عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ياسر البتانوني: المعرفة الإنسانية بين نور البصيرة وأفق الحقيقة (2)

استكمالا لحديثنا السابق عن المعرفة الإنسانية، نقول: إذا كانت المعرفة قد بدأت من سؤال الإنسان عن نفسه والعالم، فإنها كلما تعمقت لا تلبث أن تتجاوز حدود الأشياء المتفرقة إلى البحث عن الوحدة التي تنتظمها. فالإنسان في بدايات معرفته يرى الموجودات متكثرة، والظواهر متباينة، والتجارب متفرقة، لكنه كلما اتسعت بصيرته أخذ يبحث عن المعنى الذي يجمع هذا التعدد، وعن الأصل الذي تنتظم فيه هذه الكثرة، وعن الحقيقة التي تجعل للوجود كله وحدة تتجاوز مظاهره المتعددة.

ومن هنا لا تكون المعرفة مجرد انتقال من الجهل إلى العلم، بل انتقال من التشتت إلى الوحدة، ومن رؤية الأشياء في انفصالها إلى إدراك علاقاتها ومآلاتها ومصدر معناها. وكلما اقترب الإنسان من هذه الوحدة، أدرك أن المعرفة لا تكتمل بكثرة ما يراه، وإنما بقدرته على أن يرى وراء الكثرة وحدة، ووراء الظواهر حكمة، ووراء الجمال دالا على مصدر الجمال.

وهنا تتجلى العلاقة بين المعرفة والجمال بصورة أكثر عمقا؛ فالجمال الذي أدركه الإنسان في المحبة لم يعد مجرد إحساس يثير الوجدان، وإنما يصبح في المعرفة موضوعا للتأمل والكشف. فالإنسان حين يتأمل جمال الكون، وتناسق الموجودات، ودقة النظام، وتنوع الحياة، لا يقف عند حدود الإعجاب بالمشهد، وإنما يسأل عن مصدر هذا الجمال، وعن الحكمة التي جعلت الوجود قابلا لأن يكون موضعا للجمال والمعنى. وهكذا ينتقل الجمال من كونه تجربة وجدانية إلى كونه سؤالا معرفيا، ومن السؤال المعرفي إلى أفق الحقيقة.

وكذلك الكمال؛ فالإنسان لا يطلب الكمال في ذاته إلا لأنه يحمل في داخله معنى يتجاوز ما هو ناقص ومحدود. وكلما أدرك نقصه، ازداد توقه إلى الكمال، وكلما ارتقى في المعرفة، ازداد وعيا بحدوده، حتى يصبح البحث عن الكمال بحثا عن الأصل الذي لا يعتريه نقص، وعن الحقيقة التي لا تستمد كمالها من غيرها.

ومن هنا يمكن فهم المعرفة بوصفها مدرجا من مدارج الكمال والجمال معا؛ فهي كمال لأنها تخرج الإنسان من ضيق الغفلة إلى سعة الوعي، وهي جمال لأنها تكشف له ما كان خفيا من المعاني والدلالات. وكلما ازدادت المعرفة عمقا، ازداد الإنسان قدرة على رؤية الجمال في مواضعه، والكمال في مراتبه، والحكمة في تجاربه، دون أن يخلط بين الكامل والناقص، أو بين الغاية والوسيلة، أو بين ما هو أصيل وما هو عارض.

ولذلك فإن المعرفة الحقيقية لا تزيد الإنسان غرورا بامتلاكه الحقيقة، وإنما تزيده تواضعا أمام اتساعها. فالإنسان كلما عرف أكثر، أدرك أن ما يجهله أوسع مما عرف، وأن الحقيقة أكبر من أن تحيط بها ذات محدودة. ومن هنا كان التواضع من أصدق ثمار المعرفة، لأن المعرفة التي تورث الكبر لم تبلغ بعد درجة البصيرة، وإنما بقيت في حدود الحيازة الذهنية.

وقد كان هذا المعنى حاضرا في التراث الإسلامي حين اقترنت المعرفة بالخشية، لا لأن المعرفة غاية لإخضاع الإنسان، وإنما لأن انكشاف عظمة الحقيقة يجعل الإنسان أكثر إدراكا لمحدوديته. فكل معرفة ترفع الإنسان فوق غروره هي معرفة تقترب به من الحكمة، وكل معرفة تزيده تواضعا أمام الحقيقة هي معرفة تتجاوز حدود المعلومات إلى بناء الإنسان.

