مقدمة: ليس من السهل قراءة مشروع عبد الجبار الرفاعي بوصفه مجرد محاولة لتجديد الخطاب الديني أو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدين، لأن المسألة التي يقف عندها مشروعه تتجاوز حدود التجديد الخطابي إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بصورة الإنسان التي ينتجها الدين، وبنوع الحياة التي يستطيع أن يمنحها للإنسان حين يتحول من منظومة من الأحكام والتكاليف إلى تجربة في الوجود والمعنى. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي»؛ فالكتاب لا يضع الدين في مواجهة الحداثة فحسب، ولا يكتفي بنقد التدين التقليدي، وإنما يحاول أن يعيد بناء السؤال الديني من نقطة تقع أعمق من العقيدة والمؤسسة والطقس، أي من نقطة الإنسان بوصفه كائنًا مأخوذًا بسؤال المعنى ومفتوحًا على ما يتجاوز وجوده المباشر.
إن مفهوم «الظمأ الأنطولوجي» هو المفتاح الذي يسمح بالدخول إلى هذا المشروع؛ فالظمأ هنا ليس حاجة عرضية يمكن إشباعها بإجابة جاهزة، وإنما هو تعبير عن نقص أصيل في الوجود الإنساني، عن ذلك القلق الذي يجعل الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يريد أن يعرف لماذا يوجد، وكيف يمكن أن يمنح وجوده معنى، وما الذي يجعل حياته جديرة بأن تُعاش. ولذلك فإن الدين، في الأفق الذي يرسمه الرفاعي، لا يبدأ من الإجابة وإنما من السؤال، ولا يبدأ من امتلاك الحقيقة وإنما من تجربة الحاجة إلى المعنى.
أولًا: من الدين بوصفه منظومة إلى الدين بوصفه تجربة
تكمن إحدى أهم تحولات الرفاعي في نقله مركز الثقل من الدين بوصفه نظامًا معرفيًا وتشريعيًا إلى الدين بوصفه تجربة إنسانية. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو تغيير في نقطة النظر إلى الظاهرة الدينية نفسها. ففي التصورات التقليدية غالبًا ما يُنظر إلى الدين من الأعلى، أي من جهة النص والعقيدة والأحكام والمؤسسة، ثم يُطلب من الإنسان أن يدخل في هذا البناء وأن يعيد تشكيل حياته وفق مقتضياته. أما الرفاعي فيحاول أن ينظر من الأسفل، من الإنسان نفسه، من حاجاته الوجودية، من خوفه ورجائه وحيرته وموته وحاجته إلى الحب والمعنى.
وهنا يصبح السؤال: ماذا يفعل الدين بالإنسان؟ أكثر أهمية من سؤال: ما الذي يعتقده الإنسان؟ فالإيمان لا يُقاس فقط بمقدار ما يحفظه الإنسان من تصورات عقدية، وإنما بما إذا كان قادرًا على أن يصنع منه إنسانًا أكثر قدرة على الحياة، وأكثر رحمة، وأعمق إحساسًا بكرامة الآخر، وأكثر تصالحًا مع هشاشته وقلقه ومحدوديته.
وهذا التحول يضع الرفاعي في مواجهة مباشرة مع أحد أعمق أزمات التدين المعاصر: أزمة الفصل بين المعرفة الدينية والحياة. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة بالنصوص والمقولات والمذاهب، ولكنه يظل عاجزًا عن تحويل هذه المعرفة إلى تجربة إنسانية حية. وعند هذه النقطة تصبح المعرفة الدينية قابلة لأن تتحول إلى سلطة، في حين يتحول الإيمان إلى هوية مغلقة، ويتحول المقدس إلى أداة للتمييز بين المؤمن والكافر، وبين الجماعة والآخر.
