قضايا
وسام حسين العبيدي: الدراما الجدلية.. العراق إنموذجا
اعتاد العراقيون في كل سنة في مطلع شهر رمضان، أنْ يخوضوا بين مؤيّدٍ لعرض هذه الدراما التي ستعرضها هذه القناة، وبين رافضٍ لها، وكلٌّ له وجهة نظر يراها جديرةً بالأخذ والالتزام بها من قبل الجهات المعنية لتأخذ دورها في اتخاذ الموقف المناسب لهذه الجماعة الضاغطة عبر ما تُدليه من رأيٍ عبر الفضاء الرقمي أو حتى الواقعي، وهذا الأمر سأناقشه بعد الأخذ بنظر الاعتبار، أنّ الدراما الجدَلية ليست حكرًا في العراق فحسب، فكثيرٌ من الدول المجاورة، وحتى سواها، نسمع في وسائل الإعلام أنّها لا تخلو من هذا الجدل الذي يختلف باختلاف البيئة الثقافية التي تنطلق منها قناعات معينة تراها كل جماعة بحسب موجّهاتها الفكرية جديرةً بالتأثير في قرار حجب هذه الدراما من إتاحتها للعرض، ولكن ما يُميّز الدراما العراقية عن المحيطة بها، أنّها دائمًا ما تلتقي في شهرٍ لا علاقة له بالدراما أصلاً بقدر ما له علاقة بعكس ذلك أصلاً، فبدلاً من أنْ تتكثّف البرامج التوعوية التي تؤسّس لثقافة وسَطيّة تراعي حُرمة هذا الشهر الفضيل، تنشغل الدراما العراقية بعرض كل ما يُنافي هذه القيم، بما يدفع شرائح واسعة من المجتمع إلى استهجان عرض هذه الدراما، لاسيّما أنّها دائمًا تحاول بقصد – بحسب ما يراه المعترضون عليها – توجيه الإساءة إليهم، من خلال اختيار "ثيمات" ترتبط سيميائيًا بتلك الشرائح، من قبيل استعمال اللغة، أو بعض الأزياء التي تُحيل إلى خصوصية هذه الشريحة دون غيرها من فئات المجتمع، أو اختيار أماكن أو رموز دينية أو فلكلورية تشير إلى الفضاء الذهني الذي يحيل إلى المتخيل الجمعي لهذه الشريحة، في حين كان بإمكان هذه الدراما أن تنوِّع في مشاهدها والشرائح التي تنتخبهم لاختيار فكرة هذا العمل ومسرحه وشخصياته، لأجل أنْ تتفادى الوقوع بهذا المطبّ الذي أوقعت فيه نفسها عبر تكرار هذه الأعمال، ومعلومٌ أنّ "من وضع نفسه موضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن" هذا إذا فرضنا أنّ الجهة الراعية لتنفيذ هكذا أعمال لم تقصد الإساءة، ولكن بإمكانها أنْ تدرس فرضيات التلقي لهذا العمل الذي سيكلّفها المبلغ الكذائي من الأموال، ولكن يظهر أنّ الاستفزاز صار هدفًا عند البعض من جهات لا تجيد غير دعك فانوس المماحكات لتعتاش من وراء ذلك اللغط، أو لتسوِّق لعملها الدرامي عبر هذه الطريقة..! وهي طريقة لا تختلف – بقليل أو بكثير – عمّا يواجهه المواطن العراقي من استفزازت على مدار السنة من جهات تارةً يمثّل بعضها الحكومة، من خلال تصريحات تصدر من بعض مسؤولي الدولة، من قبيل "عدم تأمين الرواتب للموظفين"، أو "تصدير كذا ألف طن من الحنطة لدولة عربية" أو "إهداء اثني عشر ألف جهاز تابلت إلى دولة لأجل الإحصاء السكاني لديهم" أو غير ذلك من مواقف أو قرارات لا يخلو منها شهر من الشهور على مدار السنة، أما في شهر رمضان فالاستفزاز يأتي من بعض القنوات، وإذا كان كاتب هذه السطور يرى أنّ ما يُعرض في شاشة القنوات العراقية في أكثره لا يرتقي إلى مستوى الجودة في الأداء الدرامي مثل الذي يُشاهده في الدراما التركية أو الإيرانية أو بعض الدول العربية مثل مصر، ولكن على أي حال، ينبغي أنْ تتوجّه الدراما العراقية للاستفادة من خزينٍ وافر من الأحداث التي مرّت بالعراق أبعد من أنْ تكون مثارًا للاستفزاز عند فئة دون أخرى من فئاته، فالميدان فسيح لذلك، وليس ثمة شحّة في اختيار ما يوافق هذه الخصوصية التي من شأنها إعادة الروح الوطنية وتعزيزها بطريقةٍ ناعمة تعمل الدراما على ترسيخها.. وإذا كان ثمة عملٌ لهذه السنة يستحق المشاهدة برأيي القاصر – لكوني لستُ متابعًا جيّدًا لكل ما سيظهر على القنوات من أعمال درامية – فهو الذي سيتناول شخصية الشهيد الراحل أبي تحسين الصالحي، فشخصية مثل هذا البطل الهمام لا أظنّ ثمة جهة تختلف على بطولته حين افترس العراق قبل سنوات وحوش الظلام من شذّاذ الآفاق، فكان لهم الصالحي بالمرصاد من خلال فوهة قنّاصه، إذ اجتمع فيه الإخلاص والشجاعة مع الخبرة والدقّة في اصطياد هؤلاء الوحوش، بما يؤهّله أنْ يكون بطل الدراما العراقية لهذا العام، فتحية لكادر هذا العمل بعامة وللفنان الدكتور سنان العزاوي على أدائه تمثيل هذه الشخصية. وفي مثل هكذا أعمال جادّة فليتنافس المتنافسون..
***
د. وسام حسين العبيدي