ومن هنا تتأكد أهمية التمييز بين العلم والمعرفة في مشروعنا. فالعلم يمكن أن يمنح الإنسان قدرة على تفسير الظواهر، أما المعرفة فتدفعه إلى التساؤل عن معناها وغايتها وموقعه منها. وقد يتقدم الإنسان في العلوم، ثم يبقى عاجزا عن الإجابة عن السؤال الذي يخص وجوده هو: لماذا أنا هنا؟ وما الغاية من هذا الوجود؟ وإلى أين ينتهي هذا الطريق؟

وليس في هذا التقليل من شأن العلم، بل على العكس؛ فالعلم من أرقى أدوات الإنسان في اكتشاف العالم، لكن قيمته الإنسانية تكتمل حين ينفتح على السؤال عن المعنى. فالمعرفة التي نريدها لا تناصب العلم خصومة، وإنما تضعه داخل أفق أوسع، بحيث يصبح اكتشاف قوانين الوجود مقدمة للتأمل في الحكمة، ويصبح فهم النظام مدخلا إلى التساؤل عن مصدره، ويصبح إدراك الجمال بداية للبحث عن الحقيقة التي وراءه.

وفي هذا المستوى تصبح معرفة الإنسان بنفسه أكثر عمقا. فبعد أن كان الإنسان يسأل: من أنا؟ يبدأ في اكتشاف أن ذاته ليست شيئا مغلقا على نفسها، وإنما هي نقطة التقاء بين الجسد والعقل والقلب والإرادة والروح، وبين العالم الذي يعيش فيه والغاية التي يسعى إليها. وكلما تعمقت معرفته بذاته، أدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نفسه بمعزل عن علاقته بالوجود، ولا أن يفهم وجوده بمعزل عن السؤال عن مصدره وغايته.

وهنا تعود المحبة لتلتقي بالمعرفة مرة أخرى. فالمحبة كانت قد حررت القلب من التشتت، ووحدت وجهته، ودفعت الإنسان إلى طلب محبوبه، ثم جاءت المعرفة لتمنحه بصيرة أعمق بما أحب. وكلما ازداد إدراكا لجلال المحبوب وكماله وجماله، ازداد حبه رسوخا، وكلما رسخت المحبة، أصبح القلب أكثر استعدادا لرؤية ما لا تراه المعرفة المجردة. وهكذا لا يعود القلب والعقل طرفين متعارضين، بل يتكاملان في رحلة واحدة نحو الحقيقة.

وفي التجربة الروحية يصبح هذا التكامل أكثر وضوحا؛ فالمعرفة التي لا تغير القلب تظل ناقصة، والمحبة التي لا تهذب المعرفة قد تنحرف إلى الوهم. أما حين تتحد المحبة والمعرفة، فإن الإنسان ينتقل من معرفة يتأملها من الخارج إلى حقيقة يعيش آثارها في الداخل. ولا يعود التوحيد عندئذ مجرد قضية نظرية يثبتها العقل، وإنما يصبح معنى تتجه إليه حياة الإنسان كلها.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كانت المعرفة في رحلتنا ثمرة للمحبة ومدخلا إلى التوحيد في الوقت نفسه. فالمحبة وحدت مقصد الإنسان، والمعرفة تكشف له حقيقة المقصد، ثم يأتي التوحيد ليمنح هذه الوحدة معناها النهائي. وبذلك لا تكون المعرفة نهاية مستقلة، وإنما تكون مدرجا يهيئ الإنسان للانتقال من وحدة المقصد إلى وحدة الحقيقة.

وهنا تبلغ رحلة الإنسان في مدارج الكمال والجمال منعطفا حاسما؛ لأن المعرفة حين تبلغ أفقها الأعلى لا تعود تسأل عن كثرة الموجودات بقدر ما تسأل عن وحدتها، ولا عن اختلاف مظاهرها بقدر ما تبحث عن الأصل الذي تنتظم فيه، ولا عن الجمال في صوره المتعددة بقدر ما تتطلع إلى الجمال المطلق الذي تستمد منه الأشياء جمالها، ولا عن الكمالات الجزئية بقدر ما تتجه إلى الكمال الذي لا يحده نقص.

ومن ثم يتجاوز الإنسان مرحلة أن يرى العالم مجرد مجموعة من الموجودات المستقلة، إلى أن يدركه بوصفه وجودا مفتوحا على دلالة واحدة، وأن اختلاف الأشياء لا ينفي وحدة مصدرها، وأن تعدد الصور لا يلغي وحدة الحقيقة التي تستمد منها وجودها ومعناها.

وهنا يصبح التوحيد أكثر من اعتقاد ذهني أو قضية كلامية؛ إنه اكتمال لمسار الوجود الإنساني كله. فالإنسان الذي بدأ رحلته بالوعي بعمره، ثم واجه الألم، وتعلم الصبر، وأحسن التوكل، وبلغ الرضا، وتذوق المحبة، واستنار بالمعرفة، إنما كان يتحرك في العمق نحو تحرير وجوده من التشتت، حتى تتوحد إرادته، وقلبه، وعقله، ومقصده في الحقيقة العليا.

ولهذا فإن التوحيد في أفق هذه الرحلة لا يعني مجرد القول بوحدانية الله، على جلالة هذا المعنى وأصالته، وإنما يعني أن تنعكس هذه الحقيقة على بنية الإنسان الداخلية كلها؛ فيتوحد ما تفرق فيه، ويستقيم ما اضطرب، ويتحرر من عبودية المحبوبات الجزئية، ولا يرى الكثرة حجابا عن الوحدة، ولا الوحدة إلغاء للكثرة، بل يرى الموجودات جميعا في مواضعها، ويعرف أن استقلالها في الوجود ليس استقلالا عن خالقها.

وبذلك تكتمل الصلة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة قادت الإنسان إلى طلب الحقيقة، والمعرفة كشفت له طريقها، والتوحيد يوحد في وعيه مقصد الرحلة وغايتها. وإذا كانت المحبة قد أورثته الأنس والقرب، فإن المعرفة تورثه البصيرة واليقين، وإذا كان الأنس قد أزال وحشة الطريق، فإن البصيرة تكشف له وجهته، حتى لا يعود السير مجرد حركة في الزمن، وإنما يصبح ارتقاء واعيا في مدارج الكمال والجمال.

وخلاصة القول: إن المعرفة ليست مجرد امتلاك للحقيقة، وإنما استعداد دائم لاستقبالها، وليست تكديسا للمعلومات، وإنما تحرير للوعي من الغفلة، وليست انفصالا عن الحياة، وإنما عودة إليها بعين أكثر بصيرة. إنها الثمرة التي تنضج في قلب المحبة، والمدرج الذي يرتقي فيه الإنسان من وعي الذات إلى وعي الحقيقة، ومن تعدد الظواهر إلى وحدة المعنى، ومن تفرق المقاصد إلى الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.

وهكذا يصل الوجود الإنساني إلى عتبة أخيرة في رحلته؛ فبعد أن عرف الإنسان قيمة عمره، وفهم حكمة ألمه، وتعلم الصبر، وأحسن التوكل، وبلغ الرضا، وتذوق المحبة، واستنارت بصيرته بالمعرفة، لم يعد السؤال: كيف أعيش؟ ولا: ماذا أعرف؟ وإنما يصبح السؤال الأعمق: إلى أي حقيقة ينبغي أن يتجه هذا الوجود كله؟

وهنا تتهيأ الرحلة للوقوف عند التوحيد، لا بوصفه خاتمة لفظية لمسار طويل، وإنما بوصفه الغاية الكبرى التي تتجمع عندها خيوط الرحلة كلها؛ حيث يلتقي الكمال بالجمال، والمحبة بالمعرفة، والقلب بالعقل، والإرادة بالغاية، ويتحرر الإنسان من تفرق المقاصد ليبلغ وحدة المقصد في الله.

وهنا، عند وحدة المقصد، تبدأ قراءة أخرى للوجود الإنساني؛ قراءة لا تبحث عن الله في نهاية الطريق فحسب، بل تكتشف أن كل مدارج الطريق لم تكن إلا تهيئة للوعي بهذه الحقيقة. وذلك هو ما سنقف عنده في المقالة القادمة: التوحيد، باعتباره الغاية الكبرى للوجود الإنساني، والأفق الذي تتكامل فيه مدارج الكمال والجمال.

***

بقلم: أ. د ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم