصولنا، وعن أصالتنا، وهويّتنا، وكياننا، أوإنفتاحنا، وتطوّرنا، لا ينبغي أن يثنينا، أو ينسينا، أو يقصينا، أو يبعدنا عن العناية، والإهتمام، والنّهوض، والدّفاع كذلك بشكل متوازعن عناصرهامّة، ورئيسية أخرى فى المكوّنات الأساسية، والأصلية، والأصيلة للهويّات، والإثنيات، والأعراق الوطنية الأخرى فى رقعتنا الجغرافية، وفى مختلف أنحاء المعمور، ففى حالة البلدان المغاربية على سبيل المثال، فإنّ اللغات الأمازيغية التي تعتبر من المكوّنات الأصليّة كذلك فى نسيجها الإجتماعي قد تعايشت جنباً إلى جنب مع لغة الضّاد فى تآخٍ، وتكاملٍ، وتناغمٍ وتلاحمٍ منذ وصول أو دخول الإسلام إلى هذه الرّبوع والأصقاع، والتأثّر والتأثير المتبادل ببينهما، فى مجتمعات إتّسمت بإستمرار بالعدّد، والتنوّع، والمرونة والإنفتاح، ليس على لغاتها ولهجاتها الأصلية المتوارثة وحسب، بل وحتى على اللغات الأجنبية الأخرى الدخيلة كالفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية، والإيطالية، والبرتغالية وسواها، وحسبي أن أشير فى هذا الصّدد إلى التعايش الذي كان قائماً بين هذه اللغات برمّتها، والذي لم يمنع أبداً فى أن يكون هناك علماء أجلاّء، وفقهاء جهابذة، وشعراء أفذاذ، فى هذه اللغة أو تلك من مختلف جهات ومناطق هذه البلدان، وكان المواطن من أصل عربيّ فى هذا السياق يفتخر ويتباهى بنخوة وشجاعة وأرومة إخوانه من البربر الأمازيغ، والعكس صحيح، قال قائلهم فى هذا الصدد متباهياً بجذرهم العريق: (وأصبحَ البِرُّ من تكرارهِ علماً / على الخير والنّبل والمكرمات). فالبِرّ (بكسر الباء) الذي يعني الخير والإحسان إذا كُرِّر مرّتيْن أصبح (بِرّبِرّ) أي البربر !.

وأعيد إلى الأذهان فى هذا المقام قولَ شاعرٍ آخر من الرّيف الوريف ينشد متحسّراً ومتألّماً على حاضرته التي إندرست، وإندثرت، وتلاشت، وإمّحت، وزالت، وبادت بعد التعايش الزّاهر، والإزدهار المتألّق اللذيْن عرفتهما مدينته من قبل، مستعملاً ثلاث لغات فى بيتٍ واحدٍ من الشّعر، وهي اللغات: (العربيّة، والرّيفيّة، والسّودانية)، وهو خير دليل على توفّرعناصر التثاقف، والمثاقفة، والتمازج، والتعدّدية والإنفتاح التي كانت سائدة فى ذلك الإبّان فقال:

(أثادّرث إينُو مَانيِ العلومُ التي دَكَمْ / قد إندرستْ حقّاً وصارتْ إلى يَرْكَا).

وقيل إنّ الكلمة الأخيرة الواردة فى هذا البيت وهي يَرْكَا تعني باللغة السّودانية الله، وبذلك يكون معنى البيت:(أيَا دارِي أينَ العلومُ التي كانت فيك.. قد إندرست حقّا وصارت إلى الله)، ويذكّرنا هذا البيت ببيتٍ آخرشهير للبيد ابن ربيعة العامري الذي يقول فيه:

ألاَ كلُّ شئٍ مَا خَلاَ اللهَ باطلُ / وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ.

 الأصالة : تقتضي الإعتزاز بالإنتماء، والتشبّث بالأصول، والتعلّق بالجذور، والتراث، والعودة إلى الينابيع الأولى، فالشجرة الكبيرة أو الدّوحة العظمى الضاربة جذورها فى عمق الثرى لا يمكنها أن تقتلع من مكانها، وفى حال القيام بذلك تتعرّض للخطر، والموت، والهلاك، والتّوى.. وربّما لهذا يُقال إنّ الأشجار تموت واقفة …! وكذلك قولهم: (أخي إستقمْ فالشّجرُ ينمُو جِذعُه مستقيماً.. إذا إلتوىَ حاقَ به التّوىَ).

و المعاصرة: تعني إستساغة وهضم، وقضم، وفهم، والتقبّل، والإنفتاح على مستجدّات العصر، ومخترعاته، ومعطياته، ومستحدثاته، ومتغيّراته، ومعايشاته، أيّ المواءمة، أوالجمع، والتأليف، والتوليف، والموازنة، والمعانقة والمقاربة بين إرث ثقافي تليد (أصيل)، وبين حاضر حدثيّ عتيد (معاصر) بشكلٍ قريبٍ جدّاً من الكيّاسة ، وبعيداً بعيداً جدّاً عن السّياسة.. !

إذن.. نعود لنذكّر والذكرى تنفع المؤمنين.. ما جاء فى مستهلّ هذا المقال وهو أنّ صفوةً من نُخبٍ فى مجتمعنا المغربي أمعنت فى أيّامنا على إستعمال مُصطلحيْ الأصالة والمعاصرة – المُثقليْن بحمولةٍ وِقْرِيّةٍ، وَسَقيّةٍهائلة تنوءُ بكاهلِ حامليها حضاريّاً، وتراثيّاً، وروحيّاً، وثقافيّاً، وفكرياً، وتاريخيّاً، وعوائديّاً، وأدبيّاً، وشعريّاً، ولغوياً وسواها- دأب هؤلاء وألئك على إستعمال هاذين المُصطلحين فى صُلب أهوال السياسة وويلاتها، التي قد يَنظرُ إليها غيرُ قليلٍ من النّاس بنوعٍ من التلكّؤ، والشّزر، والإزدراء، والإرتياب، فى حين قد ينظر إليها آخرون بقدرٍ باهظٍ من الإعجابِ، والإعتزازِ، والزّهوِ، والفخار.. ! فكلّ شئٍ يظلُّ نسبياً فى عُرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرتْ أنشتاين ! وقديماً قال أحدُ العارفين: مَنْ تسيّسّ ولم يتسلّق، فقد أخفقَ، ومَنْ تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنّه مَنْ تفقّه ولم يتصوّف، فقد يتفسّقَ، ومَنْ تصوّف ولم يتفقّه، فقد يتزندقَ، ومَنْ جمعَ بين هذه المعاني، والأماني، والمثاني جميعِهاً فقد تحقّق…! إنّهم هؤلاء وأولئك الذين:

(يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْراً وتـارةً / يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ).!

وقديماً قال الشّاعر مُحقّاً:

دعنيِ والفخارَ بعزِّ قومٍ / ذهبَ الزّمنُ القديمُ بهمْ جميدَا

وشرُّ العالمينَ ذوو خمولٍ / إذا فاخرتَهم ذكرُوا الجُدودَا

وخيرُ النّاس ذو حَسَبٍ قديمٍ / أقامَ لنفسِه حَسَباً جَدِيدَا.

***

د. محمّد محمّد الخطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

......................

* تحريراً فى Torremolinos برج الطواحين مالقة فى الثاني من شهر اكتوبر 2026.

هناك شيء غامض في الإنسان يجعله لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يريد أن يعرف أن وجوده قد وصل إلى أحد.

كأن الحياة، مهما اتسعت داخلنا، تظل ناقصة ما لم نجد عينا أخرى ترى هذا الوجود، وعقلا يتوقف عند أفكارنا، وذاكرة تحفظ شيئا من أثرنا.

 نحن لا نريد دائما أن نكون عظماء.. أحيانا كل ما نريده هو ألا نعبر هذا العالم كأننا لم نكن

ربما لهذا لا تكون الشهرة، في جوهرها مجرد رغبة في الظهور.

إنها في بعض صورها صرخة وجودية خفية تقول:

أنا هنا... هل يراني أحد؟

فالإنسان لا يعيش داخل ذاته فقط، بل يعيش أيضا داخل نظرات الآخرين. نحن نعرف أنفسنا جزئيا من خلال الطريقة التي يستقبلنا بها العالم.

منذ اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه مرئي، يبدأ سؤال الاعتراف في التشكل داخله.

الطفل يبحث عن عين أمه، والعاشق يبحث عن نظرة تقول له: أنت مهم، والكاتب يبحث عن قارئ، والفنان عن متلقي، والمثقف عن مجتمع يسمع صوته.

تتغير الوجوه والمنصات والأشكال، لكن الحاجة القديمة تظل واحدة:

وهذا ما جعلني اطرح هذه الأسئلة

هل الشهرة رغبة في الاعتراف، أم محاولة لتعويض شعور عميق بعدم القيمة؟

هل نريد أن نكون معروفين، أم نريد أن نشعر بأن وجودنا له قيمة؟

وهل يمكن للكاتب والمثقف أن يستمتع بأن يراه الآخرون، دون أن يتحول إلى عبد لهذه النظرة؟

فقد تكون الشهرة نتيجة طبيعية للإنجاز حين يجد العمل الجيد طريقه إلى الناس. وقد تكون أيضا محاولة لترميم صورة مهزوزة للذات حين يصبح عدد المتابعين، وحجم الحضور، وكثرة الإعجابات هي المقياس

اعتقد ان الإنسان الذي يبحث عن الاعتراف لا يريد دائما أن يكون عظيما؛ أحيانا يريد فقط ألا يكون منسيا.. هو يريد أن يعرفه الناس لأنه قدم شيئا يستحق المعرفة

هو لا يريد أن يعيش فقط، بل يريد أن يعترف العالم بأنه عاش  وحقق انجازات

يريد أن يعترف الآخرون بحضوره، بجهده، بأفكاره، بموهبته، وبقصته.

وهناك من يحتاج إلى أن يعرفه الناس كي يشعر أنه يستحق الوجود.. وهنا تتحول الشهره الي سجن

نعم فالمشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراف من إضافة إلى الذات إلى شرط لوجود الذات.

حين يصبح الكاتب عاجزا عن الكتابة إذا لم يقرأه أحد.

وحين يصبح المثقف مضطرا إلى إثارة الضجيج كي يتأكد أنه ما زال حاضرا.

وحين يتحول عدد الإعجابات إلى مقياس للقيمة الفكرية.

وحين يصبح الصمت مؤلما لا لأنه صمت، وإنما لأنه يعني في وعينا أن أحدا لم ينتبه إلينا.

واعتقد ان المثقف أكثر عرضة لهذه المفارقة.

فهو يعمل في مجال لا يمكن قياسه دائما بالنتائج المباشرة. قد يكتب كتابا لا يقرأه أحد، أو مقالا لا يثير ضجة، أو فكرة تحتاج إلى سنوات قبل أن تجد طريقها إلى الوعي العام.

لذلك فإن الاعتراف بالنسبة إليه قد يكون مغريا بصورة خاصة.

أن يرى اسمه في الصحف.

أن يدعى إلى المؤتمرات.

أن يشار إلى أفكاره.

أن تقتبس عباراته.

أن يعرفه الناس.

كل ذلك ليس عيبا في ذاته.. لكن الخطر يبدأ حين يصبح المثقف أسيرا للصورة التي صنعها الآخرون عنه

وهذه لحظة خطيرة في حياة الفكر.

لأن المثقف الذي يكتب من أجل الحفاظ على صورته، لا يصبح حرا تماما.

قد يتجنب فكرة لأنه يخشى خسارة جمهوره.

وقد يكرر نفسه لأن الجمهور يحب النسخة القديمة منه.

وقد يتحول إلى أسير لعبارته الأشهر، أو كتابه الأكثر نجاحا، أو صورته التي صنعتها عنه وسائل الإعلام.

وهنا تتحول الشهرة من نافذة إلى قفص. او سجن

وجهه نظري أننا نحتاج إلى الآخرين، لكننا لا ينبغي أن نمنحهم مفاتيح صورتنا عن أنفسنا

للأسف العالم الرقمي جعل كل شيء قابل للقياس

المتابعون، المشاهدات، التعليقات، المشاركات، الإعجابات.. الانتشار

نعم قد تنتشر الفكرة لأنها بسيطة.

وقد تنتشر لأنها صادمة.

وقد تنتشر لأنها تثير الغضب.

وقد تمر فكرة عميقة بصمت طويل، ثم يأتي زمنها بعد سنوات.

ولهذا فإن ربط القيمة بالانتشار قد يكون واحدا من أكثر أوهام عصرنا قسوة

ربما الحل لا يكمن في أن نتخلى عن الشهرة، فهذا غير واقعي ولا مطلوب.

ولا يكمن في أن نتظاهر بالزهد فيها بينما نفرح بها سرا.

النضج أن نعرف مكانها الصحيح في حياتنا.

أن نفرح حين يصل عملنا إلى الناس، دون أن نربط قيمتنا بعدد الذين وصل إليهم.

أن نحب التقدير، دون أن نموت إذا غاب.

أن نسمح للآخرين بأن يرونا، دون أن نعطيهم الحق في تحديد من نكون.

أن نقبل النقد دون أن يهدد هويتنا.

وأن نحتفل بالنجاح دون أن يحول النجاح ذواتنا الي ذوات متضخمه

نعم نحتاج إلى أن يحبنا الآخرون، لكن لا ينبغي أن نكره أنفسنا حين لا يحبوننا.

نحتاج إلى أن يقرأنا الآخرون، لكن يجب أن تكون لدينا الشجاعة لتقبل النقد ومراجعة الأفكار

ربما ليست المسألة في أن يعرفنا العالم كله.

ربما يكفي أن نجد بعض العيون التي ترى حقيقتنا دون ضجيج.

بعض العقول التي تفهم ما نحاول قوله.

بعض الأرواح التي تشعر بأن وجودنا أضاف شيئا إلى وجودها.

وفي وجهه نظري ليست الشهرة هي أن يعرفك الجميع

الشهرة الحقيقية أن تترك في هذا العالم شيئا لا يموت تماما حين يغيب اسمك.

أن تكتب فكرة تجعل إنسانا يعيد التفكير.

أن تقول كلمة تمنح شخصا شجاعة.

أن تفتح نافذة في جدار مغلق.

أن تجعل عقلا أكثر حرية، وإنسانا أكثر قدرة على الاختيار، وحياة أكثر احتمالا.

فقد ينسى العالم اسمك، لكنه لا ينسى دائما ما غيرته فيه.

وهنا فقط يتحرر الإنسان من حاجته لأن يقول:

أنا مشهور، إذن أنا موجود.

الشهرة قد تمنح الإنسان حضورا في ذاكرة الناس، لكن الفكر وحده يستطيع أن يمنحه حضورا في وعيهم.

يكفي أحيانا أن نكون قد أضفنا إلى هذا العالم فكرة لم تكن موجودة، أو سؤالا لم يكن مطروحا، أو شجاعة في قلب إنسان، أو نافذة في عقل احدهم

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تُعدُّ رواية دون كيشوت واحدة من أهم الاعمال الروائية الطويلة عبر التاريخ الأدبي الإنساني. ولأنها نص عظيم الثراء فإنه مفتوح على الكثير من التأويلات الفكرية، وكثيراً ما يلفت نظر الباحثين صراع دون كيشوت مع طواحين الهواء، وهو صراع مبني على خيالاته المريضة ضد أعداء يسكنون وعيه ولكنهم غير موجودين في الواقع.

ولكن هناك أسئلة أكثر عمقاً نحتاج أن نطرحها هل القيم التي يدافع عنها صالحة لزمانه؟!! وهل أدرك كيشوت أن شروط تحقق هذه القيم متوفرة؟!! وهل النظام الاجتماعي والسياسي الذي أنتج قيم الفروسية مازال باقياً؟!!.

وعلينا أن نطرح هذه الأسئلة على المثقف الذي يُقدِّم نفسه كفارس نبيل يدافع عن القيم والاخلاق والهوية لذلك يتحصن هذا المثقف داخل بنية معرفية صالحة لإنتاج أوصياء على العقل والضمير والمجتمع.

قدم الفيلسوف اللبناني دكتور على حرب نقداً للمثقف الذي يحرس الأفكار لأنه في هذه الحالة تتحول الأفكار إلى أصنام ويتحول المثقف من شخص حر مُبدع للأفكار الجديدة إلى عبد لوثن الافكار القديمة.

بناءًا على هذه الرؤية نحن نناقش معاً هذه البنية المعرفية لدى هذا التيار الثقافي في مجتمعنا المصري الحالي.

أولاً: الاعتداد بالتفوق التاريخي على الغرب

يعيش هذا التيار على إستدعاء سياق تاريخي قد رحل، كان فيه السلوك الإستعماري الإمبراطوري أداة الامم والشعوب في السيطرة على الموارد الاقتصادية والطرق التجارية مع فرض ثقافة الأمة التي تمتلك أدوات القوة العكسرية ويحالفها الحظ في الانتصار علي الامبراطورية التي تسبقها في إحتلال الشعوب.

ومن داخل هذا السياق ظهرت قوة جديدة في القرن السابع الميلادي هى القوة العربية الإسلامية التي تمكنت من هزيمة الجيش الروماني في الكثير من أجزاء الدولة البيزنطية شرقاً وغرباً، كما أستطاعت أن تقتطع أجزاء من تحت سلطة الامبراطورية الفارسية.

فأحتلت الدولة العربية الإسلامية الوليدة مكان الدول الكبرى، ولم تعمل الدولة الإسلامية على تغيير البنية الإدارية المُستقِرة في تلك البلدان، بل على العكس تماماً إستاعنت بالكفاءات الإدارية من أهلها.

فلم تكن سمة الإمتداد الجغرافي تخص الدولة الإسلامية وحدها، بل كانت سمة الإمبرطوريات القديمة كلها، ونظرة سريعة للتاريخ تُثبِتُ لنا ذلك.

إذن هل الإستناد على الإمتداد الجغرافي والسياسي والعسكري للدولة الإسلامية كفيلاً أن يخلق حالة من الإعتداد بالذات لدى المثقف والشعور بالتفوق على الغرب؟!!

أم إنه واجب على المثقف أن ينظر إلى السياق التاريخي ويفهم شروط النجاح والفشل لكي يقدم قراءة موضعية للتاريخ بدل الإنحياز العاطفي؟!!

وهل يصلح إستدعاء سياق تاريخي قديم داخل السياق المعاصر، لإشباع النفس بشعورٍ زائف من التفوق على الغرب؟!!

ثانياً: تبني هوية مُغلَقة

يسعى هذا التيار إلى فرض هُوية مُغلَقة على المجتمع المصري، تحت مُسمى (الهوية الحضارية الإسلامية) وهذا التوجه يفرض نمط معرفي أحادي، لأن ركائز هذه الهُوية هى (الدين، واللغة، والتاريخ) وإذا أمعنا النظر سنجد أن هذه العناصر ليست سوى أدوات الجماعات المتطرفة لإستنساخ العقول.

أما الدين فبالضرورة هو الدين الإسلامي لأن الهوية الحضارية المُبتغاة هى إسلامية. وهذا يفرض سؤالاً كيف تتم معاملة غير المُسلِم داخل هذه البنية الهوياتية؟!!

حتماً قد تخطى المجتمع فقه أهل الذمة ولكن ستُنتِج هذه الحالة تمييزاً إجتماعياً داخل بنية العلاقات اليومية، لأن تغذية الشعور الجمعي للأغلبية بإمتيازها الديني يجعل الأغلبية تمارس الإستعلاء الديني على الآخر ومظاهر هذا الإستعلاء كثيرة.

أما اللغة فتكتسب قوتها داخل هذه المنظومة من كونها لغة القرآن الكريم، لهذا تصبح هذه اللغة مُقدَسة ويكتسب المُتحدِث بهذه اللغة قيمة أعلى داخل هذه المنظومة. وهذا ما رأيناه بوضوح عند جميع الجماعات المتطرفة التي يتحدث أفرادها باللغة العربية تفاخراً وإستعلاءاً.

والتاريخ المقصود هنا هو التاريخ العربي الإسلامي بحيث يتم تقديم رموز هذا التاريخ كأبطال وأولياء صالحين وهنا يتعذر على الوعي الجمعي إدراك الأخطاء البشرية التي مارسها هؤلاء الابطال فيصبح التاريخ العربي الإسلامي مُقدَساً بالضرورة.

وهنا نسأل المثقف الذي يحرس هذا التصور الهوياتي، كيف يَصلحُ أن تُقبَلُ هوية إقصائية وتؤثر على السلام الإجتماعي؟!!

كيف يتماهى تصور المثقف مع رغبة المتطرف الإقصائية؟!!

ثالثاً: إنتاج خطاب مُناهِض للحداثة

ليست الحداثة أو منتوجاتها العقلية تحمل صفة القداسة، ولم يدّعي يوماً أحد من مفكريها أنه معصوم من الخطأ بل أكبر ما تتميز به الافكار الحداثية إنها قابلة للنقد لكي يمكن تطويرها لأن العقل الحداثي لا يعترف بالجمود المعرفي الذي يحوِّل الأفكار إلى دوجما.

ولكن أن يقوم التيار الثقافي الدجمائي بوصم الحداثة والعلمانية، بإنها أدوات الغرب في الحرب على الإسلام، وتهديد الهوية الحضارية الإسلامية، وإشاعة الفساد الأخلاقي فهذا ليس نقداً موضوعياً لأنها إتهامات بدون تقديم تحليل للبنية المعرفية التى أنتجت الحداثة والعلمانية. كما لم يتم تقديم تحليل للبنية المعرفية التي أنتجتها الحداثة.

