إن محكي السفر لا يُصوّر لنا الحقيقة بل يُقحِمُ المتلقي-القارئ داخل لعبة الاختلاف، وفي الاختلاف كما يقول غريماس يوجد المعنى فنتتبع كيف يُبنى هذا المعنى فنستضيح كثيره أو قليله.
مقدمة:
تَحضُر السَّرديات الرَّحلية للكاتب الإعلامي أحمد أمشكح ضمن ما يُصطلَح عليه في حقل الإعلام بالاستطلاع أو الروبرتاج، لا يَنكر الكاتب صانِعُ الحكايات العلاقة بين المحكي الرَّحلي وموهبة الاستطلاع أو الروبرتاج الصحفي، وهي العلاقة القديمة في الأدب العربي ضمن ما يُعرف ب: (الطّبع والصنعة) حيث الإثنان يشترطان موهبة ومن ثمّة دُربة واجتهاد، ومعلوم أن الكاتب له حضور في الثقافة الإعلامية المغربية والعربية بصورة لافتة، فقد أسهم طول حياته في تجديد الحقل الإعلامي الورقي بالمغرب مُراوحا بين السياسة والثقافة والرياضة، وفي الإنتاجية السياسية أصدر كتابا في خريف 2017 موسوم ب: « كيف رَتَّب الحسن الثاني انتِقال العَرش لولي عهده». وفي سنة 2025 يقتحم الكاتب حقل السرديات الإبداعية مستثمرا التاريخي والذاكرة فصدر له كتاب في سرديات الرِّحلة موسوماً ب: «رحيق الأسفار (تأملات ومشاهدات)»، وتَضمّنت فصول الكتاب في شموليتها ما يصطلح عليه بالأرشفة، في المقام الأول هي الوثيقة السردية الأرشيفية التي أزالت الغبار للقارئ عن بعض الأمكنة المتنوعة جغرافيا وقاريّاً والأزمنة المختلفة، التي تراهن على مسألة الحدود الفاصلة بين التاريخي والتخييلي. الكاتب رام نقل ما رأته العين باعتبارها كاميرا سردية ترتكز على اللغة الواصفة ومكونات السرد ووظائفه لتتوالد المحكيات من خلال مفهوم المحفز المُسرِّع للمحكي وهو «المعرفة الصحافية الأخلاقية» التي أفضت إلى تبلور «محكي رحلي معرفي أخلاقي» رام تعزيز وظيفة الصحافة بمحكيات سياحية وثقافية وأيضا اقتصادية-سياسية تاريخية. عموما شكلّت نصوص الكاتب أحمد أمشكح متنا مهما على مستوى ترسيخ محاكاة الكتابة الرحلية والاستطلاع الإبداعي السردي والتفكير التأملي المتسم أحيانا بالمرونة وأحيانا كثيرة بالتوتر والشدّة وفق طبيعة الظرفية السياسية وأيضا العلائق المتوترة بين النحن المهاجرة والآخر الأوروبي، وهي محكيات استند فيها السارد على «اللَّعِب المُقارِن» في تشييد مقارنات رامت في مقاطع عديدة حالات «السخرية» المعرفية من خلال تقابل صورة الأنا والآخر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لأشكال حيوات مختلفة تندرج ضمن فضاءات جغرافية (إفريقيا، أوروبا، آسيا) جغرافية مختلفة الثقافات، أيضا ارتكزت إنتاجيته على الوصف والتصنيف ومَسرَحة بعض القضايا السياسية والعلائق التي تبنى في تقابلات الاقتصادي والرياضي.
