(كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) خلاصة المعنى
أنت، أنا، هو، هي، نحن، هم، هن، هذا، ذاك، ذات، أخر، اولئك.. الخ من الرموز اللغوية التي يستخدمها الإنسان العاقل لتعريف الأشياء والكائنات والكيانات والظواهر في هذا العالم بوصفها ضمائر حاضرة أو غائبة، متكلمة أو خرساء، ماهوية أو وجودية .الخ فمن مبدأ الهوية نتعرف على ماهية الكائن وهويته الجوهرية (النوع والجنس والصفات) هذا معدن وذاك حجر هذا حيوان وذاك نبات، هذا فيل وذاك جمل ..الخ ومن هنا يمكن تصنيف جميع الكائنات غير العاقلة بعدها كائنات ماهوية وجدت بماهية وهوية مكتملة قلما تتغير مع الزمن، في حين أن مبدأ الوجود يقتصر على وجود الكائن الإنساني، إذ إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ولد ناقصا، أي غير منجز الهوية، إذ إن وجوده يسبق ماهيته، فهو وجود لذاته ومن أجل ذاته وليس وجودا في ذاته وفي متناول اليد مثله مثل وجود الأشياء. وهذا هو مبعث حضور مشكلة الهوية الطاغي في عالم الإنسان، حيث توجد الحرية والعقل واللغة والحاجات والمصالح والرغبات والأحلام والأوهام والتنافس والصراع. إلخ. ويميز الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بين معنيين للهوية: ف"الهوية بمعنى الشيء عينه (idem) والهوية المطابقة (Sameness) بالإنجليزية بمعنى الهوية المتطابقة بإحكام، أو المتماثلة إلى حدِّ التطابق التام أو التشابه المطلق مع الذات في جميع الأزمنة وجميع الأحوال". وربما كان الفيلسوف اليوناني بارمندس هو أول من وضع هذه الصيغة بعبارته الشهيرة (الوجود موجود والعدم غير موجود) ثم جاء أرسطو فصاغها منطقيا في قوانين الهوية الثلاثة. وهذا هو التصور الذي شاع في الفلسفة العربية الإسلامية المتأثرة بأرسطو. ويذهب الجرجاني في "التعريفات" إلى أن الهوية هي "الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق" و(البذرة تحمل في جوفها شكل الشجرة وطعم الفاكهة) حسب هيجل. أما عالم الاجتماع البريطاني انتوني جدنز فيذهب إلى أن الهوية Identity هي" السمات المميزة لطابع الفرد أو الجماعة المتصلة بماهيتهم وبالمعاني ذات الدلالة العميقة لوجودهم". ويذهب مايك كرانج إلى القول: إنه "يمكن تحديد الهوية من نقيض ما نحن عليه بقدر ما يمكننا تحديدها من طريق من نحن ... وكثيرا ما تتدخل الجغرافيا هنا لأن الجماعات في صيغة (نحن - هم) هي في أحوال كثيرة محددة إقليميا" ولعل هذا التعريف يستند إلى الفكرة الفلسفية التي مفادها (أن كل تعريف تحديد وكل تحديد سلب) ويرى روجيس دوبرية أن "هوية الجماعة هي إيديولوجيتها " وحيثما تختلج (نحن) فستكون (إيديولوجيا) وحينما يتعذر قول (نحن) لا تكون (إيديولوجية)... لأن ولادة إيديولوجية معناه ولادة جماعة " وتلك الصيغة هي التي وجدت رواجها في فكر ما بعد الحداثة الذي ينفي وجود هوية ذات مستقلة قبل وجود محمولها، فلا تتأسس هوية الذات إلا في علاقتها بالآخر وهكذا تتحدد المفاهيم بوساطة ما لا تكونه، بل إن الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي وصفها ب "النقلة الحاسمة في إعادة تفسير العلاقة بين الذات والموضوع ... لا يوجد أساس أو جوهر أو محل وراء الصفات أو المحمولات .. بل توجد {الهويات} فقط كما يجري تمثيلها في شكل مادي ملموس" نخلص مما تقدم إلى أن الهوية الجمعية هي بنية ثقافية تاريخية تمنح المنتميين إليها إحساسا بالتماهي مع ذاتهم الجمعية (نحن) التي تميزهم عن الجماعات الأخرى، فضلا عن كونها إيديولوجيا كلية تحدد نظرتهم إلى ذاتهم وإلى الآخرين وإلى التاريخ والحياة والعالم. وإذا ما اتفقنا بأن كل الناس هم بني آدم وحواء فهذا معناه أنهم على درجة متساوية من حيث الحسب والنسب والأصل والنوع والجنس. اليس كذلك؟ إذ انهم بذلك ينتمون إلى الهوية الإنسانية المشتركة بوصفها مسلمة بديهية فمن أين تأتي العنصرية والتمييز والاختلاف الهوياتية بين البشر؟ أننا بصدد استراتيجيات هوية بوصفها رهانات صراع أجتماعي ثقافي بين الفاعلين الاجتماعيين في عالم الممارسة الحياتية التاريخية؛ الممارسة التي تعبر بوضوح عن معناها حسب بول فيين، "إذ هي ليست مثالا غامضا أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركا خفيا، بل ما يفعله الناس" في حاضرهم المباشر، حيث يكدون ويكدحون ويتدافعون ويتسابقون ويتنافسون ويتصارعون في سبيل الحصول على مقدرات وعناصر العيش المادية والمعنوية، حيث تكتسب الخطابات والرموز والتصورات والأسماء والمسميات والتعريفات والصفات والهويات الفردية والجمعية أهميتها وقيمتها وفاعليتها ودلالتها، وقوتها وسلطتها، إذ إن سلطة الكلمات والرموز لا توجد في ذاتها وبذاتها، بل تستمدها من خارجها، من سلطة الذين يستخدمونها في الواقع المتعين. وفي علاقة السلطة بالمعرفة، لا شيء خلف الستار حسب ميشيل فوكو، فالسلطة بوصفها علاقات قوى هي التي تقول دون أن تتكلم! والقوة دائما هي التي تشكل المجتمع وتمنحه المعنى، وهذا هو معنى القول المأثور (الناس على دين ملوكهم) ولا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القواعد تلقائيا، ووظيفة السلطة هي الدفاع عن المجتمع من نقائصه الخاصة، ومن التهديدات الآتية من خارجه. فكيف يمكننا التوقف عن مشكلة الذات والهوية في اللحظة العالميّة الراهنة؟
يرى الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان إن «الهوية الثقافية لا وجود لها» هذا هو عنوان الكتاب الذي استفزني كما تلاحظون عنوانا، صادماً، بل مستفزاً لكل من اعتاد أن يتعامل مع الثقافة بوصفها جوهراً ثابتاً، ومع الهوية بوصفها شيئاً نرثه مكتمل الملامح من الآباء والأجداد ثم نحمله معنا أينما ذهبنا. غير أن جوليان لا ينكر وجود الثقافات ولا ينفي اختلاف التجارب التاريخية للشعوب؛ إنما يعترض على تحويل الثقافة إلى «هوية» مغلقة، وإلى جوهر حصري يملك أصحابه وحدهم حق تمثيله. فهو يقترح النظر إلى الثقافات باعتبارها موارد حية يمكن تفعيلها وإعادة تركيبها، لا هويات جاهزة مغلقة على أصحابها.
ولما كنت مشغولاً بسؤال الهوية منذ عقود، فقد وجدت في هذا العنوان فرصة للعودة إلى سؤال قديم يتجدد كلما تغير العالم: من نحن
هل توجد بالفعل هويات ثقافية للبشر متمايزة عن بعضها بعضاً، لكل واحدة منها جوهرها الخاص وحدودها المغلقة وذاكرتها المكتملة؟ أم أن ما نسميه «هويات» ليس أكثر من صور تاريخية متحركة للوجود الإنساني، تتشكل من التفاعل والاحتكاك والتبادل والاختلاف، ثم يعاد تركيبها باستمرار بحسب حاجات الإنسان وصراعاته ورهاناته؟
كتاب «الهوية الثقافية لا وجود لها» لا ينفي وجود الثقافات أو يمحو خصوصيات الشعوب، وإنما يريد أن يحرر الثقافة من ذلك القفص المفاهيمي الذي يسمى «الهوية»، حين تتحول الهوية من وسيلة للتعريف إلى ادعاء بالثبات والنقاء والانغلاق. فالثقافة، في نظره، ليست ملكية خاصة لجماعة بعينها، ولا جوهراً موروثاً نضعه في خزائن الذاكرة ثم نستدعيه عند الحاجة، وإنما هي موارد إنسانية حية لا تنضب بالاستخدام، بل تزداد ثراءً كلما أُعيد اكتشافها وتفعيلها وترجمتها وتداولها بين البشر. ومن هنا يستبدل جوليان بمنطق «الاختلاف» الجامد مفهوم الانزياح؛ فالانزياح لا يقيم جداراً بين الثقافات، وإنما يخلق مسافة منتجة تجعل كل ثقافة قادرة على رؤية نفسها من خارجها، واكتشاف ما لم تكن تراه وهي أسيرة اعتيادها الخاص. وفي هذه المسافة يولد ما يسميه جوليان «المبثوث» أو «المشترك» (L’entre)، أي ذلك الفضاء الذي يقع «بين» الثقافات، حيث لا تعود العلاقة علاقة نحن وهم، وإنما تصبح مجالاً للترجمة والحوار والتفاعل وإنتاج المعنى. وهكذا لا يكون المشترك الإنساني تشابهاً يلغي التنوع، بل فضاءً مفتوحاً يجعل الاختلاف نفسه مورداً للتعارف والتجدد. لذلك فإن الثقافة لا تحيا بانغلاقها على أصل متخيل نقي، وإنما بقدرتها على العبور والتفاعل والتحول؛ وما نسميه «الهوية الثقافية» ليس في النهاية جوهراً ثابتاً، بقدر ما هو سيرورة مفتوحة من التفاعل والاختيار وإعادة بناء الذات.