ولكن تلقف هذا التيار حادثة (جزيرة إبستين) للهجوم على الحداثة وتقديم مسوغات رفضهم لها على أساس أن هذا الفساد الأخلاقي هو نِتاج الحرية التي ينادي بها الغرب وهذا أدى إلى الإنفلات القيمي والأخلاقي، ولهذا قامت الأبواق الإعلامية والثقافية التي تنتمي إلى هذا التيار بإتهام المفكرين المصريين الذين يدافعون عن حرية المرأة في مجتمع أصبح يراقب ويتجسس عليها ليضعها في إطار أخلاقي ماضوي، حتى أن ملبسها أصبح مثار نقاش وجدال ومنع، وتعالت صيحات منع الفتيات من الدخول إلى الجامعة بدعوى الكود الأخلاقي للمجتمع وقيم الحشمة وإحترام التقاليد والأعراف، وهذه جميعها أسباب تستدعي الوصاية على المرأة لحماية المجتمع من الإنحلال ولضرورة حفظ السلام الإجتماعي.

ولكن الحقيقة التي يخاف أن يقول بها هذا التيار أن وصايته على المرأة تأخذ سلطتها من تأويلات دينية وفقهية قديمة أُنتِجت داخل سياقات ثقافية وحضارية مغايرة تماماً للسياق الثقافي المُعاصر.

لذلك يتطوع مثقف من داخل هذا التيار الماضوي بإتهام الفلاسفة والمفكرين الذين دافعوا عن المرأة بإنهم يُنتِجون (خطابات العُري لتقويض السلام الإجتماعي) وإتهمهم بإنهم يتبعون خُطى الغرب لإفشاء العُري في المجتمع.

وفي الواقع لا يوجد مفكر مصري حر وفيلسوف أمين للعقل نادى بالعُري الجسدي، ولكن هم نادوا بالحرية الفردية والعمل على حماية الإنسان من الإستغلال ومحاولات التسليع الإستهلاكي، هؤلاء الفلاسفة يطالوب برفع الوصاية عن المرأة وهى دعوة قديمة بدأها قاسم أمين في نهاية القرن التاسع عشر من خلال كتابه الشهير (تحرير المرأة) ولم ينادي قاسم أمين بالعُري في كتابه ولكن طالته تهمة إنه يعمل على إفساد المجتمع أخلاقياً من أبواق التيار الماضوي الذي مازال يوزع نفس الإتهامات الجائرة والكاذبة على كل مفكر حر وفيلسوف حقيقي صاحب مشروع توعوي لإصلاح العقل المصري والعربي.

ولنا بعض الأسئلة هل حقاً ملابس المرأة المكشوفة تعمل على عدم الإستقرار المجتمعي؟!!

أليس هذا إختزال مُخّل لأسباب تقويض السلام الاجتماعي؟!!

أليس هذا إلهاء للعقل وتشتيت للانتباه بعيداً عن الأسباب الحقيقية لتقويض السلام المجتمعي؟!!

للاسف الشديد دائماً جسد المرأة وحياتها محط إهتمام ووصاية التيار الماضوي.

إذن نحن أمام تيار ايديولوجي يتدثر بثياب المثقفين لحراسة الافكار الماضوية التي هى أوهام تعيش في مخيلة هؤلاء فقط، وإنه لمن العجب العجاب هو تجاهل التجربة التاريخية الطويلة لهذه الافكار ولمنظومة القيم التى أنتجتها داخل سياقاتها التاريخية.

***

بقلم: اشرف منير رمزي

 

كان الخلاف بين المفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935 - 2003) والمستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس (1916 - 2018) أكثر من مجرد اختلاف بين مفكرَيْن حول تفاصيل تاريخية. كان خلافًا حول الطريقة التي يُنظَر بها إلى الشرق، ونزاعًا حول السؤال الأعمق الذي يسبق كل كتابة عن الشعوب والثقافات، مَن يملك حق تعريف الآخَر، وبأيِّ لغة، ولأيِّ غرض؟. لهذا السبب ظلَّ اسم برنارد لويس حاضرًا بقوة في مشروع إدوارد سعيد النقدي، ولا سيما في كتابه الشهير "الاستشراق" الذي صدر عام 1978.

كان لويس مستشرقًا أكاديميًّا واسع المعرفة بالإسلام، وتاريخ الشرق الأوسط، واللغتين العربية والتركية. وكان سعيد ينتقد البنية الفكرية والسياسية التي رأى أنها سمحت لبعض أنماط المعرفة عن الشرق بأن تتحول إلى سلطة على الشرق. وهُنا تحديدًا يبدأ الخلاف الحقيقي.

يُمثِّل لويس تقليدًا استشراقيًّا أكاديميًّا يرى أن دراسة المجتمعات الإسلامية والعربية يمكن أن تقوم على البحث التاريخي واللغوي والوثائقي، وأن الباحث يستطيع عبر معرفة اللغات والنصوص والتاريخ أن يصل إلى فهم أكثر دقة للمجتمعات التي يدرسها.

أمَّا سعيد فكان يسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما لا تكون المعرفة منفصلة عن علاقات القوة؟، وهل يستطيع الباحث أن يصف مجتمعًا آخر وصفًا محايدًا تمامًا إذا كان هذا المجتمع قد خضع تاريخيًّا للاستعمار، وكانت الدولة التي ينتمي إليها الباحث جزءًا من منظومة سياسية تتعامل معه بوصفه موضوعًا للسيطرة أو الإدارة أو التدخل؟.

ناقشَ سعيد تقليدًا فكريًّا واسعًا امتد عبر الأدب والتاريخ والأنثروبولوجيا والسياسة والفنون والكتابات الاستعمارية، واستشهدَ بعدد كبير من المفكرين والكُتَّاب والمؤرخين. ولويس كان شخصية مهمة في هذا النقاش، لأنه لم يكن مجرد مستشرق كلاسيكي بعيد عن السياسة. لقد كتب عن الإسلام والغرب والشرق الأوسط في سياقات أكاديمية وسياسية متداخلة، وشاركَ لاحقًا في نقاشات عامة واسعة حول قضايا الشرق الأوسط والإسلام والسياسة الدولية، لهذا رأى سعيد أن التعامل معَ لويس مهم لفهم نموذج مُعيَّن من المعرفة عن الشرق.

اعتراض سعيد الأساسي يتجلى في اعتبار المشكلة ليست فقط في وجود أخطاء هنا وهناك، وإنما في الإطار الذي يجعل الشرق موضوعًا قابلًا للتعريف من الخارج بصورة متكررة ومتماسكة.

إذا أخطأ مؤرخ في تاريخ واقعة مُعيَّنة، يمكن تصحيح الخطأ بوثيقة أخرى. أمَّا إذا كان الخلاف متعلقًا بطريقة بناء صورة كاملة عن شعب أو حضارة، فالمسألة تصبح أعمق من تصحيح معلومة.

سعيد شديد الحساسية تجاه الكلمات التي تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تحمل تاريخًا كاملًا من التصنيفات. والحديث عن "الشرق" مثلًا ليس مجرد تحديد جغرافي. الشرق بالنسبة إلى سعيد لم يكن حقيقة طبيعية جاهزة تنتظر الباحثَ كي يكتشفها، إنَّه نتاج لتاريخ طويل من الكتابة والتصنيف والوصف والمقارنة.

في الأدبيات الاستشراقية القديمة، كثيرًا ما ظهر الشرق بوصفه نقيضًا للغرب. عاطفي مقابل عقلاني، تقليدي مقابل حديث، ساكن مقابل متغير، ديني مقابل علماني، وغير قادر على صناعة التاريخ بنفس الطريقة التي يُفْتَرَض أن الغرب يصنعه.

لم يقل سعيد إن كل مستشرق يكتب بالطريقة نفسها. بالعكس، كان يعرف أن بين المستشرقين اختلافات كبيرة، وأن أعمالًا كثيرة في دراسة اللغات والتاريخ والنصوص الإسلامية لا يمكن اختزالها في دعاية استعمارية. لكن ما يهمه هو النمط العام الذي يتكرر عبر أعمال مختلفة، الشرق يُقَدَّم باعتباره موضوعًا للدراسة، بينما يُمنَح الغرب موقع الذات التي تَدْرُس وتُفَسِّر وتَحْكم وتُعرِّف. ومن هنا جاء اعتراضه على لويس.

لَم يَقْبل لويس الصورةَ التي رسمها سعيد للاستشراق. ومن أبرز اعتراضاته "خلط" سعيد بين البحث العلمي والسياسة، وأنَّه يُحمِّل الدراسات الاستشراقية أكثر مما تحتمل.

بالنسبة إلى لويس، كانت هناك تقاليد علمية حقيقية في دراسة اللغات والوثائق والتاريخ الإسلامي، ولا يصح إلغاء قيمتها لأن بعض الحكومات الأوروبية استخدمت المعرفة بالشرق لأغراض سياسية واستعمارية. فليس كل من درس العربية مستعمرًا، وليس كل كتاب عن الإسلام جزءًا من مشروع إمبراطوري، وليس كل باحث غربي في الشرق أسيرًا لصورة نمطية عن العرب والمسلمين.

وفق سعيد، فإن المشكلة لم تكن في هوية الباحث وحدها، بل في العلاقة بين إنتاج المعرفة والبنية التي تَمنح هذه المعرفة سُلطة مُعيَّنة. وهُنا أصبح الخلافُ بين المفكرَيْن خلافًا على معنى الموضوعية نفسها.

من أكثر الأفكار تأثيرًا في مشروع سعيد أن المعرفة لا تُنتَج في فراغ. المؤرخ يختار موضوعًا، والباحث يختار الكلمات التي يستخدمها، والمؤسسة الأكاديمية تحدد ما يُعَدُّ بحثًا مشروعًا، والجامعة تُموِّل بعضَ المشاريع دون غيرها، والدولة تستخدم خبرةَ الباحثين في رسم سياساتها. هذا لا يعني أن كل معرفة زائفة، أو أن كل باحث يخدم السُّلطة عمدًا. إن المعرفة قد تكون علمية، وفي الوقت نفسه تعمل داخل علاقات اجتماعية وسياسية وتاريخية.

يرى سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد مجموعة من المعلومات الخاطئة عن الشرق، وإنما هو نظام متكامل من التمثيل. وفي هذا النظام يستطيع الغربُ أن يتحدث عن الشرق بصورة تمنحه موقع المتكلم، بينما يصبح الشرقي موضوعًا للكلام.

لذلك لم يكن سعيد مهتمًّا فقط بما يقوله لويس عن العرب والمسلمين، بل أيضًا بالموقع الذي يتحدث منه لويس، والسُّلطةِ التي يَمنحها ذلك الموقع لخطابه.

ظهر الخلاف أيضًا في الطريقة التي فسَّر بها كل منهما تاريخَ المجتمعات الإسلامية. كان لويس مهتمًّا بصورة خاصة بمسألة أسباب التراجع أو التأخر في العالَم الإسلاميِّ مقارنة بأوروبا. وفي عدد من أعماله ناقشَ العلاقة بين المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية وبين مسار التطور التاريخي في الشرق الأوسط.

سعيد اعتبرَ بعضَ هذه التفسيرات تُمثِّل ميلًا إلى التعامل معَ العالَم الإسلاميِّ بوصفه يَحمل في داخله أسبابًا بنيوية تفسر مشكلاته التاريخية، بينما يجري التعامل معَ أوروبا بوصفها المعيار الذي تُقَاس عليه الحداثة والتقدم.

وهنا ظهر خلاف كبير حول سؤال يبدو بسيطًا: لماذا لم تحدث الحداثة في العالَم الإسلاميِّ بالطريقة نفسها التي حدثت بها في أوروبا؟. يمكن أن يكون السؤال مشروعًا تاريخيًّا، لكن طريقة صياغته قد تقود إلى إجابات مختلفة تمامًا. هل المطلوب تفسير الاختلاف التاريخي بوصفه نتيجة مجموعة محددة من الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، أمْ أن الاختلاف يتحول تدريجيًّا إلى صورة ثقافية تقول إن هناك شيئًا في الإسلام أو العقل الشرقي يجعل المجتمعات غير قادرة على إنتاج الحداثة بالطريقة الأوروبية؟. كان سعيد شديد الحذر من الاحتمال الثاني. فإذا تحولت تجربة أوروبا إلى معيار عالمي وحيد، يصبح كل مجتمع آخر مجتمعًا ناقصًا ومتخلفًا بِقَدْرِ ابتعاده عن النموذج الأوروبي.

من أبرز ما يزعج سعيد في بعض الكتابات عن الشرق الميلُ إلى التعميم. فالعالَمُ العربي ليس مجتمعًا واحدًا، والمجتمعات الإسلامية ليست كتلة واحدة، والتاريخ العثماني لا يعني التاريخَ العربي، والتجربة الإيرانية ليست التجربة المصرية، ولا يمكن تفسير شمال أفريقيا بالطريقة نفسها التي يُفَسَّر بها تاريخ الجزيرة العربية أو بلاد الشام. لكن اللغة التي تتحدث عن "الشرق" بصورة واسعة قد تخفي هذه الفروق.

أراد سعيد إعادةَ التفاصيل إلى الصورة. كان يريد أن يُرى العربي باعتباره فردًا يعيش داخل مجتمع محدد، له طبقته ومهنته وتاريخه ومصالحه وصراعاته، وليس باعتباره مجرد تجسيد لـ "العقل الشرقي". وهذا جانب إنساني مهم في مشروعه.

أصبح الخلاف أكثر حساسية عندما انتقل من دراسة الاستشراق إلى السياسة المعاصرة، وخصوصًا القضية الفِلَسطينية. سعيد فِلَسطيني، وفِلَسطين جزء أساسي من تجربته الفكرية والسياسية. وكان يَرى أن تصوير العرب في الثقافة الغربية لا يمكن فصله بسهولة عن التاريخ السياسي للصراع العربي الإسرائيلي.

لويس من أبرز الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن الإسلام واليهودية والشرق الأوسط، واتخذ مواقف سياسية واضحة في قضايا الشرق الأوسط. وفي مراحل لاحقة ارتبط اسمه بنقاشات واسعة حول الصراع العربي الإسرائيلي، والسياسات الأمريكية تجاه المنطقة.

بالنسبة إلى سعيد، لم يكن الأمر خلافًا سياسيًّا عابرًا. كان يَرى أن الطريقة التي يُوصَف بها العربي في المجال الأكاديمي والإعلامي والسياسي تؤثر في الطريقة التي يُنظَر بها إلى حقوقه ومصالحه ومكانه ومكانته في العالَم.

حين يُصوَّر الفِلَسطيني مثلًا بوصفه مشكلة أمنية، أو كتلة بشرية مجهولة الهوية، تختفي من الصورة أسئلة التاريخ والاقتلاع والحقوق والذاكرة. وهُنا تصبح اللغة السياسية جزءًا من الصراع.

من أكثر الاعتراضات التي وُجِّهت إلى سعيد أنه لم يترك مجالًا كافيًا للاعتراف بالإنجازات العلمية للاستشراق. سعيد لم يكن يدعو إلى إغلاق دراسة الشرق في الغرب، ولم يقل إن تعلُّم العربية أو دراسة المخطوطات الإسلامية أمر عديم القيمة. بل كان نفسه أستاذًا جامعيًّا وناقدًا أدبيًّا شديد الاهتمام بالتاريخ والنصوص والثقافة. ما أراده هو تغيير العلاقة بين الباحث وموضوعه، أن يكون الشرق أكثر من مادة للبحث، ويكون له صوت، ويكون الناس الذين يُدرَسون قادرين على الاعتراض على الصورة التي يرسمها عنهم الباحثون، وأن يدرك الباحث أن معرفته ليست محايدة، وإنما لها ارتباط وثيق بالتاريخ والسياسة والموقع الاجتماعي.

رأى بعضُ منتقدي سعيد أن تركيزه على السُّلطة والخطاب يُقَلِّل من أهمية الأدلة التاريخية، والمناهج المتخصصة في فروع الدراسات الشرقية.

وفي المقابل، بقي سؤال سعيد قويًّا: هل تكفي الدقة العلمية في الوثائق واللغات إذا كان الإطار الذي تُرتَّب داخله هذه المعرفة يُنتج صورةً نمطية عن مجتمع كامل؟.

يمكن تلخيص جوهر اعتراض سعيد على لويس في عدة مستويات مترابطة:

1- رفضَ سعيد فكرة أن دراسة الشرق يمكن فصلها بالكامل عن التاريخ السياسي الذي تشكلت داخله الدراسات الاستشراقية.

2- اعترضَ على التعميمات الثقافية التي تجعل الإسلامَ أو العرب وحدات تفسيرية ضخمة بدل التعامل معَ التاريخ بوصفه سلسلة من المجتمعات والتجارب المتغيرة.

3- انتقدَ المقارنات التي تجعل أوروبا مِعيارًا ضمنيًّا للحداثة، ثم تُفَسِّر الاختلافَ العربي أو الإسلامي باعتباره عجزًا عن الوصول إلى ذلك المِعيار.

4- رفضَ الفصلَ الحاد بين الثقافة والسياسة، خصوصًا عندما يتعلق بالأمر بمنطقة ظَلَّتْ لفترة طويلة موضع اهتمام استعماري وإستراتيجي مباشر.

5- رأى أن مَن يكتب عن الشرق لا يستطيع تجاهلَ مسألة التمثيل، أي كيفية تحوُّل وصف الآخَر إلى صورة ثابتة عنه، ثم تتحول الصورة إلى حقيقة متداولة، ثم تُستخدَم هذه الحقيقة المُفترَضة في تفسير أفعاله.

لويس باحثٌ واسع الاطلاع، وغزير الإنتاج، ومتخصص في لغات وتاريخ المنطقة، وله تأثير كبير في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في القرن العشرين. وله قراءاته الخاصة للإسلام، وتاريخِ الدولة العثمانية، والعلاقاتِ بين العالَم الإسلامي والغرب، كما كان له حضور سياسي وفكري واضح خارج الجامعة. وهذا تحديدًا ما جعل نقد سعيد له مهمًّا. والرد على لويس لم يكن بالنسبة إلى سعيد مجرد خلاف أكاديمي حول تفسير نص تاريخي، وإنما هو جزء من معركة أوسع على حق تعريف المنطقة وسكانها وتاريخها. سعيد لم يكن يدعو إلى استبدال مركزية غربية بمركزية شرقية. أراد أن تُفْتَح مساحة تَسمح بتعدد الأصوات، وأن يُعامَل الإنسان باعتباره تاريخًا حيًّا لا نموذجًا ثقافيًّا جاهزًا. وهُنا تظهر قيمة نقده الحقيقية. فالاستشراق في نظر سعيد، لم يكن مشكلة لأن الغربي درس الشرقَ، بل لأن العلاقة بين "مَنْ يَدْرُس" و "مَنْ يُدْرَس" يمكن أن تتحول إلى علاقة غير متكافئة، خصوصًا عندما تتداخل المعرفة معَ القوة السياسية والعسكرية. ومِن هُنا، يصبح الاستشراق ليس خطابًا عن الشرق فحسب، وإنما أيضًا نظام لإنتاج صورة عنه تُسهِم في تثبيت موقع المُتحدِّث بوصفه صاحب المعرفة، وموقع الآخَر بوصفه موضوعًا لها.

رفضَ لويس أن تُختزَل الدراسات الشرقية في هذا الإطار، وأكَّدَ على قيمة البحث التاريخي واللغوي والوثائقي، ورأى أن كثيرًا من نقد سعيد للاستشراق يتجاهل الفروقَ بين البحث العلمي والدعاية السياسية.

وبَيْن الموقفين بقي سؤال مفتوح لا يمكن حسمه: كيف نكتب تاريخَ شعب آخَر دون أن نُحوِّله إلى صورة نحتاج نحن إليها؟. هذا السؤال هو الذي يجعل ردودَ سعيد على لويس تتجاوز شخصية الرَّجُلَيْن. فهي في جوهرها نقاش حول السُّلطة والمعرفة واللغة والتاريخ، وحق المجتمعات في ألا تكون مجرد موضوعات يكتب عنها الآخَرون.

قوة سعيد الأساسيَّة أنه أجبر القارئ على التوقف أمام شيء اعتدنا المرورَ به بسرعة، وهو أن الكلمات التي نصف بها الشعوب ليست كلمات عابرة، أو تجميعًا للحروف.

حين نقول إن مجتمعًا متخلف، أو تقليدي، أو عنيف، أو غير عقلاني، أو استبدادي، أو عاجز عن التغيير، فنحن نختار زاوية مُعيَّنة للنظر إليه. وقد تكون هذه الزاوية مفيدة في سياق، ومُضلِّلة في سياق آخر، وقد تتحوَّل معَ كثرة تكرارها إلى حقيقة تبدو بديهية وطبيعية وعادية، لا تحتاج إلى دليل ولا برهان.

لم يطلب سعيد مِنَّا أن نُصدِّق الشرقَ لمجرد أنه شرق، ولم يطلب أن نرفض الغربَ لمجرد أنه غرب. طلبَ شيئًا أكثر إزعاجًا وصعوبةً، وهو أن نَشُكَّ في الصورة الجاهزة، ونفحص اللغة التي نصنع بها الآخَر، ونسمح للتاريخ بأن يكون أكثر تعقيدًا من القوالب الجاهزة التي نضعه فيها.

أمَّا لويس، فبقي يُمثِّل في هذا السجال الطرفَ الذي يصرُّ على أن دراسة التاريخ لا ينبغي أن تُخْتَزَل في تحليل السُّلطة والخطاب، وأن معرفة اللغات والنصوص والمؤسسات والوقائع والأحداث تظلُّ أساسًا لا يمكن الاستغناء عنه.

وبذلك، فإن الخلاف بينهما لا ينتهي بمجرد اختيار اسم، والانحياز إليه. إنه خلاف بين طريقتين في النظر إلى المعرفة نفسها، طريقة تسأل أولًا ماذا حدث؟، وطريقة أخرى تسأل كيف أصبحَ ما نقوله عن الذي حدث ممكنًا، ومَن الذي امتلكَ سُلطة قَوله؟.

إن التاريخ يحتاج إلى الوثيقة، لكنه يحتاج أيضًا إلى الوعي باللغة. والبحث يحتاج إلى التخصص، لكنه يحتاج كذلك إلى وعي بموقع الباحث. والاختلاف بين الحضارات لا ينبغي أن يتحول إلى أحكام ثابتة عن طبيعة البشر.

رُبَّما كان أهم مبدأ يمكن استخلاصه من مشروع سعيد كُلِّه هو أن معرفة الآخَر لا تصبح أكثر إنسانية بمجرد أن نعرف عنه معلومات أكثر، وإنما عندما نتخلى أيضًا عن الحاجة إلى تحويله إلى صورة بسيطة يمكن السيطرة عليها، وفهمها من نظرة واحدة، لتحقيق منافع ذاتية ومصالح شخصية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

«إن الدين سينتصر لأنه يُسبغ المعاني على الأشياء»1.

تحليل فلسفي:

أول الكلام هو تصحيح النسبة والسياق الأصلي للعبارة:

قبل التحليل لا بد من ضبط المصدر لأن العبارة هي نقل وتلخيص لا اقتباس حرفي. النص الأصلي جاء في مؤتمر صحفي عقده "جاك لاكان" في المركز الثقافي الفرنسي بروما في 29 أكتوبر 1974 ونُشر لاحقا بعنوان Le triomphe de la religion (دار سيوي، 2005، بإشراف جاك-ألان ميلر) scienceshumaines.com.

الصياغة المؤكدة في المحضر الأصلي:

«يستطيع الدين أن يُعطي معنى - يمكن القول - لكل شيء معنى للحياة الإنسانية مثلا... والدين سيعطي معنى لأكثر التجارب غرابة تلك التي بدأ العلماء أنفسهم يشعرون تجاهها بشيء من القلق». أنتهى.

نفتتح القول بالتنبيه إلى نقطتين مهمتين وهو ما يمنح التحليل انطلاقة صحيحة:

1. قوله «سينتصر» ليست وعدا قاطعا بل ترجيحا بشرط.

لأن الصيغة الأصلية تقول: "إذا انتصر الدين كما هو الأرجح سيكون ذلك علامة على أن التحليل النفسي فشل".

هنا الشرط لم يتحقق بعد.

والمعلق على الشرط عدم عند انعدام الشرط.

أي أن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء الحكم أو المشروط لأن الشرط أساس لوجود المشروط فإن غاب الشرط يمتنع ويسقط وجود الشيء المرتبط به تماما.

مثال للتوضيح: وجود الأوكسجين شرط للأحتراق إذا انعدم الأوكسجين انعدم الاحتراق.

2. العبارة في الترجمة العربية تقابل منطقا ضمنيا عند لاكان: الانتصار ليس نتيجة قوة سياسية أو صدق ميتافيزيقي بل نتيجة وظيفة الدين وهي وظيفة إنتاج المعنى.

فالتحليل ينبغي ألا يُقرأ  كدفاع ديني "لاكان" كان ملحدا صريحا بل كان يعرف نفسه ساخرا بأنه «نتاج الكهنة».

ما يصفه "لاكان" هو ميكانيزم لا حقيقة لاهوتية.

لكن عن أي جزء من أجزاء «الدين» يتكلم "لاكان"؟

بالتأكيد هو لا يقصد العقيدة بل الآلة الرمزية للمعنى.

"لاكان" لا يقصد «الدين» بالمعنى العقدي التقليدي مثل: (إيمان، طقس، مؤسسة) بل يقصد وظيفة نفسية-رمزية: الوظيفة التي تعالج جرح المعنى في الوجود الإنساني. هنا نصل إلى الفهم الدقيق: الدين عند "لاكان" بنية لا مجموعة أطروحات.

فما هي بنية الدين عند "لاكان"؟

لفهم بنية الدين عند "لاكان" لا بد من فهم ثلاثيته:

أ: الرمزي: وهو نظام اللغة والقانون هو أصل مصدر المعنى بحكم كونه نظام الفوارق والاشارات. والرمزي هو ما يجعل الأشياء قابلة للفهم.

ب: المتخيل: هو نظام الصورة والتماهي وأيضا ميدان الوهم.

ج: الواقعي: هو ما يقاوم الترميز ويكدر أساريره لأن الواقعي صلب عصي على المعنى مثل: الفقد والموت والمرض والعدم. يجب أن نفهم أن الواقعي هنا ليس «الواقع» كما يعاش بل "حده" أي المواقف التي تحتاج إلى أجابة فأنت تأكل وتشرب وتنام هذه كلها واقع ولا تحتاج إلى تبرير لكن "حد الواقع" هي تلك المواقف التي تحتاج إلى أجابة كالموت والمرض والفقد والألم.

بهذه المقابلة يصير قول العبارة واضحا: المعنى نتاج (الرمزي-المتخيل) و"الحد الواقعي" هو الفجوة التي لا يسدها معنى وهذه الفجوة هي مثار الشك في كل دين.

ونتسائل لماذا يفشل الدين عند "الحد الواقعي"؟

خذ هذه الحدود: طفل يصاب بالسرطان أو يولد معاقا. عالم شاب يموت وهو في قمة عطائه كارثة طبيعية تقتل آلاف الأطفال والنساء.

هنا يعجز الرمزي والمتخيل في إيجاد الجواب فيلجأ إلى العجز المعرفي (حكمة) لا تعرف علتها!؟

فالرمزي في الدين مصمم لهذا العجز ليعالج ما لا يمكن تفسيره. وهذه هي الوظيفة المزدوجة للدين: إنتاج معنى + إخفاء الجهل.

ونسأل مرة أخرى لماذا «يُسبغ الدين المعاني على الأشياء»؟

والجواب هو: لأن "الحد الواقعي" عديم المعنى هذه هي نقطة المركز. إسباغ المعنى ليس ثرثرة بل مناورة وجودية حيث يشعر الإنسان بالفقد والقلق فيأتي الدين ويمنح المعنى لما لا معنى له وعزاء للحياة الإنسانية أمام الموت والعدم. لكن المفارقة الدقيقة: إسباغ المعنى يُخفي إن الإسباغ نفسه نتيجة بشرية تاريخية وهذا ما لا يلتفت إليه الكثير. فالدين يُغطي الواقعي بمنطق «كل شيء له معنى» وهنا ينسج الدين (بنية الوهم) لأنه حتى المتدين الذي يملك أدنى درجات الوعي يدرك "أن ليس كل شيء له معنى".

فيلوذ بجواب (حكمة لا يعرف معناها).

وهنا يظهر مفهوم القلق الوجودي فالرمزي في الدين وجد للخلاص من القلق الوجودي وهو يقايض هذا بمبادلة: عبادات وشعائر وخضوع مقابل معنى لإزالت القلق.

جدل المفارقة: العلم يوسع الواقعي فيزداد الدين قوة!

هذه أخطر نقطة و"لاكان" يقول: "خلافا لما ظُن منذ أوغست كونت العلم لا يحل محل الدين بل العكس   لأن العلم دائما سيدخل زلزالا بحيث سيكون لزاما أن يُعطى له معنى».

أقول تمام القول قول "لاكان" لأن العلم يؤكد الواقعي يوميا ويُنتج جديدا من خريطة الجينوم إلى الهندسة الوراثية والأستنساخ ويكتشف مجهولا - لم يكن في حساب الدين - من المجرات إلى الثقب الأسود فيثير قلقا.

والقلق هنا ليس شكا نظريا بل موقف وجودي العلم لا يستطيع أن يقول «ما معنى هذا لك» لأن بنيته بنية كمية - وظيفية لا بنية معنى. فيقفز الدين ليحتل الفراغ في دلالة الوجود لا في التفسير الفيزيائي.

فمقولة "لاكان" إذن ليست تقريرا بل نبوءة بنيوية: حيث ينتصر العلم موضوعيا يزداد موقع الدين وظيفيا.

هذا هو السر الكامن خلف صمود الأديان أمام أمواج العلمنة الحداثية. نؤكد مرة ثانية لا ينطلق "لاكان" في هذا الحكم من موقف لاهوتي مدافع عن العقائد وإنما يحلل ميكانيزمات العقل البشري والوظيفة التي لا يستطيع أي نسق آخر بما في ذلك العلم أن يؤديها بكفاءة مماثلة.

أما الترجمة الفلسفية الدقيقة لعبارة "لاكان" فهي: الدين لا ينتصر لأنه صادق صدقا ميتافيزيقيا بل لأن الإنسان لا يحتمل مواجهة "الحد الواقعي" بلا معنى.

***

سليم جواد الفهد

.....................

1. جاك لاكان، انتصار الدين مسبوق بخطاب إلى الكاثوليك، ترجمة: محمد الحاج سالم، ص7، 2023.

أسس الثورة العقلانية

ولد الإنسان وولدت معه حقوق طبيعي عليه أن يدافع عنها للحفاظ عليها وهي: حق الحياة، وحق الحريّة، وحق الملكيّة، وحق الكرامة الإنسانيّة، وغيرها من حقوق تحافظ على سعادة الإنسان وعدالته ومساواته.. الخ.

بيد أن هذه الحقوق راحت تتلاشى شيئاً فشيئا عند من حُرم من الملكيّة، أو من وقع أسيرا في الحروب، أو من استغل من قبل المنتج الذي لم يبق له سوى جهده يبيعه لم يدفع له حق لقمة العيش كي يستمر وجوده الشقي في هذه الحياة.

من هذه المقدمات قامت في العصور الوسطى انتفاضات (ثورات) للفلاحين ضد من استغلهم، كثورة الزنج الخرميّة والقرامطة في الخلافة العربيّة الإسلامية، ثم ثورات الفلاحين في أوربا، وهي ثورات كانت أجندتها تطرح: المطالب التي طُرحت آنذاك ويمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل الديمقراطية جوهرها بشكل عام، وإلغاء القنانة والامتيازات الفئويّة وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع، وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيويّة، ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ.

جاءت الديانات كي تحرر الإنسان من هذا القهر والعبوديّة والتشيىء، بيد أن القيمين على هذا الدين حرفوه لمصالح أنانية ضيقة تخدمهم وتخدم السلطان، فراحوا باسم الدين يستعبدون المفقرين ويأمرونهم بالرضا والطاعة لمن سيطر عليهم لأن ذلك قدرهم.

ثم جاء فلاسفة عصر التنوير في القرنين السابع والثامن عشر لإعادة النظر بالنسبة للعالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي. لقد طرح فلاسفة التنوير تيار المذهب العقلي، فقالوا إن المجتمع شأنه شأن الطبيعة، يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبيّاً ومتجانسة كيفيّاً، وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفيّاً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئياً (كذرات) اجتماعيّة من نوع ما، والذين يتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبديّة. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة أكثر تحديداً ودقة وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية)، وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع.

إن ما طرحه فلاسفة عصر التنوير من رؤى لفهم الطبيعة الفطريّة للمساواة في المجتمع، والتنظير لكيفية تجاوز عدم الاستقرار والتوازن في المجتمع، بطريقة هي أقرب بالتبشير والوعظ  منها إلى الفعل الثوري  جاء الفكر الثوري العقلاني النقدي ليقول: إن الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقيّة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع...إنها ثورة القوى الثورة التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجيّة الاستغلاليّة السابقة لوجودها، أو التي أوصلتها إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشيىء، والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجيّة جديدة يسود وتعم فيها العدالة والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون وعودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانيّة.

2- مدخل:

تشكل العصور الوسطى المتأخرة من الناحية الزمنية، واحدة من أكثر الفترات مأساوية بالنسبة لأروبا بشكل خاص. حيث شكلت هذه المرحلة محطة هامة من محطات احتقار عقل وروح وجسد جماهير هائلة من السكان ومئات الآلاف من المضطهدين من فلاحين أقنان وحرفي المدن والبروليتاريا التي كانت في مرحلتها الجنينية. فكل هؤلاء الذين أخذ الحقد يمتلكهم ضد مضطهديهم من النبلاء الاقطاعيين والكنيسة والملك، وامتلكتهم الرغبة في الخلاص من مضطهديهم هؤلاء، وإزالة أو تخفيف معاناتهم الطبقيّة بكل تجلياتها التي فرضها عليهم سادة ذلك العصر، هذه الرغبة التي ترافقت عملياً من قبلهم في انتفاضات الفلاحين، التي تحولت إلى حروب أهليّة حقيقيّة. مع الإشارات هنا إلى ان هذه الانتفاضات رافقها أيضاً نشر العديد من المؤلفات التي لا سابق لها من حيث الجرأة في فضح وتعرية السلطتين الدينيّة والروحيّة لذلك العصر. فمجموع المطالب التي طُرحت آنذاك يمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل الديمقراطية جوهرها بشكل عام، وإلغاء القنانة والامتيازات الفئويّة وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع، وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيويّة، ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ. (1).

بيد ان (الغريزة الديمقراطية) هذه كانت تصطدم بالثقافة أو المواقف الفكرية المحافظة للعصور الوسطى وأسرِ تقاليدها، وإن نجحت القوى الاجتماعيّة المتمردة على هذه الثقافة أحياناً بتخليصها من هذا الْأَسرِ، فما ذلك إلا بسبب التمردات الفوضويّة التي كانت تجري، وليس نتيجة مواقف عقلانيّة مدروسة ومخطط لها كما جرى لاحقاً عندما تشكلت الطبقة البرجوازيّة وأصبح لها منظروها من المفكرين والسياسيين.

3- سيطرة الأيديولوجيا الدينيّة في العصور الوسطى على حياة المجتمع والدولة:

لقد كان الدين في العصور الوسطى يمثل الأيديولوجيا الفعليّة الوحيدة، وبالتالي فإن أي فعل ديمقراطي يمكن أن يصدر عن الجماهير لم يكن ممكناً عمليّاً إلا داخل أفكار الأيديولوجيا الدينيّة أيضاً، أي على شكل هرطقة دينيّة بالنسبة للخطاب الديني الرسمي. فثوريو القرنيين الخامس عشر والسادس عشر كما هو شأن أعدائهم المدافعين عن الإقطاع، كانوا مخلصين للنطرة الدينيّة اللاهوتيّة تجاه العالم، حيث اعتقدوا أن هناك نظاماً الهيّاً معطى مرة واحدة وإلى الأبد، وعلى أساسه يُحكم المجتمع، وأن أي خلل يحدث في تطبيق هذا النظام سببه تعسف المضطهِدين وجهل المضطهَدين. والمهمة الأساسيّة تكمن عندهم في إزالة البدع والتحسينات الكاذبة التي دخلت على النموذج الاجتماعي العريق والمثالي والأسطوري.

أما الحل للخروج من هذه الهرطقة فهو إعادة تفسير النصوص الدينية المقدسة تفسيراً أكثر دقة، وهذا ما دفع قسم من رجال الكهنوت المسيحي الثوريين في القرن السادس عشر لاستخدام العقل والمنطق ضمن رؤية صوفيّة يمكن للرب أن يرسلها لمن يشاء حسب زعمهم. (2).

4- الأفكار الثورية للبرجوازية في عصر التنوير:

لم يكن بإمكان الصراع ضد الاضطهاد واستبداد الملك والاقطاع والدعوة إلى تحقيق العدالة والحرية الإنسانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن يصبح ناجحاً بدون تغيير النظرة إلى العالم، ففي مطلع القرن السابع عشر نشأت المقدمات الموضوعية في أوربا في إعادة النظر بالنسبة للعالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي. ففي ذلك الوقت أخذت تنتشر الرؤية النقديّة المنسجمة منهاجيّاً مجموع مجموع المفاهيم والتقاليد والعادات الدينية غير العلميّة للعالم. وقد أحرز هذا النقد في البداية نجاحات عظيمة بالنسبة لقضايا العلوم الطبيعيّة، وليس الاجتماعيّة، وكانت تلك القضايا مرتبطة بالدرجة الأولى بإدراك الطبيعة وطبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان. وفي مضمار هذا السير النظري جرى التحدي للنظرة الدينيّة التقليديّة للعالم بصورة ثوريّة، حيث ترك هذا التحدي تأثيراً كبيراً على تفكير الناس وعلى الحياة الروحيّة بأسرها. فنظريّة "كوبر نيك" حول مركزية النظام الشمسي زعزعت أحد الأسس الدينيّة الأسطوريّة اتجاه النظرة الدينيّة للكون، وهذا ينطبق على نظريّة "هارفي" حول الدورة الدموية وتناقضها مع التفكير الديني والتصورات الكنسيّة عن الإنسان والتشريح العضوي له. يضاف إلى ذلك تطور الرياضيات الكلاسيكيّة والميكانيك والتأكيد على إعطاء الثقة المطلقة بالعقل والخشوع للمنطق.

لا شك أن خصائص فلسفة (المذهب العقلي) التي أخذت تنتشر بشكل واسع راحت تترك آثارها المهمة على طابع الفكر الانتقادي في القرنين السابع والثامن عشر. وذلك بإعلان المذهب العقلي حيث اعتبر أن كل ما هو غير منسجم وغير متسق ومتناقض داخلياً، هو غير حقيقي، وبالتالي من هنا أصبحت العلاقات الاجتماعيّة والمؤسسات الاجتماعيّة التي لم يكن موجوداً في أطرها الانسجام الاجتماعي، وكانت تتكشف فيها التناحرات الاجتماعيّة موضعاً للانتقاد من قبل المذهب العقلي، لذلك أقر هذا المذهب العقلي بحوامله الاجتماعيّة تغيير هذه العلاقات والمؤسسات الاجتماعيّة. لقد افترض تيار المذهب العقلي، أن المجتمع شأنه شأن الطبيعة، يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبيّاً ومتجانسة كيفيّاً، وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفيّاً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئياً (كذرات) اجتماعيّة من نوع ما، والذين يتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبديّة. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة أكثر تحديداً ودقة وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية)، وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع. (3).

5- مقدمات انطلاق فلسفة التنوير:

لقد انطلقت فلسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر (فلسفة التنوير)، بصورة واضحة من المقدمة القائلة: بأن تطبيق الحريّة المدنيّة يعتبر أساساً كافياً لبناء المجتمع المثالي. وكان فلاسفة هذه المرحلة يفهمون الحريّة على أنها تحرر من الفروض الاقطاعيّة وقيود تقسيم المجتمع إلى فئات ومراتب، وكمساواة للناس أمام (القانون). لقد كانت فلسفة التنوير هذه تقصد حريّة العمل الاقتصادي، أي النشاط البرجوازي، وقد عكس هذا الاقتناع موضوعيّاً خصائص الممارسة الاجتماعيّة التاريخيّة في ذلك العصر، عصر تطور نشاط رجال الأعمال الرأسماليين. إلا أن فلاسفة عصر التنوير لمسوا طبقاً لأوهام المذهب العقلي في فهمهم للحريّة ومثالهم عنها بديهيّة يصوغها العقل الصرف للمفكر على حد زعمهم، عدا (روسو) الذي اعترف أن المساواة أمام القانون من السهل ان تصبح مساواة شكليّة وستاراً للثروة، فلمساواة الفعلية عنده لا يمكن ان تتحقق حيث يوجد الثراء والفقر، وحيث يوجد عدم المساواة في الملكيّة. أما الحل عنده فهو خلق مواطن صالح أخلاقيّاً، بعيد عن الأنانيّة والرغبة في الاقتناء الترفي. أليس هو من قال: (عندما قام أول شخص وسيج قطعة من الأرص وقال هذه ملكي وصدقة الناس، بدأ استغلال الإنسان للإنسان).

أما الحاكم الذي يعتبر المثل الأعلى لتحقيق السعادة والمساواة لشعبه فهو عند فلاسفة عصر التنوير ذو الثقافة التنويريّة الذي يعمل طبقاً لقوانين العقل.

لا شك أن فلاسفة عصر التنوير قد ساهموا في الإعداد للثورة الفرنسيّة الكبرى، وكانوا على ثقة كبيرة بأن المصدر الرئيس لأي اضطهاد اجتماعي، إنما يتمثل في سوء الاستخدام الواعي والإرادي من قبل بعض الناس أو الجماعات التي أخذت تنشأ نتيجة لعدم المساواة (الحقوقيّة) بين الناس، ونتيجة للتبعيّة المقننة تشريعيّاً بين المالك والمنتج، ولعدم وجود قوانين واحدة والزاميّة للجميع. لذلك اعتقدوا أنه يكفي الإلغاء الحقوقي للتبعية الشخصيّة وجعل جميع الأفراد في وضع واحد أمام القانون، عندها فقط تزول جميع أشكال الاضطهاد والنزاعات من تلقاء ذاتها في الحياة الاجتماعية.

6- طبيعة وجوهر المساواة الاجتماعيّة:

لقد أثبت التاريخ أن المساواة الاجتماعية أمام القانون لم تلغ عدم المساواة الاجتماعية في السوق الحرة. وأن إقرار المساواة أمام القانون لم يكن سوى بديلاً لمرحلة جديدة في الصراع الطبقي، وأصبح الاعتبار الحاسم في هذا الصراع هو عدم المساوة من حيث الْمِلْكِيَةَ وانقسام الناس إلى جماعات اجتماعية كبيرة تبعاً لحالة ومقدار الملكيّة العائدة لهم. كما أثبت التاريخ أيضاً أن (الثورة الفرنسيّة) التي مهد لها فلاسفة التنوير فكرياً لم تكن في النهاية إلا ثورة برجوازيّة، وقد شهدت نهاية الثورة بالمثال الاجتماعي المجرد الذي وضعه هؤلاء الفلاسفة، والذي اعتنقه بإخلاص الجمهور الثوري الذي كانت تحركه الغريزة الديمقراطيّة اولاً، ومن تأثروا بأفكار التنوير ثانياً. لذلك أظهرت الثورة الفرنسيّة المحدوديّة التاريخية لمجتمع العقل الذي وضع تصوراته آنذاك عن المجتمع الذي لم يكن عند فلاسفة التنوير الذين مارسوا دور هذا العقل ووضعوا تلك التصورات عن المجتمع، بأنه مجموعة ميكانيكيّة متوازنة من الأفراد، هم ليس أكثر من ذرات اجتماعية متجانسة تماماً ومتساوون مع بعضهم من الناحية القانونيّة الشكليّة.

