(أشد البشر حاجة إلى الفلسفة هم أولئك الذين لا يهتمون بالفلسفة)... آين راند (Ayn Rand) في سؤال: من يحتاج إلى الفلسفة؟
حين أُخرجت الفلسفة والمنطق من مواد مرحلة الثانوية العامة بمصر سنة 2024، بدعوى تخفيف العبء والتركيز على التخصص، جاءت النتائج وخيمة حيث تراجع الاهتمام بالمادة، وضعف وزنها الرمزي، وتحولها تدريجيًا إلى معرفة هامشية وبدل التفكير في بناء الانسان اصبح الأهم هو التكيف مع الامتحان.
وقبلها بسنوات قليلة ذكر جاك دريدا أنه عندما تقلد فكتور دوروي وزارة التعليم سنة 1863، وجد أن درس الفلسفة كان قد أُلغي من التعليم الثانوي منذ 1853 فأعاده، محددًا دور أستاذ الفلسفة كموظف في خدمة النظام الأخلاقي، بهدف تأطير الشباب البرجوازي وتحصينه من «المذاهب السلبية» التي انتشرت بسبب غياب الفلسفة. وعندما عرض الوزير الفرنسي رينيه هابي إصلاحه سنة 1975 مدعيًا الدفاع عن الفلسفة، تصدت له مجموعات من الأساتذة والباحثين، وفضحت ما اعتبرته دفاعًا وهميًا. فقد رأوا في الإجراءات الشكلية – تقليص الحصص والمعاملات وحذف المناصب – نيات مبيتة للإجهاز على الدرس الفلسفي. وأثاروا قضايا خطيرة منها: الفصل التعسفي بين الأقسام العلمية والأدبية.
هذه المعارك كشفت كما قال فلاديمير جانكليفتش:" ان تدريس الفلسفة بات مهددا في وجوده" وأصبحنا أمام معركة أعمق بين قوى تتطلع إلى الهيمنة: تفضل الإنسان المنضبط والتقني على الإنسان المتسائل والحر. والواقع ان ما حدث في مصر وفرنسا وغيرهما حول تعدد الأساليب التربوية وعدم استقرار المناهج وتراجع مكانة الفلسفة ليس مجرد اضطراب بيداغوجي، بل هو انعكاس لتصارع القوى داخل المجتمع حول مكانة السؤال النقدي وحاجتنا الى بناء مواطن حر ومسؤول.
واليوم في الجزائر، نقف أمام فصل جديد من هذه المعركة القديمة. بعد قرار إعادة تنظيم برامج السنة الثالثة ثانوي ومعاملات المواد، الذي يدخل حيز التنفيذ مع بكالوريا 2027، حيث أُخرجت الفلسفة عمليًا من امتحان البكالوريا في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، وتم دحرجتها الى السنة الثانية، وبقيت ركيزة أساسية فقط في شعبة آداب وفلسفة. ورغم ان الخطاب الرسمي يتحدث عن «إعادة برمجة» و«تخفيف العبء» و«التركيز على التخصص». الا ان السؤال الذي يفرض نفسه هو نفسه الذي طرحه الفرنسيون قبل قرن ونصف: هل نحن أمام إجراء تقني أم أمام فعل من شأنه اضعاف قدرة الأجيال على التفكير النقدي المستقل؟
لاشك ان قيمة المجتمع تقاس بمدى تأثير الفلسفة فيه،هذا المقياس الحضاري، الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي غيوم بيجار في دفاعه عن الفلسفة، يضعنا فورًا أمام هذا التساؤل: إذا كانت قيمة المجتمع تُقاس بتأثير الفلسفة فيه، فماذا يعني أن نقرر، بوعي أو بغير وعي، سحب الفلسفة من «لحظة الحسم»؟
علينا ان ندرك ان الفلسفة في وظيفتها ومن حيث قيمتها لم تُصمم في الأساس لتكون مجرد مادة دراسية بين مواد أخرى في التعليم الثانوي، بل جاءت للقيام بمهمة مزدوجة: تنشئة مواطنين مستنيرين قادرين على التفكير المستقل في القضايا الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وتنمية مهارات التفكير المنطقي والنقدي. لكن هذا كله أصبح اليوم في خطر ففي الجزائر، ومصر، وفرنسا، تتقاطع مسارات إصلاحية تبدو مختلفة في الشكل، لكنها تلتقي في الجوهر انها تعيد تعريف قيمة الفلسفة وفق معيار أداتي يقيس المادة بمدى خدمتها المباشرة للتخصص، لا بقدرتها على تكوين عقل مستقل.
وفي خضم هذا الجدل، يسهل الانزلاق إلى فخ ردود الفعل العاطفية. فمن جهة يتعالى بكاء من يرون في أي تغيير مؤامرة على العقل. ومن جهة أخرى يبرز خطاب يدعي «الموضوعية»، يسخر من هذا البكاء باسم الواقعية، ويبارك القرارات بدعوى أن المادة قد ماتت سريريًا في الأقسام، وفي نظري كلا الموقفين يشكل عائقا امام الفهم الصحيح، ذلك ان محاولة الإمساك بحقيقة ما يحدث تقتضي بداية شجاعة القول وقوة النقد معًا: شجاعة تسمح بتشريح القرارات الرسمية وفضح تناقضاتها، وقوة نقدية تمنع من الانجراف وراء خطاب العاطفة.
