عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مروان ياسين الدليمي: "مذكرات طه حسين".. ماذا بقي من حرية المثقف؟

ليست "مذكرات طه حسين" الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 1967، مجرد سجل لحياة رجل فقد بصره في طفولته ثم شق طريقه إلى المجد العلمي والأدبي. إن قيمتها الأعمق تكمن في أنها تقدم، من خلال سيرة فرد، صورة لصراع طويل بين الإنسان والقيود التي تحيط به: قيود الفقر، والجهل، والتقاليد، والسلطة، والمؤسسة، وحتى ذلك النوع من اليأس الذي يستطيع أن يتسلل إلى النفس حين تبدو الطريق أطول من قدرة العابر عليها. وفي قلب هذا الصراع تظهر شخصية طه حسين لا بوصفها شخصية استثنائية فحسب، بل بوصفها نموذجا مبكرا للمثقف الذي جعل من المعرفة وسيلة للتحرر، ومن النقد طريقة في الوجود، ومن الاستقلال الفكري شرطا لا يمكن التنازل عنه.

لا سلطة للآخرين على العقل

إن أول ما يلفت في طه حسين هو أن فقدانه للبصر لم يكن القضية المركزية في شخصيته، على الرغم من أن حياته كلها ظلت محاطة بآثاره. لقد كان الآخرون يرون فيه الرجل الأعمى الذي تحدى إعاقته، أما هو فكان يرى نفسه طالب علم. وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل تجربته أكثر عمقا من مجرد قصة نجاح فردي. فقد رفض، في العمق، أن يسمح للشفقة بأن تكون التعريف الذي يقدمه للعالم عن نفسه. لم يكن يريد أن يقال عنه إنه بلغ ما بلغ لأنه أعمى، بل لأنه امتلك القدرة على أن يتعلم، وأن يفكر، وأن يناقش، وأن يختلف، وأن يثبت أن العقل لا ينبغي أن يخضع للحدود التي يرسمها له الآخرون.

كان العلم بالنسبة إلى طه حسين أكثر من مهنة أو وسيلة للارتقاء الاجتماعي. كان نوعا من الضرورة الداخلية. لذلك بدا إصراره على طلبه أشبه بعناد لا يقبل المساومة. لم يكن يتعلم لكي يكتسب موقعا، ولا لكي يصنع لنفسه صورة اجتماعية، ولا لكي يقترب من أصحاب النفوذ. كان يتعلم لأن الجهل، في نظره، لم يكن مجرد نقص في المعلومات، بل حالة من الخضوع. ومن هنا يمكن فهم ذلك النزوع العميق إلى الاعتماد على النفس الذي يميز شخصيته. كان يريد أن يقف على قدميه، حتى حين كان الطريق يفرض عليه أن يستعين بالآخرين. كان يعرف أن الإنسان قد يحتاج إلى المساعدة، لكنه كان يرفض أن تتحول المساعدة إلى وصاية، أو إلى ثمن مطلوب دفعه من استقلاله.

نفوره من التزلف والنفاق

وهنا تبرز إحدى أهم سمات شخصيته: نفوره من التزلف والنفاق. لم يكن طه حسين من أولئك الذين يرون في الثقافة سلما للصعود إلى المناصب. ولو أنه اختار طريق المجاملة، لكان في إمكانه أن يجني كثيرا من المكاسب. كان يستطيع أن يصمت في مواضع الكلام، وأن يمدح حين يكون النقد أكثر ضرورة، وأن يتجنب الاصطدام بالسلطان أو بإدارة الجامعة، وأن يحول علمه إلى رأسمال من العلاقات والمنافع. لكنه لم يفعل. لقد أدرك، على نحو مبكر، أن المثقف الذي يجعل كلمته رهينة للمصلحة يفقد الشيء الوحيد الذي يمنحها قيمتها: حريتها.

لم تكن هذه الاستقلالية موقفا رومانسيا سهلا. لقد كانت لها أثمانها. فالمؤسسة لا تحب دائما من يذكرها بحدودها، والسلطة لا ترحب بمن لا يطلب رضاها، والجامعة قد تتحول، في بعض لحظاتها، من فضاء للمعرفة إلى جهاز يريد من أعضائه الطاعة. ومع ذلك، ظل طه حسين يضع العلم في مواجهة السلطة، لا بمعنى أن العلم يستطيع وحده إسقاط السلطة، بل بمعنى أن المعرفة تمنح الإنسان القدرة على رؤية ما تريد السلطة إخفاءه. ومن هنا جاء صراعه المتكرر مع أشكال الوصاية، سواء أكانت وصاية سياسية أم دينية أم أكاديمية.

نزوع نقدي مبكر

لقد بدأ هذا النزوع النقدي في وقت مبكر جدا. فطه حسين لم ينتظر أن يصبح أستاذا لكي يكتشف حقه في السؤال. كان طالبا في الأزهر حين بدأ يخضع ما يتعلمه للفحص والمناقشة. لم يكن يتلقى الأفكار كما تصل إليه، مغلقة ومكتملة، بل كان يتعامل معها بوصفها موضوعا للنظر. حتى الشيوخ والأساتذة لم يكونوا بمنأى عن أسئلته. وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن الثقافة العربية في ذلك الوقت كانت لا تزال تعاني من هيبة الشخص والمرجع. كان السؤال، في كثير من الأحيان، يبدو كأنه اعتداء على مكانة العالم. أما طه حسين فقد جعل السؤال أداة من أدوات التعلم، وجعل الشك المنهجي طريقا إلى المعرفة.