أن سؤال الهوية ليس سؤالاً ثابتاً، وإنما سؤال تاريخي يتغير بتغير الإنسان والعالم. فقد كان الإنسان القديم يعرف نفسه بقبيلته وعشيرته ونسبه، ثم أصبح الدين، في عصور هيمنة المرجعيات الدينية، إطاراً مركزياً لتعريف الذات، بينما جاءت الدولة الوطنية الحديثة لتمنح الإنسان هوية قانونية وسياسية جديدة قوامها المواطنة والسيادة والحقوق. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أي واحدة من هذه الدوائر إلى حقيقة مطلقة تدّعي احتكار تعريف الإنسان، فتختزل الفرد في قبيلته أو طائفته أو دينه أو قوميته، وتحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى حدود فاصلة بينهم. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، في عالم انكمش فيه الزمان والمكان وتشابكت فيه المصائر، ليس: ما الهوية التي ننتمي إليها؟ بل: أي نوع من العالم نريد أن نبنيه من اختلافاتنا؟ فقد يحمل الإنسان هويات وانتماءات وذكريات كثيرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه الحماية والاعتراف والحقوق حين يصبح خارج حدود جماعته. هناك، عند الحدود والمطارات والقوانين، تتقدم المواطنة على النسب، والحقوق على الادعاءات، والدولة على العصبية. ومن هنا تكتسب قراءة فرانسوا جوليان أهميتها؛ فهو لا يدعونا إلى إنكار الثقافات، بل إلى تحريرها من وهم امتلاك هوية مغلقة ومكتملة، والنظر إليها بوصفها موارد إنسانية حية تتفاعل وتتغير وتُترجم وتتجدد. إن الثقافة التي تخاف من التفاعل تتحول إلى متحف، والثقافة التي تتغذى من الانفتاح تظل قادرة على الحياة. ولعل الخلاص من «أوهام الهوية» لا يعني أن نتخلى عن ذواتنا، وإنما أن نكف عن تحويلها إلى أسوار. فالإنسان أوسع من هوياته، والثقافة أوسع من حدودها، والتاريخ أوسع من سردية واحدة. وفي النهاية، لا أرى ما يضمن للإنسان المعاصر كرامته وانتماءه واعتباره مثل دولة عادلة تحمي حقوقه، ومجتمع يعترف بتعدده، وإنسانية تجعل الاختلاف ثراءً لا ذريعة للصراع. فلا هوية محترمة بدون إنسان محترم، ولا إنسان محترم بلا حقوق، ولا حقوق مصونة بلا دولة محترمة. وربما هنا بالضبط تبدأ الدعوة التي يضعها جوليان أمامنا: أن ننتقل من الدفاع عن «هوية» مغلقة إلى بناء مشترك إنساني مفتوح؛ من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال أكثر رحابة: كيف نستطيع أن نكون نحن، وأن يظل الآخر هو الآخر، دون أن يمنع أحدنا الآخر من أن يكون إنساناً؟
ويمكن تلخص المعنى بهذا الحديث النبوي الشريف: (كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ).
***
ا. د. قاسم المحبشي








