عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علاء جواد كاظم: التربية الحوارية

يمكن قراءة مفهوم التربية الحوارية من خلال ثلاثة مستويات مترابطة وعبر تحليل كتاب "اعادة التفكير في النظرية التربوية" لأستاذ التعليم روبرت ويغريف في جامعة كامبردج البريطانية. يعيد ويغريف تعريف "التربية الحوارية" بشكل اعمق بكثير من التعريفات الشائعة – التي تختزلها في مفهوم "المناقشة الصفية" او "التعلم التعاوني". فالحوار عنده ليس مجرد اسلوب تدريس، بل هو رؤية انطولوجية لما هية التعلم، ورؤية ابستمولوجية لكيفية تشكيل المعرفة، ورؤية تربوية لكيفية تصميم التعليم.

يتصور معظم المعلمين أن التربية الحوارية هي طرح اسئلة او اجراء مناقشات او العمل في مجموعات واعطاء المتعلم فرصة للكلام، لكن ما يراه ويغريف أن هذا ليس جوهر التربية الحوارية، لان الصف الدراسي قد يكون مليئا بالحديث، ومع ذلك لا يحدث فيه حوار حقيقي، بدليل ليس كل كلام حوارا بالضرورة.

ويعرف ويغريف التربية الحوارية فلسفيا؛ أنها فلسفة تعليمية ترى أن عملية التعلم تحدث عندما يدخل الطالب في فضاء حواري مفتوح يوسع افق وعيه من خلال التفاعل مع اصوات مختلفة، بحيث تتشكل المعرفة نتيجة للحوار وليست نقطة لبدايته. اما بالمفهوم الابستمولوجي (كيف تتولد المعرفة؟)، يرى أن المعرفة لا تأتي من الكتاب وحده، ولا من المعلم وحده، ولا ايضا من عقل الطالب وحده، بل تتولد داخل فضاء بين العقول، وهذه الفكرة ماخوذة من فيجوتسكي وباختين وطورها ويغريف الى مفهوم "الفضاء الحواري". هذا الفضاء لا يعد مكانا ماديا، بل هو حالة ذهنية واجتماعية يكون فيها الطالب قادرا على رؤية العالم من اكثر من زاوية.

وبناء على ذلك، يمكن ترجمة هذا المفهوم النظري الى تطبيق عملي، باعتبار أن التربية الحوارية تعني أن المعلم لا يبدأ بتقديم اجابة، بل يبدأ بخلق شروط التفكير، لذا فأن وظيفة المعلم الحقيقية ليست شرح المعرفة، بل تصميم الموقف الحواري وادارة الاختلاف وتوسيع الاسئلة وتشجيع الاصغاء وبناء الثقة، فالمعلم هنا لا يسيطر على الحوار، بل يحميه ويوجهه.

نجد أن الهدف الحقيقي من التربية الحوارية هو توسيع الوعي لا تدريس معلومات او مجرد تنمية التفكير النقدي، وبالتالي يتمكن الطالب من رؤية العالم بطريقة جديدة لا مجرد أن يتغير لأنه عرف شيئا جديدا. فالذي يجعل الحوار التربوي حوارا حقيقيا يشترط أن توجد فيه خمسة عناصر اساسية وهي؛ الانفتاح، تعدد الاصوات، الاصغاء الحقيقي، البحث المشترك، والتحول الذي يخرج به المشاركون بفهم اعمق مما دخلوا به.

اعتقد أن رؤية ويغريف هذه تفتح بابا جديدا حول العلاقة بين التربية الحوارية والذكاء الاصطناعي، ولو طبقنا نظريته حرفيا في عصر الذكاء الاصطناعي سيكون السؤال: "كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يوسع الفضاء الحواري دون ان يغلقه باجابات جاهزة؟".

وبناء على هذا، يمكن ان نطور تعريف ويغريف لمفهوم التربية الحوارية ليتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي؛ فنقول، "التربية الحوارية هي عملية تربوية تهدف الى توسيع فضاء الوعي من خلال الحوار المنظم بين الطالب والاخرين والمصادر المعرفية الاخرى، بما في ذلك انظمة الذكاء الاصطناعي، بحيث يعاد بناء المعرفة بصورة نقدية واخلاقية وتعاونية".

وفي الختام، ومن منطلق القيمة الحقيقية للحوار ليست مجرد زيادة في كمية المعلومات، بل هي في تغيير نوعية العلاقة بين الانسان والمعرفة؛ فبدلا من ان يكون مستهلكا لها، يكون مشاركا في بنائها وتطويرها. لذا، فالتربية الحوارية هي تربية تجعل التعلم عملية مستمرة لتوسيع افق الوعي من خلال الحوار المنفتح مع الاخرين، ليصبح المتعلم قادرا على اعادة تشكيل فهمه وادراكه للعالم ولذاته، والمساهمة في بناء معرفة جديدة بصورة اخلاقية ونقدية.

***

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم