ثمة أشياء صغيرة جدًا في حياتنا، لكنها تحمل من المعنى ما لا تستطيع الأشياء الكبيرة أن تحمله. قد تمرّ بجانبها عشرات المرات دون أن تلتفت إليها، ثم يأتي يومٌ ما فتكتشف أنها لم تكن مجرد أشياء، بل كانت أفكارًا متجسدة في صورة مادية بسيطة.
كنت أراها معلقة على جذوع الأشجار، مختلفة الأحجام والأشكال، بعضها بفتحات دائرية صغيرة، وبعضها بشقوق طولية ضيقة، ولم أكن أرى فيها في البداية أكثر من صناديق خشبية أعدّها الساكنين بالجور لجذب الطيور والفراشات. لكنني كلما تأملتها أكثر، شعرت أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تُبنى هذه البيوت؟ وإنما: أي إنسان هو ذلك الذي يبني بيتًا لكائن ضعيف لا يستطيع أن يطلب منه بيتًا، ولا أن يشكره عليه، ولا أن يدفع له ثمنًا!
فمنذ أن بدأ الإنسان يبني، كان يبني لنفسه.
بنى الكهف ثم البيت، ثم القرية والمدينة، ثم القصر والقلعة، وشق الطرق وأقام الجسور والموانئ. لقد كان تاريخ الحضارة، في جانب منه، تاريخًا لتحويل المكان الطبيعي إلى مكان إنساني.
فما المعنى من إن يبني الإنسان بيتا لكائن آخر؟
هذا السؤال هو الذي انقدح في ذهني وانا اشرع لأول مرة في حياتي ببناء بيت العصفور في حديقة المتحف. فالبيت الذي يبنيه الإنسان لطائر لا يمتلكه، ولا يروضه، ولا يستخدمه، هو خروج من منطق الملكية إلى منطق الرعاية. إنه اعتراف بأن المكان لا ينبغي أن يكون حكرًا على الأقوى، وأن الحياة لا تُقاس بقدرة الكائن على الدفاع عن نفسه. إن بناء بيت لطائر هو، في جوهره، اعتراف بحق الضعيف في الوجود. وهذا هو المعنى الفلسفي للتحضر الإنساني
فالإنسان الذي يوسع عالمه ليشمل كائنًا صغيرًا لا يستطيع الكلام، يكتشف شيئًا جوهريًا عن إنسانيته هو. الحضارة لا تظهر فقط في الأبراج التي نبنيها، ولا في الطرق التي نشقها، ولا في التكنولوجيا التي ننتجها؛ ربما تظهر بصورة أكثر صدقًا في الطريقة التي نتعامل بها مع ما لا يستطيع أن يرد علينا.
قبل أيام، وجدتُ جزءًا من هذه الفلسفة في متحف ناتورا دوسيه للتاريخ الطبيعي (Natura Docet)، أقدم متحف إقليمي للتاريخ الطبيعي في هولندا، الذي تأسس عام 1911م اسم المتحف وحده (Natura Docet) بمعنى (الطبيعة تُعلِّم) يكفي لفتح باب طويل من التأمل الفلسفي وهذا هو ما سوف نحاوله في الأيام المقبلة.
منحتني السيدة، جوليان مديرة المتحف بطاقة اشتراك في ورشة صناعة بيوت الطيور والفرشات، واستقبلني السيد جوس كينهاوس وزملاؤه، من (منظمة حماية الطيور والطبيعة) ببشاشة ومنحوني أدوات العمل والمواد اللزمة . بدأت أصنع بيتًا للعصفور من خشب الأرز وأثناء انهماكي بصناعة البيت عادت بي الذاكرة إلى أيام الطفولة. تذكرت أبي، رحمه الله، حين كان يرسلني مع إخوتي في مواسم البذار (الذري) وفي موسم لحصاد لحماية البذور والمحصول من الطيور والجراد. كنا ننهض قبل الفجر، نصعد الطرق الجبلية الوعرة، حتى نصل قبل الطيور في أعالي المدرجات الزراعية القريبة من القمم الجبلية وكان لدينا مرامي يدوية لقنص العصافير الصغيرة بالحصى المدببة كما كنا اثناء الحراسة المضنية نقضي وقتنا في عمل الفخاخ الترابية والخشبية والحجرية (المحانيب) للإيقاع في الطيور.
في طفولتنا كانت العلاقة في بيئتنا انذاك محكومة بمنطق البقاء المباشر: حماية محصول الأسرة من كائن ينافسها على الغذاء. أما اليوم، فقد وجدت الأمر مختلفا كليا في هولندا فحين يستطيع مجتمع أن يهتم بمصير طائر صغير، فهذا يعني أنه بدأ يتجاوز مقياس المنفعة المباشرة. فليست كل قيمة مرتبطة بما يمكن أن نحصل عليه من الشيء. هناك قيمة للحياة لأنها حياة، وللكائن لأنه كائن، وللتنوع لأنه شرط لاستمرار الكل.
ففي هولندا، تخضع الطيور لحماية قانونية وبيئية واسعة، في إطار القوانين الوطنية والأوروبية، وتعمل منظمات كبرى على المستوى الوطني، فيما تضطلع مجموعات محلية بمهمة أكثر دقة، لأنها تعرف تضاريس المكان وحقول المزارعين ومواقع الأعشاش ومسارات الطيور. وهذا النموذج يكشف أن حماية البيئة ليست قرارًا حكوميًا فقط، ولا نشاطًا فرديًا فقط، وإنما شبكة من القانون والعلم والمجتمع المدني والمبادرة المحلية.
في متحف التاريخ الطبيعي تذكرت مقالاتي القديمة عن البيئة وأهمية حمايتها التي كنت أنشرها في صحيفة 14 أكتوبر العدنية منذ عام 1999، في الصفحة التي كانت تديرها الأستاذة الطاف عبدالله، زوجة الشهيد محمد ناجي سعيد. رحمة الله عليهما ، كما عادت بي الذاكرة إلى جمعية حماية البيئة التي أسسناها في عدن عام 1991 مع الدكتور حمود العودي والراحل خالد حريري والصديق أبي علا اليزيدي وآخرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم الآن. وكما أسسنا الجمعية الفلسفية، وذهبنا إلى صنعاء بغرض دمج الجمعيتين، فضاع كل شيء!
نعود إلى بيوت الطيور في الغابات الهولندية.
لقد اكتشفت أن هذه البيوت ليست مجرد أعمال يدوية جميلة، وإنما جزء من فلسفة أوسع في حماية التنوع الحيوي. فتصميم البيت يتغير بحسب نوع الطائر؛ قطر فتحة الدخول وحجم الصندوق وموقعه وارتفاعه كلها تفاصيل لها علاقة بسلوك الطائر وحاجاته وقدرته على الدفاع عن نفسه. وبعض الطيور تحتاج إلى صناديق مغلقة، فيما تفضل أنواع أخرى منصات مفتوحة.
أما بيوت الفراشات، فهي مختلفة تمامًا؛ لا تُبنى بالضرورة للتعشيش، وإنما توفر مأوى اختياريًا من المطر والرياح والبرد والحيوانات المفترسة. وتحتوي عادة على شقوق طولية ضيقة وأغصان جافة تستطيع الفراشات أن تتشبث بها أثناء الراحة.
لهذا أصبحت بيوت الطيور بالنسبة لي أكثر من صناديق خشبية معلقة على الأشجار. إنها رسائل صغيرة يكتبها الإنسان للطبيعة بلغة الخشب. تقول لها: نحن نعرف أننا لسنا وحدنا. وتقول للطفل الذي يراها: ثمة كائن آخر يستحق أن يعيش. وتقول للمجتمع: إن الحضارة لا تقاس فقط بما تبنيه للإنسان، وإنما أيضًا بما تتركه للكائنات الأخرى.
وربما لهذا أحببت تجربة متحف ناتورا دوسيه؛ لأنه لا يعرض الطبيعة باعتبارها ماضيًا محنطًا داخل خزائن، بل يحاول أن يجعلها درسًا حيًا. فالمتحف يربط العلم بالثقافة، والطبيعة بالإنسان، والتاريخ بالمكان، والمعرفة بالمسؤولية.
سأعود في مقالات لاحقة إلى هذا المتحف الأثري الراقي، وإلى مقتنياته المدهشة: هياكل الماموث، والحيوانات المحنطة، والطيور النادرة، والحشرات، والأحافير، والعينات الجيولوجية والمعدنية، وغرف العجائب التي تروي كيف حاول الإنسان أن يفهم العالم من حوله.
***
ا. د. قاسم المحبشي