إن الدين الذي يبحث عنه الرفاعي هو دين يستعيد علاقته بالإنسان قبل أن يستعيد سلطته على الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية قبل أن يعيد إنتاج المؤسسة الدينية. ولذلك فإن «الظمأ» أهم من «الامتلاك»؛ لأن الظمأ يبقي الإنسان في حالة بحث، في حين يوحي الامتلاك بأن الحقيقة أصبحت شيئًا مكتملًا يمكن حيازته والدفاع عنه.
ثانيًا: الظمأ الأنطولوجي وتحول صورة الإنسان
تنبع قوة مفهوم الظمأ الأنطولوجي من أنه يعيد تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان ليس كائنًا مكتملًا يمتلك ماهية ثابتة ثم يعيش داخل العالم، وإنما هو كائن ناقص ومفتوح، يعيش بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. إنه كائن لا ينفك يتجاوز صورته الراهنة بحثًا عن صورة أخرى لوجوده.
ومن هنا يمكن قراءة الظمأ الأنطولوجي بوصفه تعبيرًا عن انفتاح الوجود الإنساني على الممكن. فالإنسان لا يعيش بما هو عليه فقط، وإنما بما يتطلع إلى أن يصير إليه. ولذلك فإن الدين حين يستجيب لهذا الظمأ لا ينبغي أن يغلق إمكان الإنسان داخل نموذج مكتمل ونهائي، بل ينبغي أن يساعده على اكتشاف إمكاناته الوجودية والأخلاقية والروحية.
وهذا الجانب من مشروع الرفاعي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل قضية الدين من سؤال «ماذا ينبغي أن أعتقد؟» إلى سؤال «أي إنسان أستطيع أن أصبح؟». والفرق بين السؤالين كبير؛ إذ يمكن للسؤال الأول أن ينتج منظومة من التصنيفات، بينما يفتح الثاني المجال أمام التربية والتحول والنمو.
إن الإنسان المتدين، في هذا المنظور، ليس مجرد حامل لعقيدة، وإنما هو مشروع إنساني مفتوح. والإيمان الحقيقي لا يكون في كثرة ما يمتلكه الإنسان من أجوبة، بل في قدرته على أن يجعل حياته نفسها مجالًا للبحث عن الخير والحقيقة والجمال والمعنى.
ولذلك فإن الظمأ الأنطولوجي لا ينبغي أن يُفهم باعده نقصًا سلبيًا، بل بوصفه شرطًا للإمكان. فالإنسان الذي لا يظمأ إلى معنى يتوقف عن السؤال، والذي يتوقف عن السؤال يتحول بسهولة إلى كائن مغلق داخل ما هو جاهز. أما الظمأ فإنه يحافظ على المسافة بين الإنسان وما هو عليه، ويفتح أمامه إمكان التحول.
ثالثًا: نقد التدين الذي يستبدل الإنسان بالمؤسسة
يصبح هذا التصور أكثر وضوحًا عندما يضع الرفاعي التجربة الدينية في مواجهة التدين الذي استحال إلى مؤسسة مغلقة. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسة الدينية من حيث هي مؤسسة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة غاية بذاتها، ويصبح الإنسان تابعًا لها بدل أن تكون هي في خدمة إنسانيته.
وهنا يمكن التمييز بين الدين والتدين. فالدين يحيل إلى أفق المقدس والمطلق، في حين التدين هو الصورة التاريخية والاجتماعية والثقافية التي يتجسد بها الدين في حياة البشر. ولأن التدين فعل بشري، فإنه قابل لأن يتأثر بالسلطة والتاريخ والعادات والمصالح والهويات والصراعات.
ومن أخطر نتائج عدم التمييز بين الدين والتدين أن تتحول القراءة البشرية للدين إلى دين ذاته، وأن يتحول الاختلاف في التأويل إلى اختلاف في الإيمان، وأن تصبح الجماعة التي تمتلك تفسيرًا معينًا وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة نفسها.
