هل يستطيع أحد أن ينكر تفاقم حالة الجمود في الخطاب الديني المعاصر، بخلاف حالة الهوس المتسارعة تجاه المشاركة وربما المغالبة فقط في الخطاب السياسي وانتزاعه أيضاً، وغرابة مشهد جمود الخطاب الديني هي فورة المد والصعود الديني الكبير لبعض التيارات والفصائل السياسية ذات التوجه الديني التي عانت طوال عقود مضت مغبة الاستبعاد الاجتماعي والحظر والمنع والرفض المجتمعي، ورغم هذا أيضاً إلا أن الخطاب الديني المعاصر لديها أيضاً لم يكن على مستوى الحدث الذي يسمح بالتجديد والتطوير الذي واكب الأحداث في المشهدين السياسي والاجتماعي.
بل لعلنا نجتهد قليلاً حينما نشير بأن الصعود السياسي للتيارات الدينية أعقبه نكوص وارتداد في الفتاوى والطروحات الفقهية التي رصدها الشارع العربي بدءاً من وقت بزوغ انتفاضات الربيع العربي التي باءت جميعها بالفشل لقصور الدراية والمعرفة بحتمية التغيير وكيفيته وإدارة تحول الأمم والمجتمعات، وحتى الدعوة للخروج في مظاهرات لإسقاط الأنظمة السياسية لتصحيح المسار السياسي والتي نجم عنا سقوط مرجعية تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وليس سقوط الجماعة وحدها بل اشتمل الأمر والمشهد في يونيو 2013 تحديدا بمصر الإعلان الرسمي لسقوط التنظيم الدموي والسري بخلاياه اليقظة والنائمة والعائمة أيضا !. ولعل أبرز نتائج الخروج الشعبي آنذاك لإسقاط تنظيم سياسي ذي صبغة دينية هو دعوة رجال الحل والعقد لدى أنظار هذا التنظيم الذي طالما عانى الخلل والعطب وسوء التنظيم والتدبير عبر سنوات شهوده إهدار الدم ونفي حرمته بل وضرورة قمع الحريات إذا ما كانت تلك الحريات ستحدث خللا ولغطاً بالمجتمع.
لكن الراصد والمستقرئ لهذا الخطاب الديني ذي الصبغة السياسية يجده لم يخرج كعادته عن نقل دون يقين تجنباً للولوج في مسائل خلافية لاسيما وأن الاهتمام كان ولايزال منصباً على أحداث وإحداثيات المشهد السياسي فقط، وهذا الخطاب رغم ثورة المعرفة والاتصال وتطور نظريات اللغة والحصول على المعلومات ومقارنتها لا يزال أسيراً لجمود اللغة القديمة البيانية التي ترفض المجاز بل وأحيانا تكفر مستخدميه، وكذلك كون الخطاب فريسة لشرك (بفتح الشين) للأساليب الخطابية المنبرية التي تصلح لمواجهة جموع غفيرة وهي بطبيعتها أساليب تستهدف الأذن واستلابها قبل العقل وتطويقه، والعين قبل الفكر.
رغم أن الدين الإسلامي نفسه أعلى شأن العقل واعتبره ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته، لكن وجدنا بعد عقود طويلة أن الخطاب الديني الذي لم يعد حكراً على المؤسسة الدينية الرسمية كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وأساتذة الشريعة بالجامعات، بل صار ملكاً مشاعاً لكل من أراد بغير تخصص أو اختصاص، بل المدهش أننا وجدناه حجر عثرة في طريق مدنية الدول العربية كافة التي يتعايش فيها الدين بجوار السياسة بغير مغالبة أو استقطاب يضر بالآخر، ووجدناه خطاباً لغوياً راديكاليا ينفي أية صلة به وبين الواقع الراهن اللهم سوى استخدام بعض الأحزاب والطوائف والفئات السياسية الدعوة الدينية كوسيلة استقواء، وظهور ما يسمى بفقه الحالة من جديد لتبرير بعض السلوكيات السياسية لفصائل معينة.
والخطاب الديني سرعان ما تحول بعد انتفاضات الربيع العربي البائدة بغير نتائج إيجابية إلى إعلان سياسي يخدم مجموعة من المصالح التي باتت مؤجلة لعقود بعيدة، وبدلاً من أن يهتم الخطاب الديني بقضايا تمس عقيدة المواطن وعلاقته بربه وذويه وعشيرته والمطالبة بإصلاح النفس اتجه دنما قصد إلى تحشيد العقول لتأييد فكرة سياسية أو برنامج أو طرح فكري يخدم طائفة ويجور على طوائف أخرى. وهناك قاعدة مفادها أن المجتمعات حينما يزداد ولعها بالدين الذي سرعان ما يتحول إلى سهام تكفير وتفسيق هي مجتمعات بدأ الضعف والتوهين يدب فيها، وكثرت الفتن بأراضيها، وظهر ما يسمى بمرض الجهل بالدين.
وخطورة الأمر حينما تخلت المؤسسات الدينية الرسمية والشرعية المنوطة بنقل مفاهيم الدين ومعالمه للعامة أو للطلاب بالجامعات والمدارس والمعاهد والأكاديميات التعليمية ولا يزال بعضها بعض الدول العربية تخليها غير المبرر، فكانت الفرصة سانحة لبعض الأقلام والأصوات والفضائيات أيضاً لممارسة هذا الدور بغير جدال أو مناقشة أو حوار يستهدف التمييز والتأويل، وأول ما نجح فيه خطاب مثل هذا هو تجديد العهد بالعداوة القديمة بين الدنيا والآخرة، وبين العقل والعلم، وكان نتيجة ذلك أن تكريس فكرة أن الذهاب إلى صناديق الانتخاب وقت الاستحقاقات الديموقراطية ببعض عواصم الوطن العربي منذ 2012 هو جهاد في سبيل الله وليس استشرافاً لمستقبل ينعم فيه أبناؤنا، وكان أيضاً تحشيد الجموع لإحداث ضجة للحصول على ما تريد فئة بعينها من مكاسب هو أمر إلهي مفاده إعلاء الدين وأهله.
وغفل هذا الخطاب عن تهيئة أنصاره الذين فروا هاربين من القراءة التي ظلت قرينة الرئيس السابق تدشن مهرجانات فاخرة لمشروعها القراءة للجميع، كما غفل عن ذكر محاسن العقيدة دون النيل من عقائد الآخرين أو تشويهها، وهذا الشئ هو الذي فتح النار على أبواق هذا الخطاب الذي كان من شأنه أن يحدد بوصلته ويميز رؤيته بوضوح، إلا أنه لم يشأ أن يذهب بسلام وسهولة إلى أذن وعقل مريدينه، فشكل الخطاب بذلك لغطاً والتباساً يحتاج إلى توضيح وتفسير.
نفس الأمر الذي وصل بالخطاب الديني إلى مرحلة تعاني من الجمود، وصل التعليم الديني في مصر بعد أيامها الثورية المتسارعة إلى مراحل أكثر دهشة وأدعى لليأس وعدم التفاؤل، بل قد يغضب المؤهلون للغضب بالفطرة والاكتساب أيضاً حينما نقول بإن مستوى التعليم الديني في مصر وصل إلى حد التفاهة، بدليل جمود الاجتهاد الديني الذي كان سمة مميزة لمصر وأهلها وفقهائها، بل يمكن أن نغالي القول بإن أنصار هذا الجمود قد تعاظم دورهم بعد استقرار الثورة دونما نجاح ودونما فشل. وللحق يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الخطاب الديني الذي صار يعاني جموداً عظيماً، نظراً لانشغال البلاد والعباد أيضاً بأحداث المشهد السياسي، حيث إن الوطن وأهله ما إن يستفيقوا من حدث جلل يعصف بأرجائه حتى يصطدم بحدث آخر، وما إن يدخل في مرحلة سياسية ديموقراطية جديدة حتى يلج في أخرى دون يتم الأولى بنجاح.
وربما خفتت الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم الديني في مصر لاسيما بعد هذا الهوس المحموم بالعملية السياسية وهم بذلك يعلنون دونما قصد فصل الدين عن السياسة، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بتهيئة العقول واستنهاضها لتشييد وطن جديد. كل هذا يجعلنا لا نأمل في خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته وبسبب دعاة التقليد الذين يعملون جاهدين على غير نظام، ويأخذون الأمر على قاعدته دون النظر إلى أسبابه ومقدماته التي صاغت هذه القاعدة والنتيجة.
وإذا حاولنا التصدي لمواجهة هذا القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني في مصر بوجه خاص، يتبين لنا إغفال دور العقل وانتفاء قدره والاكتفاء بالنقل دون مكاشفة أو تحقيق أو تحري الدقةً في المنقول وصاحبه. رغم أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم وسيلة الإيمان الصحيح وهذا ما أشار إليه المجدد الإمام محمد عبده، ولا ريب في ذلك حيث إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام: [قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون]، ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان، وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات.
ولكن إذا ما نظرنا إلى الخطاب الديني الراهن والتعليم الموصوف بالديني ببعض الدول العربية أيضاً نجده بعيداً عن التنوير وإعلاء قيم العقل في التناول للنصوص الدينية، وربما كان هذا سببه هو جعل فئة قليلة تسيدت مشهد الخطاب الديني رؤية مواضعة التنوير هذه على أنها أساس لضياع وتقويض المجتمع وإحلال قيم غير إسلامية في مجتمع إسلامي متدين. ومن ثم وجدنا المتزعمون للخطاب الديني يهتمون بالإشارة إلى الكتب الأدبية القديمة حينما يحاولون الجلوس مع التنويريين في مقعد واحد، وهم يشيرون إلى هذه الكتب التي توضح أحوال الأمم، وتحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها دون غيرها.
ومشكلة الخطاب الديني المعاصر أنه نأى بعيداً عن مقصده التنويري والإصلاحي للفرد والجماعة على السواء، وذلك حينما قصر همه على تكفير البعض واتهام البعض الآخر بالتفسيق، وإلقاء تهمة الخروج السافر عن تعاليم الشريعة، وهو في ذلك يكون قد ارتكب ذنباً قد لا يغتفر لأنه حمل غيره تكفيره بغير دليل قطعي، بالإضافة إلى أنه تنصل من مهمته الحتمية وهي تنوير العقول والألباب. ولقد اعتبر الإمام محمد عبده البعد عن التكفير من الأصول الرئيسة والأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر ". و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.
وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة المحمومة بفضل اللغط السياسي الديني استباق بعض التيارات الدينية في إلقاء تهم التكفير على الآخر، ولقد توعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والمنصات الرقمية.
***
الدكتور بليغ حمدي إسماعيل
أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية
كلية التربية ـ جامعة المنيا.