يمكن القول بداية ان ما حدث ليس مجرد إجراء إداري تقني هدفه « تخفيف العبء» عن التلميذ. فالمسألة أكبر وأخطر، إنها تتعلق بنموذج الإنسان الذي تريد المنظومة التربوية بناءه. حين تُسحب الفلسفة من لحظة الحسم في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، وحين يتحول أستاذ الفلسفة تحت وطأة هذا المنطق إلى «موزع علامات» بدل أن يكون مرافقًا لفعل التفكير، فإن ما يُعلن ضمنًا هو أننا لم نعد نرى في السؤال النقدي والتفكير المستقل شرطًا من شروط تكوين الطبيب والمهندس والعالم والفنان، وهنا نطرح سؤالًا أعمق يتجاوز الوزارة والمناهج ليصل إلى فلسفة المدرسة نفسها: ألا ينبغي أن تكون الثانوية ملاذًا آمنًا، بمنأى عن ضغوط البكالوريا و«عالم الشغل»، الا ينبغي لها ان تتحول الى مكان امن لصقل الفكر والوصول إلى الحقيقة؟ على المدرسة الجزائرية والحال هذه أن تختار بين مسارين لا ثالث لهما: الاستقلال الفكري وتنمية العقل من جهة، أو التبعية الفكرية وعقلية العبودية والخضوع للانتهازية الاقتصادية من جهة أخرى. ويجب التذكير هنا بأن المجتمع الذي يتخلى عن التفكير والنقاش الحر والمسؤول يخلق أرضًا خصبة لتكرار أنماط تاريخية خطيرة تجد نموذجا الاوضح في محن الفلاسفة من سقراط الى ابن رشد ومن سقوط الاندلس الى انسان ما بعد الموحدين.
لحظة الحسم ومعيار القيمة
علينا ان ندرك ان البكالوريا ليست مجرد امتحان تحصيلي او جسر للمرور الى الجامعة. إنها بالأساس اللحظة التي تعلن فيها المنظومة التربوية ما تعتبره ضروريًا في نهاية التكوين الثانوي. وما يُمتحن فيه التلميذ يكتسب وزنًا رمزيًا وتربويًا، وما يُخرج منه يفقد تدريجيًا مكانته في وعي ولاوعي التلميذ والأسرة والمدرسة نفسها وعندما تُقصى الفلسفة من بكالوريا الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، أو يُخفض معاملها إلى حد يجعلها هامشية، فإن النتائج ستكون وخيمة على الفرد والمجتمع ذلك ان المعيار الأداتي، الذي يقيس قيمة المادة بمدى خدمتها المباشرة للمسار الجامعي أو المهني، يتعارض مع جوهر الفلسفة. فالفلسفة لم تكن يومًا أداة لخدمة تخصص بعينه، بل كانت شرطًا لإمكان التفكير في أي تخصص، والطبيب الذي لا يتساءل عن معنى الحياة والموت والمسؤولية، والمهندس الذي لا يفكر في آثار ما يصنعه على المجتمع والبيئة، والعالم الذي لا ينقد أسس معرفته، كلهم يفتقرون إلى بُعد أساسي من أبعاد الإنسانية وعلينا ان نتذكر ان العلم بدون ضمير هو خراب الروح.
دحرجت الفلسفة الى السنة الثانية يتناقض مع روح القانون التوجيهي
جاء في القانون رقم 08-04 المؤرخ في 15 محرم عام 1429 الموافق 23 جانفي سنة 2008، والذي يتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية في الفصل الرابع حول التعليم الثانوي العام والتكنولوجي وتحديدا
المادة 53 مايلي: يشكل التعليم الثانوي العام والتكنولوجي المسلك الأكاديمي الذي يلي التعليم الأساسي الإلزامي، يرمي التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، فضلاً عن مواصلة تحقيق الأهداف العامة للتعليم الأساسي، إلى تحقيق المهام الآتية:
- تعزيز المعارف المكتسبة وتعميقها في مختلف مجالات المواد التعليمية.
- تطوير طرق وقدرات العمل الفردي والعمل الجماعي، وكذا تنمية ملكات التحليل والتلخيص والاستدلال والحكم والتواصل وتحمل المسؤوليات. فكيف يتحقق ذلك ونحن نُقصي الفلسفة من السنة النهائية في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون؟ ان التلميذ في هذه المرحلة يقف على أعتاب الجامعة والحياة العملية، وهو في أمس الحاجة إلى الاتساع الأفقي والعمق الفكري وحرمانه من حقه في التفلسف يحوله من إنسان مفكر إلى تقني يعرف كيف يعمل، لكنه يجهل لماذا يعمل.
وإذا كان هذا القانون في روحه وجوهره حريص على بناء فكر التلميذ الجزائري وتمكينه من أدوات الاستدلال والحكم الصحيح وإذا كان من مهمة المدرسة تكوين مواطن ديمقراطي، قادر على التفكير النقدي وتدبير أحكامه الخاصة وتحمل مسؤولياته، فهل يُبنى الفكر النقدي في سنة واحدة بحجم ساعي محدود ومعامل ضعيف؟ ان الفلسفة رياضة عقلية تتطلب التدرج والتمرس ونقلها إلى السنة الثانية ثم إسقاطها من الثالثة يفقدها جوهرها، ويحولها من حوار عميق إلى تلقين سطحي بل الى مسكن عتيق غير قابل للسكن. واذا كان الهدف إعداد المتعلم لمتابعة الدراسات العليا باقتدار، فكيف نعد التلميذ العلمي أو التقني للجامعة ونحرمه من فلسفة العلوم والمنطق وأخلاقيات البحث؟ لا شك انه سيواجه في الجامعة متطلبات تتطلب روحًا نقدية وقدرة على التساؤل حول أسس المعرفة، وغياب الفلسفة في السنة الثالثة يخلق فجوة حقيقية بين التكوين الثانوي والجامعي واذا كنا نعاني من هشاشة تكوين الأستاذ وضعف التلميذ فالحل لا يمكن تلمسه في قتل الفلسفة باسم تقويمها وعلينا ان نتذكر كما قال إتيان جيلسون (إن من شأن الفلسفة أن تفلح دوماً في دفن حفاري قبرها).
أي إنسان نريد؟
ان السؤال الحقيقي ليس: هل نُبقي على الفلسفة أم نحذفها؟ بل: أي إنسان تريد المدرسة أن تخرجه؟ إنسانا يجيد الإجابة عما يطلب منه في تخصصه؟ أم إنسانا قادرا على أن يسأل لماذا يطلب منه ما يطلب، وأن يتحمل مسؤولية تفكيره؟ ففي زمن يطرح فيه الذكاء الاصطناعي أسئلة أخلاقية غير مسبوقة، وفي زمن تنتشر فيه الخطابات الجاهزة والتطرف والتسطيح، يصبح إضعاف الفلسفة خيارًا محفوفًا بالمخاطر، والمجتمع الذي يتخلى عن فن السؤال يمهد الأرض للتبعية الفكرية والخضوع. والمطلوب ليس إعادة الفلسفة كمادة شكلية لملء الجداول، بل إعادتها إلى السنة الثالثة في جميع الشعب، بحجم ساعي كافٍ ومعامل مناسب، كممارسة حية في قلب التكوين ومد جذورها الى السنوات الأولى والثانية للتعليم الثانوي والتفكير في ادراجا في نهاية مرحلة التعليم الأساسي والاحتفاء بها من خلال ما يسمى أولمبياد الفلسفة وغيرها من الإجراءات التي اشرنا اليها في مقالات سابقة، لأن الفلسفة ليست ترفًا فكريًا، ولا جثة محنطة في متحف المناهج. إنها ضرورة حياتية، وهي روح الديمقراطية، وأساس المواطنة، وشرط البقاء الإنساني في مواجهة الآلة والانغلاق، ولنستمع إلى صوت العقل، وإلى روح القانون، ونمنح أبناءنا فرصة التفكير العميق قبل دخولهم الحياة الجامعية والعملية. فالمجتمع الذي يقيس قيمته بمؤشرات النجاح وحدها، دون أن يسأل عن مدى تأثير الفلسفة فيه، مجتمع يختار التبعية على الحرية، والصمت على السؤال.
كتخريج عام
يمكن القول انه ليس جديدًا أن تعلن نهاية الفلسفة أو يتنبأ بأفولها؛ فقد تكرر هذا الإعلان في كل عصر تقريبًا، ومع ذلك لم يتحقق قط لأن الفلسفة لا تستمد حياتها من قرار إداري، ولا من برنامج دراسي، بل من حاجة الإنسان الدائمة إلى الحقيقة والمعنى والحرية.
إن الدفاع عن الفلسفة، ليس دفاعًا عن مادة في جدول التوقيت، ولا عن امتياز مهني لفئة من الأساتذة، بل هو دفاع عن فكرة المدرسة نفسها، وعن حق الطبيب والمهندس والعالم والفنان والمواطن في أن يتعلموا كيف يفكرون قبل أن يتعلموا ماذا ينتجون. فحين تغيب الفلسفة عن لحظة الحسم في التكوين، لا تخسر الفلسفة وحدها، بل تخسر العلوم بوصلة النقد، ويخسر المجتمع أحد أهم شروط حريته.
ولهذا، فإن القضية ليست قضية الفلسفة وحدها، بل قضية الإنسان الذي نريد أن تخرجه المدرسة. أما الفلسفة، فستظل – كما يعلمنا تاريخها – قادرة على أن تبدأ من جديد كلما ظن الناس أنهم بلغوا نهايتها، لأن مستقبل الفلسفة إن تحقق أمره، مرهون بمستقبلنا نحن.
***
عمرون علي