إن الرفاعي يفتح بهذا التمييز مجالًا لإعادة تحرير الدين من كثير من التراكمات التاريخية التي التصقت به حتى أصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين المقدس والبشري. وهذا التحرير لا يعني هدم الدين، بل يعني استعادة المسافة الضرورية بين النص وتأويله، وبين المقدس والتاريخ، وبين الإيمان والمؤسسة.
ومن هنا يمكن القول إن مشروع الرفاعي يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على أنسنة المجال الديني؛ أي إعادة الإنسان إلى مركز التجربة الدينية بعد أن تراجعت إنسانيته أمام مركزية المؤسسة والنص والتفسير المغلق.
رابعًا: من الخوف إلى الحب
من أبرز التحولات التي يتيحها مفهوم الظمأ الأنطولوجي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمطلق. فالدين يمكن أن يتحول، في بعض أنماط التدين، إلى منظومة من الخوف: الخوف من العقاب، الخوف من الاختلاف، الخوف من الآخر، الخوف من الخطأ، والخوف من فقدان الانتماء. وفي هذه الحالة يصبح الإنسان متدينًا لأنه خائف، لا لأنه عاش تجربة روحية عميقة.
لكن الدين الذي ينطلق من الظمأ الأنطولوجي يبحث عن علاقة مختلفة، علاقة يكون فيها الحب مركز التجربة الروحية. فالحب لا يلغي الخوف بصورة نفسية فحسب، وإنما يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمطلق وبالعالم وبالآخر. فالإنسان الذي يتعامل مع المطلق بوصفه رحمة وحبًا لا يستطيع أن يحول المقدس بسهولة إلى أداة لإذلال الآخرين أو إقصائهم.
وهنا يتخذ مشروع الرفاعي بعدًا أخلاقيًا واضحًا: قيمة التدين لا تكمن في مقدار حضوره في اللغة والشعائر فقط، وإنما في مقدار ما يتحول إليه في سلوك الإنسان تجاه الآخرين. فإذا لم ينتج الإيمان رحمة وعدلًا وكرامة، فإنه يكون قد انفصل عن جوهر التجربة التي يدعي التعبير عنها.
خامسًا: الظمأ الأنطولوجي بوصفه مقاومة للانغلاق
يمكن، من زاوية أخرى، قراءة مفهوم الظمأ الأنطولوجي بوصفه مفهومًا مضادًا للانغلاق. فالظمأ يعني أن الإنسان لا يملك نفسه بصورة نهائية، وأن وجوده يظل مفتوحًا على ما لم يتحقق بعد. وهذا الانفتاح يجعل الإنسان أقل قابلية لتحويل تجربته الخاصة إلى معيار نهائي للوجود.
ومن هنا فإن مفهوم الظمأ يحمل إمكانًا مهمًا للحوار الديني. فالإنسان الذي يعترف بأنه يطلب الحقيقة لا يتصرف كما لو أنه امتلكها بصورة نهائية، والإنسان الذي يعيش تجربته بوصفها بحثًا يظل أكثر قدرة على الاعتراف بتجارب الآخرين.
لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تطوير فلسفي أكبر؛ إذ إن مجرد الاعتراف بالظمأ لا يكفي وحده لضمان الانفتاح. فقد يعيش الإنسان حالة من القلق الوجودي ثم يبحث عن يقين مغلق يخلصه من هذا القلق. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام مفهوم الظمأ هو أن يتحول من حاجة إلى الإشباع إلى قدرة على السكن في السؤال.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشروع الرفاعي، ولكن تظهر معه أيضًا إحدى نقاطه التي يمكن تطويرها: كيف يمكن تأسيس فلسفة دينية تجعل الظمأ حالة وجودية مستمرة، لا مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي عند العثور على إجابة؟ وكيف يمكن الحفاظ على التوتر الخلاق بين الإيمان والبحث، وبين الطمأنينة والقلق، وبين الانتماء والانفتاح؟
سادسًا: نحو فلسفة إنسانية للدين
إذا أخذنا مفهوم الظمأ الأنطولوجي إلى نتائجه القصوى، فإننا نكتشف أن مشروع الرفاعي لا يتحدث عن الدين وحده، وإنما عن إعادة بناء الإنسان. فالدين يصبح مجالًا لإعادة اكتشاف الإنسان بوصفه كائنًا محدودًا ومفتوحًا في الوقت نفسه، كائنًا يحتاج إلى المعنى لكنه لا يستطيع امتلاك المعنى بصورة نهائية.
ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب المجال الديني الضيق لتصل إلى المجال الفلسفي؛ لأنه يطرح سؤالًا عن علاقة الإنسان بالمطلق، وعن معنى التجربة الروحية، وعن حدود المعرفة، وعن هشاشة الإنسان، وعن إمكانية بناء أخلاق دينية لا تقوم على الإكراه والخوف، بل على الحرية والحب والرحمة.
ومع ذلك فإن المشروع يظل بحاجة إلى تعميق مفهوم «الأنطولوجي» نفسه. فالظمأ الأنطولوجي ليس مجرد عطش روحي أو حاجة نفسية إلى المعنى، بل ينبغي أن يُبنى بوصفه بنية في وجود الإنسان ذاته: الإنسان موجود في حالة عدم اكتمال، ولذلك فهو يتطلع، ويتجاوز، ويتساءل، ويبحث عن معنى يتجاوز المعطى المباشر.
وعند هذه النقطة يمكن أن يتحول مفهوم الظمأ الأنطولوجي من مفهوم وصفي إلى مفهوم فلسفي تأسيسي؛ إذ يصبح التعبير عن البنية المفتوحة للوجود الإنساني، وعن استحالة اختزال الإنسان في هوية نهائية أو تعريف مكتمل.
سابعا: من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور
ربما لا ينبغي أن تنتهي قراءة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» عند ما يقوله الظمأ عن الدين، بل عند ما يفتحه الظمأ من سؤال يتجاوز حدوده الأولى. فالرفاعي يضع يده على منطقة شديدة الأهمية في الوجود الإنساني: الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا بذاته، ولا وجوده مغلقًا على ما تحقق منه، وإنما يسكنه نقص يدفعه إلى البحث عن المعنى، ويوقظ فيه توقًا إلى ما يتجاوز حضوره المباشر. بهذا المعنى يصبح «الظمأ الأنطولوجي» كشفًا عن بنية مفتوحة للإنسان؛ فالإنسان يطلب لأنه غير مكتمل، ويتطلع لأنه لا يستنفد إمكانه في حاضره.
لكن ماذا لو أخذنا هذه الفكرة إلى ما بعد الظمأ نفسه؟ إن الظمأ يكشف أن الإنسان يريد أن يتجاوز ما هو عليه، لكنه لا يفسر وحده كيف يحدث هذا التجاوز، وما الذي يقع في المسافة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. هنا تبدأ إمكانات أخرى للتفكير. فالإنسان لا يعيش فقط حالة من التوق إلى معنى غائب، وإنما يتحرك داخل حدود، ويصطدم بعوائق، ويعيد بناء علاقاته، ويغير صورته عن ذاته والعالم، وينتقل من إمكان إلى إمكان. ولذلك فإن الظمأ قد يكون بداية الحركة، لكنه ليس الحركة كلها؛ إنه استشعار للبعد المفتوح في الوجود، أما العبور فهو اشتغال الإنسان داخل هذا الانفتاح.
ومن هنا يمكن أن نقترح، لا بوصفه اعتراضًا على الرفاعي وإنما بوصفه توسيعًا للكرة التي فتحها، الانتقال من «الظمأ الأنطولوجي» إلى «العبور الأنطولوجي».