كان يعرف أن العلم الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى عقيدة، وأن الأستاذ الذي لا يقبل السؤال يتحول إلى سلطة، وأن الطالب الذي لا يملك حق الاعتراض لا يتعلم، بل يحفظ. ولذلك فإن معركته الأولى لم تكن مع الجهل وحده، بل مع الطريقة التي كان الجهل يتخفى بها في هيئة يقين. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى طه حسين بوصفه أحد أكثر المثقفين العرب اقترابا من مفهوم المثقف الحديث: شخص يتعلم من المؤسسة، لكنه لا يعبدها؛ يستفيد من التراث، لكنه لا يستسلم له؛ يعرف قيمة الماضي، لكنه يرفض أن يتحول الماضي إلى سجن للحاضر.

وتزداد هذه الصورة وضوحا في سنواته الباريسية خلال الحرب العالمية الأولى. لم تكن باريس في تلك الفترة فضاء ثقافيا مثاليا ينتظر الطالب القادم من مصر لكي يكتشفه. كانت مدينة محاصرة بالخوف، والحرب، والاضطراب، وصعوبات الحياة. وكان طه حسين، فوق ذلك كله، طالبا أعمى، غريبا عن بيئته، يواجه لغة جديدة ونظاما علميا مختلفا وعالما ثقافيا لا يمنح أحدا مكانه مجانا. لقد كان يمكن لكل هذه العوامل أن تتحول إلى أعذار. لكنه لم يسمح لها بأن تصبح كذلك.

لم يستبدل تبعية بتبعية

إن أهمية تجربته في باريس لا تكمن في أنه ذهب إلى أوروبا وعاد منها حاملا الشهادات، بل في أنه دخل إلى فضاء معرفي جديد من دون أن يفقد قدرته على الحكم. لم يكن تلميذا مبهورا بكل ما هو أوروبي، كما لم يكن مدافعا عصبيا عن كل ما هو عربي. كان يريد أن يتعلم، لا أن يستبدل تبعية بتبعية. ولذلك استطاع أن يجعل من المعرفة الأوروبية أداة لإعادة النظر في أسئلة الثقافة العربية، لا وسيلة للانفصال عن مجتمعه.

لقد تجاوز طه حسين فقدانه لبصره، لا بمعنى أنه ألغى وجوده، فهذا أمر مستحيل، بل بمعنى أنه رفض أن يجعل منه قدرا يحدد سقف حياته. تجاوز الفقر، وتجاوز العزلة، وتجاوز صعوبة اللغة، وتجاوز المسافة بين طالب قادم من بيئة ثقافية تقليدية وعالم أكاديمي حديث. والأهم من ذلك أنه تجاوز الصورة التي كان يمكن للمجتمع أن يفرضها عليه. لم يقبل أن يكون مجرد حالة إنسانية تستحق التعاطف، بل أراد أن يكون عقلا يناقش، ويختلف، ويخطئ، ويصيب.

مكانته الثقافية أكبر من حدود مؤلفاته

ومن هنا تبدو مكانته في الثقافة العربية المعاصرة أكبر من حدود مؤلفاته. لقد كان طه حسين، قبل كل شيء، طريقة في النظر. وكان هذا النظر يتسع من قضية الأدب إلى قضية المجتمع، ومن سؤال التراث إلى سؤال الحرية، ومن الجامعة إلى مستقبل الشعب. لم يكن العلم عنده منفصلا عن الحياة. ولذلك ظل متداخلا مع قضايا بلده، ومع تطلعات شعبه إلى الحرية والاستقلال والعدالة. كان يرى أن الجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة معزولة عن المجتمع، وأن الثقافة التي لا تنعكس على حياة الناس تظل ناقصة مهما بلغت من الدقة الأكاديمية. لهذا يمكن اعتبار طه حسين واحدا من أبرز، وربما أبرز، المثقفين في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. ليس لأنه كان أكثرهم إنتاجا في كل مجال، ولا لأن كل ما كتبه بقي خارج النقد والمراجعة، بل لأنه جمع بين عناصر نادرا ما تجتمع في شخص واحد: العلم الأكاديمي الرفيع، والقدرة النقدية، والشجاعة الأخلاقية، والارتباط بقضايا المجتمع، والإيمان بأن المعرفة حق عام وليست امتيازا خاصا.

ظل حرا وسط عالم كانت فيه الحرية مكلفة

إن طه حسين الذي يظهر في مذكراته لا يطلب منا أن نعجب بانتصاره على فقدانه للبصر فحسب. إن ما يطلبه، بصورة أعمق، هو أن نفهم معنى أن ينتصر الإنسان على كل ما يريد أن يحوله إلى تابع. لقد كان بإمكانه أن يربح أكثر لو أنه كان أقل استقلالا، وأن يصعد أسرع لو أنه كان أكثر مرونة أمام أصحاب النفوذ، وأن يحقق مكاسب أوسع لو أنه عرف كيف يرضي السلطان وإدارة الجامعة. لكنه اختار شيئا آخر: أن تكون له كلمته، وأن يدفع ثمنها. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمذكراته. فهي لا تقدم حياة رجل نجح رغم العمى فحسب، بل تقدم حياة عقل نجح في أن يظل حرا وسط عالم كانت فيه الحرية مكلفة. وهذا هو الدرس الذي يجعل طه حسين معاصرا لنا، حتى بعد عقود طويلة من رحيله: أن المثقف لا يقاس بعدد المناصب التي بلغها، ولا بعدد الأبواب التي فتحت له، بل بعدد الأبواب التي استطاع أن يظل واقفا خارجها حين كان الدخول إليها يتطلب منه أن يتخلى عن نفسه.

طه حسين والمثقف العربي المعاصر

تكتسب مذكرات طه حسين دلالة تتجاوز زمنها. فالقارئ المعاصر لا يواجه فيها ماضيا ثقافيا منتهيا، بل يواجه سؤالا ما زال قائما: ماذا يفعل المثقف حين تتعارض الحقيقة التي يصل إليها بالعلم مع ما تريده السلطة، أو ما تفرضه المؤسسة، أو ما يفضله الجمهور؟ لقد كان طه حسين، منذ بداياته الأولى، مثقفا فاعلا لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يستخدمها في مساءلة المجتمع ومؤسساته وأفكاره السائدة. كان يكتب وهو طالب، ويناقش وهو في موقع المتعلم، وينقد شيوخه وأساتذته، لا رغبة في هدم مكانتهم، بل لأن العلم، في نظره، لا يكتمل إلا حين يظل مفتوحا على السؤال. وفي ذلك يكمن الفارق الكبير بين المثقف الذي يرى الثقافة مسؤولية، والمثقف الذي يراها امتيازا اجتماعيا.

ولعل مقارنة هذا الموقف المبكر بموقف قطاعات واسعة من المثقفين العرب اليوم تكشف تراجعا مؤلما في الدور العام للثقافة. فقد كان طه حسين يرى أن المثقف لا يستطيع أن يعزل نفسه عن قضايا المجتمع، وأن المعرفة التي لا تقود إلى مساءلة الظلم والتخلف والاستبداد تتحول إلى معرفة ناقصة. أما اليوم، فقد أصبح عدد غير قليل من المثقفين أكثر حذرا في علاقته بالسلطة والسياسة. بعضهم يفضل الصمت كي يحافظ على موقعه، وبعضهم يحول الثقافة إلى مساحة للظهور الاجتماعي، فيما يختار آخرون الاقتراب من السلطة بحثا عن منصب أو امتياز أو حماية. وهكذا تتحول المعرفة، التي يفترض أن تمنح صاحبها استقلالا، إلى وسيلة لإنتاج التبعية.

سؤال نقدي عن الحاضر

لم يكن طه حسين مثاليا بالمعنى الساذج للكلمة، ولم يكن يجهل أثمان المواجهة. لكنه كان يعرف أن المثقف يفقد مبرر وجوده حين يتحول إلى صدى للسلطة. ولهذا فإن المقارنة بينه وبين واقع المثقف العربي المعاصر لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حنين إلى زمن مضى، بل إلى سؤال نقدي عن الحاضر: أين ذهب ذلك الإيمان بأن الجامعة ينبغي أن تكون فضاء للحوار، وأن العلم حق اجتماعي، وأن الثقافة لا تنفصل عن الحرية والعدالة والاستقلال؟ لقد كان طه حسين يرى أن المثقف الأكاديمي ليس موظفا في مؤسسة المعرفة، بل أحد المسؤولين عن مستقبل المجتمع. أما حين يتخلى المثقف عن هذه المسؤولية، فإنه لا يخسر تأثيره فحسب، بل يفقد أيضا المعنى الأخلاقي للثقافة. لهذا تظل شخصية طه حسين حاضرة لا بوصفها نموذجا تاريخيا مكتمل الصياغة، بل بوصفها تحديا مستمرا. فالرجل الذي بدأ حياته طالبا فقيرا وأعمى، ثم دخل عالم العلم من أكثر أبوابه صعوبة، لم يكن يطلب من الثقافة أن تمنحه مكانة، بل كان يريد أن يجعل منها قوة لتحرير الإنسان. وفي زمن يزداد فيه حضور السلطة، وتتسع فيه مساحات الخوف، وتصبح المساومة أكثر إغراء، تبدو شجاعته الفكرية أكثر راهنية. إن السؤال الذي تتركه مذكراته للمثقف العربي اليوم ليس: كيف نبلغ مكانة طه حسين؟ بل: هل نملك، في اللحظة التي نحتاج فيها إلى قول الحقيقة، الاستعداد نفسه لدفع ثمنها؟

***

مروان ياسين الدليمي

في المثقف اليوم