السارد وما رأى في رحلة القدس:
في المقدمة يُؤكِد السَّارِد على عقد ميثاق أخلاقي مع المتلقي/القارئ من خلال قانون «النيابة» يقول: «هي نصوص تفرض على قارئها التجوال بعيني كاتبها (...) الذي يفرض على الصحافي أن ينوب عن قارئه فيما رأى وما سمع وما أحس به وما لمسه وما شممه» (النص، ص.3، 4)
تمثلت نصوصه الرحلية الاستطلاعية قضايا المجتمع الفلسطيني وفق حالات الأزمة السياسية والحصار وارتبطت باستيضاح حالات الخوف الفردي والجماعي والألم الذي ربطه بالتذويب الإيديولوجي: «الألم الذي يشعر به الفلسطينيون من مختلف درجاتهم الاجتماعية، لا يمكن إلا أن تحسه وتتألم معهم، إنهم هنا في سجن كبير» (ص، 7). داخل أمكنة الحصار والألم يؤكد السارد على أن حضور وزيارة الوفد المتعدد الثقافات والجنسيات للمشاركة في حدث «القدس عاصمة الشباب المسلم» أسهم في تشييد جسر وسمه بجسر عبور حرية، واستضاح عن فرحة الفلسطينيين بهذا الحضور باعتباره شكل حرية: «...هكذا قالها أحد المسؤولين في السلطة الفلسطينية، إن زيارتكم تشعرنا بأننا أحرار» (ص،7)
داخل جغرافية فلسطين يتأطر الخوف وفق تمفصلين: خوف السارد وهو خوف فردي وخوف الوفد المشارك باعتباره خوفا جماعيا يدمي القلب والأرض وخصوصا مدينة أريحا «مدينة القمر» وهي أقدم التجمعات البشرية، يقول: «مدينة أريحا... مدينة القمر قبل أن يقتلها الاحتلال الفلسطيني وهو يحاصرها بكيلومترات من الأراضي الجرداء المحادية لنهر الأردن، تلك التي يسميها الفلسطينيون بالأرض الحرام لأنها بلا شجر ولا بشر ولا حيوانات، وحده نهر الأردن الذي جف ماؤه، وجسر الخشب الذي منه تم إجلاء الشعب الفلسطيني في حرب 1967، وهو المتبقي من تاريخ هذه المنطقة» (ص،7).
من هذا المنظور السارد يستبين عن حدث تاريخي خلخل حياة الفلسطينيين وأحدث أزمة واللا-يقين القضية، فقط هو القلب من يستطيع أن يتألم ويحمل القضية التي تحتاج لجهد ونضال ومقاومة عادِلة. ينضاف إلى سردية الألم وجرحى التاريخ القريب سردية الأمل والحلم، يقول: «زيارة القدس لا تشبه بقية الزيارات، إنها مزيج من الرهبة والخوف، وكثير من الروحانيات التي يشعر بها الزائر وهو يصل إلى حيث يوجد المسجد الأقصى ليصلي تحت القبة الصفراء (...) ولم يكن هذا الحلم سهلا» (ص، 9).
إن سياق الحلم بدخول القدس يربطه السارد بالقلق والخوف والتوتر وحالات مزاج جنود الإسرائليين وهي حالات تصنع الخوف بفعل تهور الجنود الإسرائليين.
مسارات الحكي: دينامية وصف القدس
في اللحظة البدئية السردية هندس الكاتب لها بمحكي رحلة فلسطين وخصص لها 31 صفحة بنسبة مائوية تقارب 30% من مجموع صفحات المحكيات الأخرى، ومن بعدها محكي تركيا بثلاثة عشر صفحة بنسبة مائوية 13%، في مقابل أن محكي فرنسا لا يتجاوز سوى 12%، فيما أطَّر السارد محكي إفريقيا وفق 26 صفحة بنسبة 22%، ماذا يعني ذلك؟
يبدو أن قلب السَّرد تحمِلُه قدس فلسطين أكثر من (الجزائر وتونس ومصر والكاميرون) وكأن السارد تَمثل الانطلاق من المركز، القدس، ليؤسس دينامية رحلاته ومن ثمّة التنوع في مسارات محكي الرحلة أو الرحلات، إذن مركزية القدس يبؤرها السارد كنواة نووية تُفَجِّر حكايات الرحلة حيث تتوالد الحكاية وفق نصوص مختلفة الجغرافية وتشمل القارة الأسيوية والأوروبية وانتهاء بالقارة الإفريقية. إن القدس تستضيح باعتبارها مركزية الحكي أو هي قلب التأملات والمشاهدات، مصداقا لقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»، التجذير الفضائي المقدسي يؤطر الحكاية وفق مستويين: المحتوى والدلالة، وهي مستويات قضية كونية وأيضا قضية حصار واستعمار وخاصة الاستيطان الإسرائيلي، ومن هنا نتتبع مسارات الحكايات المؤطرّة داخل حكاية كالآتي: «القدس عاصمة الشباب المسلم»، «باب المغاربة»، «أريحا ترحب بكم»، «للقدس سلام»، «كيف أصبحت الكوفية رمز الثورة الفلسطينية»، وأخيرا؛ «الدبكة الفلسطينية التي تحكي عن حنين العودة».