فالظمأ يقول: لست مكتفيًا بما أنت عليه. أما العبور فيضيف: ما دمت غير مكتفٍ بما أنت عليه، فإن وجودك يدخل في حركة التحول. وبين الجملتين مسافة فلسفية واسعة. فالظمأ يكشف النقص والانفتاح، في حين يحاول العبور أن يفكر في الدين والإنسان والعالم من داخل هذه المسافة نفسها: مسافة الانتقال من هوية إلى أخرى، ومن معنى إلى معنى، ومن حدود إلى حدود، ومن صورة للذات إلى صورة لم تتشكل بعد.
هنا لا يعود «المطلق» مجرد نقطة يصل إليها الظمآن، ولا تصبح العلاقة بالدين مجرد بحث عن إشباع روحي للقلق الوجودي؛ بل تصبح التجربة الدينية نفسها مسار عبور. الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يحوله إلى موضوع مكتمل، وإنما يدخل معه في علاقة تغيّر طريقة وجوده في العالم. الإيمان، بهذا المعنى، ليس وصولًا نهائيًا، بل علاقة مفتوحة؛ والروحانية ليست إخمادًا للظمأ، وإنما تحويل للظمأ إلى قدرة على العيش في أفق المعنى.
وهذا التوسيع يغيّر أيضًا معنى «النقص». فالإنسان الناقص ليس إنسانًا معيبًا ينتظر أن تكتمل ماهيته، بل كائن مفتوح لأن وجوده لم يُغلق بعد. إن النقص هنا ليس عجزًا، بل إمكان؛ وليس فراغًا ينتظر الامتلاء، بل مساحة تسمح بالتحول. ومن ثم فإن الإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه يبلغ صورته النهائية، وإنما لأنه يستطيع أن يعبر من صورته الراهنة إلى صورة أخرى دون أن يتوهم أن الصورة الجديدة هي النهاية.
وهنا تلتقي فلسفة العبور مع الظمأ الأنطولوجي وتختلف عنه في الوقت نفسه. تلتقي معه في رفض الإنسان المكتمل والمغلق، لكنها لا تتوقف عند سؤال التوق. إنها تسأل عن بنية العبور نفسها: كيف يتحول التوق إلى حركة؟ كيف تصطدم الحركة بالحد؟ وكيف يتحول الحد من جدار يمنع العبور إلى منطقة تسمح بإمكانه؟ وكيف تنتج عمليات العبور ذواتًا وهويات ومعاني جديدة؟
بهذا المعنى، لا يكون الحد نقيضًا للعبور. فالعبور لا يحدث في فضاء بلا حدود؛ إنه يحدث لأن هناك حدًا. لكن الحد، في فلسفة العبور، ليس بالضرورة جدارًا نهائيًا، بل يمكن أن يكون منطقة تماس، ومنطقة تفاوض، ومنطقة تحول. ولذلك فإن الإنسان لا يعبر العالم لأنه يعيش خارج الحدود، وإنما لأنه يعيش عند الحدود وداخلها وعبرها.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة الدين نفسه. فإذا كان الظمأ الأنطولوجي يكشف حاجة الإنسان إلى المعنى، فإن فلسفة العبور تسأل عن الحدود التي تشكل هذه الحاجة: حدود الذات والآخر، الإنسان والمطلق، الإيمان والشك، المقدس والدنيوي، التقليد والتجديد، الهوية والاختلاف. والدين لا يكون حيًا حين يلغي هذه التوترات، بل حين يستطيع أن يحولها إلى إمكانات للعبور.
وهذا يفتح أفقًا نقديًا مهمًا أمام التدين المغلق. فكلما تحولت العقيدة إلى هوية نهائية، والمؤسسة إلى سلطة لا تقبل العبور، والتفسير إلى حقيقة مغلقة، أصبح الدين مهددًا بأن يتحول من تجربة للمعنى إلى نظام لإنتاج الحدود. وفي المقابل، كلما احتفظ الدين بقدرته على إعادة فتح العلاقة بين الإنسان والمطلق، وبين الذات والآخر، وبين الإيمان والحياة، أمكن له أن يستعيد قوته بوصفه تجربة تحول.
