قضايا

ابتهال عبد الوهاب: حين يصبح الصمت جريمة!

في المجتمعات التي تتواطأ مع القبح وتغض الطرف عن جراحها العميقة يصبح الصمت جريمة جماعية والاعتياد على التشوهات خيانة كبرى للإنسان فينا. مجتمع يمر أمام الفقر مرور الكرام. أمام التحرش والاغتصاب ببرود. أمام النفاق والكذب والتطرف بلا مقاومة. لكنه يستشيط غضبا فقط حين يحاول فرد أن يتحرر من قيوده. هو مجتمع لم يكتشف ذاته بعد ولم يدرك أن كل محاولاته لحماية الثابت ليست سوى إعلان صريح عن خوفه من الحرية

هنا كل شيء يغتفر إلا أن تكون نفسك. كل شيء يسمح به إلا أن ترفع رأسك خارج القطيع. إذا جاز لك أن تقتل الحلم باسم العادات فليس لك أن تصنع حلما باسم الفرد. وإذا جاز لهم أن يفرضوا وصاية على روحك فلا يحق لك أن تختار طريقك الخاص. نحن نعيش في بنية اجتماعية ترى في الحرية تهديدا وفي الاختلاف شبهة وفي التفكير المستقل نوعا من الخيانة العظمى

في مجتمع يغفر للفقر أن يستشري وللنفاق أن يزدهر وللتحرش والاغتصاب أن يمر بلا غضب لكنه لا يغفر لامرئ أن يختار ذاته ولا يرحم من يجرؤ على الخروج عن الصف يكون الصمت موتا والتفكير جريمة والاختلاف وصمة.

أيها العالم المزدحم بالأقنعة لقد تعبت من الكذب الجمعي الذي نرتديه باسم الفضيلة ومن عفن القيم التي تحولت إلى أسوار عالية حول العقل. أي عبث أشد من مجتمع يرى في الحر خطرا، وفي المستقل خائنا وفي المختلف عارا؟

أنا أرفض.. أرفض أن أعيش نسخة مشوهة من قطيع يعبد ما ورثه دون أن يفكر.. أرفض أن أصمت كي لا أدان، وأن أنحني كي لا أهان.. أرفض أن أكون ظلا في حياة لم أخترها. في مثل هذا المناخ يصبح العقل المتمرد منفى لصاحبه واللسان الناطق بما يراه القلب عورة يجب سترها. قد تهان لأنك تساءلت قد تسجن لأنك شككت قد تحارب لأنك رفضت الركوع لآلهة الماضي. هكذا يغدو الموروث أقدس من الحقيقة والتابوهات أعلى شأنا من الإنسان.

لكن أي حضارة هذه التي تبنى على قمع السؤال وأي كرامة تبقى لإنسان يجبر على أن يكون نسخة مشوهة من نفسه. الحرية الفردية ليست ترفا فكريا ولا امتيازا ممنوحا إنها حق وجودي لا ينتظر إذنا من أحد. لكل إنسان الحق أن يختار إيمانه أو لا إيمانه أن يشكل هويته كما يشاء أن يعيش صوته الداخلي دون أن تخرسه السياط الاجتماعية ما دام لم يتعد على حرية الآخر ولم يجرح حقه في أن يكون هو الآخر ذاته.

لن أعتذر عن أسئلتي

لن أعتذر عن حقي في الحيرة عن شكي عن اختياري المختلف

لن أعتذر عن حريتي

الحرية ليست ترفا بل شرط الوجود الإنساني

وليس في العالم قيمة أعلى من أن يكون الإنسان ذاته دون إذن دون خوف ودون أن يحني رأسه لأحد

فالحرية في جوهرها ليست معركة ضد أحد بل معركة من أجل الإنسان والإنسان الذي لم يذق طعم حريته الكاملة لن يعرف يوما معنى كرامته الحقيقية

إننا في حاجة إلى ثورة وعي

ثورة تغربل الموروث لا لتجتث الجذور بل لتكشف العفن الذي استوطنها

نحتاج إلى أنسنة القيم قبل تقديسها إلى تحويل الاختلاف من لعنة إلى ثراء وإلى النظر للآخر لا بوصفه تهديدا بل مرآة تظهر اتساع المعنى

 أرفض أن أكون أسيره في زنزانة الأفكار المتوارثة

أرفض أن أركع لمقدسات لا تصون كرامة الإنسان

 أؤمن بمجتمع يعلي من شأن العقل والحرية والتعدد مجتمع يجرؤ على مواجهة نفسه قبل أن يحاكم المختلف عنه مجتمع يتسع لكل  الطوائف الانسانيه

نعم لاجتثاث كل إرث يصنع كراهية كل عادة تشرعن القمع كل فكر يحول التنوع إلى لعنة والاختلاف إلى جريمة

نعم لمجتمع يتسع لكل الألوان يعلو فيه العقل على  النقل  والإنسان على الموروث والكرامة على الخضوع

نعم لهدم كل جدار يحاصر الذات باسم الطاعة

لن أساوم على عقلي.

لن أساوم على حقي في التفكير، في التساؤل، في رفض كل مسلمة لم أجد لها منطق ولا برهان

لن أقبل أن يختزل الإنسان إلى قطيع من الطائعين المقطوعي الألسنة، المستأجرين للعقول

قد يحاربونك باسم الماضي قد يحاكمونك باسم الدين قد ينفونك باسم الجماعة

لكن ما دمت حرا في داخلك فقد ربحت المعركة الأعمق معركة أن تكون أنت.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم