قضايا

كاظم لفتة جبر: النوايا الثقافية الحسنة

لا يصدر اي عمل أو فعل انساني من فراغ، إذ تقف خلفه دائماً نية، بوصفها قصداً موجهاً ومعنى سابقاً للفعل، غير أن هذه النية لا تتشكل في فراغ أخلاقي محايد، بل تصاغ داخل بنية ثقافية واجتماعية تحدد مساراتها وتمنحها مشروعيتها، فالنية وإن بدت فطرية في ظاهرها إلا أن في حقيقتها نتاج تفاعل مع منظومات التربية، والتعليم، والدين، والايديولوجيات، والسلطة، أي أنها بناء ثقافي بامتياز. ومن هنا لا يمكن النظر إلى النية الحسنة باعتبارها قيمة أخلاقية مطلقة، بل بوصفها مفهوما نسبياً تحدده الثقافة السائدة ومصالح القوى التي تنتجها.

فالثقافة لا تحمل بُعدا أخلاقيا صافيا، بل تتضمن الحسن والسيء، ووفقاً لمعاني النية ومقاصدها، فالنية قد ترتبط بالفطرة الحسنة بمعناها العام، لكن ثقافياً فهي أيديولوجيا تتحكم بالفرد وتسعى لتوجيه حياته نحو أمر ما. لذلك تجد بوردو يربطها بالطبقة المهيمنة أو الوعي الثقافي السائد، حيث يتجلى هذا الوعي الثقافي عن طريق المدرسة والمؤسسات متعددة المهام والمراجع الثقافية والاعلام، بوصفها الأمكنة التي تملك رأس المال الثقافي وتمول المجتمع بالمعارف والمهارات والنوايا، وفي مجتمعاتنا العربية غالبا ما تتولى السلطة سياسية أو دينية دور الممول الثقافي، فتحدد ما ينبغي عده حسناً أو قيماً، وما يجب رفضه أو تهميشه.

فالمعرفة والمهارات والنوايا التي تكسبها الأسرة عن طريق المدرسة والمؤسسات وتزود بها الأبناء على أنها نوايا ثقافية حسنة أو سمات تميز الذوق الرفيع أو السليم أو الاهتمامات الخاصة سواءاً كانت هذه الميزات ذات أبعاد مدنية ام دينية ام سياسة ام ثقافية ام اجتماعية فهي تظهر كنوايا حسنة وطبيعية غير أنها في الحقيقة نوع من أنواع السيطرة التي تمارسه السلطة بشكل ناعم عبر الاقناع والتطبيع، لا عن طريق القسر المباشر.

وقد تتعدد هذه النوايا منها ما تجده هذه الأيام من نوايا ثقافية حسنة تفرض عن طريق الرفض للفن والتشكيك في الجمال والمعارض الثقافية، او المحاكمة الثقافية التي تمارس من قبل بعض المتثاقفين وأصحاب الفكر الديني أو المدني للإرث الثقافي لمجتمعهم تتمثل في نقد حياة شخصيات أو جماعات وعدم التفريق بين ما يقدمونه من معارف وفنون وحياتهم الشخصية، اذ ان الموضوعية توجب علينا النظر لهم بوصفهم بشرا ولهم مشاعر وخطايا، وليسوا ملائكة. وتاريخ الفكر الإنساني حافل بفلاسفة ومفكرين وعلماء حملوا تناقضاتهم واخطائهم، ومع ذلك شكلت أفكارهم ركائز أساسية لتقدم مجتمعاتهم، إذ أن تجاهل هذا الجانب لا يعني حماية الأخلاق، بل تكريس للعنف الرمزي ضد الثقافة والاختلاف والذات الإنسانية.

فالسلطة تهمين وتمارس عنفها الرمزي عن طريقنا، وعن طريق الجمعيات والمؤسسات والجماعات اذا ان الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، بل حتى تصل إلى أدق التفاصيل في حياتنا اليومية فحين تدفع الاجيال الجديدة إلى ميادين وتخصصات ومسارات علمية أو سياسية أو دينية بحجة المكانة الاجتماعية أو لكونها تنسجم مع متطلبات الرقي وقيم النجاح، ما هي إلا بُعد آخر من السيطرة والعنف الرمزي الذي يمارس بحق قدرات الأبناء والجيل الجديد.

إذن النوايا الثقافية الحسنة هي منظومة متكاملة من الميول والاستعدادات لتقبل فكرة وجود أمر ما على أنه طبيعي من سلوك وأدوار ونوايا. فالفساد والمحاصصة والمحسوبية والطائفية وضياع المال العام بجميع انواعه في الدولة وما تضمه من كيانات سياسية واجتماعية وثقافية ورياضية اصبح لدينا تقبل على أنه شيء طبيعي حتى لو كانت تخدم طبقة معينة في مجتمعنا.

فالهيمنة غير المباشرة والخفية التي تمارسها الطبقة المهيمنة أو السلطة عبر فرض ثقافتها وقيمها وسلوكياتها على باقي الطبقات تجعلهم يتقبلونها كأمر طبيعي أو كفشل شخصي بدلاً من رؤيتها كأداة للقوة والسيطرة.

وعن طريق هذه النوايا يتم إعادة إنتاج النظام الاجتماعي لا عبر القمع المباشر، بل عن طريق مكافأة الامتثال تكريم الفشل الوظيفي، ودعم التملق، واسناد القرار إلى من يفتقر للكفاءة والضعيف، حيث يُعاد تعريف الفشل على انه اختيار فردي أو نقص شخصي، بدلاً من كشفه لكونه نظاماً طبقياً غير عادل.

لذا فإن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تمارس بالقوة، بل التي تمارس باسم النية الحسنة والأخلاق والدين، حينها تتحول الثقافة إلى أداة طيعة لإدامة السيطرة، ويغدو الأفراد شركاء في إخضاع أنفسهم دون وعي.

فالنوايا الثقافية الحسنة ليست مجرد صفات فردية أو مجتمعية، بل هي ممارسات واذواق يكتسبها الأفراد وتكافأ اجتماعيا، لكنها في جوهرها أداة لترسيخ النظام الطبقي وهيمنة السلطة و الامتيازات غير المتساوية عبر آليات ثقافية خفية.

***

كاظم لفتة جبر

 

في المثقف اليوم