عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد محفوظ: قراءة في مصطلح الدولة المدنية

في كل النقاشات والحوارات الفكرية والثقافية، تتأكد الحاجة الدائمة إلى تحديد المصطلحات المتداولة وبيان المقصود منها.. لأنه في كثير من الأحيان، تكون التباينات الفكرية والأيدلوجية حي النقاش المعرفي، تباينات شكلية، لأن كل طرف يفهم من المصطلح المتداول معنى ومفهوم، ويرتب على هذا الفهم قناعاته الفكرية والمعرفية..

لهذا فإن تحديد المصطلحات وبيان المعنى الدقيق منها، يساهم في تظهير النقاشات الفكرية، وإبراز المشتركات والابتعاد المنهجي من كل الهواجس التي تحول دون الفهم المتبادل بين المتناقشين أو المتحاورين..

ولعل من أهم المصطلحات التي تتداولها دون الاتفاق على معنى محدد لها، هو مصطلح (الدولة المدنية)، وكل طرف انطلاقا من خلفيته الفكرية بلور موقفه من هذا المصطلح تأييدا أو رفضا.. ولكن دون أن يتبلور معنى دقيق ومشترك لهذا المصطلح..

لهذا فإن هذا المقال يستهدف بالدرجة الأولى بيان معنى الدولة المدنية..

على المستوى النظري والفكري، تتفق جميع التوجهات الدينية والثقافية في الدائرة الاسلامية، أن التشريعات القرٱنية والاسلامية عموما، لم تحدد شكلا معينا للدولة ونظام الحكم.. وإنما التشريعات عينت وصاغت مجموعة من القيم والمبادئ، التي اعتبرتها أساسية في نظام الحكم ومؤسسة الدولة، دون تحديد الإطار أو الهيكل العام، الذي تطبق وتجسد هذه القيم والمبادئ..

فالمطلوب دائما انجاز مفهوم العدالة وسيادة القانون، بصرف النظر عن الشكل أو الإطار العام الذي يحقق هذه القيم في الواقع الخارجي.. انطلاقا وتأسيسا على هذه الحقيقة، التي أضحت ما يشبه المسلمة الفكرية، تم الاقتراب المنهجي والنظري من مسألة الحكم والدولة في الرؤية والمنظور الإسلامي..

وعليه فإننا نعتقد أن الإشكالية الفكرية والمنهجية المطروحة اليوم حول دينية الدولة أو مدنيتها في التجربة التاريخية الإسلامية، إشكالية ليست حقيقية أو نابعة من التصورات الاسلامية للمسألة السياسية وشؤون الحكم والسلطة بمعنى أن جميع التصورات التي صاغها المسلمون في أزمنة مختلفة، لم تتحدث عن مؤسسة الدولة بوصفها مؤسسة ليست تمثيلية للأمة والمجتمع.. فجميع النظريات تتحدث عن الدولة بوصفها ضرورة مجتمعية وإنسانية، وإن هذه الضرورة، لا يمكن أن تتجسد وتتشكل بعيدا عن إرادة الناس..

فالناس بإراداتهم ووعيهم وكيفية النظرة إلى ذواتهم، هم الذين يحددون شكل الدولة.. وبالتالي فإن الدولة في وظائفها وأدوارها وممارساتها، هي فعل بشري بامتياز، خاضعة لإرادة الناس واختياراتهم.. ولا توجد دولة في المنظور الإسلامي خارج إرادة الناس.. وبالتالي فما دامت الدولة كمؤسسة هي نتاج إرادة الناس، ومعنية بتمثيلهم وانجاز طموحاتهم ومشروعاتهم العامة، فهي دولة ليست ثيوقراطية، ولا تحكم إلا بإسم الناس.. وحينما يقرى الناس وفق ٱليات متداولة في الفقر السياسي والدستوري، رفضهم لأداء هذه الدولة أو رفضهم لخياراتها وأولوياتها، فلهم الحق سرعة وقانونا ممارسة حريتهم واختيارهم على الصعيد السياسي والقانوني..

ولأن الدولة وفق الرؤية الإسلامية لا يمكن أن تكون خارج إرادة الناس، لأنها في صورها الأساسية انعكاس لإرادة الناس واختياراتهم.. فالمقدس في هذا السياق، ليس شكل الدولة أو هيكلها المؤسسي، وإنما هو إرادة الناس واختيارهم.. فهي (أي إرادة الناس) هي المعيار والفيصل، وهي الضابطة النوعية..

وبالتالي فإن الدولة كمؤسسة هي بالضرورة مدنية، ولا يمكن أن نتصورها في هذا السياق بعيدا عن النطاق والممارسة المدنية..

وعليه فإننا نستطيع تحديد معنى الدولة المدنية من خلال النقاط التالية:

1- حينما تعبر مؤسسة الدولة في خياراتها واستراتيجياتها عن إرادة الناس وخياراتهم، فهي دولة مدنية.. لأنه لا يمكن أن نتصور دولة مدنية مناقضة لإرادة الناس وخياراتهم العامة..

ولكون الدولة تعبر عن إرادة الناس، فهي حصيلة جهدهم، وليست فعلا ميتافيزيقيا أو متعاليا على ظروف الزمان والمكان..

فعي (أي الدولة) جند بشري جماعي ومؤسسي، وهي مفتوحة لجميع المواطنين بدون استثناء، وهي مشروع مفتوح لإبداعات الإنسان فردا وجماعة..

وهؤلاء النفر الذين يسيرون شؤون الدولة ومؤسساتها المختلفة، يستهدون بهدي القيم العامة لمجتمعهم وأمتهم، ويكافحون بكل الوسائل المتاحة، لتحويلها إلى برنامج عمل يعملون لإنجازها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي..

فالدولة المدنية ليست مفصولة عن قيم الناس التي تعبر عن إرادتهم، وإنما هي الفضاء العام الأساسي، الذي يعبرون الناس فيه  عن قيمهم العامة والحضارية، كما يعبرون فيها عن إرادتهم الجماعية وخياراتهم العامة..

2-علاقة الدولة المدنية مع مواطنيها محكومة بعقد اجتماعي

سياسي، يحدد حقوق وواجبات كل طرف على الآخر.. فالدولة ليست بديلا عن الناس ومبادراتهم، ومن المهم أن لا تتغول الدولة ضد الناس وإراداتهم، كما أن إرادة الناس، ليست بدلا عن ضرورة وجود دولة تنظم الشؤون العامة المجتمع، وتدير شؤون المجال العام وتحفظ حقوق الجميع بدون استئثار أو افتئات على أحد..

فالعلاقة بين الدولة والناس أي المواطنين، ليست علاقة جافة أو اعتباطية، وإنما هي خاضعة لعقد اجتماعي – سياسي، جميع الأطراف معنية بالالتزام بمقتضيات ومتطلبات العقد الاجتماعي

السياسي..

فالدولة بصرف النظر عن أيديولوجيتها أو عقيدة القائمين عليها، إذا لم يكن لديها عقدا اجتماعيا – سياسيا، ينظم علاقتها مع مواطنيها، فهي دولة ليست مدنية وإن أدعت ذلك ..

فالدولة المدنية بالضرورة، ينبغي أن تكون مرتبطة مع مواطنيها بعقد واضح وصريح، ويحدد مسؤولية كل طرف وواجباته..

فالدولة المدنية لا تكتفي بتداول المناسبة المواقع عبر آلية الانتخاب الحر والمفتوح لكل المواطنين وإنما هناك قانون أو عقد اجتماعي – سياسي ينظم العلاقة بكل أطوارها ومراحلها بين مؤسسة الدولة والمواطنين كآحاد وكمؤسسات أهلية ومدنية يعبر من خلالها الناس عن مصالحهم، ويقدمون بواسطتها خدماتهم لأبناء مجتمعهم ووطنهم..

3- في الدولة المدنية الذي يحدد نظام علاقة مؤسسات الدولة مع المواطنين هو نظام المواطنة بكل حمولته الحقوقية..

فمؤسسات الدولة المدنية تحترم الإنتماء الديني والمذهبي والقومي والعرقي للمواطنين، وتوفر على المستوى القانوني كل أشكال الاحترام والحماية لهذه الانتماءات..

والعنوان الوحيد الذي تتعامل فيه الدولة مع المواطنين هو عنوان المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع..

أعتقد أن هذه المعايير، من أهم المعايير، التي تحدد مدنية الدولة سواء في الدائرة الإسلامية أو في أي دائرة إنسانية أخرى.. وهذه المعايير لا تتجاهل خصوصيات المجتمع أو انتماءات المواطنين، وإنما تحترم هذه الخصوصيات والانتماءات، وتتعامل مع الجميع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.. وعلى ضوء هذه الرؤية فإننا نعتقد أن مفهوم الدولة المدنية، لا يناقض التزام المسلم بإسلامه، لأنها دولة تستند على مرجعية الإسلام وقيمه الكبرى.  

*** 

محمد محفوظ

 

في المثقف اليوم