7- ملاك القول:

إن التحولات الاجتماعيّة الحقيقيّة هي التي تعمل على إعادة بناء الدولة والمجتمع وفقاً للقوانين العلميّة الثوريّة التي يلعب فيها (العقل النقدي) دوراً فاعلاً في كشف القوانين الموضوعيّة والذاتيّة التي تتحكم في حركة الدولة والمجتمع، ومن ثم إعادة توظيف هذه القوانيين لمصلحة جميع أفراد والمجتمع، هذا الدور الذي يمارسه الفلاسفة الثوريون المؤمنون بحريّة الإنسان وعدالته، وهذا ما جعل ماركس يعوّل كثيراً على الفلاسفة الثورين عندما اناط بهم مسألة التغيير بقوله: ( آن للفيلسوف الان أن يبني هندسة المجتمع كما يبني المعماري هندسة البناء.). بيد أن ما يرسم له الفلاسفة لن يتحقق مالم تؤمن به الجماهير المضطهدة والمحرومة من العدالة والمساواة، هذه الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقيّة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع...إنها ثورة القوى الثورة التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجيّة الاستغلاليّة السابقة لوجودها، أو التي أوصلتها إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشييء، والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجيّة جديدة يسود وتعم فيها العدالة والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون وعودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانيّة. أي عودته من ضياعه في منتجاته وعلاقات الاستغلال والاستبداد القائم،  هذا الضياع الذي يعتبر أمراً حتميّاً، فهو ليس نتيجة ذنب ارتكبه الإنسان في حياته، بل هو النتيجة المؤلمة للانفصال الذي يحدث في مرحلة معينة من نمو الإنسان بين وجوده الواقعي ومنتجاته. إن الضياع هو الوجه الاخر المقابل للتموضع. فالإنسان يتموضع بصورة  دائمة، أي يوجد خارج ذاته، يتجسد في أشياء (يشيئ). والضياع يتخذ مصدره من الحياة الاقتصاديّة عندما يقوم الإنسان ببيع قوة عمله في السوق ولا يعود يخصه إنتاجه، ويتخذ وجوداً مستقلاً عنه. والحريّة بالنسبة لهذا الإنسان المتشيئ المعزول عن إنتاجه، لا تتحقق إلا بإزالة هذا الضياع والقوى المستبدة ومن يساندها ممن يعملون على استمرارية هذا الاستبداد وتجذيره في حياة القرد والمجتمع الماديّة والروحيّة.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

.....................

(1). (راجع كتاب الفلسفة العلمية والثورية – إصدار دار التقدم 1982- مجموعة من الباحثين السوفييت – ترجمة –فهد كم نقش- ص 25.).

(2). (المرجع نفسه- ص 27).

(3). (المرجع نفسه- ص 33).

رُبَما يَسْري وهمٌ إلينا أنّ التسابق المحموم إلى حيازة أكبر قدر ممكن من التصوّرات الصائبة كافٍ لحجزِ مكانةٍ لائقة في خانة الوعي ومَصافّ ذوي الوعي المتقدّم، ورغم أنّ ذلك قد يبدو للوهلة الأولى مُستساغا منطقيًا ومعقولا رياضيا، إلا أنه عند تفحّصه نجد أنه قد يكون مدمّرا، وليس قاصرا فحسب.

لن أتحدث عن أهمية استحضار مبدأ النسبية لدى تبنّي أي مفهوم مهما بدا رصينا متينا، بحيث نحافظ على درجة معقولة من هامش احتمال الخطأ؛ لتشييد أرضية صُلبة من الاستعداد للتغيير والتعديل، إذْ إنّ اعتبار النسبية قد تناولتُه في مناسبات عدة، ولا أملّ؛ لأهميته، ولكني أتحدث هنا عن ضابط آخر في غاية الخفاء والتمويه، ولكن قبل ذلك، لا بأس أن أؤسِّس لِمنطلَق نتفق عليه سويّةً يكون بمثابة بوابة لهذا الضابط الخفي.

إذا تَمَثّلْنا وعينا الذاتي فضاءً مفتوحًا من المفاهيم والتصوّرات الصائبة - في وجهة نظرنا - فلا بدّ أن نعي أن هذا الفضاء ليس ساحةً تتناثر فيه مفاهيمُنا وقناعاتنا التي تشكّل وعينا، في ثكناتٍ منعزلة ومستقلة عن بعضها البعض، كلا، بل هذا الفضاء ما هو إلا نسيج تربط بين مكوّناته - من التصوّرات والرؤى الخاصة بنا - وشائجُ متأصّلة الصلة ببعضها البعض.

ولعلي أقرّب ذلك بمثال لتتضّح الصورة التي أود أن أعْبُرَ بها من مُعتَمَلِ إدراكي إلى ساحة تفكيركم، فالصِلات الرابطة بين قناعات وعينا مهما بَدَت غير ذات صِلة ظاهرًا، ومترامية في شتّى زوايا وعينا، فهي كأجسام حديدية مُمَغْنَطة تسبح في حقل كهرومغناطيسي يربط فيما بينها وإنْ كان الرابط غير مرئي، وبما أنّ وجود الصِلة بالضرورة يستلزم وجود التأثير، فتحرُّك أي جسم حديدي مُمَغْنَط منها في هذا النسيج من القوى من شأنه أنْ يلقي بظلاله على البقية، وإنْ بتفاوت، ولكن ما الذي يعنيه هذا حينما نُسْقِطُه على نسيج الوعي؟

إنَّ تَبَنّي مفهومٍ ما يجب أن يتم بمقتضى هذا الفهم، وباستدعاءٍ جادّ لهذا الضابط، وهو أنّ التبنّي ينبغي ألا يكون بمعزل عن بقية المفاهيم الموجودة سَلَفًا، بل بما يتساوَق ويتماشى معها، بلا مغالاةٍ تجعل التقصير في الاعتناء بشبكة المفاهيم المتبنّاة ضريبةً يتحمّلها المرءُ، ويحسب ذلك التبنّي المسعور وعيا، وما هو من الوعي في شيء، على أني حين أتحدث عن التوافق مع شبكة المفاهيم فلا أعني عدم المساس بمفاهيمنا القديمة، فليس عن معيار التقدم الزمني أتحدث، فأكثر أزماتنا كامنٌ في مفاهيمنا البالية، بل عن مفاهيمنا الحالية التي ارتضيناها لأنفسنا، وارتأَيْنا صوابَها، وهي بالكليّة تمثّل شبكة وعينا، وعينا الحالي.

إنّ لكل مفهوم نتبنّاه تأثيرٌ متتابِع (Ripple Effect) وتداعيات متلاحقة على علاقتنا ببقية مفاهيمنا المُتَمَوْضِعة في حقول معرفية أخرى، يجب أن تُؤخذ في الاعتبار، وأنّ الاحتفاء المبالَغ فيه - خصوصا في البدايات - بمفهومٍ ما أو بضعة مفاهيم من شأنه أن يعطّل ما جنيناه من نتائج رائعة وحصدناه من تطور طال جوانب عدة في حياتنا، جَرّاءَ الوعي الذي أَكْسَبَتْنا إياه مفاهيمنا الموجودة سَلَفًا حتى تلك التي تمسّ قطاعاتٍ أخرى، وإذا كان ذلك كذلك فالمخاطرة الجذرية تكمُن في أنّ إغفال هذه الصلة، لا يقتصر ضرره على مفهوم آخر أو منطقة وعي أخرى فحسب، بل على شبكة المفاهيم بأسرها وإنْ على تفاوت في التأثير، وتراخٍ في الزمن؛ لأن الوعي شبكة، وعملية الوعي شبكية، وما يحصل في طرف الشبكة يصل إلى طرفها الآخر.

وحتى لا يبدو الطرح تنظيريًا جافًا، دعوني أستدعي أمثلةً حيّة أوضّح ما أعنيه واقعا، فَلْتتخيّل أنك للتوّ تبنَّيتَ مفهومًا يقضي بضرورة تحديد أولويّات المرحلة، فتعمَدُ؛ تَبَعًا لذلك إلى قطع بعض الإجراءات المرتبطة بمفهوم حاليٍ صحيح كذلك، رأسًا، بدون تدريج ولا مراعاة؛ لأنها ليست داخلة ضمن مفهومك الفَتِيّ (أولويّات المرحلة) وهذا الارتماءُ الفَجّ في تبنّي هذا المفهوم - الذي في أصله صحيحٌ - سيجرّ عليك تبعات سلبية، قد تكون على المَدَيَيْن المتوسط والبعيد إنْ لم يكن القريب.

ومثالٌ آخر، المغالاة في تبنّي مفهومٍ يقع في منطقة العلاقات، رغم أنه صحيحٌ جدا - لو جاز لي هذا التعبير - إلا أنّ الانحيازَ إليه بالكليّة، من المحتمَل أن يَتْبَعَه انزياحٌ سافِرٌ لإِعْمال مفهوم في الوعي المالي مثلا، وهذا الانزياح الأخير بدوره ستصيبُ لوثتُه مفهومًا في منطقة الوعي النفسي تاليًا مثلا، وهكذا دواليك، في مناطق وعي مختلفة، في تتابعات قد لا يُنتَبَه إليها إلا متأخرا، وربما في مرحلة يصعب معها فكّ العُقَد إلا بالبتر!

وهذا يدفعُنا بشدّة لحظةَ تبنّي مفهوم ما، إلى الانتباه جيدا إلى التداعيات المحتمَلة على العناصر الأخرى من شبكة وعينا في مختلف الجوانب، وضرورة دَوْزَنَة علاقتنا بهذا المفهوم وضبطه وفقًا لذلك، وعليه؛ فلا يغدو حينئذٍ مؤشّرُ وعينا مرهونا فقط بمقدار ما ننطوي عليه من تصوّرات متينة، بل كذلك بمدى حضور هذا الضابط الذي يراعي نسقها الكلّي، فهذه المراعاة الواعية هي التي تتيح لكل مفهوم من شبكة مفاهيمنا الفرصةَ العادلة لكي نَمْتَحَ من مَعينها الرقراق، والدفع بذلك إلى أقصى حدود الممكن، وهذا يجعلني أتجرأ بالزعم أنّ الوعي الحقيقي بمفهوم ما لا يكون بدرجة تبنّيك إياه، وإنما بدرجة اتّساق تبنّيه مع تبنّيك بقيةَ مفاهيمك، وأنّ شبكةً متّسقةً من الوعي المتواضع خيرٌ ألف مرة من شبكة وعي متقدمة مشوّهة بِمَيْلٍ غير مسؤول تجاه بضعة مفاهيم فيها، فقوائم مخلوق متساوية في القصر أجملُ بحاله وأبلغ في فاعليته من مَسْخٍ ذي قوائم قصيرة مع قائمة طويلة للغاية.

بات جليًا الآن أنّ الوعي شبكة من المفاهيم، ولِزامًا علينا أن نقف على مسافة واحدة من جميع مفاهيمنا في هذه الشبكة المتصلة - مهما بَدَتْ استقلاليةُ بعض مفاهيمها - بما يضمن الاتّساق العام بينها، والذي يخدم عملية الوعي في صورتها الشمولية، ليكون الضابط الفيصلي عندئذٍ في تَبَنِّي أيّ مفهوم هو مراعاة النسَق العام لمجموعة مفاهيمنا، وإلا فإن لعنة الوعي الشبكي ستظلّ تطاردُ كل تَبَنٍّ متطرّف لمفهوم ما أو زُمْرَةٍ منها دونًا عن البقية، إلى أنْ يُعاد التوازُن، وتعود الأمور إلى نصابها المعتدل، إنها لعنة الجماعة، حتى في الوعي يا صاح!.

***

محمد سيف - عُمان

هل سبق أن بحثت في جوجل عن منتج، ثم ظهر لك إعلان عنه مباشرة على شبكات التواصل الاجتماعي؟ أو تسوقت عبر إنستغرام وفيسبوك، فوجدت أمامك محتوى يبدو مصمماً بدقة على ذوقك واحتياجاتك؟ وراء هذه المصادفات الظاهرة منظومة هائلة من البيانات التي تجمعها شركات التكنولوجيا عن مستخدميها. وهذا ما يمكن تسميته ب«رأسمالية المراقبة»، وهو نظام اقتصادي جديد أصبحت فيه المعلومات الشخصية مادة أولية للتنبؤ بسلوك البشر، وتحولت هذه التنبؤات إلى سلعة تهدد، أسس الديمقراطية.

توصف رأسمالية المراقبة بأنها «المؤسسة الاقتصادية السائدة في عصرنا»، وهذا الأمر ليس مبالغة، بل تحول جذري في طبيعة الرأسمالية. ففي القرن الرقمي، أصبح النشاط الاقتصادي قائماً على تجارة السلوك البشري؛ إذ تُراقب أفعالنا، وتحوَّل إلى بيانات، ثم تستخدمها الشركات الكبرى لبناء نماذج تتنبأ بما سنفعله. وبعد ذلك تُباع هذه التوقعات إلى قطاعات مختلفة، من التأمين والصحة إلى التمويل والاستهلاك. وكلما ازدادت قدرة الشركات على تقليل عدم اليقين بشأن سلوكنا، ازدادت قدرتها على تحقيق الأرباح.

قد يبدو هذا كله مريحاً للمستخدم. فالموسيقى التي تقترحها سبوتيفاي، والأفلام التي تختارها نتفليكس، والمنتجات التي يعرضها أمازون، كلها خدمات تجعل الحياة أكثر سهولة. وليس هناك اعتراض على إنكار هذه المنافع؛ بل تكمن المشكلة، في أن المعرفة والبيانات التي تولدها هذه الخدمات لا تعود إلى أصحابها، وإنما تستولي عليها الشركات وتحوّلها إلى مصدر للقوة والربح.

وتكمن خطورة الأمر أيضاً في أن معظم هذه العمليات تجري بعيداً عن أعين المستخدمين. فالتنقيب عن البيانات والتنبؤ بالسلوك يتمان على نطاق هائل، بحيث يصبح من الصعب على الفرد أن يدرك حجم ما يُستخرج منه وما يُبنى عليه من استنتاجات. لذلك فالمطلوب ليس إلغاء التكنولوجيا أو حرمان الناس من الخدمات الرقمية، وإنما إخضاع هذه المنظومة لقواعد جديدة تضمن أن تكون البيانات والمعرفة الناتجة عنها في خدمة الأفراد والمجتمع والمؤسسات الديمقراطية، لا في خدمة مجموعة محدودة من الشركات.

ومن هنا نصل إلى جوهر المخاوف: إما أن نملك مجتمعاً ديمقراطياً، أو مجتمعاً قائماً على المراقبة؛ لا يمكن أن نملك الاثنين معاً. فرأسمالية المراقبة، لا تجمع البيانات فحسب، بل تنتزع من الإنسان جزءاً من قدرته على تقرير ما يُعرف عنه، وكيف يُحكم عليه، وما الذي ينبغي أن يبقى خاصاً به. ولهذا أدعوا إلى تقنين ما يمكن تسميه ب«الحقوق المعرفية»، أي تحويل حق الإنسان في التحكم في المعرفة المتعلقة به إلى حق قانوني يمكن الدفاع عنه.

وتزداد المشكلة وضوحاً حين ننتقل من الفرد إلى المجال العام. فقد أصبحت شركات مثل ميتا تسيطر على مساحات واسعة من التواصل الاجتماعي وتؤثر في المعلومات التي تصل إلى الجمهور. والخطر هنا أن منطق الربح قد يعمل في الاتجاه المعاكس للمصلحة العامة؛ فالمحتوى الأكثر إثارة واستفزازاً وغضباً يحقق تفاعلاً أكبر، والتفاعل يعني مزيداً من البيانات، ومزيداً من البيانات يعني توقعات أدق، ومن ثم أرباحاً أكبر. وهكذا قد تجد الخوارزميات نفسها تشجع المحتوى الأكثر تطرفاً لا لأنه الأفضل للمجتمع، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

ولا يتوقف الأمر عند تشكيل سلوك الأفراد. فهذه المنظومة تستطيع التأثير في السلوك الجماعي أيضاً: زيادة الغضب والاستقطاب، دفع الخطاب نحو الكراهية والتحريض، أو التأثير في الطريقة التي تتشكل بها المواقف العامة. ومثال ذلك بما حدث خلال جائحة كوفيد-19، حين انتشرت المعلومات المضللة على نطاق واسع، وما ارتبط بذلك من آثار خطيرة على حياة الناس.

لذلك فلو أتيح لي اتخاذ قرار واحد لتغيير هذا الواقع، فسأختار وقف الاستخلاص الضخم والصامت للبيانات الشخصية واعتباره غير قانوني. إذ لا يمكن بناء فضاء رقمي ديمقراطي على أساس قوة اقتصادية تستولي على السلوك الإنساني وتحوله إلى مادة تجارية من دون موافقة حقيقية من أصحابه.

المسألة، في النهاية، ليست في أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياتنا، ولا في أن الخدمات الرقمية جعلتها أكثر سهولة. المسألة هي من يملك المعرفة التي تنتجها هذه الحياة الرقمية، ومن يملك القدرة على تحويلها إلى قوة. لقد دخلنا هذه الديستوبيا من دون أن نخطط لها، وربما من دون أن نلاحظ أننا دخلناها أصلاً. لكن استمرارها ليس قدراً محتوماً. فإذا كان القرن الرقمي قد بدأ على هذا النحو، فإن استعادته تظل ممكنة، شرط أن نستعيد أولاً حقنا في أن تكون حياتنا، وبياناتنا، ومعرفتنا، ملكاً لنا لا مادة خامة لسلطة الآخرين.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

لم تكن "الأم" في تاريخ الفنون والموسيقى مجرد موضوع عابر للتعبير العاطفي، بل كانت المرآة الأعمق التي تعكس فلسفة المجتمعات وتقاليدها. وحين نتأمل كيف تناول الغناء العالمي صورة الأم، نلمس بوضوح اختلافاً جذرياً في النبرة، والمساحة، والأبعاد الفكرية بين الشرق والغرب.

في الفضاء الثقافي والفني الشرقي، تحتل الأم مكانة مقدسة ومركزية طاغية؛ إذ تحولت في الأغنية إلى أيقونة لا تُضاهى وترتيلة وجدانية تفيض بالخشوع والتبجيل. فالأغنية الشرقية لا تقترب من الأم بوصفها فرداً عادياً، بل تنظر إليها كرمز مطلق للتضحية الصامتة، والصبر الجارف، والدعاء المستجاب. لقد باتت أعمال خالدة مثل رائعة "ست الحبايب" التي كتب كلماتها الشاعر حسين السيد، ولحنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وأدتها بصوتها الخالد الفنانة فايزة أحمد بمثابة نشيد قومي للبيت والعائلة، حيث يمتزج فيها حنين الطفولة بقدسية الانتماء، ليصبح فقدان الأم هو الانكسار الوجودي الأكبر في حياة الإنسان.

ويتجلى هذا العمق الشرقي بأبهى صوره أيضاً في رائعة الشاعر الكبير محمود درويش، والتي لحنها وأداها الفنان اللبناني مارسيل خليفة في أغنيتهما الخالدة "أحن إلى خبز أمي"؛ حيث يقول درويش في كلماته ....

أَحَنُّ إِلَى خُبْزِ أُمِّي

وَقَهْوَةِ أُمِّي

وَلَمْسَةِ أُمِّي

وَتَكْبُرُ فِيَّ الطُّفُولَةُ

يَوْماً عَلَى يَوْمِ

وَأَعْشَقُ عُمْرِي لِأَنِّي

إِذَا مِتُّ،

أَخْجَلُ مِنْ دَمْعِ أُمِّي!

فالخبز والقهوة ولمسة اليدين هنا ليست مجرد تفاصيل مادية، بل هي رموز مقدسة للطفولة والقبول والأمان، ويتحول الحنين فيها إلى حالة من الخشوع الأخلاقي الرفيع، حيث يصبح الخوف من دمع الأم هو المعيار الأسمى للوفاء.

على الجانب الآخر، وفي الموسيقى الغربية بمختلف قوالبها من "البوب" و"الكاونتري" و"الراب"، حضرت الأم من منظور إنساني واقعي ومباشر. هنا، لا تُقدّم الأم ككائن أسطوري متعالٍ، بل كامرأة من لحم ودم تواجه قسوة الحياة ويومياتها بصراحة تامة، كما يظهر في العديد من الأعمال الخالدة؛ فعلى سبيل المثال، قدم فريق Boyz II Men أغنيتهم الشهيرة "A Song for Mama" التي تحتفي بالأم كامرأة حقيقية كانت الصخرة التي يستندون إليها وسط صعاب الحياة، بينما ذهب جون لينون في أغنيته المؤثرة "Mother" إلى أبعاد نفسية أعمق تستكشف جروح الطفولة وفقدان السند بحرقة واقعية مجردة.

وخير مثال يجسد هذه الواقعية بقوة هو الأغنية الأيقونية "Dear Mama" لنجم الهيب هوب الأمريكي توباك 2Pac، والتي أنتجها وشارك في كتابتها توني بيزارو. هنا يوثق توباك قصة أمه أفيني شاكور التي ربته وسط جحيم الفقر والإدمان وظروف التمييز في الأحياء الأمريكية القاسية، لتقدم الأغنية كلمات تنبض بالواقعية:

  And even as a crack fiend, mama,

وحتى في قاع الإدمان ومعاناة المرض يا أمي،

You always was a black queen, mama.   

ظللتِ دائماً تلك الملكة السمراء العظيمة في نظري يا أمي.

فالأغنية لا ترفع الأم إلى مرتبة الملائكة المعصومين، بل تقدمها كامرأة من لحم ودم أخطأت أحياناً بحكم ظروفها المدقعة، لكنها كافحت بشراسة لحماية أطفالها، ليبرز الاعتراف المباشر والمكاشفة النفسية القائمة على تقدير حجم التضحيات وسط عالم يعج بالصراعات.

هكذا يتجلى الفرق؛ بين شرقٍ اختار أن يرفع الأم إلى مرتبة "القداسة المطلقة" عبر عاطفة جارفة كما في "ست الحبايب" و"أحن إلى خبز أمي"، وغربٍ اختار أن يقترب منها عبر "الواقعية الإنسانية" التي تلامس تفاصيل العيش والوجود وصراعاته كما في أعمال توباك وجون لينون وغيرهم. وفي النهاية، وسواء اختلط اسم الأم برائحة الخبز والقهوة الدافئة، أو بصراع البقاء في شوارع المدينة، يبقى نداء الأم هو الصوت الأبدي الذي يخترق جدران الزمن ليعيد للإنسان براءته الأولى

أبعاد العاطفة: من تراتيل الخشوع الشرقي إلى ملامسة الوجدان الغربي

إذا تجاوزنا الفارق الفلسفي في رسم صورة الأم، فإننا نلمس بوضوح كيف تباينت الأدوات التعبيرية والمواضيع التي دارت في فلكها الأغاني بين العالمين. ففي الوجدان الشرقي، تدور رحى الأغنية حول الحنين الجارف، إظهار العرفان المطلق، وتخليد تضحيات الأم التي تفانت بصمت من أجل بناء أسرتها. إن المفردات المتاحة في الأغنية الشرقية غالباً ما تنهل من قاموس الطهارة والبر والدعاء، وتُصوّر الأم كحصن للدفء والأمان لا يقبل التبديل. هذا الحنين العارم يصل في كثير من الأحيان إلى حدود التماهي مع الوطن والأرض، لتصبح الأم هي الوطن المصغر الذي يلجأ إليه الإنسان كلما اشتدت عليه نوائب الدهر.

في المقابل، تنوعت المواضيع والمشاعر في الغناء الغربي لتشمل طيفاً أوسع من التجارب الإنسانية والنفسية. فنجد مثلاً في الموسيقى الريفية "الكاونتري" تصويراً دافئاً للأم بوصفها حارسة القيم العائلية والذاكرة البسيطة للبيت القديم. بينما نجد في قوالب أخرى كالـ "هيب هوب" والـ "راب" تحية عميقة وصريحة للأمهات اللواتي كابحن وسط جحيم الفقر والتمييز لحماية أبنائهن، مما يمنح الأغنية طابعاً واقعياً خشناً ومليئاً بالاحترام المتبادل والمكاشفة. كما لم تتردد الموسيقى الغربية في طرح أبعاد أكثر تعقيداً، كالتعبير عن شعور الذنب أو جروح الطفولة، في مقاربة تحليلية تبحث في جوهر العلاقة الإنسانية بكل تصدعاتها ودفئها.

هكذا يتشكل المشهد؛ عاطفة شرقية تحلق في سماء التقديس والامتنان المطلق، وعاطفة غربية تمشي على أرض الواقع لتلامس تفاصيل التجربة اليومية بكل ما فيه من قسوة وجمال

إن الغناء للأم، شرقاً وغرباً، ليس ترفاً عاطفياً، بل هو محاولة مستمرة من الإنسان لترميم روحه وإعادة اكتشاف براءته الأولى وسط صخب العالم. وبغض النظر عن اختلاف الألحان وتباین نبرات التقديس والواقعية، يبقى نداء الأم هو الصوت الأبدي الذي يخترق جدران الزمن، مذكراً إياناً بأن أجمل ما في هذا العالم البارد هو ذلك الدفء الذي تبدأ به الحكاية، ولا ينتهي أبداً

***

ئاريان علي

ليست الهزيمة كما قد يبدوا لأول وهلة مجرد واقعة عسكرية عابرة، ولا سقوطًا سياسيًا ينتهي بانتهاء الحدث، بل هي لحظة انكشاف نسقي، الأمر الذي يجعلها مولِّدًا إبستمولوجيًا يعيد ترتيب المفاهيم في الوعي الجمعي. نعم، قد يُغري الانتصار بالاطمئنان، لكن الانكسار هو الذي يمرّ عبر غرابيل التاريخ، فيكشف ما كان مستترًا في النسق، وما كان قابلًا للتصلب دون مساءلة. ونحن هنا لا نكتب تاريخ الدول، بل نكتب تاريخ تشكّل الوعي. فلا نقف عند من حكم ومن سقط، بل نتتبع كيف أعادت هاتيك اللحظات المفصلية تعريف العلاقة بين المقدس والسياسي، بين الشرعية والسلطة، بين الجماعة والهوية.

وإذا ما حاولنا قراءة تاريخنا عبر نهجٍ مغاير لما ألفه المتفقهين في السرد التقليدي القديم، نجد أن الهزيمة لم تكن نهاية، بل كانت بداية تحول نسقي. حيث نجد أن الفرق جوهري بين تاريخ الدول وتاريخ تشكّل الوعي.

وذلك لأن تاريخ الدول يصف الوقائع؛ أما تاريخ النسق فيسأل: كيف فُسرت الوقائع؟، ولماذا اختار الوعي الجمعي تفسيرًا أخلاقيًا دون تفسير بنيوي؟، ولماذا غلب خطاب الضحية أحيانًا على خطاب الإصلاح؟، ولماذا يميل العقل الدفاعي إلى انتظار الكارثة كي يعيد التفكير؟. الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالًا لا مفر منه؛ هل الهزيمة قدر تاريخي، أم بنية ذهنية تتكرر؟ـ فإذا قلنا إنها قدر، أعفينا النسق من المساءلة.

وإذا قلنا إنها بنية، أصبح لزاما علينا أن نمرر أفكارنا عبر غرابيل النقد، لا عبر شعارات التبرير. ففي الماضي، كانت الهزيمة تُنتج تركيبًا جديدًا كـ (علم كلام، تصوف، إصلاح، مشروعًا سياسيًا). أما في الوقت المعيش، فقد يبدوا أن الهزيمة تتحول إلى سردية دائمة تُعاد في الفضاء الرقمي، حيث يُكافأ الغضب، وتُضخَّم الصدمة، ويتشكل خطاب الضحية المعولم. وهنا لا يعود السؤال: من انتصر ومن انهزم؟. بل؛ كيف أصبح الألم جزءًا من الهوية؟.

وقد يتهمنا بعض المشككين أن قراءة التاريخ من جهة الهزائم والانكسارات ضربٌ من التجديف، أو مجافاة للإنصاف الحضاري. مما يجعلنا نميز بين الطعن أو إنكارا المقدس، وبين النقد الحضاري بوصفه مساءلة للنسق. وليس من شأن هذا العمل أن يضعف الإيمان، ولا أن يُرضي الأغيار، ولا أن يجاري المجترئين في قراءاتهم السطحية، بل أن يعيد النظر في البنية الذهنية التي تستقبل الحدث.

وقد يرى آخر في هذه القراءة مغامرة فكرية، وقد يتهمنا البعض بالمبالغة، غير أننا نؤكد أن مساءلة النسق ليست خروجًا عليه، بل شرط بقائه. فالنسق الذي لا يُراجع يتحول إلى بنية دفاعية، والبنية الدفاعية تقودنا إلى زيغٍ جديد.

فلا نسعى إذن إلى جلد الذات، ولا إلى مجاراة المجدفين، ولا إلى إرضاء الأغيار، ولا إلى محاكمة الماضي بأدوات الحاضر، بل إلى إعادة ترتيب السؤال. كمحاولة لفهم كيف يعمل النسق حين يتعرض للصدمة، وكيف ينتقل من الدفاع إلى التصلب، ومن التصلب إلى الانكسار، ومن الانكسار إلى مراجعة قد تكون جزئية أو جذرية.

وإذا ما حاولنا أن نرى حاضرنا المعيش بعينٍ نسقية، نجد أن الهزيمة المعاصرة لم تعد عسكرية فقط، بل وجودية وسردية. لأنها تقع في مستوى المعنى قبل أن تقع في مستوى الجغرافيا. الأمر الذي يفرض علينا نهجًا جديدًا في التفكير، لا يقوم على النرجسية، ولا على انتظار الصدمة، بل على نقد حضاري مستمر. فالوعي ما بعد الهزيمة ليس إنكارًا للتاريخ، ولا اجترارًا له، بل انتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التبرير إلى المساءلة، ومن الدفاع إلى التحليل. فقد تكون الهزائم جزءًا من مسار الأمم، لكن تحويلها إلى هوية دائمة هو ما ينبغي تفكيكه.

ولذلك لا نسعى هنا لنؤرخ للهزيمة، بل لنقرأ تشكّل الوعي من خلالها، ولنفتح أفقًا يتجاوز منطق الانتظار الكارثي، ويُعيد ترتيب العلاقة بين النسق والنقد. فليست الأمم في لحظات ازدهارها أكثر قدرة على رؤية نفسها. لأن الانتصار يُغري بالاطمئنان، ويُغري بإعادة إنتاج النسق كما هو، ويُغري باعتبار الحاضر ذروةً مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة. أما الهزيمة، فإنها مهما كانت قاسية تُجبر الوعي على أن ينظر في مرآته.

وليست الكتابة في موضوع الهزيمة أمرًا جديدًا في الفكر العربي أو الإسلامي. بل يمكن القول إن كل جيل منذ القرن التاسع عشر كتب بطريقته عن الانحطاط، والتخلف، والتراجع الحضاري، وأسباب السقوط، وقابلية الاستعمار، وأزمة العقل، وهزيمة المشروع القومي، وفشل الإسلام السياسي، وصولًا إلى انهيار الدولة الوطنية.

نعم، لقد كُتبت دراسات عن الانحطاط، وعن القابلية للاستعمار، وعن هزيمة 1967م، وعن أزمة الدولة الوطنية، وعن صعود المتأسلمين، وعن فشل القومية، وعن تحولات المجال العام. ناهيك عن دراسات تناولت الإسلام السياسي، أو الليبرالية العربية، أو الخطاب الديني المعاصر. غير أن أغلب هاتيك الأعمال تناولت مرحلة بعينها، أو مشروعًا محددًا، أو أزمة ظرفية. خلافا لما نحن بصدده فهو محاولة ربط تلك اللحظات في نسقية ممتدة، لتقرأ بوصفها حلقات في تشكّل وعي ما بعد الهزيمة. حيث تشكل كل صدمة إعادة ترتيب الوعي الجمعي، وليس هذا بمعنى محو القديم، بل بإعادة تأويله.

غير أن معظم هذه الكتابات كانت تتحرك داخل أفقين رئيسيين: إما أفق التفسير السياسي العسكري، أو أفق النقد الحضاري الفكري. فـ مالك بن نبي(1905 1973م) -مثلا- الذي قدّم في كتابه شروط النهضة (1948م) مفهوم القابلية للاستعمار، معتبرًا أن الهزيمة ليست فعل الخارج وحده، بل ثمرة بنية نفسية اجتماعية داخلية تُمهّد للاستعمار.

وقد شكّل طرحه انتقالًا من تفسير الحدث إلى تحليل القابلية الكامنة في المجتمع المهزوم. ثم جاء قسطنطين زريق (1909 2000م) في (معنى النكبة) (1948م)، ليقرأ هزيمة 1948م بوصفها أزمة حضارية شاملة، لا واقعة عسكرية عابرة، داعيًا إلى نهضة عقلية وأخلاقية تعيد بناء الإنسان قبل الدولة.

وفي أعقاب نكسة 1967م، كتب صادق جلال العظم (1934 2016م النقد الذاتي بعد الهزيمة (1968م)، متجهًا نحو تفكيك الخطاب الأيديولوجي السائد، ومحمّلًا الثقافة السياسية مسؤولية إنتاج الوهم قبل إنتاج الهزيمة. أما عبد الله العروي (1933) ففي كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967م)، قد عالج الهزيمة في سياق أوسع هو مأزق الحداثة، محللًا البنية الفكرية العربية وعلاقتها المتعثّرة بالمفاهيم الحديثة، ومؤكدًا أن الأزمة بنيوية في الوعي التاريخي ذاته.

ومع انتقالنا إلى العقود الأخيرة، تغيّر أفق السؤال. فظهرت دراسات ركزت على انهيار الدولة الوطنية، وصعود الإسلام السياسي، ثم تعثره، وكتبت حول فشل المشروع القومي، وأزمة الليبرالية العربية، وتحولات المجال العام الرقمي. فقد درس محمد عابد الجابري (1935 2010م) في (نقد العقل العربي) (1982 2001م) البنية المعرفية التي تُنتج الوعي، معتبرًا أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يقوم دون تفكيك أنساق التفكير الموروثة.

وفي سياق تحليل الإسلام السياسي، قدّم جيل كيبل (1955) في كتابه (النبي والفرعون) (1984م) قراءة سوسيولوجية لصعود الحركات الإسلامية داخل الدولة الوطنية، رابطًا الظاهرة بأزمة الشرعية والتنمية. ثم جاء وائل حلاق (1955) في (الدولة المستحيلة) (2013م)، ليذهب أبعد من تحليل التعثّر، متسائلًا عن إمكان التوفيق أصلًا بين الشريعة وبنية الدولة الحديثة السيادية. ومع تحولات المجال العام الرقمي، تناول فيليب ن. هوارد (1970) في Lie Machines (2020م) أثر التكنولوجيا السياسية في إعادة تشكيل الرأي العام، مبينًا أن الهزيمة المعاصرة لم تعد عسكرية أو أيديولوجية فحسب، بل معرفية اتصالية أيضًا.

وقد كُتبت دراسات عن سقوط بغداد، ودراسات عن الأندلس، ودراسات عن 1967، ودراسات عن 2011، لكن نادرًا ما جُمعت هذه اللحظات في إطار نظري واحد يقرأها بوصفها حلقات في تشكّل الوعي. فكل هذه الأعمال- على أهميتها - تشترك في أمر جوهري وهي أنها تقرأ الهزيمة بوصفها موضوعًا سياسيًا أو فكريًا محددًا داخل مرحلة تاريخية بعينها.

أما ما نحن بصدده فإننا ننطلق من زاوية مختلفة. حيث لا نكتب عن هزيمة بعينها، ولا عن مشروع بعينه، ولا عن مرحلة واحدة، بل نحاول أن نتتبع الهزيمة بوصفها مولِّدًا إبستمولوجيًا عبر قرون. أي أننا لا نسأل فقط لماذا هُزمنا؟. بل نسأل ماذا فعلت الهزيمة بعقولنا؟. فلسنا نؤرّخ للهزائم بمعناها العسكري الضيق، ولا نرصد التسلسل الزمني لسلسلةً من السقوطات السياسية، بل نحاول كتابة التاريخ الفكري للإسلام من زاوية الانكسار لا من زاوية الانتصار؛ أي محاولة لفهم كيف أعادت كل صدمةٍ كبرى تعريف المفاهيم المركزية كـ(الإلهيات، السلطة، الشرعية، الجماعة، الهوية، الأمة، الدولة، والمعنى).

 وقد جرت العادة في كتابة التاريخ الإسلامي على إبراز العصور الذهبية والفتوحات ومراحل القوة وإنتاج الحضارة، غير أن هذا المنظور على أهميته يُغفل سؤالًا أعمق ألا وهو؛ كيف يتغيّر الوعي حين ينكسر؟، وهل ما نسمّيه هزائم كان نتيجة ظروف تاريخية عابرة، أم أنه نمط تفكير يتكرر فنُعيد إنتاج الإخفاق كل مرة؟. وهل نستطيع أن نبني وعيًا قادرًا على التجدد من الداخل، دون أن ننتظر صدمة كبرى أو كارثة جديدة تدفعنا إلى المراجعة؟. وعلى الرغم من أننا لا ندّعي امتلاك إجابة وافية متكاملة، لكننا نقترح مسارًا في التفكير، من خلال قرأة تاريخنا لا بوصفه سلسلة من الأمجاد أو سلسلة من المؤامرات، بل بوصفه تفاعلًا معقدًا بين البنية والحدث، بين الداخل والخارج، بين النسق والصدمة. هذا المسار يظهر أن كل هزيمة كبرى أعادت ترتيب العلاقة بين المقدس والسياسي، بين الجماعة والسلطة، بين الهوية والعالم.

وجدير بالذكر أن نوضح أن دعوتنا لكتابة التاريخ من جهة الانكسار ليست دعوة إلى التشاؤم، بل هي محاولة لتحرير الوعي من وهم الاكتمال، ومن وهم البراءة المطلقة، ومن منطق الانتظار الكارثي. فهي دعوة إلى أن نمارس النقد قبل أن تفرضه الصدمة، وأن نُعيد التفكير في مفاهيمنا لا لأننا هُزمنا فقط، بل لأننا نريد أن نفهم. بهذا المعنى، فإننا هنا لا نقدم رثاءً، ولا بيانًا أيديولوجيًا، ولا سجالًا سياسيًا، بل محاولة لصياغة نظرية في الوعي ما بعد الهزيمة؛ وعي يدرك أن الانكسار قد يكون لحظة ميلاد، وأن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في الجغرافيا، بل تلك التي تستقر في البنية الذهنية.

وإذا كان التاريخ لا يخلو من صدمات، فإن السؤال الذي نختتم به هذا التمهيد ويبدأ معه مسار القراءة هو؛ هل نمتلك شجاعة النظر إلى ذواتنا من خلال جراحنا، لا لنقدّسها، بل لنتجاوزها؟.

وللحديث بقية ...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

مفهوم «التنمية المستدامة» حديث الظهور في أدبيات التنمية واقتصاداتها. وكان استخدامه -حتى وقت قريب- محدوداً في دراسات البيئة. ويبدو لي أن بروزه الأولي جاء رداً على ما يُعتقد أنه تغول للقطاع الصناعي، أدى، بين نتائج أخرى، إلى تقليص القطاع الزراعي، لا سيما الزراعة التقليدية والغابات ومصائد الأسماك، وأضر بالبيئة ونمط العيش في المجتمعات التقليدية. ولذا؛ ركز معظم الداعين للتنمية المستدامة، في تعريفاتهم الأولية لها، على صيانة الموارد الطبيعية والنظام البيئي.

وخلال الثلاثين عاماً الماضية، انضم «المناخ العالمي» إلى قائمة الأهداف التي تحظى باهتمام دعاة التنمية المستدامة. ولعل أكثر التعريفات شيوعاً في الوقت الراهن هو الذي اختارته «اللجنة العالمية للبيئة والتنمية» في تقريرها التأسيسي «مستقبلنا المشترك»، وفحواه أن التنمية المستدامة هي تلك التي تلبي حاجات أهل الحاضر، من دون الإضرار بالموارد الطبيعية التي تحتاج إليها الأجيال المقبلة. وينطوي هذا التعريف على مفهومين أساسيين: مفهوم الحاجات، لا سيما «الحاجات الأساسية لفقراء العالم، والتي ينبغي أن تعطى الأولوية». ومفهوم القيود التي تفرضها العلاقة الحرجة بين الاستعمال المكثف للتكنولوجـيـا ومتطلبات التجارة، من جهة، وبين الموارد المتوفرة فعلياً في البيئة الطبيعية، من جهة ثانية.

لا تخلو التعريفات السابقة من نقاط ضعف، خصوصاً فيما يتعلق بالقيود على التقنية ودور الإنسان في تحقيق الاستدامة. ولذا؛ سأقترح تعريفاً يتلافى نقاط الضعف المذكورة، حيث يصف النظام المستدام بأنه ذلك النظام القادر على إعادة إنتاج مقوماته الأساسية، والاستمرار إلى أجلٍ غير مسمى. إذن، فالنظام المستدام ينبغي أن يتسم بالتوازن، وذلك بالجمع بين:

1- رعاية حاجات البيئة (أي الموارد الطبيعية، بتقييد التصرفات المفسدة).

2- السوق (أي توليد فائض قيمة مناسب للارتقاء بالمعيشة) لتلافي تحويل المحافظة على الموارد الطبيعية سبباً لإفقار السكان.

3- الجماعة (أي كونه منسجماً مع القيم المجتمعية الخاصة بالرفاه والحياة الفاضلة). و

4- توسيع الموارد (أي المراهنة على البحث العلمي في استنباط موارد جديدة وزيادة إنتاجية الموارد الحالية. وهذا يجعل التقنية عنصراً حيوياً في منظومة الاستدامة، لكن ليس في تحديد معاييرها وأغراضها النهائية).

وبناءً عليه؛ فإن التنمية المستدامة هي المشروع الذي يستهدف إقامة نظام اقتصادي - معيشي مستدام، من خلال تحقيق غايتين متعاضدتين:

الأولى: علاج العوامل التي تعيق أو تبطئ التطور الاقتصادي والاجتماعي.

الأخرى: إنشاء نظام اقتصادي - اجتماعي قادر على تجديد مقوماته والعناصر الضرورية لحياته. وهذا ما نسميه على وجه التحديد «التقدم». إن التنمية الشاملة تستهدف بالتأكيد إنشاء المحرك الاجتماعي للتقدم في مجالاته المختلفة.

أعتقد أن العامل الأشد إعاقة للتطور الاجتماعي والاقتصادي، هو «توهم» العجز عن التقدم. وأقول إنه توهم لأننا ننظر إلى الحالات والأفعال والمعارف كمسائل مقارنة. إننا نتساءل أولاً: هل هذا الفعل ممكن أم مستحيل؟ ثم ننظر: هل فعله أحد في العالم أم لا؟ وبناءً عليه نقرر أنه ممكن أو غير ممكن. حينما نتحدث عن التقدم، فإننا نستحضر في أذهاننا النماذج المتعارفة في العالم القديم والحديث. فنقول إن مجتمعنا قادر على أن يفعل أي شيء قدر عليه الآخرون، بما فيه أرقى الصناعات وأدقها وأعمق العلوم وأوسعها. هذا الإيمان تمهيد ضروري للسؤال التالي: إذا كان إنسان مثلنا، في أميركا مثلاً، استطاع أن يصنع الطائرة، فما هو الذي توفر له ولم يتوفر عندنا كي نفعل ما فعل؟

بعبارة أخرى، فإن سؤال التنمية يجب أن يبدأ من ثلاث فرضيات: أولاها: أننا نستطيع أن نتقدم؛ لأن غيرنا استطاع. الثانية: أن هناك معوقات أعاقتنا أو أبطأت حركتنا، وأن واجبنا يتلخص في تشخيصها ثم إزالتها. الثالثة: أن هذا السؤال لا يتعلق بالهوية أو الإيمان، فلا نبحث له عن جواب ميتافيزيقي، بل يتعلق بالإنسان والبيئة والثقافة (القيم الاجتماعية) فيجب أن نبحث عن علاجه في هذه الحقول.

***

د. توفيق السيف

حين التعمق في مفردات ومفاهيم المنظومة الفكرية الإسلامية، نكتشف أن هذه المنظومة تعمل على تحرير العقل المسلم من كل المعيقات المادية والمعنوية التي تحول دون استخدام العقل أو التفكير بدون قيود ومسبقات ذهنية أو تاريخية تعمل على تقييد العقل أو منعه من الانطلاق.

بل إن ذات المفاهيم الفكرية الإسلامية، تشكل رافعة ضد كل القيود والكوابح التي تمنع تحرير العقل المسلم.

وفي تقديرنا أن تحرير العقل المسلم من كل القيود والكوابح، هو من المفاهيم الأساسية لنهضة الأمة. لأن الخطوة الأولى في مشروع النهضة الحقيقية والفعلية في أي مجتمع، هو تحرير عقولهم من كل المعيقات والمبررات التي تحول دون استخدام العقل بشكل فعال، وانطلاقه في مشروع النهضة والتحرر من كل ما يعيق فعل النهضة وممارستها.

وحين التأمل في آيات الذكر الحكيم، نجد هناك العديد من الآيات القرآنية التي تؤسس لمرحلة الانطلاق العقلي والثقافي بعيداً عن قيود الآباء وكوابح المسبقات الذهنية والعملية السابقة. فالتجارب والتاريخ بكل تطوراته هو لأخذ العبرة والاستفادة من دروسه وكيفية التحرر من كل المعيقات. فلا انحباس في التاريخ وقضاياه، ولا هروب من الراهن وتحولاته، بل ممارسة شهودية مستندة إلى عقل وفكر متحرر من كل القيود والمعيقات.

الموقف من التاريخ وأحداثه:

حينما يذكر النص القرآني الكثير من أحداث التاريخ وتطوراته، لا يستهدف النص القرآني الانحباس في أحداث التاريخ وقضاياه المختلفة، وإنما الاستفادة من دروسه وعبره، حتى لا يكرر الإنسان الفرد والجماعة أخطاء من سبقه، أو الخيارات الخاسرة التي التزم بها السابقون.

فالتاريخ مدرسة متكاملة للاستفادة منه على مختلف المستويات، وليس بديلا عن الراهن بكل تطوراته وتحولاته.

فحينما نعود إلى التاريخ، نعود إليه، لا بمعنى الهروب من الراهن، وإنما لاستنطاقه، وأخذ العبر والدروس من أحداثه المختلفة.

يقول تبارك وتعالى {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[الروم،9]، وقال تعالى {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}[الروم، 33].

فـ " يعطي القرآن الحكيم المؤمنين البصيرة الإلهية في التاريخ لينظروا من خلالها إلى الغابرين ويعتبروا بمصيرهم. ذلك بأن الإنسان تشده حوادث التاريخ بقدر ما تستثيره ظواهر الحياة الراهنة. وهو مفطور على النظر إلى الماضي. إذا فلينظر إليه من خلال بصيرة إلهية ليزداد إيماناً بربه وتسليماً لسنته وشرائعه كلما نظر في أحوال الغابرين ".

فكل أحداث التاريخ تعلمنا، أن الخضوع لمتواليات بعض اللحظات، تفضي إلى نتائج كارثية. فحينما يخضع المجتمع إلى سيطرة المترفين، فإن مؤدى هذه السيطرة، هو اضمحلال الطبقة الوسطى وتلاشيها التدريجي، وهذا بدوره يفضي إلى ضعف التماسك الاجتماعي، الذي يؤدي بدوره إنهاء التجربة الاجتماعية الخاضعة لسيطرة وسياسة المترفين.

يقول تعالى {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}[القصص، 76]. وتكون نتيجة هذه السيطرة هي: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين}[القصص، 81 ].

فالضعف البشري بكل دوائره ومستوياته، لا يمكن تجاوزه إلا بتنمية روح الإيمان، فالإيمان بكل متوالياته النفسية والسلوكية، هو القادر وحدة لمواجهة الضعف البشري المركوز في نفس وعقل الإنسان..

فالروح الإيمانية هي التي تجعل الإنسان يقتحم الصعوبات ويواجه المعضلات. ولولا هذه الروح لبقي الإنسان خاضعاً لمقتضيات الخوف من المجهول ومن المستقبل القريب والبعيد.

وحينما يزيل الإنسان حجب الأهواء والشهوات والظنون، تتجلى قدرة الإنسان في عمران الأرض والحياة.

فالتاريخ بالنسبة إلى الإنسان المسلم الذي يمتلك الوعي والبصيرة، ليس نهاية الحياة، وليس السقف الذي يجب أن تقف عنده كل الإرادات والإبداعات الإنسانية. بل هي تجربة إنسانية فيها كل الصور والاحتمالات، ومهمتنا أخذ العبر والدروس من هذه التجارب الإنسانية سواء كنا أفراداً أو مجتمعات.

وحينما يعلن الإنسان أنه ينتمي إلى مدرسة الإسلام، وأنه يمتلك كل الاستعداد للالتزام بكل مقتضيات هذا الانتماء والولاء، فهو في حقيقة الأمر يطرد من نفسه وعقله نزعة الوصولية ومفارقة الباطن مع الظاهر. لذلك نتمكن من القول: أنه لا نهضة حقيقية في أي واقع إنساني، إلا بصفوة تأخذ على عاتقها الالتزام بكل قيم النهضة وثوابتها، وترفض مهما كانت الضغوطات أو التهديدات أو الإغراءات بيع التزامها أو التنصل منه.

إن صدق الانتماء والولاء، ووجود كتلة بشرية ملتزمة بذلك قلباً وقالباً، ظاهراً وباطناً، هو من أهم الحقائق والمفاهيم الأساسية لإحداث نهضة حقيقية في واقعنا الاجتماعي والإنساني.

التحرر من الأهواء والشهوات وعدم الخضوع إلى متطلباتها:

لعلنا لا نضيف شيئاً إلى علم القارئ حين القول: أن التحرر المعنوي من الحاجات والشهوات، هو سبيل نيل الحرية في دوائر الحياة المختلفة. ومن يعيش عبداً لشهواته وأهوائه وحاجاته البيولوجية أو الاجتماعية، لن يتمكن من نيل الحرية في السياسة والمجتمع. لأنه ببساطة شديدة من يخضع لأهوائه وشهواته وحاجاته، لن يتمكن التحرر من كل هذه القيود، وبالتالي فإن هذا الإنسان سيعبر في كل مقولاته عن خضوعه التام بكل تلك الحاجات والشهوات.

من هنا فإن تحرير العقل المسلم من كل القيود والمعيقات، يقتضي تحرر العقل المسلم من أهوائه وشهواته وحاجاته التي تضغط عليه جوهرياً وتجعله على مستوى المواقف والممارسة خاضعاً لكل متواليات عدم التحرر المعنوي.

وعليه فإن تحرير العقل المسلم المعنوي، الذي يكبح الإنسان ويقيده بفعل علاقته غير السليمة مع غرائزه وشهواته وحاجاته.

كذلك يقتضي التحرر من كل القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحول الإنسان إلى عبد أعمى لكل هذه المفردات.

وإن الطريق للتحرر من كل هذه القيود، هو التحرر المعنوي، وعدم الخضوع القسري لكل الأهواء والشهوات التي تحول الإنسان إلى كائن شهواني، غرائزي.

لذلك فإن من يتحرر من شهواته وأهوائه، قادر على التحرر من الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وأشكال الحيف الاقتصادي. ومن لا يستطيع التحرر من شهواته وحاجاته فإنه تبعاً لذلك سيكون غير قادر على التحرر من كل القيود الخارجية. من هنا ينبغي أن نربي أنفسنا على المستويين الروحي والعقلي، أن لا تكون هناك حاجة تضغط علينا سلباً لتلبيتها.

فلا حاجة تأسرنا، ولا شهوة تخضعنا، ولا قوى غاشمة مهما كانت غطرستها قادرة على إخضاعنا والسير الأعمى خلفها.. ولو تأملنا في آيات الذكر الحكيم نجدها باستمرار توجهنا إلى ضرورة التحرر من الأهواء والشهوات.

***

محمد محفوظ

لماذا نتحمل مشقة ان نكون صالحين؟

ارتبطت الاخلاق، او السلوك الصالح، تقليديا بالتقدير الإيجابي المشروط، لكن هل يجب إعادة صياغة هذا التقدير كمصلحة ذاتية؟ سنستكشف نظرية كارل روجرز.

يُنظر الى الاخلاق كفعل حسن، يحدده تقدير إيجابي مشروط، منفصلا عن الذات باعتبارها شخصا صالحا. ناقشت البشرية منذ الازل ما نعنيه بـ "صالح" او حسن، ليشمل ذلك فلسفة الاخلاق الأساسية والتنشئة الاجتماعية. لكن هل السعي للشخص الصالح يفترض سلفا اننا نفتقر للخيرية التي نبحث عنها، بما يجعل الكفاح الأخلاقي فعلا مؤلما للغاية ينم عن كراهية الذات؟ استطلاع الاخلاق، يبدأ بفكرة كارل روجرز عن التقدير الإيجابي المشروط (1)، هل يجب ان ننتقل بعيدا عن أفكار الاخلاق كتضحية ذاتية غير انانية الى فكرة المصلحة الذاتية؟

الشخص الصالح مقابل الفعل الصالح

بينما تختلف تعريفات الاخلاق بشكل كبير طبقا لكل مدرسة من مدارس الفكر، لكن ما هو واضح، وان يتم تجاهله، هو ان الاخلاق هي مسألة فعل وليست هوية. النقاشات الفلسفية حول الاخلاق تهتم بما يشكل "الشخص الصالح". اذن من أين يأتي السعي لنكون صالحين، وكيف يرتبط بالفعل الأخلاقي؟

التقدير الإيجابي المشروط

بحث عالم النفس الأمريكي البارز كارل روجرز بكثافة تأثير "التقدير الإيجابي المشروط" على تطور مفهوم الذات. هو اكتشف ان التربية تستلزم مكافأة وعقوبة تقود الى تقدير الذات المشروط. في الطفولة، عندما تُكافأ سلوكيات معينة وتُعاقب أخرى، نميل للخلط بين قيمنا الذاتية وأفعالنا.

ان طاعون المجتمع الحديث هو السعي الدائم لنكون "صالحين جدا". يجادل روجرز ان التقدير الإيجابي المشروط يقودنا الى استبطان إحساس بشعور داخلي بعدم القيمة، لأن قيمة الذات تصبح مشروطة بأفعال معينة.

هنا تبرز فجوة بين الذات الواقعية الأصلية والذات "المثالية"، التي تشير الى ذات خيالية تسعى لتلبية الشروط الاجتماعية للتقدير الإيجابي. وهكذا، يتأسس انشاقا بين الـ "انا" و "انا يجب"، بما يؤدي الى تنافر يقود الى معاناة كبيرة.

عمل الشيء الصالح

دعا روجرز لممارسة تقدير إيجابي غير مشروط، يحدد بفاعلية الفرق المُتجاهل بين الفعل ومفهوم الذات. عند النظر الى قيمتنا الجوهرية غير المشروطة، يتخذ سؤال الاخلاق رؤى مختلفة حيث لم نعد نربط قيمتنا الذاتية به. الاخلاق لا تستلزم ان تكون صالحا وانما تعمل صالحا. مع ذلك، ربما حتى اكثر من قبل، نحن لانزال نتساءل لماذا يجب ان نهتم بالافعال الأخلاقية. اذا لم تكن لأجل ان نكون صالحين، اذن لأجل ماذا؟

مشاعر عالمية

هناك قصيدة للشاعر سعدي شيرازي يُحتفل بها على نطاق واسع ضمن الدبلوماسية الدولية، وهي أبيات من قصيدة بني آدم كُتبت على سجادة رائعة وُهبت الى الأمم المتحدة عام 2005، والتي عُرضت داخل المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك.

كل الكائنات البشرية هم أعضاء في اطار واحد

طالما ان الجميع في البداية نشأوا من نفس الجوهر.

عندما يصيب الألم أحد الأطراف

الأطراف الأخرى لا يمكنها ان تبقى ساكنة.

اذا انت لا تشعر بتعاسة الآخرين

"انسان" ليس اسما يليق بك.

كان سعدي شاعرا مشهورا من شيراز في ايران. في أول وهلة، القصيدة تبدو نقاشا مُبالغ فيه حول أهمية التحلي بالتعاطف نحو الجنس البشري. لكن فحصا دقيقا يبيّن ان سعدي يتحدث حول شيء ما أعمق. القصيدة تبدأ بتعريف الكائن البشري كأجزاء من كل، تنبثق من نفس المصدر الانطولوجي، هي تعبيرات لنفس المبدأ او الجوهر. يتبع من تلك العبارة الأولى انه متى ما كان يعاني جزء من الكل، فان الأجزاء الأخرى لا يمكن ان تبقى دون اضطراب.

الصالح العالمي

من منظور سعدي، ما لم نشعر بارتباط حقيقي يتجاوز العزلة الزائفة التي تفرضها فرديتنا، فلن نتمكن من احتضان انسانيتنا. عندما نرتبط بالكل، ندرك انفسنا والاخرين كأجزاء مختلفة من نفس الجسم.

انظر في يديك الاثنين. هما ظاهرا متميزان، ويمكن ان يُفهم كل واحد منهما بطريقة مختلفة، لكنهما جزء من جسمك. يدك اليمنى يمكنها ان تؤذي بسهولة يدك اليسرى، والعكس صحيح. وبينما اليد المصابة هي اليد الجريحة، لكن جسمك بالكامل سوف يتأثر. رغم ان أفكار سعدي قد تبدو غريبة، لكنها واضحة في تجربتنا اليومية. من المؤكد الشعور بالرعب من التسبب في أذى شخص آخر كما تبيّن تجربتنا وكما أثبت العدد الهائل من الدراسات السايكولوجية والعصبية.

ان علاقة الاخلاق الشخصية بالاخلاق الجمعية ليست جديدة في الفلسفة، حيث نوقشت بدءاً من سقراط وحتى عمانوئيل كانط في الاخلاق المطلقة، وان كانت بطرق مختلفة.

ما يفترضه سعدي كتحفيز للاخلاق هو بعيد عن حالة مثالية من نكران الذات، بل، انه تحفيز أناني متأسس على الوعي في الارتباط الانطولوجي لتفاعلنا الذاتي: وعي في كلّ غير اناني فيه كل ذات بشرية تكون جزءاً. وفق هذا المنظور، كل فعل من الأذى هو بالضرورة فعل لايذاء الذات. نحن نهتم بالاخلاق ليس لأجل الاخرين واانما لأجل انفسنا.

الاخلاق كمصلحة ذاتية

بينما السؤال عما يشكل الفعل الأخلاقي هو وراء نطاق هذا المقال، لكن ما هو مهم هو فصل الكفاح الأخلاقي عن التحديات العاطفية والارتباطات والرومانسية التجريدية. عندما ننظر للاخلاق كمسألة مصلحة ذاتية نُسجت مع أفضل مصلحة لانسانيتنا الجمعية، فان مخاوفنا تتخذ شكلا مختلفا وبسيطا، متجذرا في الإحساس العام.

لم تعد الرغبة تعوقنا في ان "نكون صالحين" ولا بالافكار المثالية المجردة لـ "عمل الشيء الصالح"، نحن يمكن ان ننظر للاخلاق كممارسة بسيطة في الحفاظ على رفاهيتنا الفردية. يمكننا الاهتمام بالآخرين لأننا نهتم بانفسنا، واعون بان الألم الذي نصيب به الاخرين انما نصيب به انفسنا أيضا .

نحن نحب الاخرين، ليس بسبب اننا ناس لطفاء جدا وانما بسبب اننا نحب انفسنا بما يكفي لكي لا نرغب في تجربة الكراهية. من هذا المنظور، نحن نفهم الفرق بين الأخلاق واللااخلاق كالفرق بين أفعال التدمير الذاتي والحفاظ على الذات.

***

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) التقدير الإيجابي المشروط يحدث عندما يُعطى الحب والموافقة والمساعدة فقط عندما يحقق الشخص مستويات معينة او سلوكيات او توقعات " انا فخور بك او أحبك فقط عندما تنفذ ما اريد".

أمثلة على ذلك: الاب عندما يحتضن او يمتدح طفله فقط عندما يجلب معه للبيت درجات عالية في الامتحان. او المدير الذي يبدي الدفء والاحترام فقط عندما يتجاوز العامل أهداف الأداء.

التأثيرات على الرفاهية النفسية:

1- شرط القيمة: يتعلم الافراد ان قيمهم تعتمد كليا على الآداء. هم يشعرون انهم "صالحين" فقط عندما ينجحون.

2- فقدان الأصالة: الناس يخفون مشاعرهم الحقيقية او يكبحون رغباتهم الحقيقية لكي يربحوا الموافقة ويتجنبوا الرفض.

3- القلق وانخفاض قيمة الذات: الخوف المستمر من الفشل في تلبية التوقعات يقود الى شك ذاتي عميق وقلق واحساس هش بالذات.

كارل روجرز يقترح مفهوما مضادا وهو تقدير إيجابي غير مشروط، unconditional positive regard حيث ان الشخص يُقبل ويُقيّم ويُدعم بالكامل بصرف النظر عن سلوكه وأخطائه او فشله. هذه البيئة الصحية تسمح للناس ببناء احترام وثقة حقيقية للذات تمكّنهم من النمو بدون خوف.

ماذا يحدث للإنسان حين لا يعود الزمن أمامه، بل خلفه؟

ربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر قسوة في وعينا بالوجود. اللحظة التي نتوقف فيها عن النظر إلى الزمن باعتباره طريقا طويلا يمتد أمامنا، ونبدأ في رؤيته كمسافة قطعتها أقدامنا بالفعل.

 فجأة يصبح للماضي ثقل لم يكن له من قبل، وتتحول السنوات من أرقام على التقويم إلى وجوه غابت، وأماكن تغيرت، وأحلام تأجلت أو رحلت، وأشياء ظننا أن لدينا وقتا كافيا لاستعادتها، ثم اكتشفنا أن الوقت لم يكن ملكنا يوما.

الشيخوخة هي أن يتحول الزمن، للمرة الأولى، من مستقبل ننتظره إلى ماض نتأمله

الجسد يعرف طريقه إلى الشيخوخة.

لا يستشيرنا.

لا ينتظر موافقتنا.

يترك على الوجه خرائطه الصغيرة، ويبطئ الخطوة، ويغير ملمس اليد، ويأخذ شيئا من قوة العينين، ويذكرنا، كل يوم، بأننا لسنا أصحاب هذا الجسد بقدر ما نحن عابرون فيه.

لكن هناك شيئا آخر لا يخضع بالضرورة لقوانين الجسد:

دهشتنا.

وهنا يبدأ الفرق بين أن تكبر وأن تشيخ.

يمكن للجسد أن يتقدم، فيما يظل العقل قادرا على البدء.

يمكن للشعر أن يبيض، فيما يظل الفضول يملئنا

يمكن للمرآة أن تقول إننا تقدمنا في العمر، فيما يقول الداخل:

ما زلت أريد أن أعرف.

ما زلت أريد أن أحب.

ما زلت أريد أن أرى.

ما زالت لدي أسئلة لم أجد لها جوابا

نحن لا نكبر لأن عقارب الساعة تتحرك.

نحن نكبر حين ندرك أن بعض ما مضى لن يعود.

والشيخوخة، في معناها الأعمق، ليست مجرد تغير في الجسد، ولا عدد السنوات التي يحملها الإنسان في بطاقة هويته. إنها لحظة فلسفية يصبح فيها الإنسان أكثر وعيا بالزمن، وأكثر حساسية تجاه ما فقده، وأكثر إدراكا أن المستقبل الذي كان يبدو ذات يوم بلا نهاية، بدأ يضيق شيئا فشيئا.

الجسد يكبر، وهذا قانون لا نملكه.

لكن الإنسان قد يشيخ قبل جسده بسنوات طويلة.

وقد ترى شابا في العشرين يعيش بعقل متقاعد، يخاف التجربة، ويكره التغيير، ويكرر نفسه، ويعتبر الفضول ترفا، ويقول عن كل حلم: فات الأوان.

وقد ترى إنسانا في الثمانين يمشي في الحياة بعينين مدهوشتين، يتعلم، ويحب، ويسأل، ويضحك، ويجرب، ويبدأ من جديد.

لذلك لا أعتقد أن العمر وحده هو الذي يصنع الشيخوخة.

الإنسان يشيخ حين تصبح العادة أقوى من الرغبة، والخوف أقوى من الفضول، والتأجيل أسهل من المواجهة، واليقين أكثر راحة من السؤال.

قد يتقدم بنا العمر، لكن ما يجعلنا نشيخ حقا هو أن نتوقف عن الحركة الداخلية

يقول تشيخوف: "يكبر الإنسان ثلاثة أضعاف عمره عندما يحاول التأقلم مع حياة ليست مناسبة له."

وربما تكمن هنا إحدى أكثر مفارقات الشيخوخة قسوة.

فنحن لا نتعب دائما من الحياة، وإنما نتعب من الحياة التي لا تشبهنا.

كم من إنسان قضى سنوات طويلة يؤدي دورا لم يختره، ويعيش علاقة لا تشبه قلبه، ويعمل في مكان يطفئه، ويخاف من تغيير الطريق لأن الآخرين سيقولون إنه تأخر، أو فشل، أو فقد صوابه؟

ثم يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه لم يعش الحياة التي أرادها، وإنما الحياة التي اعتادها.

وهنا يصبح الزمن أكثر دهاء منا.

إنه لا يسرقنا دفعة واحدة.

لا يأتي في منتصف الليل ليأخذ منا عشر سنوات.

إنه أكثر هدوءا من ذلك.

يتقدم ببطء نحو المجهول، ويسرق منا كل يوم شيئا صغيرا: دهشتنا، جرأتنا، انتباهنا، قدرتنا على البدء، قدرتنا على قول ما نريد، ثم يجعلنا نعتاد هذا الفقد حتى نظنه نضجا

وفجأة نكتشف أن الحياة لم تمر من أمامنا فقط.

نكتشف أننا مررنا بجانبها.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى الأبد:

كم بقي من العمر كي نسترد ما سرقناه من أنفسنا؟

ترى سيمون دي بوفوار في كتابها التقدم في العمر أن الشيخوخة ليست مجرد حدث بيولوجي يخص الفرد، وإنما تجربة إنسانية تتشكل أيضا من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الإنسان المتقدم في العمر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فنحن لا نخاف الشيخوخة بسبب الجسد وحده، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لها.

نحن نعيش في ثقافة تمجد الشباب، السرعة، الجسد، الإنتاج، المنافسة، الجمال، والقدرة على الإنجاز، ثم تأتي الشيخوخة لتضع الإنسان أمام سؤال صعب:

ماذا تبقى مني حين لا أستطيع أن أفعل كل ما كنت أفعله؟

هل تظل قيمتي قائمة عندما يقل إنتاجي؟

هل أظل مرغوبا عندما يتغير جسدي؟

هل أظل قادرا على الحب حين تتغير ملامحي؟

هل تظل حياتي ذات معنى حين يصبح الماضي أطول من المستقبل؟

الشيخوخة تكشف لنا أحيانا أن كثيرا مما اعتبرناه قيمة إنسانية لم يكن سوى قيمة اجتماعية مؤقتة.

فالمجتمع قد يحب الإنسان المنتج أكثر من أي شخص اخر

وقد يحتفي بالشاب لأنه يمثل المستقبل، بينما ينظر إلى الشيخ باعتباره ماضيا.

لكن الإنسان ليس آلة إنتاج.

وقيمة وجوده لا ينبغي أن تبدأ حين يصبح نافعا وتنتهي حين تقل قدرته على الإنجاز.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الشيخوخة أنها تعيد ترتيب علاقتنا بالزمن.

هنري برجسون لم ير الزمن مجرد سلسلة ميكانيكية من الثواني والدقائق، بل تحدث عن الزمن المعيش، الزمن الذي يتشكل داخل وعينا من خلال الذاكرة والشعور والتجربة.

ولهذا قد تكون ساعة واحدة طويلة جدا في لحظة ألم، وقد تمر سنوات كاملة كأنها لحظة في حياة ممتلئة.

نحن لا نعيش الزمن نفسه.

نحن نعيش إحساسنا بالزمن.

ولهذا لدي اعتقاد بأن عمر الإنسان ليس دائما هو الرقم المكتوب في شهادة ميلاده.

أحيانا، من خفة مشاعري، أعبر الشارع كطفلة في العاشرة.

وأحيانا، من فرط الشعور بالضجر ، أشعر أنني أكبر من سنواتي بكثير.

قد يحمل الإنسان جسدا في الستين وقلبا ما زال قادرا على الدهشة.

وقد يحمل جسدا في العشرين وروحا أنهكها الخوف حتى لم يعد فيها مكان للمغامرة.

الشعور لا يوقف الزمن، لكنه يغير الطريقة التي نسكن بها الزمن.

وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يقول: "فات الأوان."

فكل مرة نقول فيها فات الأوان، نمنح الزمن سلطة لم تكن له.

لا شيء يقول إن عليك أن تتوقف عن التعلم لأنك بلغت سنا معينة.

ولا شيء يقول إن الحب له تاريخ انتهاء.

ولا شيء يقول إن الفضول ملك للشباب فقط

ولا شيء يقول إن البداية تصبح سخيفة حين تتأخر.

ربما لا نستطيع أن نعيد أجسادنا إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نرفض أن نتحول إلى نسخة من أنفسنا انتهت صلاحيتها لمجرد أن السنوات تقدمت.

لذلك اقول : مهما كان عمركم

تعلموا.

اقرأوا.

غيروا آراءكم.

جربوا أشياء لم تجربوها.

تعرفوا إلى أشخاص جدد.

اذهبوا إلى أماكن لم تروها.

اتركوا بعض المساحات للاصدقاء

لا تجعلوا ما فعلتموه بالأمس سجنا لما يمكن أن تفعلوه غدا.

أنت الآن تعيش في أحد الأيام التي قد يتمنى رجل في الثمانين أو التسعين العودة إليها.

لكن لأنك تعيش داخلها، لا تستطيع رؤيتها بالطريقة التي سيراه بها بعد عقود.

القرب يعمينا أحيانا.

والفقد هو الذي يعيد للأشياء حدودها.

الذاكرة لا تحفظ الزمن كالأرشيف.

الذاكرة تبعثه.

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف معنى اليوم العادي.

فلا توجد أيام عادية حقا.

هناك فقط أيام لم نعرف بعد ماذا ستعني لنا.

قد يمر يوم كامل بلا حدث يستحق أن نكتبه في مذكراتنا، ثم يصبح بعد سنوات أحد أكثر الأيام التي نتمنى استعادتها.

ليله لم يمت فيه أحد يهمني

مكالمة انتهت بكلمة "تصبح على خير" ثم جاء صباح آخر فعلا.

رحلة عادية إلى البيت وصل فيها الجميع سالمين.

ضحكة لم نعرف أنها ستصبح ذكرى.

وجه أحببناه ورأيناه في اليوم التالي مرة أخرى.

هذه الأشياء لا تصل إلى الأخبار.

ولا نحصل بسببها على جوائز.

لكن ربما تكون، عندما ينتهي كل شيء، هي الجزء الذي سنشتاق إليه أكثر.

نحن نقضي نصف حياتنا ننتظر الأيام الاستثنائية، ثم نقضي النصف الآخر نتمنى لو استطعنا استعادة يوم عادي واحد.

الشيخوخة، إذن، لا تجعلنا نخاف الموت فقط.

إنها تجعلنا نعيد تقييم الحياة.

وهنا تكمن قيمتها الفلسفية القاسية.

فالموت ليس مجرد نهاية بعيدة، وإنما حقيقة تجعل للوقت قيمة.

ولهذا لا أريد أن أعيش وكأن الحياة مجرد غرفة انتظار.

لا أريد أن أؤجل الفرح إلى وقت مثالي لن يأتي.

لا أريد أن أقول سأقرأ حين أتفرغ

 وسأسافر حين تتحسن الظروف

  وسأبدأ حين يصبح الطريق واضحا.

فقد يكون الاستعداد للحياة أحد أكثر الطرق أناقة لإهدارها.

نستعد.

ثم نستعد أكثر.

ثم نكتشف أن العمر كله كان استعدادا

لا تؤجلوا الحياة حتى تصبح الحياة مناسبة لكم.

الحياة لن تصبح كاملة.

سيظل فيها الخوف والفقد والمرض والقلق والرحيل.

لكنها ستظل أيضا قادرة على أن تمنحنا الدهشة.

وهذا يكفي كي نحاول.

لا أريد أن أتعامل مع الشيخوخة باعتبارها عدوا ينبغي سحقه.

الجسد له قوانينه، والزمن لا يفاوض أحدا.

ولا أعتقد أن مقاومة الشيخوخة تعني إنكار العمر أو مطاردة الشباب إلى الأبد.

أن تكبر ليس عيبا.

العيب أن تفقد علاقتك بالحياة قبل أن ينتهي عمرك.نتظر اللحظة المناسبة.

أنا لا أريد جسدا لا يشيخ.

أريد عقلا لا يتعفن.

أريد فضولا لا ينطفئ.

أريد قدرة على الحب لا تنتهي.

أريد دهشة تستطيع أن تنظر إلى شجرة في السبعين كما كانت تنظر إليها في السابعة.

أريد أن أبقى قابلة للبدء من جديد كل يوم

وربما لهذا أقول:

لا تنتظروا الحياة حتى تنتهي.

غنوا.

ارقصوا تحت المطر

تأملوا

اقرأوا.

اضحكوا بلا سبب.

قولوا لمن تحبون إنكم تحبونهم.

التقطوا الصور، ليس خوفا من الزمن، وإنما امتنانا للحظة.

اجلسوا مع من تحبون دون أن تنشغلوا بالهاتف

قولوا ما تريدون قوله قبل أن يتحول الكلام إلى ندم.

اقتربوا من الطبيعة.

تعلموا شيئا جديدا في سن لا يتوقع الناس فيه منكم أن تتعلموا شيئا.

لا تسمحوا للعمر أن يتحول إلى أمر قضائي ضد الحياة.

ربما تكون الشيخوخة أكثر مرايا الإنسان صدقا.

فهي تزيل شيئا فشيئا كل ما كنا نعتقد أنه ثابت، وتضعنا أمام الحقيقة البسيطة التي حاولنا طوال حياتنا الهرب منها:

أننا عابرون.

لكن كوننا عابرين لا يعني أن وجودنا بلا قيمة.

على العكس.

ربما لأننا عابرون تصبح الضحكة مهمة.

ويصبح الشغف مهما

وتصبح الصداقة مهمة.

ويصبح الكتاب الذي قرأناه في الوقت المناسب مهما.

وتصبح الشجرة التي زرعناها ولم نرها تكبر جزءا من معنى وجودنا.

وتصبح يد أمسكنا بها في لحظة خوف أثمن من كل الأشياء التي ظننا يوما أنها ستجعلنا سعداء.

ولهذا، إذا كان الزمن سيأخذ منا الشباب، فليأخذ ما يشاء.

لكن لا نعطه دهشتنا.

لا نعطه فضولنا.

لا نعطه قدرتنا على الحب.

أنا لا أخاف الشيخوخة  ولست مهتمة بأن أبدو أصغر من عمري.

أنا مهتمة بأن أظل أكبر من خوفي.

أتقبل أن يكبر وجهي، لا أن تصغر أسئلتي.

أتقبل أن تتغير ملامحي، لا أن تتجمد روحي

لن اقول. كيف نمنع الشيخوخة؟

ولكن . عندما اصل إلى سن الشيخوخة

أتمنى أن أقول.

هذا أنا.

هذه أخطائي.

هذه خساراتي.

هذه نجاحاتي

هذه ضحكاتي.

هذه الوجوه التي أحببتها.

هذه المدن التي تركت شيئا مني فيها.

هذه الكتب التي غيرتني

لقد عشت كما كنت اريد.. فاجمل مقاومة للشيخوخة هي أن نعيش

***

ابتهال عبد الوهاب

دفعني تخصصي في فلسفة التاريخ والحضارة من حواء وآدم حتى ترانب والخميني الى تأمل الفارق بين التجارب الحضارية والثقافات السياسية المختلفة، أن ثمة سؤالًا عميقًا يستحق أن نعيد طرحه بلا خوف ولا مجاملة: كيف تنظر الثقافة المختلف إلى حياة الإنسان وحقوقه؟ وما الذي تعتبره جديرًا بالحماية والرعاية والاحترام؟

من التأكيد بنسبية الوقائع المشخصة فليست الدولة العلمانية كتلة واحدة، كما أن المجتمعات العربية والإسلامية ليست كتلة واحدة، فهذه التعميمات لا تفسر التاريخ ولا الواقع . لكن يمكن ملاحظة اختلاف في البراديغم الثقافي والسياسي المهيمن في بعض التجارب

المتاحة للرؤية والمقارنة ففي الثقافة التي لا تكف عن تذكير الإنسان بعجزه وقلة شأنه وعدم كفاية عقله وخيبة مسعاه في هذه الدنيا الفانية التي يكرس فيها الاعتقاد بإنها (لا تساوي جناح بعوضة) لا يمكنها أن تكون دافعا وحافزا للأمل والعمل والنمو والتنمية والمستقبل والازدهار بل ستفضي مع مرور الزمان الى نتائج كارثية لم تكن بالحسبان وسيدفع جميع الناس أثمانها الباهظة، افرادا وشعوبا ودولا من دمهم ولحمهم وكرامتهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم كما يتنضد المشهد الآن أمام البصر والأبصار في مشهد تراجيدي سوريالي في اليمن التي يعاد تسويتها وتشكيلها أمامية حوثية طائفية من (انصار الله) أو الشباب المؤمن أو المسيرة القرآنية وقد سبق وحذرت من مخاطر تجنيد النساء والأطفال في الحرب الاهلية اليمنية الكارثية منذ بدايتها إذا كانت الحروب تُدمِّر الجسور والطرق والمباني، فإن أخطر ما تدمره هو الإنسان وهو في طور التكوين. فالطفل الذي يولد في زمن الحرب لا يرث الخراب المادي فحسب، بل يرث أيضًا عالمًا مضطربًا من الخوف والحرمان والقلق وانعدام اليقين. وهنا تبدأ الحرب في ممارسة تأثيرها الأعمق؛ إذ تنتقل من ساحات القتال إلى ساحات التربية، لتعيد تشكيل الوعي قبل أن تعيد تشكيل الواقع.

لقد أثبت علم الاجتماع التربوي أن الإنسان لا يتعلم من المناهج الدراسية وحدها، بل يتعلم من البيئة التي يعيش فيها، ومن الرموز التي تحيط به، ومن الصور التي تتكرر أمام عينيه، ومن الألعاب التي يلهو بها، ومن اللغة التي يسمعها كل يوم. فالطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب، بل هي المصنع الذي تُصاغ فيه الشخصية، وتُبنى فيه منظومة القيم، ويُرسم فيه أفق المستقبل.

ولهذا فإن الحرب لا تكتفي بتدمير المدارس، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف معنى المدرسة نفسها. فحين تغيب الدولة، ويضعف القانون، ويصبح السلاح جزءًا من المشهد اليومي، تتحول التربية من صناعة للمواطنة إلى عملية تكيف مع العنف، ويغدو البقاء أهم من المعرفة، والقوة أهم من الحوار.

وأتذكر هنا مشهدًا ما يزال حيًا في ذاكرتي، التقطته بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب في اليمن. كنت في طريقي إلى منزلي في مدينة خور مكسر، إحدى أكثر أحياء عدن مدنية وانفتاحًا، حين استوقفتني مجموعة من الأطفال، في عمر الزهور، يسيرون في صفوف منتظمة، يؤدون ما يشبه المارش العسكري بدقة لافتة. طلبت من سائق سيارة الأجرة أن يتوقف، وظننت في البداية أنها لعبة مدرسية عابرة أو نشاط احتفالي.

لكنني عندما اقتربت، كانت المفاجأة أكبر مما توقعت. فقد كان جميع الأطفال تقريبًا يرفعون في أيديهم بنادق ومسدسات وآليات عسكرية بلاستيكية، ويهتفون بشعارات حربية، ويحاكون حركات المقاتلين بكل براءة، وكأنهم يعيدون تمثيل مشاهد اعتادوها في حياتهم اليومية.

وهذا هو معنى العبارة التي طالما ورددتها (حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة وتستبطن بفعل التطبع تصير ثقافة

وهكذا تمخضت نتائج هيمنة البرالديغم الثقافي في (يمن الحكمة والإيمان) اقصد هيمنة الثقافة التي تجعل الدنيا هامشًا، والإنسان عاجزًا، والعقل قاصرًا، والسعي الدنيوي قليل القيمة، والموت أسمى من الحياة، والنجاة الأخروية أهم من تحسين شروط الحياة الجديرة بالعيش والكرامة وكلما ضاقت فرصة الحياة الكريمة زادت ثقافة الموت الذميمة. لاحظت مشاهد مروعة من المعارك المشتعلة هذا الأيام في الجبال المطلة على باب المندب، جثث أطفال بعمر الزهور متناثرة في الشعاب والوديان وصور متوحشة في تمثيل المقاتلين من الأطراف المتحاربة بجثث بعضهم بصورة لا تنم عن قيم الشرف والبطولة أبدا. وليس هناك ما هو افضع من مؤمن لتعذيب مؤمن آخر من ذات الدين، إذ إن كلا منهم يعتبر ذاته ملاكا والأخر شيطانا ! وحينما تحضر الملائكة والشياطين يختفي آدم وحواء الانسان أبن أديم الأرض والنفحة الربانية وقيمه الإنسانية الدنيوية المتواضعة الشفوقة القنوعة النسبية المتغيرة المرنة الواقعية الممكنة العقلانية، إلا تكفي هذه النتائج الفاجعة كل من يدعي الأنتماء الى دين الإسلام الحنيف الذي أنزله الله رحمة بالعالمين لإعادة التفكير الحصيف بالنتائج والأسباب؟! والفكرة الآتية من خارج الحياة لا تستطيع أن تنتج حتى فكرة موتها وفي هذه الحلقة الجهنمية تكمن خطورتها !

وحينما ننظر إلى الدول المدنية التي قننت الحياة الحياة المشتركة لمواطنيها سياسيا نجدها تأخذ حياة الإنسان وحقوقه الطبيعية والمدنية وسعادته ورفاهه بكل صارمة وجدية بوصفها غاية الغايات.

ليست المشكلة في الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، ولا في الإيمان بوصفه بحثًا عن المعنى والرحمة والعدل، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها بعض التأويلات الدينية إلى ثقافة تقلل من قيمة الحياة الدنيوية، أو تجعل الألم قدرًا لا ينبغي مقاومته، أو تحول الفقر والمرض والجهل والقهر إلى امتحان ينبغي احتماله بدل أن يكون سؤالًا ينبغي العمل على تغييره.

وليس هناك ما يمنع الإنسان من أن يؤمن بأن الحياة ابتلاء، وأن فيها الألم والمرض والفقد والخسارة، فالإيمان بالابتلاء قد يكون مصدرًا للصبر والقوة والتكافل والعمل من أجل تجاوز المحنة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الإيمان إلى فلسفة للاستسلام، فيُطلب من الإنسان أن يتعايش مع الفقر والقهر والجهل والمرض وكأنها أقدار لا يجوز مقاومتها أو تغييرها. هناك فرق كبير بين أن أقول للإنسان: اصبر على ما لا تستطيع تغييره، واعمل على تغيير ما تستطيع، وبين أن أقول له: اصبر لأن الدنيا فانية، ولا تنشغل بحقوقك فيها لأن الجزاء الحقيقي في الآخرة. فالإيمان بالآخرة لا ينبغي أن يكون سببًا لإهمال الدنيا، بل حافزًا لجعلها أكثر عدلًا ورحمة وكرامة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن حياته وحقوقه وصحته وحريته وأمنه ليست أمورًا هامشية. فالحياة ليست ضد الآخرة، والابتلاء ليس دعوة إلى الاستسلام، والصبر لا يعني قبول الظلم.

ونحن نعلم إن الإنسان يسلك وفقًا لما يعتقد؛ فالمعتقد ليس فكرة تسكن الرأس فحسب، بل قوة تتسلل إلى السلوك وتعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم. فإذا اعتقدت أن بيتي مسكون بالخوف خفت منه، وإذا اعتقدت أن جيراني يتربصون بي توترت علاقتي بهم، وإذا اعتقدت أنني لا أستحق مستقبلًا أفضل فقدت الدافع إلى البحث عنه. وهكذا يمكن للمعتقد أن يكون قوة للتحرر والتقدم، كما يمكن أن يتحول إلى قيد يعيد إنتاج العجز والاستسلام.

وحين تتحول بعض المعتقدات إلى يقين مغلق، ثم تتكفل المؤسسات والتعليم والخطابات الاجتماعية بتثبيتها، فإنها لا تعود مجرد أفكار فردية، بل تصبح ثقافة كاملة تحدد ما نراه ممكنًا وما نراه مستحيلًا.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر: حين يتعلم الإنسان أن الفقر قدر، والمرض ابتلاء لا ينبغي مقاومته، والجهل أمرًا محتومًا، والسؤال خروجًا، والحرية فتنة، والدنيا شيئًا لا يستحق كثيرًا من الاهتمام، تبدأ ثقافة احتقار الحياة.

أما حين يرى الإنسان الدنيا مجالًا للعمل والعمران والمسؤولية، يصبح العلم ضرورة، والصحة حقًا، والكرامة أساسًا، والحرية مسؤولية، ورعاية الإنسان واجبًا.

فالمشكلة ليست في أن نؤمن، بل في ماذا يفعل إيماننا بنا ومجتمعاتنا والعالم الذي نتشاركه مع أشباهنا من البشر.

فحين ننظر إلى تاريخ العنف باسم الدين، من الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وحروب الطوائف الدينية في اوروبا ما قبل الحديثة ، إلى حروب الطوائف الإسلامية التي شهدتها ولاتزال تشهدها عدد من الدول العربية منها؛ اليمن وأفغانستان والصومال وسوريا والعراق وليبيا والجزائر وغيرها، ينبغي ألا نختزل هذه المآسي في الدين وحده؛ فالعنف تصنعه أيضًا صراعات السلطة والموارد، والاستبداد، والاحتلال، والفقر، وانهيار الدولة، والصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية. لكن يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنسانًا آخر لأنه يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة؟ وكيف يتحول المختلف من إنسان إلى شيطان؟ عندما ينقسم العالم في الوعي المتطرف إلى ملائكة وشياطين، يختفي آدم، ويختفي الإنسان ابن آدم، ذلك الكائن الضعيف المحتاج إلى الرحمة، القابل للخطأ والصواب، والذي لا يملك الحقيقة كاملة. وهنا تبدأ المأساة؛ إذ يصبح القتل تطهيرًا، والتعذيب عقوبة، والإقصاء فضيلة، والكراهية دفاعًا عن المقدس. لذلك لا يكفي أن نسأل: من يملك الحقيقة؟ بل علينا أن نسأل: أي إنسان تنتج الحقيقة التي نؤمن بها؟ هل تجعلنا أكثر رحمة وعلمًا وحرية واحترامًا للحياة، أم تجعلنا أكثر خوفًا من السؤال، واحتقارًا للدنيا، وعداءً للمختلف، واستعدادًا للتضحية بحياة الآخرين باسم خلاصنا؟ إن الفكرة التي لا ترى الإنسان في الآخر، مهما كان اسمها، لن تستطيع أن تبني عالمًا إنسانيًا.

