قضايا
مصطفى غلمان: إصلاح التعليم أم إعادة تعريف المعرفة؟
التجارب الإصلاحية في الحقل التربوي هي حقول استجابات تقنية لرهانات ظرفية، وفي الوقت ذاته، هي مراهنات وجودية على مستقبل الإنسان ومعنى تشكّله داخل المجتمع. لذلك تستأثر هذه التجارب، كما تُنجزها الدول التي نجحت في بناء نماذج تعليمية راسخة، باهتمام السوسيولوجيين وعلماء التربية، بوصفها مختبرات حية لإعادة التفكير في المعرفة، كفعل متجدد يتواشج مع تحولات العصر وإيقاعه المتسارع. وفي الأنماط التعليمية الجديدة التي تقترحها حكومات تلك الدول، يتجلى السعي إلى إعادة تأسيس نظم تربوية متصالحة مع زمنها، قادرة على استيعاب مستجدات التعلم بلغة الرقمنة وعلومها المتقدمة، دون التفريط في بعدها الإنساني.
وتبرز في مقدمة هذه الطفرات، التجارب التي راكمتها دول مثل السويد واليابان وكوريا الجنوبية، حيث لم يعد الاشتغال بالوسائط الرقمية مجرد أداة مساعدة، بل أفقا بيداغوجيا يعاد عبره تشكيل الفعل التعليمي نفسه. إذ الارتقاء بالفعل البيداغوجي هنا شرط لتحسين المنتوج التربوي، وإعادة ضبط المفاهيم المؤطرة له، وتدقيق معجمه الاصطلاحي بما ينسجم مع التحولات العميقة التي عرفتها علوم التربية وممارساتها.
غير أن هذا الأفق الواعد لا يعفي من طرح أسئلة جوهرية لا تزال تلحّ بإلحاح تأسيسي: كيف نؤصّل فعل إيصال المعارف الأساسية في زمن السرعة الرقمية؟ وبأي معايير نختار البرامج المعلوماتية التي لا تكتفي بتلقين المهارة، بل تسهم في بناء العقل النقدي؟.
إن هذه الأسئلة تفرض ضرورة رصد دقيق للقيم والمعارف والمهارات التي تُقَدَّم للفرد، وتقييم أثرها في تنمية قدراته وتمكينه من الاندماج الخلّاق داخل المجتمع الذي ينتمي إليه.
وإذ يتعاظم هذا التحدي، يغدو من اللازم أيضا التوقف عند مستوى الطفرات المعرفية التي أفرزتها تقنيات التواصل الحديثة، لا بوصفها أدوات محايدة، بل كقوى رمزية تعيد تشكيل علاقتنا بالمعرفة وبالذات وبالعالم. فالتعليم في نهاية المطاف، هو فعل وعي يروم صناعة إنسان قادر على الفهم والاختيار والمساءلة، داخل عالم يتغير أسرع مما نتصور
. ورغم ما تحمله برامج الرقمنة التعليمية من وعود كبرى، وما تقترحه من أسس استراتيجية محكمة لتنزيلها وفق خطط مضبوطة وتوجهات عالية الدقة، خاصة في أفق تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات داخل المنظومة التربوية، فإن الواقع لا يخلو من إشكاليات معقدة تضعنا أمام رهانات عسيرة. فبين التصور والتنفيذ، تنفتح فجوة تلامس جوهر السؤال البيداغوجي نفسه. كيف تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيط تقني إلى أداة ديداكتيكية فاعلة، قادرة على تحسين التعلمات وإعادة تنظيم فعل التدريس على أسس أكثر نجاعة ومعنى؟
إن الرهان لا يقف عند حدود استعمال الوسائل الرقمية داخل الفصل، بل يمتد إلى مسألة أعمق تتصل بامتلاك هذه الوسائل وبالقدرة على توظيفها قصد الإدماج الواعي في المجتمع الرقمي ومجتمع المعرفة. فالتكنولوجيا وفق الاعتبارات المرجعية هي كفاية ثقافية ومعرفية، تتطلب تكوينا مستمرا يحرّرها من طابعها الأداتي الضيق، ويجعل منها أفقا للتفكير النقدي والإبداعي. وليس هذا الوعي غائبا عن التصورات الرسمية، إذ أكدت عليه غير ما وثيقة مرجعية صادرة عن وزارة القطاع، وفي مقدمتها وثيقة الرؤية الاستراتيجية، التي جعلت من تعزيز التكنولوجيا رافعة أساسية للنهوض بجودة التعليم. فقد دعت إلى بلورة استراتيجية وطنية جديدة، منفتحة على المستجدات الرقمية، وقادرة على استثمارها في تطوير النموذج البيداغوجي، والارتقاء بمؤسسات التكوين والتأهيل، ليس بوصفها فضاءات للتلقين، بل كمجالات لإنتاج المعرفة وتداولها في أفق تنموي إنساني شامل.
وهكذا، تغدو الرقمنة التعليمية امتحانًا مزدوجًا. امتحان القدرة على مواكبة التحول التقني، وامتحان أعمق يتعلق بإعادة تعريف معنى التعلم ذاته، في وضعية لم تعد فيها المعرفة معطى جاهزا، بل ممارسة مستمرة تتأسس على الفهم والاختيار والمسؤولية.
فهل تمتلك مؤشرات إصلاح التعليم في بلادنا القدرة الفعلية على تنزيل بنيات تدبير أفقي داخل مجال بالغ التعقيد، بما يسمح لها بإحداث قطيعة علامتية واعية مع منهاج سليم، متعافٍ من التنميط ومن التحولات المباغتة التي تختزل التجربة وتفرغها من معناها؟ وهل نحن بصدد مشروع يؤهّل كوادره للاضطلاع بأدوار بديلة وخلاقة، قادرة على تحرير التحول الرقمي في تعليم ما تزال فواجعه السابقة تشدّ وثاق عبوره نحو أفق النجاة؟
أم أن هذا التحول في عمقه، لا يستدعي تضخيما في التنظير بقدر ما يحتاج إلى توجهات دقيقة، حاضرة بعقلانية فعلية، وإلى تأسيس مسبق لنموذجية واضحة المعالم، قادرة على ضمان انتقال سلس، يراهن بجرأة ومسؤولية على الموارد البشرية المؤهلة لخوض هذا الرهان الوجودي، حيث يصبح التعليم إما أفقا للإنقاذ، أو شاهدا جديدا على تعثر مشروع لم يُحسن الإصغاء لأسئلته الأولى؟
***
مصطفـــى غَلْمـــان