ومن هنا يمكن أن نصوغ انتقالًا مفاهيميًا: (الظمأ، السؤال، الإمكان، الحد، العبور، التحول، معنى جديد، إمكان جديد. (اذ إن ما يبدأ عند الرفاعي كظمأ إلى المعنى يمكن أن يتسع، داخل فلسفة العبور، إلى نظرية في الوجود المفتوح. فالإنسان لا يظمأ فقط لأنه يبحث عن معنى، بل لأنه كائن في حالة صيرورة. وجوده يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة حين تواجه الحدود تنتج إمكان العبور. والعبور لا يقود إلى نقطة نهائية، بل يعيد الإنسان إلى حالة جديدة من السيولة، ومنها إلى عبور آخر.
وهنا تظهر أهمية مفهوم السيولة. فالعبور لا يمكن أن يكون ممكنًا إذا كان الوجود قد تصلب في هويات نهائية وحدود مغلقة. السيولة هي الشرط الأنطولوجي الذي يجعل إعادة التشكيل ممكنة. ولهذا فإن فلسفة العبور لا ترى في الإنسان كائنًا يعبر من نقطة إلى نقطة فقط، بل كائنًا موجودًا في السيولة؛ أي إن وجوده ذاته قابل لإعادة التكوين.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح «الظمأ الأنطولوجي» عند الرفاعي إحدى العتبات المهمة في الطريق إلى «فلسفة العبور». فالظمأ يحرر الإنسان من وهم الاكتفاء، والعبور يحرره من وهم الثبات. الظمأ يقول إن الإنسان ليس مكتفيًا، والعبور يقول إنه ليس ثابتًا. الظمأ يفتح سؤال المعنى، والعبور يفتح سؤال التحول. الظمأ يجعل الإنسان متوجهًا إلى ما وراء حاضره، والعبور يجعله قادرًا على إعادة تشكيل هذا الحاضر.
ولذلك فإن تجاوز الرفاعي هنا لا يعني تجاوزه بالرفض، بل توسيع دائرته الفلسفية. لقد وضع الرفاعي إصبعه على سؤال عميق حين جعل الظمأ جزءًا من بنية الإنسان؛ وما تفعله فلسفة العبور هو أن تأخذ هذا الظمأ بوصفه نقطة بداية، ثم تسأل عن العالم الذي يتحرك فيه الظمآن، وعن الحدود التي تعترضه، وعن أشكال العبور التي يصنعها، وعن التحولات التي تطرأ عليه أثناء ذلك.
إن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد كائن يظمأ إلى المعنى، بل كائن يعبر بحثًا عنه. وليس الدين مجرد استجابة لهذا الظمأ، بل يمكن أن يكون أحد الأطر التي يتعلم الإنسان داخلها كيف يعبر من الخوف إلى الرجاء، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العداوة إلى العلاقة، ومن امتلاك الحقيقة إلى السكن في أفقها.
وهكذا يمكن أن ننتقل من سؤال الرفاعي: كيف يستجيب الدين للظمأ الأنطولوجي للإنسان؟ إلى سؤال فلسفة العبور: كيف يتحول الظمأ الأنطولوجي إلى عبور، وكيف يعيد العبور تشكيل الإنسان والدين والمعنى؟، في هذه النقطة لا تنتهي فكرة الرفاعي، بل تبدأ حياة فلسفية أخرى لها. فالظمأ يفتح الباب، لكن العبور يدخل منه؛ والعبور لا يلغي الظمأ، لأن كل عبور يخلق أفقًا جديدًا للظمأ. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن دين يطفئ الظمأ نهائيًا، ولا عن فلسفة تنهي السؤال، وإنما عن تجربة إنسانية تستطيع أن تجعل من الظمأ قوةً للحركة، ومن الحد منطقةً للإمكان، ومن الاختلاف مجالًا للعلاقة، ومن التحول طريقةً للوجود.
