كيف يصنع الحوار الأصدقاء.. وتصنع الصداقة الحضارة؟
بمناسبة اليوم العالمي للصداقة – 30 يوليو
في الثلاثين من يوليو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للصداقة، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011 انطلاقًا من قناعة عميقة بأن الصداقة بين الشعوب والثقافات والأفراد ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل ركيزة من ركائز السلام العالمي، وجسر للتفاهم بين البشر، ووسيلة لمواجهة الكراهية والعنف والتمييز. لقد أرادت الأمم المتحدة لهذا اليوم أن يذكرنا بأن مستقبل الإنسانية لا يصنعه السلاح وحده ولا الاقتصاد وحده، وإنما تصنعه أيضًا الثقة المتبادلة، والحوار، والقدرة على بناء صداقات تتجاوز الحدود والهويات الضيقة.
ولعل هذا المعنى هو ما دفعني إلى الكتابة في هذه المناسبة، لا عن الصداقة بوصفها علاقة شخصية أو عاطفة وجدانية فحسب، بل بوصفها مفهومًا فلسفيًا وحضاريًا، وشرطًا من شروط التفكير الحر وإنتاج المعرفة. فالفلسفة، منذ ولادتها، لم تكن خطابًا يُلقى من أعلى، ولا حقيقة جاهزة تُفرض على العقول، وإنما كانت حوارًا مفتوحًا بين ذوات حرة ومتساوية، تبحث عن الحقيقة دون أن يدعي أحد امتلاكها كاملة. ولهذا يمكن القول إن الفلسفة تبدأ حيث تبدأ الصداقة، وأن الحضارة تبدأ حين يتحول الحوار إلى أسلوب حياة.
في كل مرة أشارك فيها في ندوة فلسفية، أو أنتهي من قراءة كتاب عميق، أو أكتب مقالًا يثير سؤالًا جديدًا، يزداد يقيني بأن الفلسفة لا تُولد في العزلة، ولا تنمو في الصمت، وإنما تنبثق من اللقاء الحي بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم. فالعقل لا يكتشف نفسه إلا في مواجهة عقل آخر، ولا تتولد المفاهيم إلا من احتكاك التجارب واختلاف الرؤى. ولهذا لم يكن تاريخ الفلسفة سوى تاريخ للحوار، ولم يكن الحوار ممكنًا إلا في فضاء من الندية، حيث لا يحتكر أحد الحقيقة، ولا يمتلك أحد الكلمة الأخيرة.
الصداقة، في تقديري، ليست حالة واحدة، بل هي أنماط ودرجات ومستويات، كما أن الأصدقاء أنفسهم ليسوا صورة متطابقة. فمنهم صديق المصلحة الذي تزول صداقته بزوال المنفعة، وصديق المتعة الذي يخفت حضوره بانطفاء الرغبة، وصديق الزمالة الذي يبقى في حدود المؤسسة أو المهنة، وهناك صديق المعرفة والهموم المشتركة، وهو أندرهم جميعًا، لأنه لا يشاركك الوقت فحسب، بل يشاركك قلق السؤال، ومتعة الاكتشاف، وشغف القراءة والكتابة، ويمنحك أعظم هدية يمكن أن يقدمها صديق لصديقه: النقد الصادق.
ذلك هو الصديق الذي لا يصفق لكل ما تكتب، ولا يجاملك في كل ما تقول، بل يدفعك إلى مراجعة أفكارك، ويكشف لك مناطق الضعف قبل أن يثني على مناطق القوة. ولعل أجمل شعار يمكن أن يلخص هذا النوع من الصداقة هو: «أكتب كي أفهمك… وأنقدك كي أساعدك على أن تفهم نفسك.» فالصداقة الفكرية ليست مجاملة، وإنما شراكة في إنتاج المعرفة.
وليس غريبًا أن يجعل أرسطو الصداقة إحدى الفضائل الكبرى في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، حين رأى أن دوافعها ثلاثة: المنفعة، والمتعة، والخير. أما الصداقة القائمة على الخير فهي وحدها التي تستحق البقاء، لأنها تقوم على الاعتراف المتبادل بالقيمة الإنسانية، لا على المنفعة العابرة.
ثم جاء الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز ليمنح الصداقة معنى أكثر عمقًا. فالصديق، عنده، ليس من يوافقنا الرأي، وإنما من يوقظ فينا قدرة جديدة على التفكير. إن اللقاء الحقيقي لا يحدث بين الأجساد بقدر ما يحدث بين العقول، وبين الأعمال، وبين العلامات التي يتركها الآخر في وعينا. ولذلك تصبح الصداقة حدثًا معرفيًا، لا مجرد علاقة اجتماعية، وإبداعًا مشتركًا، لا مجرد تعارف.
ومن هنا أستطيع القول إن الفلسفة ابنة الصداقة أكثر مما هي ابنة السلطة. فالعلاقة الفلسفية علاقة أفقية، تقوم على الحوار، والاعتراف المتبادل، وحرية السؤال، بينما تقوم العلاقة السلطوية على الامتثال والتلقين واحتكار الحقيقة. وفي الأولى يولد المفهوم من النقاش، أما في الثانية فيتحول العقل إلى مجرد حافظ لما قاله السابقون.
لقد ازدهرت الفلسفة اليونانية في فضاء المدينة الحرة، وازدهرت الفلسفة العربية الإسلامية حين انفتحت على الحضارات الأخرى عبر الترجمة والمناظرة والحوار. فما كان الكندي، ولا الفارابي، ولا ابن سينا، ولا ابن رشد، مجرد ناقلين للفلسفة اليونانية، بل كانوا شركاء في إنتاج المعرفة الإنسانية، لأنهم دخلوا في صداقة عقلية مع التراث الإنساني، فأعادوا بناء مفاهيمه داخل أفق حضاري جديد.
إن كل لحظة إشراق في تاريخ الحضارات كانت ثمرة حوار، وكل لحظة انغلاق كانت ثمرة خوف من الحوار. فالحضارات لا تنهض حين تتشابه العقول، بل حين تختلف وتتجادل وتتفاعل. ولذلك فإن المعرفة لا تُولد من اليقين المغلق، وإنما من السؤال المفتوح، ولا تتقدم بالطاعة، وإنما بالنقد.
ولأن الصداقة هي أكثر العلاقات الإنسانية حرية، فهي تختلف عن سائر الروابط الاجتماعية التي يولد الإنسان داخلها؛ كعلاقات القرابة، والأبوة، والأمومة، والعشيرة، والقبيلة، والطائفة، والحزب. فهذه كلها روابط سابقة على إرادتنا، أما الصداقة فهي علاقة نختارها بإرادتنا الحرة، ولذلك فهي التعبير الأصدق عن نضج الإنسان واستقلاله.
واليوم، في عصر الاتصال الرقمي، اكتسبت الصداقة أبعادًا جديدة. فقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يبني صداقات عابرة للقارات واللغات والثقافات، وأن يتحاور مع أشخاص لم يرهم وجهًا لوجه، لكنهم أصبحوا شركاءه في التفكير والإبداع. ومن هنا كنت دائمًا أستغرب ذلك السؤال الذي يتكرر في الفضاء الافتراضي: من أين أنت؟
إنه سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف أحيانًا عن عقل ما زال يبحث عن الإنسان في قبيلته قبل أن يبحث عنه في فكره. أما أنا فلم أجد يومًا ما يدفعني إلى طرحه، لأنني أعرف الجواب سلفًا. كلنا أبناء هذا الكوكب، وليس بيننا من جاء من المشتري أو زحل أو المريخ. كلنا أبناء الأرض، يجمعنا أصل إنساني واحد، وتفرقنا هويات صنعها التاريخ، لكنها لا ينبغي أن تحجب عنا الحقيقة الكبرى: أن الإنسان قيمة قبل أن يكون انتماء.
ومن هذا الشعور كتبت قبل سنوات قصيدتي «كن من تكون»، التي حاولت فيها التعبير عن معنى الصداقة في الفضاء الرقمي، حيث تغيب الامتيازات الموروثة، وتتراجع سطوة الألقاب، ويصبح الإنسان مسؤولًا عما يكتبه، لا عما ورثه. قلت فيها:
“كن من تكون… ومن أين كنت… فلا قيمة للجهات في فضاء يتسع لجميع البشر.”
ولم تكن تلك القصيدة دعوة إلى إلغاء الهويات، بل كانت دعوة إلى الارتقاء فوق التعصب لها، وإلى اكتشاف الإنسان في الإنسان، قبل اكتشاف اسمه، أو قبيلته، أو مذهبه، أو جنسيته.
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى ثقافة الصداقة، لا بوصفها مجاملة اجتماعية، بل باعتبارها فلسفة للحياة. فالصداقة الحقيقية تعلمنا كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف ننقد دون أن نهين، وكيف نتحاور دون أن نلغي الآخر. إنها مدرسة في الحرية، وأخلاق في الاعتراف المتبادل، وجسر تعبر عليه الحضارات نحو مستقبل أكثر إنسانية.
ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي لم يعد: كم صديقًا نملك؟ بل: أي نوع من الأصدقاء نحتاج؟ هل نبحث عن أصدقاء يؤكدون قناعاتنا، أم عن أصدقاء يوسعون آفاقنا؟ هل نريد من يصفق لنا، أم من يصحح أخطاءنا؟ وهل الصديق من يوافقنا دائمًا، أم من يجعلنا أكثر قدرة على التفكير؟
إن أعظم صديق هو الذي يضيف إلى عقلك سؤالًا جديدًا، وإلى روحك أفقًا جديدًا، وإلى حياتك معنى جديدًا.
وإذا كانت الفلسفة تعلمنا كيف نفكر، فإن الصداقة تعلمنا كيف نفكر معًا. وبين التفكير والحوار، وبين السؤال والنقد، وبين الحرية والاعتراف المتبادل، يولد الإنسان في أجمل صوره، وتولد الحضارات في أكثر لحظاتها إشراقًا. فالحوار يصنع الأصدقاء، والأصدقاء يصنعون المعرفة، والمعرفة هي التي تصنع الحضارة.
***
ا. د. قاسم المحبشي








