عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الرحيم الجرودي: تأمل في فن العيش

حين نختار لونا واحدا للوحة كانت تستحق الطيف كله

ثمة لحظة يقف فيها الإنسان أمام لوحة حياته ممسكا بفرشاته، وفي يده الأخرى علبة ألوان مليئة بكل ما شكله الطيف: الأحمر الجسور والأزرق المتأمل والأخضر الذي يعرف أسرار الينابيع والبنفسجي الذي يسكن عتبة الظلام والنور معا. لكنه في لحظة غريبة من الاستسلام أو الكسل أو الخوف ربما، يضع العلبة جانبا ويمد يده نحو لون وحيد، ليشرع في رسم حياته كلها بذلك اللون الأوحد، ظانا أن هذا الاتساق شكل من أشكال الحكمة، وأن الأحادية درع يرتديه في مواجهة تعقيد الوجود.

هذا المقال ليس دعوة إلى الفوضى اللونية، ولا ترنيمة لمن يعيشون متقلبين لا قرار لهم. إنه تساؤل هادئ ومقلق في عمقه، عن تلك العادة الإنسانية العميقة التي تجعلنا نقلص اللانهائي إلى المألوف، ونترجم ثراء العالم إلى لغة أحادية آمنة. تساؤل عما نخسره حين نرفض أن تكون لوحتنا بالألوان جميعها.

حين يختار المرء لونا واحدا لرسم حياته، فإنه غالبا لا يفعل ذلك عن جهل بوجود ألوان أخرى، بل عن خوف خفي من الاحتمال. فالألوان الأخرى تعني التعقيد، والتعقيد يعني أن الحياة لا تختصر بإجابة جاهزة. المرء يختار اليأس لونا وحيدا فيرى الدنيا كلها خرابا، أو يختار الأمل الساذج فلا يرى في الظلام إلا وهما عابرا، وقد يتخذ من الألم دينا فيقدس جراحه ويشيد معبدا للحزن يزوره كل صباح.

ما يوهم الإنسان بأن اللون الأوحد حكمة، هو ذلك الوضوح الزائف الذي يمنحه إياه. اللوحة ذات اللون الواحد لا تحتاج إلى توازن، لأنها لا تعرف التوتر الجميل بين المتضادات. هي مقروءة من أول نظرة، ولكنها لا تقول شيئا يستحق أن يقرأ مرتين أو أكثر.

الوضوح الذي لا يأتي من مواجهة التعقيد بل من إلغائه ليس حكمة، إنه استسلام مبهرج بثياب اليقين.

الفيلسوف الألماني هيغل رأى أن الروح لا تبلغ نفسها إلا حين تمر بالنفي، حين تواجه ما يعارضها وتحتويه. اللوحة الأحادية اللون لم تواجه نفسها قط. إنها صورة تنظر في مرآة، ترى فيها صورتها ذاتها، لا أثر لغير ولا مساحة لشيء لم يكن منتظرا. إنه وهم الوضوح.

علبة الألوان كما قال صديقي سعيد قاسمي، ليست دعوة للبهجة المصطنعة. إنها استعارة لذلك الانفتاح العميق على كامل طيف التجربة الإنسانية. أن تحمل العلبة كاملة يعني أنك تقبل أن الحزن لون، والفرح لون، والحيرة لون، والطمأنينة لون، وأن لوحة لا تحتوي هذه الألوان كلها تبقى ناقصة ولو بدت منسجمة تامة الاتساق. فالفنان الحقيقي يعرف ما يعرفه الفيلسوف: أن الإتقان لا يكون في استبعاد الألوان، بل في إتقان التوازن بينها. الأبيض المحض ليس نورا إنه عمى. والأسود الخالص ليس عمقا إنه إلغاء. النور الحقيقي يأتي حين يجاور الظلام ويحاوره، والعمق يتولد من التدرج لا من الانقطاع.

حين ترى لوحةً لرامبرانت، يصدمك ذلك الظلام. ظلام حقيقي، لا مجمل ولا مبرر. من أعماقه يتسرب ضوء يكاد يكون حارا كالتنفس، يضيء وجها هنا ويدا هناك، كأنما يعلن أن النور لا معنى له إلا في جوار عتمة تعرف ثقلها. رامبرانت لم يختر بين الضوء والظلام، لقد اختار المساحة الشاقة بينهما. هكذا الحياة الإنسانية المكتملة، ترسم في تلك المساحة الشاقة، لا في الأبيض المريح ولا في الأسود المستسلم. فمن يعيش الألم دون أمل ينزلق إلى عدمية تجفف الروح. ومن يتمسك بالأمل الساذج دون أن يشرب من كأس الحقيقة المرة يبني بيته على رمال وهم، فالبطولة الحقيقية، إن كان للحياة بطولة، هي في أن يحمل المرء كلا اللونين معا، ويمضي.

