من بداهة القول أن نقرّ بأنّ التسلسل المنطقي بين القناعة إذْ نتبنّاها وبين الأدلة التي تقود إليها هو أن تكون الأدلة في سلّم التراتبية هي السابقة في المرتبة الأولى، والقناعات هي اللاحقة في المرتبة الثانية؛ نتيجةً طبيعيةً لأدلتها التي حتّمت علينا الصيرورة إلى الاقتناع بها؛ ومن هنا نقول: اقتنعتُ بكذا بسبب الدليل الفلاني، فالسبب يأتي قبل النتيجة، والمسبَّب يعقب المسبِّب؛ ولذا فهو تمظهرٌ متقدّم من تمظهرات الوعي، أي حين تكون قناعاتنا مبنية على أساس متين من الأدلة التي بمقتضاها أدخلنا القناعة في حيّز إدراكنا، وارتضيناها لأنفسنا.
ولكن أن يحدث العكس تماما، بحيث نتبنّى القناعة ثم نتعرّض لأدلتها فهذا ربما يُعدّ ُ أمرًا مستغرَبًا للغاية نظريًا، إلا أنّه يمثّل واقعا لا يمكن نكرانه، إذْ إنّ قناعاتنا كثيرا ما تكون سابقةً على أدلّتها بادئ الأمر، ثم تأتي الأدلة تبريرا وتعزيزا واستئناسا لتلكم القناعات التي تولّدت فينا سَلَفًا، فنتوهّم لاحقا بعد طول عهدٍ أن الأدلة هي السابقة والمتسبّبة.
هذا الانعكاس التراتبي يحدث لعدة أسباب، منها أن تبصر طفولتُنا الغضّة النديّة العالَم - أول ما تبصر - قناعات توارثتها البيئة التي نشأنا فيها، فنستنسخ قناعات بقية مَن نشأ في هذه البيئة، ثم تأخذنا الحميّةُ إزاءَها فنذود عنها وننافح ردحا من الزمن حتى لحظة اليقظة، ونقبل إذّاك الأدلة التي تعززها، وفي المقابل نلوي أعناق الأدلة التي تنقضها، ليس لأننا بحثنا في أدلتها وفتّشنا في مدى متانتها حتى قبلناها عن فحصٍ واعٍ حصيف، بل لأننا نشأنا عليها منذ نعومة أظفارنا حتى استمْرَأْناها؛ لأنها أول ما تلقّفَنا به العالَم وتلقّتنا به الحياة، لا أكثر من ذلك.
من تلك الأسباب التي تقلب تراتبية القناعة وأدلتها رأسا على عقب، التسرّب اللاواعي لسبب أو لآخر؛ نتيجة التأثر بالحملات الدعائية الممنهجة المتكررة، هذا التسرّب اللاشعوري يجعلنا ليّنين مُتراخين أمام الأدلة التي تعضد القناعة، وشرسين شيئا فشيئا حيال الأدلة المضادّة التي تعكّر صفوها وتقضّ مضجعها، حتى نجد أنفسنا في لحظة حاسمة وقد انتبه وعينا لقناعة جديدة، ظانّين أنها لحظة ولادة مباغتة لا مخاض قبلها، بَيْدَ أنها الحلقة الأخيرة لتراكمات متعاقبة في خلفية وعينا، تشكّلت دون ملاحظة منا.ويأتي الانفعال العاطفي كذلك واحدًا من أبرز أسباب تقدّم تبنّي القناعة على سَوْق أدلتها، إذْ إنّ المواقف المصحوبة بشحنة هائلة من العواطف من شأنها أن تشكّل قناعة معينة دفعة واحدة، وعلى نحو غائرٍ في العمق، ثم يبحث عقلنا بعدئذٍ عما يعضدها من براهين، هذا البحث هو بحث استدلال لاحق، لا استدلال سابق كما ينبغي له أن يكون.
خليقٌ بي هنا أن ألفت النظر إلى أنّنا لسنا مجبرين أساسا على حيازة أدلة لقناعاتنا الشخصية، وهذه اللفتة الجدلية على غرابتها، غير أنها إسقاطٌ اعتيادي نمارسه بدون غضاضة، ولو فتّشنا جيدا بين قناعاتنا لوجدنا جملة ضافرةً منها، فكم من قناعة تعشّش في إدراكنا ليس لها من سند إلا مَيلٌ داخلي لا غير، ونحن نقرّ بذلك عن طيب خاطر، أي عدم وجود أدلة تعضد قناعاتنا هاته، وليس عن هذا النوع من القناعات أتحدث في مقالتي هذه، وإنما عن فئة قناعاتنا التي نظن أن قاعدتها التي تستند إليها هي دليل دامغ أو طائفة من البراهين الساطعة، غير أن الأمر ليس بهذه التراتبية ألبتة.
فإذا كان ذلك كذلك، فوجود أدلة رصينة - بحسب رؤيتنا - لا يعني أنها سابقة سببية على قناعتنا، ومن ثَمّ فهي المحرك الرئيس وراء اقتناعنا بها، فالأمر ليس كذلك بالمرّة، إذْ لا تعدو أن تكون مجرد استدلال متأخر، نطرّز به تبريرنا ودافعنا الواعي وراء قناعتنا، محاولين إظهار درجة سامقة من الاتزان العقلي ونحن نستعرض قناعتنا إنْ لإسكات سياط عقلانيتنا وإنْ لصدّ هجمات الآخرين علينا.
إن الداعي وراء هذه اللفتة هو أن نَحمل أنفسنا على ممارسة ذهنية ضرورية، وهي المراجعة الدورية لقناعاتنا التي نتبنّاها بحكم أدلتها، ثم نقوم بالمساءلة الجادة والصارمة عمّا إذا كانت هذه الأدلة سببا حقيقيا وذات تسلسل منطقي بحيث كانت سابقة على القناعة، أم أنها مجرد تبرير متأخر على قناعتنا نضحك به على أذقاننا، ونتزيّا به في مجالس الوعي وعتبات النقاش؟ وما هي في الواقع إلا قناعة مزيفة سبقت استدلالَها، ولبست لَبوس قناعة حقيقية لحقت استدلالَها.
***
محمد سيف








