أقلام ثقافية

احمد عابر: الرؤية باب الحضرة.. تأمل في لوحة الصلاة

إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟!

 بهذا السؤال الحائر الذي لا جواب له إلا الوقوف بين يدي المسؤول، نقف أمام لوحة "الصلاة" في مسجد عمرو بن العاص التي أنجزها الرسام الفرنسي جان ليون جيروم عام ١٨٧١، وهي اللوحة الزيتية التي تقتنيها الآن متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك.

اللوحة ليست مجرد تسجيل معماري دقيق لأقدم مسجد في مصر وأفريقيا، بل هي نافذة على علاقة معقدة بين الشرق والغرب وبين المرئي والمقدس، رسمها فنان استشراقي لم يكن مجرد رحالة عابر، فقد سافر جيروم إلى مصر وبلاد الشام والأناضول بحثا عن مشاهد تنبض بـ"الشرق" الذي كان أوروبيو القرن التاسع عشر يتخيلونه، فكانت أسفاره صيداً بصريا للمشاهد التي تختزل الحياة الشرقية في لحظاتها الأكثر تعبيراً: الأسواق والحمامات وصحاري القوافل والمساجد. وهو في ذلك واقعي في تقنيته وأكاديمي دقيق في تفاصيله، يرسم كما لو أنه يوثق لكن عينه لم تكن محايدة، بل كانت تبحث عن النكهة والغرابة المألوفة وعن الشرق الذي يليق بلوحات المتاحف الأوروبية، وهنا تكمن المفارقة: هل يمكن لعين وافدة تبحث عن "الغرابة" أن ترى ما هو "مقدس"؟2474 Jean Léon Jérôme

نقف الآن أمام اللوحة، الأعمدة الرخامية تمتد في بهو المسجد الفسيح، آلاف القناديل المعلقة تضيء العتمة، والمصلون صفوف خاشعة، هنا يتوقف الزمن. لكن قبل أن نغوص في التفاصيل، نقف على هدي من فكر عبد الجبار الرفاعي، حيث يرى أن المسجد ليس جدرانا وقبابا فحسب، بل هو فضاء يخرج المؤمن من يوميته إلى أفق آخر، وأنه يمثل اللامكان واللازمان الذي يتجلى فيه القدسي. هذه الرؤية تضيء لنا زاوية الدخول إلى اللوحة: فالمساحة الداخلية التي صورها جيروم لا حدود لها تقريبا، والأعمدة تتكرر لتخلق إيقاعا بصريا يشبه التكبيرات، والضوء لا يدخل من نافذة واحدة محددة بل ينسرب من الأعلى من مكان لا تراه العين، وكأن النور الحقيقي ليس مما تصنعه الأيادي. والقداسة في هذا الفكر لا تقوم في الحجر بل في القصد، فحين يدخل المؤمن المسجد يدخل بقصد الصلاة، ونفس الحجر لولا النية لكان مجرد أثر سياحي. جيروم رسم الحجر بدقة متناهية، لكن هل استطاع أن يرسم النية؟ أم أن النية تبقى ذلك السر الذي لا تنقله الريشة؟

محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه "المواقف والمخاطبات" يقدم لنا مفتاحا للتأمل. يقول النفري:  "يا عبد إذا قمت إلى الصلاة فاجعل كل شيء تحت قدميك".

في اللوحة، المصلون قد وضعوا نعالهم عند أعمدة المسجد، هذه التفصيلة الصغيرة التي قد تمر دون انتباه تتحول عند النفري إلى علامة على معنى أكبر: النعل المحسوس ما هو إلا صورة لما يجب أن يوضع تحت الأقدام من علائق الدنيا والأنا والرؤية ذاتها. حين يقوم العبد إلى الصلاة، يرفع قدميه عن كل ما سوى الله، ليس فقط عن التراب بل عن كل ما يشغل القلب. جيروم رسم النعال بدقة، لكنه رسمها كجزء من المشهد الإثنوغرافي، أما المؤمن فيراها إعلانا عن خلع الدنيا قبل خلع الحذاء.

ثم يقول النفري: "قل يا رب كيف وأنت معلم أوليائك".

هنا المفارقة الكبرى التي يفتتح بها المقال: كيف ندعوه وهو الذي علمنا الدعاء؟ كيف نطلب منه وهو الذي أقامنا في مقام الطلب؟ في اللوحة لا أحد يرفع يديه بخشوع ظاهر، الجميع في سكون واستسلام، وكأنهم يعيشون هذه الحيرة الصامتة: كيف نطلب وأنت من أقامنا في مقام الطلب؟ ربما لأن الدعاء الأعمق لا يكون برفع الأكف بل بطمأنينة القلب في محراب الحضور. المصلون في اللوحة جلوس، ليسوا في صلاة فريضة بل في تلاوة أو ذكر، وهذه إشارة إلى أن "الصلاة" في معناها الأوسع هي كل توجه يستغرق العبد، حتى لو كان جالسا ساكنا.

ويزيد النفري: "سواي لا يدوم فكيف يدوم به غناء".

في كل زاوية من اللوحة ثمة ما يشهد على الفناء: الأعمدة ستنهار وتعاد، القناديل ستنطفئ، الألوان ستبلى، الزمن سيبدل كل شيء، ويبقى وجهه. هذه العبارة النفرية تذكرنا بأن جيروم نفسه، واللوحة نفسها، وكل من فيها من مصلين، كلهم في حكم الفناء، وما يبقى هو الوجه الذي قصدته الصلاة.

يبقى السؤال الذي لا يمحوه الزمن: هل رأى جيروم ما وراء الأعمدة والقباب؟ أم أن عين المستشرق بقيت أسيرة ما تراه لا ما تلمحه البصيرة؟ وهل يمكن للوحة أن تنقل الصلاة، أم أن الصلاة تبقى ذلك السر الذي لا يراه إلا من كان في باطنها؟ في اللوحة ضوء متسلل من الأعلى، لكنه ضوء مرسوم بزيت وألوان. النور الحقيقي، كما يقول النفري، هو نور الحضرة الذي لا يراه إلا من طهر قلبه وجسمه. جيروم طهر تقنته وأخلص لرؤيته، لكن هل طهر قلبه لما يراه؟ لا جواب عندنا.

نختم كما بدأنا، بهذا الدعاء الذي يتردد في بعض المصادر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام:

 "إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟!"، نبدأ بسؤال الحيرة وننتهي بسؤال الرؤية.

 اللوحة التي أرادت أن تحكي عن الشرق حكت عن الإنسان، عن وقوفه بين يدي خالقه، عن حيرته كيف يطلب وقد أوصله الطلب إلى باب المسؤول عنه، عن يقينه بأن الستر من الله هو الستر كله. وربما تكون الإجابة عند من صلى، لا عند من رسم، عند من وضع نعله تحت قدميه وقدم قلبه بين يدي ربه، لا عند من أتقن رسم النعال والقباب.

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم