منذ أن قررت بعض المجتمعات أن تجعل من التأويل جريمة، ومن التفكير خروجا على الجماعة، أصبح اي مفكر يسير إلى محاكمته منذ اللحظة التي يرفع فيها رأسه فوق يقين القطيع. صار المفكر يدان لأنه فكر، وينفى لأنه اجتهد، ويقتل معنويا لأنه رفض أن يكرر ما قاله السابقون. وهكذا تحولت معارك الأفكار إلى محاكم تفتيش، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن ضحية جديدة تقدم قربانا لسلطة الوهم..
وفي قلب هذه المأساة يقف نصر حامد أبو زيد. رجل لم يحمل سلاحا إلا العقل، ولم يرفع راية إلا السؤال، فحوكم لأنه فكر، ونفي لأنه قرأ النص بعين الباحث لا بعين المقلد، واغتيل نفسيا ومعنويا مرات لا تحصى قبل أن يرحل جسده.
قتلته في سمعته، وفي رزقه، وفي وطنه، وفي طمأنينته، حتى أصبح الموت البيولوجي آخر حلقات اغتيال طويل بدأ منذ اللحظة التي قال فيها: انا أفكر
لم يحمل الرجل سيفا ولم يدعُ إلى عنف ولم يملك سوى أدوات الباحث: العقل، واللغة، والتأويل. لكن هذه الأدوات كانت كافية لتعلن عليه حرب شرسة
إنها ليست حكاية رجل، بل حكاية أمة ما زالت تخشى السؤال أكثر مما تخشى الجهل، وتخاف من العقل أكثر مما تخاف من الظلام.
في هذا المناخ، لم يكن نصر حامد أبو زيد يحارب الدين كما ادعى خصومه بل كان يحاول أن يحرر فهمه من احتكار التأويل وأن يعيد الاعتبار للعقل بوصفه شريكا في الفهم لا عدوا للإيمان. لكن المجتمعات التي اعتادت تقديس التفسير أكثر من تقديس الحقيقة، لا ترى في المفكر إلا خصما ينبغي إسكات صوته
إن مأساة نصر حامد أبو زيد ليست سيرة فرد، بل مرآة لمحنة العقل العربي، الذي ما زال يدفع ثمن كل محاولة لتحرير النص من سلطة القراءة الواحدة، وكل محاولة لإقناع الناس بأن الحقيقة لا تخاف السؤال، وأن الإيمان الواثق لا يرتعد أمام العقل
فكل حضارة أغلقت أبواب السؤال، وحاكمت أصحاب العقول الحرة ورفعت سيف التكفير أو التخوين فوق رقاب الباحثين، والمفكرين لم تكن تدافع عن هويتها، بل كانت تكتب شهادة انحدارها بيدها
سلسلة من الاغتيالات بدأت منذ أحرقت الكتب، ونفي الفلاسفة، وأقصي المجددون، وما زالت تتكرر كلما ولد سؤال جديد. وما دام المفكر يحاكم لأنه يفكر، ويدان لأنه يجتهد، ويغتال معنويا أو جسديا لأنه رفض أن يكون صدى للماضي فإن أمتنا ستظل تدور في الحلقة نفسها، تعيد إنتاج الهزائم وتبحث عن أسباب تخلفها في كل مكان إلا في المرآة
هم لم يقتلوا نصر حامد أبو زيد وحده، بل قتلوا معه احتمالا آخر لنهضة كان يمكن أن تولد، وأغلقوا نافذة كان يمكن أن يدخل منها الضوء.. وما نراه اليوم من تراجع حضاري. وجمود فكري، وعجز عن إنتاج المعرفة، ليس قدرا تاريخيا، بل هو الثمن الباهظ الذي تدفعه أمة اعتادت أن تقصي مفكريها وفلاسفتها
فلم نعرف من قبل أن حضارة بنيت على كراهية العقل، ولا نهضة ولدت من رحم التكفير، ولا مستقبل شيد فوق أنقاض الأسئلة..
فكم من نصر حامد أبو زيد ما زال يغتال كل يوم، لا بالرصاص بل بالتكفير والتشهير والإقصاء، ومحاصرة الفكر الحر. وكم من عقل وُئد قبل أن يزهر، وكم من مشروع تنوير أجهض قبل أن يرى النور
وسيأتي يوم تدرك فيه الأجيال أن الجريمة الكبرى لم تكن اغتيال مفكر بعينه، بل يوم جعلنا أصحاب العقول الحرة غرباء في أوطانهم، وأقمنا محاكم للضمير بدل أن نبني منصات للحوار..
فسلاما على روح نصر حامد أبو زيد. هو لم يكن نبيا ولا قديسا، بل إنسانا آمن بأن العقل هبة إلهية لا يجوز تعطيلها.
سلاما عليه يوم فكر، ويوم صبر، ويوم رحل، ويوم بقيت أفكاره حية تتحدى الزمن. ولعل أعظم وفاء له، ولكل عقل حورب لأنه أضاء، ألا نكتفي برثاء المفكرين بعد رحيلهم، بل أن نحمي حق الأحياء منهم في أن يسألوا، ويجتهدوا، ويختلفوا لأن الأمم التي تصون حرية الفكر هي وحدها التي تمتلك حق صناعة المستقبل
***
ابتهال عبد الوهاب