وهنا ينبغي أن نعيد التفكير: ليس في الإيمان بوصفه إيمانًا، ولا في الدين بوصفه دينًا، وإنما في الطريقة التي تتحول بها معتقداتنا إلى سلوك، وسلوكنا إلى مؤسسات، ومؤسساتنا إلى ثقافة، وثقافتنا إلى مصير تاريخي.

ففي عالم انكمش فيه الزمان والمكان، ولم يعد الإنسان يستطيع أن يعيش منعزلًا عن الآخر، لم يعد التعايش ترفًا أخلاقيًا، بل أصبح شرطًا لبقاء الإنسان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه «لاهوت التعايش»: قراءة للإيمان تجعل اختلاف الأديان والثقافات مجالًا للتعارف لا للصراع، وللتكامل لا للإلغاء، ولحماية الحياة لا لتبرير إهدارها.

إننا بحاجة إلى إيمان يرى في الإنسان إنسانًا قبل أن يراه منتميًا إلى عقيدة أو طائفة أو قومية؛ إيمان يحرر الرحمة من حدود الجماعة، والكرامة من حدود الهوية، والحق من احتكار الحقيقة.

فإذا كانت الحياة ابتلاءً، فإن أول واجب في هذا الابتلاء هو حماية الحياة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن أول علامات تكريمه أن نحفظ كرامته. وإذا كان العقل نعمة، فإن شكره يكون باستخدامه في السؤال والنقد والمراجعة.

وعندها فقط تتحول العقيدة من جدار يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان إلى جسر يعبر به الجميع نحو عالم أكثر رحمة وعدلًا وحرية.

وهنا تتجاوز مفارقة المعتقد حدودها، لتصبح دعوة إلى مصالحة الإنسان مع الحياة، ومع العقل، ومع الآخر.

***

د. قاسم المحبشي

 

هل يمكن للإنسان الفرد أو الجماعة، أن يفهم نفسه بدون الآخر.. وهل يستطيع الإنسان أن يستغني عن الآخر.. أم العلاقة بين الذات والآخر، من العلاقات المركبة على المستويين الفردي والجماعي، بحيث أنه لا يمكن فهم الذات إلا بفهم الآخر.. وبالتالي فإن العلاقة بين الذات مهما كان عنوان تعريفها، هي بحاجة إلى الآخر مهما كان عنوانه وتعريفه..

فإذا كان عنوان الذات دينيا، فإن هذه الذات بحاجة ماسة لفهم ذاتها وللعيش الإنساني السليم مع الآخر الديني. وإذا كان عنوان الذات قوميا أو عرقيا أو مذهبيا، فإنه لا يمكن لهذه الذات من إدراك حقائق الحياة بدون نسج علاقات سوية مع الآخر.. فالآخر بكل دوائره، هو مرآة الذات بكل دوائرها.. ومن يبحث عن ذاته، لا يمكن القبض على حقيقتها وجوهرها بدون استيعاب الآخر وفهمه وإدراك حاجاته ومتطلباته. فالآخر هو مرآة الذات، ولا ذات حقيقية بدون آخر حقيقي. لذلك فإننا نعتقد ومن منطلق فلسفي ومعرفي إن كل دعوات الاستغناء عن الآخرين مهما كانت مبرراتها ومسوغاتها أو عناوينها، هي دعوات لا تنسجم ونواميس الحياة الإنسانية..

فدعوات نفي الآخر واستئصاله، لم تؤد ولن تؤدي إلا إلى تشبت الذات بكل خصوصياتها وحيثياتها المباشرة وغير المباشرة .

لذلك فإننا نرى أن كل الأيدلوجيات والنزعات الاصطفائية والتطهيرية، لم تفض إلا إلى المزيد من بروز الهويات الفرعية والخصوصيات المراد طمسها وتغييبها.

وعليه فإن الآخر الديني هو ضرورة وجودية للذات الدينية. كما أن الأخر المذهبي هو ضرورة وجودية ومعرفية للذات المذهبية وهكذا بقية العناوين ودوائر الانتماء التي تحدد معنى الذات والآخر.. فالذات التي لم تتجاوز حدودها على أحد تعبير الكاتب المصري سمير مرقص، مهما كان ثراء هذه الذات ومهما حملت من خبرات، تظل في حاجة كيانية - ماسة ـ إلى أن تعبر هذه الحدود انطلاقا من احتمالية أن الآخر قد يحمل ثراء وخبره لم تعرفها أو قد تدركها ا الذات من جهة، وإن استمرار الذات في الوجود يعتمد إلى حد كبير على اختبار ما لدى هذه الذات من غنى وخبرة بالتفاعل أو باكتشاف ـ على الأقل ـ ما لدى الآخر من جهة أخرى.

والآخرـ بحكم التعريف ـ هو مغاير للذات، ويظل منطقة تحتاج إلى الإدراك.

والذات في عملية خروجها إلى الآخر ـ اكتشافا ـ إنما تعيد اكتشاف نفسها، وربما تبدأ في إدراكها. والذات لا يمكن أن تكون ذاتا إلا بوجود الآخر.

فمن يبحث عن اكتشاف ذاته، ومعرفة منظومته القيمية والثقافية، فعليه بالتواصل مع قيم الآخرين ومنظوماتهم الثقافية.

فالعزلة والانكفاء لا يقودان إلى اكتشاف الذات، حتى ولو كان خيار العزلة خيارا أيدلوجيا.

والنظرة النرجسية إلى الذات وقيمها وما تملك من مبادئ ومعارف، فإنها لا تؤدي أيضا إلى إدراك وفهم حقيقة الذات الثقافية والقيمية.. وذلك لأن النزعة النرجسية لدى الإنسان، تقوده إلى شعور وهمي بالاستغناء عن الآخرين بكل معارفهم ومكاسبهم العلمية والحضارية. فلا العزلة تقود إلى الفهم واكتشاف الذات، كما إن الاستغناء عن الآخرين، والتكور والتمحور حول الذات، لا يفضي إلى اكتشافها، وإنما يفضي إلى بناء صورة نمطية حول الذات، ليست قادرة على استنهاض الإنسان واكتشاف قدراته وطاقاته الكامنة. وحده التواصل والانفتاح هو الذي يقود إلى اكتشاف الذات. من هنا نصل إلى حقيقة اجتماعية وحضارية مهمة. وهي أن العزلة والانكفاء، ليست هي وسيلة الدفاع الحضارية والثقافية عن الذات، بل هي تعتبر وسيلة للهروب من استحقاقات الراهن. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة إنسانية عن مجتمع، تمكن من حفظ ثوابته وصيانة مكتسباته من خلال الانكفاء والانعزال . ويبقى الانفتاح الرشيد والتواصل العلمي والثقافي والاجتماعي، بين مختلف التعبيرات والمكونات، هو وسيلة الدفاع عن الذات. فالتمسك بالثوابت والدفاع عن الخصوصيات، لا يمكن أن يتحقق بانغلاق الذات، وإنما بانفتاحها وتواصلها المستديم مع الآخر. ومهما كانت التباينات ونقاط الاختلاف، لا مبرر حقيقي للانكفاء والانعزال.. بل على العكس من ذلك تماما... ولا يمكن إدارة الاختلافات الدينية والمذهبية والفكرية، بدون تواصل المختلفين مع بعضهم البعض..

لهذا كله فإننا نعتقد وبشكل عميق أن اكتشاف الذات يتطلب الاهتمام بالأمور التالية:

1-  إن الإنسان مهما امتلك من إمكانيات وكفاءات وطاقات، لا يستطيع أن يحقق ذاته ويعزز مكاسبها العامة، بدون نسج علاقات طبيعية وسوية مع محيطه الاجتماعي والثقافي والوطني..

فالإنسان السوي لا يمكنه الاستغناء عن الآخرين وإنما من الضروري أن ينسج علاقات سوية معهم. ولا ريب أن بوابة هذه العملية هو الانفتاح والتواصل والتعاون مع الآخرين.

فالعلاقة شرطية وجدلية في آن واحد (على حد تعبير الكاتب سمير مرقص) بين الذات والآخر. وهذه العلاقة غاية في التعقيد، حيث يصبح الآخر شرطا لتحرر الذات من ذاتية عمياء لا ترى إلا نفسها – وربما لا تراها – ومن ثم تحمل نهاية لصيرورتها، وهنا يكمن البعد الشرطي في العلاقة. وفي الوقت نفسه فإن تحرر الذات من حدودها والخروج إلى الآخر، إنما يعني التجدد بإدراك نقاط القوة لدى الآخر والتي تعني نقاط الضعف لدى الذات ما يعني تحقق البعد الجدلي في العلاقة،والعكس صحيح بطبيعة الحال. هذا بالإضافة إلى تصحيح الصور النمطية أو الرؤى سابقة التجهيز التي يشكلها كل طرف من الطرفين – الذات والآخر – بعضهما عن بعض..

2-  إن الآخر المختلف، ليس موضوعا للنبذ والإقصاء والسباب والشتيمة، وإنما هو موضوعا للحوار والتواصل والتعارف. وإن الاختلافات والتباينات مهما علا شأنها، لا تشرع لأحد ممارسة الحيف والظلم بحق الآخر المختلف.

فالمطلوب من كل الأطراف، ليس التنابز بالألقاب، وممارسة سوء الظن المتبادل، وإنما المطلوب هو ممارسة العدل تجاه بعضنا البعض..

ولا يمكن أن نحقق مفهوم العدل في العلاقة مع المختلف، بعيدا عن قيم الحوار والتواصل والتعاون..

فليس عيبا أن نختلف، لأن ذلك من لوازم الحياة الإنسانية، ولكن العيب كل العيب حينما يقودنا هذا الاختلاف إلى الخصام والعداء المتبادل..

فتعالوا جميعا من مواقعنا الفكرية والثقافية والاجتماعية المتعددة والمتنوعة، أن نمد أيدينا لبعضنا البعض، ونطرد من واقعنا كل أسباب الإحن والبغضاء، ونتعاون مع بعضنا البعض لإرساء معالم وحقائق الاحترام المتبادل وصيانة الحقوق والحفاظ على أسباب الوئام وموجبات الاستقرار والتضامن..

3- حين الحديث عن ضرورة نسج علاقات إيجابية بين الذات والآخر، وإن جميع مكونات وتعبيرات المجتمع الواحد، من الضروري أن تنفتح على بعضها، وتتواصل اجتماعيا ومعرفيا.. فإننا ندرك وبعمق أن التوجيهات الأخلاقية بوحدها، لا تصنع هذه الحقائق، ولا تبني العلاقات الإيجابية بين مختلف الأطياف والتعبيرات..

لذلك فإننا نعتقد أن تنمية فضاء المصالح المشتركة، بين مختلف المكونات والتعبيرات، هو الذي يساهم مساهمة رئيسية في تعزيز التواصل والعلاقة..

فحينما تكون مصالح الناس متباعدة، فإن التوجيهات الأخلاقية، ستعالج في الحدود القصوى بعض الحالات الفردية. أما إذا كانت شبكة المصالح اليومية بين الناس متداخلة، فإن هذه الشبكة بمتوالياتها ومقتضياتها المتعددة، ستفرض واقعا جديدا على صعيد العلاقات الداخلية في المجتمع الواحد. وتأتي التوجيهات الأخلاقية، لتضيف إلى هذا الواقع نزعة أخلاقية – روحية، تساهم في ضبط العلاقة اليومية، وتخرجها من دائرة العلاقة بين الأجساد والعقول، وتدخلها في رحاب الروح والالتزامات الأخلاقية..

إننا نشعر بأهمية أن تكون العلاقة بين تعبيرات المجتمع إيجابية وحسنة، ومتجاوزة لإرث القطيعة والانفصال. ولا سبيل حيوي وفاعل لذلك إلا بتوسيع شبكة المصالح المشتركة بين مختلف الأطراف..

بحيث يشعر الجميع، أن مصلحة الجميع تقتضي، التمسك بكل أسباب الانسجام الاجتماعي والتضامن الوطني..

وصفوة القول: إننا ينبغي أنلا نذعن إلى إكراهات القطيعة ومناخات المفاصلة والجفاء بين أطياف المجتمع والوطن، ونعمل من مواقعنا المتعددة على إشاعة أجواء التفاهم والتواصل، ونوفر كل الأسباب المؤدية إلى بناء علاقة إيجابية وحيوية ومتضامنة بين جميع المكونات والتعبيرات.

***

محمد محفوظ

 

عندما يسود المجتمع وعي ماضوي، وثقافة احادية، وتعليم تنميطي يعتمد على التلقين والحفظ، وسياسة تعمل على خلق هُوية مُغلَقة، ويتصدر المشهد المُؤدلَجون، ويدخل الفن تحت الوصاية، ويكون الإعلام بوق دعاية وليس منبر تثقيفي وتوعوي عندها يتحول الناس إلى نُسخٍ مُكررة تجتر ما ابتلعته من أفكار دون أن تمر على العقل، لأن العقل قد تم احتلاله داخل هذه البنية المعرفية التي تخلق قطيع يُساق.

هنا تظهر حاجة ضرورية إلى أشخاص قادرون على طرح السؤال ومحاكمة النسق والنمط الواحد، لذلك تعلو قيمة صوت الاستاذة إبتهال عبد الوهاب الذي صدح شادياً: (لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى).

وهنا سوف نسعى معاً إلى قراءة فكر ابتهال عبد الوهاب لعل المجتمع ينتبه إلى هذا العقل الثري الذي ينفجر كشلال هادر، طامحاً إلى إزالة ما تراكم من نفايات الجهل داخل بنية العقل الجمعي المصري.

أولاً: التمرد 

ليس التمرد في فكر إبتهال هو إعتراض على واقع ترفضه وحسب، إنما هو سيرورة وصيرورة أي إنه فعل هدم وبناء في آنٍ واحد أما ماذا تهدم وماذا تبني ؟!! إنها تهدم الماهيات التي يفرضها عليها المجتمع لتبني وتخلق ماهية تخصها وكينونة تتجلى من خلالها ذاتها الشخصية لذلك تقول (انا ظاهرة تشكلت حين قررت الروح ان تخرج من قالبها.. ‏وتجرؤ على ان تكون ذاتها ولو كلّفها ذلك عزلتها الكونية... انا الكينونة التي تشق لنفسها دربا).

ومن أجل لذلك لم تقف عند قيود المجتمع التي تحرم المرأة من كينونتها بل تمردت على هذا النسق الإقصائي الذكوري وصرخت وهى تحمل صرخة كل أنثى قائلة: (ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي

ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا. واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...).

إذن فعل التمرد عند السيدة إبتهال هو فعل فلسفي وجودي، يعمل على تفكيك الماهيات المُسبقة، وتكسير القيود التي تكبل الحضور الانساني الحر وتمنع العقل من ترك بصمته الخاصة التي لا يمكن لأحد غيره أن يقوم بها.

لذلك يكون التمرد مفتاح هام في قراءة فكر إبتهال عبد الوهاب، ودعوة دائمة لحث قراءها على الاستجابة لنداء التمرد للخروج من نفق الإنغلاق والتحجر والإستنساخ الفكري.

ثانياً: الأنسنة

يقف الانسان في بؤرة إهتمام إبتهال عبد الوهاب لذلك سعت إلى أنسنة التراث الديني (المقدس)، وأنسنة القيم،وأنسنة السلطة في الواقع المُعاش.

١ - أنسنة الوعي الديني

أ - أنسنة التراث الديني

قامت الاستاذة إبتهال بتفكيك البنية المعرفية للتراث لذلك وضعت التراث الديني في إطار الاجتهادات الانسانية ولم تضعه في دائرة المقدس لكي تعمل على تحيده حتى لا يأخذ سُلطة على العقل لذلك قالت:

(غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.

إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي).

لذلك دفاعاً عن الانسان ذهبت إلى ضرورة قراءة التراث الديني في سياقاته التاريخية والابتعاد عن تحويله إلى صنم يسجد له الإنسان، فالتراث في خدمة الانسان وليس العكس.

ب - أنسنة الطقس الديني

لم تنظر إبتهال إلى الطقس والاحتفال الديني من واقع التصور الدجمائي المُغلَق بل الخروج من مساحة العقيدة الضيقة إلى مساحة الانسانية الرحبة، لذلك قدمت رؤيتها المتقدمة عن شعيرة الصوم قائلة: (غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال).

وعلى نفس القياس قدمت قراءة إنسانية لذبح الاضاحي حيث نبهت أن الاضحية الحقيقية هى ذبح كل ما يعتمل في النفس من قبح يعمل على إهدار قيمة وكرامة الانسان لذلك تترك لنا سؤالاً: (ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح.. الخروف أم القسوة التي تسكن الإنسان؟.. ما الذي يجب أن يموت في الإنسان.. كي يصبح أكثر إنسانية؟).

٢ - أنسنة منظومة القيم.

لعل ما يلفت النظر أن القائمين على السلطة يجعلون الدين مصدر القيم الاخلاقية، حتى إنهم وضعوا الدين في قمة أدوات الضبط الاجتماعي لأن الناس تعيش بمنطق الحلال والحرام . أما الاستاذة إبتهال فإنها تضع من يقوم بإنتظار المكافأة على أفعاله في دائرة النفعية والمصلحة وهذا فى حد ذاته خَصماً من القيمة الاخلاقية للفعل ذاته. فالفعل يكتسب قيمته الاخلاقية من واقع تاثيره على الآخر إيجاباً وسلباً وليس لان القانون أو الدين بمنع الفعل يصبح  شريراً ولكن الضرر الذي ترتب علي القيام بهذا الفعل هو ما أعطى القيمة اللاأخلاقية لهذا الفعل . لذلك تقول لنا في مواجهة ساخنة مع العقل الدوجمائي: (لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟

ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟

هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية).

ولا تقف الاستاذة إبتهال عند منظومة القيم الاخلاقية المعروفة لدى العامة بل أضافت إليها قيمة (القلق)

وقد يُصاب المرء بالدهشة من هذه الاضافة إلى منظومة القيم ولكن بالرجوع إلى فكر السيدة إبتهال نجد أن القلق هو فعل وجودي يعمل على تحريك الوعي من منطقة البلادة والجمود إلى منطقة الحركة وتحديث الفكر .

كما إنها تنتقد (المعرفة) وتقول إنها تفتقد بعدها الاخلاقي عندما تتحول إلى إداة لإنتاج الجهل والتعصب والكراهية (المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى).

٣ - أنسنة السُلطة

في ظل سياق عربي يترنح تحت صراعات دامية من أجل السُلطة، لذلك من تستب له يقبض عليها وكأنها هبة سماوية وكأنه هو مسيح ومخلص لهذا الشعب البائس، لذلك لا تستمد الدولة سلطتها وممارساتها داخل هذه النظم من الدستور والقانون بل من اللّه والزعيم المُلهم، لذلك تدفع الشعوب ضريبة هذا التصور عن السلطة. لذلك أنسنة السلطة عند الاستاذة إبتهال تعني أن الدولة هى نظام بشري يهدف إلى حماية الافراد من الفوضي وتعمل على صون حرياتهم وحقوقهم الاجتماعية والفكرية والدينية لذلك يجب أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع. ويجب أن يكون مِرجَع الدولة الدستور والقانون . لذلك تلخص رؤيتها نحو السلطة هكذا (أريد دولة يكون القانون فيها أقوى من الحاكم، والحق أعلى من الامتياز، والإنسان أكرم من كل شعار).

ثالثاً: الفلسفة

ليست الفلسفة عند إبتهال عبد الوهاب إجترار لأفكار كبار الفلاسفة وليست صدى صوت لاصواتهم بل الفلسفة كما تراها السيدة إبتهال هى أداة العقل للخروج من كهف الطمأنينة الزائفة إلى فضاء الشك الذي يلتمس الحقيقة، هى عدم الاكتفاء بالاجابات المُعلَبة بل السؤال الذي يفضح الجهل ويُعرّي الوهم،وبعبارتها هى (ضرورة أخلاقية وفكرية. إنها تلك اليد الخفية التي تمسك العقل وتمنعه من الانحدار نحو يقينيات مطلقة لا تعرف الشك ولا تعترف بالآخر. الفلسفة ليست موسوعة لأسماء الفلاسفة، ولا هي تكديس للنصوص، بل هي نمط خاص في النظر إلى العالم، رؤية تؤنسن الوجود، وتحول التجربة الفردية إلى مجال لاكتشاف الذات والآخر معا. وما الفلسفة إلا هذا التوتر الجميل بين حرية الفرد وانعكاس المجتمع فيه، بين تفرده وتشابكه، بين صوته الخاص وصدى البشرية في داخله.

الفلسفة ليست علما يدرس فحسب، بل هي طقس من طقوس الحياة. دهشة ممتدة وصوت داخلي يوقظ فينا السؤال الأول. السؤال الذي يشق الصمت ويخلق المعنى).

وقد إستخدمت الاستاذة إبتهال الفلسفة في إعادة تعريف مصطلح الجاهلية و تفكيك البنية المعرفية للتطرف ودافعت من خلالها عن حق الاختلاف العقيدي.

الاستاذة إبتهال عبد الوهاب ليست مثقفة تسكن في برج عاجي، وليست فيلسوفة تسبح في فضاء ميتافيزيقي بل هى فيلسوفة تشتبك مع المجتمع وتتفاعل مع قضاياه وتسعى إلى بناء عقول حرة ناضحة قادرة على الاختيار وبناء ذواتهم وماهياتهم الخاصة.

انا لا أدعي إنني إستوفيت كل فكر الاستاذة إبتهال بل فتحت نافذة صغيرة للقارئ ليطل من خلالها على هذا الانتاج الفكري والادبي الرائع كما أدعو غيري من القراء لتناول فكر إبتهال بالمناقشة والتحليل والقراءة المحايدة، فهذا ما يجعل الافكار قادرة على التوالد وإنتاج البُنى الفكرية المتكاملة.

***

بقلم: أشرف منير رمزي

في المثقف اليوم