أن تقر بالجرح لا يعني أن تسكنه. وأن ترى الجمال لا يعني أن تعمى عن الشقاء. الحياة الكاملة هي التي تعرف كيف تنتقل بين الألوان دون أن تلغي أيا منها. الخطأ الكبير الذي يقع فيه من يختار اللون الأوحد هو الظن أن الألوان الأخرى خصوم لا شركاء. يظن الإنسان المتشائم أن الأمل نقيضه وعدوه، فيرفضه. ويظن المتفائل الساذج أن الألم مؤامرة على سعادته، فيهرب منه. كلاهما يرسم لوحة ناقصة، لأن كلاهما لا يفهم أن الألوان تعيش في حوار لا في صراع.

الفرنسي ميرلو بونتي قال إن الإدراك الحقيقي للعالم لا يكون بالعزل بل بالعلاقة. نحن لا ندرك الأحمر في ذاته، بل ندركه في حضور الألوان الأخرى، فيما يجاوره ويناقضه ويكمله. وهكذا تماما الفرح، لا يدرك في ذاته إلا لمن ذاق الحزن، ولا يقدَر العطاء إلا لمن عرف الفقد، والصحة لا يعرفها إلا من جرب الوهن.

ما تمنحه علبة الألوان الكاملة ليس الفوضى، بل الإتقان في مستوى أعلى، وهو القدرة على رسم الظل بيد والاضاءة بالأخرى، أن تحمل الثقل وتتقدم، وتعترف بالتعقيد وتجد فيه الجمال الأصعب لا الخوف.

اللوحة الأحادية اللون لا تعرف التفاصيل. وهذا بيت القصيد. الحياة تكمن في تفاصيلها، لا في صورتها الإجمالية. الحب الحقيقي ليس كتلة زرقاء واحدة إنه اللحظة التي تضحك فيها مع شخص ما حتى يؤلمك بطنك، والصمت الذي يسود في غرفة حين يكون كلاكما متعب، والجملة التي لا تقال لأن صاحبها يعرف أنها غير ضرورية. هذه التفاصيل أبدا لا ترسم بلون واحد. فالعقل الذي يفكر بلون واحد يرى العالم مسطحا والناس إما أخيار أو أشرار، والمواقف إما صواب أو خطأ، والعلاقات إما جنة أو جحيم. لكن الحياة الحقيقية تأبى هذا الاختزال.

كل إنسان علبة ألوان بذاته، فيه السخاء والضيق والشجاعة والخوف والبصيرة والعمى والمحبة والأنانية. ومن يراه بلون واحد سلبا كان أم إيجابا، يرى شخصا لم يوجد قط.

أن تحمل علبة الألوان الكاملة وتعمل بها، يتطلب شيئا أشق من الاختيار، الصبر على التعقيد.

الفنان يجلس أمام لوحته، يفكر طويلا قبل وضع لمسة واحدة، يسأل نفسه عن اللون الذي يخدم هذه اللحظة، وأي درجة من هذا اللون؟ وكيف يتحدث هذا اللون مع الذي سبقه؟ وهذا السؤال الفني هو في جوهره سؤال فلسفي عن كيفية التعامل مع الحياة: ليس بالاختزال، بل بالاختيار الواعي في كل لحظة، مع الاعتراف بأن اللحظة التالية قد تستدعي لونا مختلفا، ومن يتقن هذه الجماليات لا يكون موزعا ولا متضاربا، بل حيا بالمعنى الكامل. يضحك ويعرف أن الضحكة ستنتهي. يحزن ويعرف أن الحزن لن يدوم للأبد. يحب ويعرف أن الحب يحتاج إلى يقظة دائمة كي لا ينطفئ. يخطئ ويعرف أن الخطأ لون له أيضا مكان في اللوحة، وليس دليل فشل يبرر إلقاء الفرشاة.

الحكمة لا تكمن في أن تختار أجمل لون ثم تتمسك به حتى يغطي كل اللوحة، الحكمة تكمن في أن تعرف متى تضع اللون ومتى تتركه يجف، ومتى يأتي دور لون آخر لم تكن تتوقع جماله.

في النهاية، نحن لا نرسم لوحة مكتملة ثم نعيش. نحن نرسم ونعيش في الوقت ذاته، واللوحة تتشكل مع كل نفس. هذه الحقيقة ترعب من يريد ضمانة قبل أن يبدأ، وتهيج من يظن أن الإتقان يعني الضبط الكامل. لكنها حقيقة تمنح الشجعان شيئا ناذرا، حرية أن يغيروا لونهم كلما استدعت اللوحة ذلك. فلا أحد يخرج من الحياة بلوحة تامة الكمال. لكن الفرق بين لوحة يقال عنها إنها عاشت ولوحة تبدو كأنها لم تحدث، هو تلك العلبة: هل فتحت؟ هل استخدمت؟ هل جربت ألوان خشي منها في البداية؟ هل وضع اللون الأحمر حتى حين كانت اليد ترتجف؟

نصيحة صديقي سعيد، افتح العلبة، فكل اللوحات العظيمة تبدأ بهذه اللحظة الصغيرة الشجاعة.

***

عبد الرحيم الجرودي

في المثقف اليوم