ومن هنا يصبح الإنسان العابر امتدادًا طبيعيًا للإنسان الذي اكتشف الرفاعي ظمأه الأنطولوجي: إنسان لا يعيش خارج المعنى، ولا يمتلكه بصورة نهائية، وإنما يعيش في الطريق إليه؛ لا يسكن هوية مغلقة، بل يعيد تشكيلها؛ لا يرى الآخر جدارًا، بل إمكانية علاقة؛ ولا ينظر إلى الحدود بوصفها نهايات، بل بوصفها مواقع يمكن أن يبدأ عندها عبور جديد.
وهنا تحديدًا تتحول فلسفة العبور من مجرد فلسفة للانتقال إلى فلسفة للوجود في حالة السيولة: الوجود يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة تصطدم بالحدود، والحدود تفتح أو تغلق إمكان العبور؛ وما دام الإنسان كائنًا غير مكتمل، فإن وجوده يظل محكومًا بإمكان إعادة العبور.
بهذا المعنى، يمكن القول إن «الظمأ الأنطولوجي» يكتشف جرح الإنسان المفتوح على المعنى، بينما تحاول فلسفة العبور أن تفكر في الحركة التي تنشأ من هذا الجرح. وبين الاكتشاف والحركة تتسع الدائرة: من الظمأ إلى الإمكان، ومن الإمكان إلى العبور، ومن العبور إلى التحول، ومن التحول إلى تعدد لا يستقر في صورة نهائية.
ولعل هذه هي النقطة التي يمكن عندها أن نترك الرفاعي لا خلفنا، بل أمامنا؛ إذ يصبح كتابه عتبة لا خاتمة، وبداية سؤال لا إغلاقه. فالظمأ الذي كشفه يمكن أن يكون أحد المداخل إلى فلسفة تقول إن الإنسان لا يوجد لكي يستقر، بل لكي يتحول؛ وإن المعنى لا يوجد فقط لكي يُمتلك، بل لكي يُعاش ويُعاد إنتاجه؛ وإن الدين، حين يستعيد إنسانيته، يستطيع أن يكون فضاءً لهذا العبور.
فالوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود إمّا أن تتحول إلى جدران أو إلى معابر؛ والفكر يبدأ حين يحاول إعادة فتح المعبر.
خاتمة: من الظمأ إلى العبور
تكمن أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» في أنه يحاول استعادة السؤال الذي سبق كثيرًا من الإجابات الدينية، وهو سؤال الإنسان عن معنى وجوده، وعن إمكان أن يتحول الدين من منظومة للامتثال إلى تجربة تمنح الوجود قابلية أوسع للمعنى. فالظمأ الأنطولوجي يجعل الإنسان كائنًا لا يستقر في صورته الراهنة، لأنه يظل مأخوذًا بما يمكن أن يكونه، وهذا ما يمنح التجربة الدينية بعدها الحيوي.
وإذا أردنا أن نذهب بمشروع الرفاعي خطوة فلسفية أخرى، أمكن القول إن الظمأ الأنطولوجي هو لحظة ما قبل العبور: فالإنسان لا يعبر لأنه يملك يقينًا نهائيًا، وإنما يعبر لأنه يشعر بأن وجوده الراهن لا يستنفد إمكان وجوده. الظمأ هو الذي يفتح الحد، والسؤال هو الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب منه، والإيمان هو إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يمنح هذا العبور معنى.
بذلك نجعل الرفاعي عتبة تأسيسية، لا موضوعًا نتهي عنده؛ وتُدخل مفاهيم مشروعنا الأساسية: التحول، الحد، السيولة، الإمكان، العلاقة، والإنسان العابر .
***
د.عامر عبد زيد الوائلي