إذن، هي ستة محكيات تبرز أهمية موقف الكاتب للقضية الفلسطينية في تحولاتها منذ النكبة، حيث نجد تاريخ القضية الفلسطينية له قوة حكائية شديدة التركيز التاريخي وأيضا الوجداني في هذه المحكيات الستة، أيضا هي محكيات أسند لها الكاتب آليات الكتابة السردية الروائية وهي الجمالية والفنية والواقعية والتخييلية التاريخية والتبليغ ارتكازا على التذكّر وخاصة الأماكن والشخصيات وفق لعبة الإعلامي/ الروائي، أو الروائي/ الإعلامي الرياضي، هذا اللعب باللغة والسياق يتمظهر حيث الانتقال السلس من وصف حدث رياضي بين الرجاء الرياضي المغربي والبنزرتي التونسي إلى تثبيت تاريخ الصراع السياسي بين مدينة بنزرت ومدينة تونس العاصمة والوسيط الذي شيّد عليه هذا الصراع هو المناضل النقابي فرحات حشاد: «...اغتيال الزعيم فرحات حشاد ابن المدينة، كان بداية خصام سياسي بين بنزرت والعاصمة تونس، وهو الخصام الذي وصلت تداعياته إلى الكرة» (ص،56). يستبين السارد عن صراع طالت تداعياته الثورة التونسية وما بعدها حيث صار التونسيون لا يتحدثون عن الكرة حيث نابت السياسة عنها بعد الثورة، كذلك يقدم الكاتب وصفا دقيقا للمباراة التي قال فيها: «كادت أن تحيد عن هدفها الرياضي، وتحمل بعض ملامح السياسة» (ص،52).
الذاكرة وإعادة-التلفظ: كشف الزيف
هذا اللعب السردي يمسرح من خلاله السارد أشكال المقارنة بين ملاعب تونس وملعب محمد الخامس بالدار البيضاء: «...تذكرت ما يعرفه المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء كلما كانت الرجاء أو الوداد في استقبال فريق تونسي أو مصري أو جزائري.." (ص، 54)
يتوالد السرد من خلال قانون الملاحظة باعتبار أن «الملاحِظ مقارِنٌ» بتعبير غريماس. إذن السارِد الملاحِظ يصوِّر لنا مسارات رحلته فيستضيح لنا أشكال حيوات مختلفة الثقافات من خلال محكي أوروبا، حيث إن استحضار آلية المقارنة هو الذي يؤسس لمحكي رحلة ثلاثة عواصم لكل من دولة فرنسا وبلجيكا وسويسرا، يَنسِجُ السارد تفاصيل أشكال حياة المهاجرين المغاربة بفرنسا وحالات الطلاق لأسباب ثقافية ومعتقدات لا-علمية، وحالات العنصرية المضمرة التي تدفع بالجيل الثالث إلى الهروب خارج مركزية المدينة الفرنسية والتشبث بالهامش على شكل ما أسماه السارد ب: «غيتوات» «les ghettes» كشكل حالات سكنية منعزلة ومنطوية على ثقافتها: «... اليوم يفضل المغاربة السكن في تجمعات سكنية خاصة تقربهم أكثر من ذويهم وعائلاتهم، ويفضلون التجمع في مقاهي ذات طبيعة مغربية أو عربية. كما لهم أسواقهم الشعبية في كل مكان...» (ص،59). هذا المسار الوصفي لحالات حياة المغاربة داخل جغرافية فرنسا يربطه السارد بمفارقة ساخرة وتعجبية، يقول: «... ويخيل إليك أنهم مغاربة في فرنسا، أكثر منهم فرنسيون في المغرب!! (...) لذلك نعيش معهم خلال عطلة الصيف تلك المفارقة الغريبة التي تجعلهم يرتدون السراويل القصيرة ويضعون الأقراص في آذانهم ويزينون الصدور بسلاسل ذهبية، وهي الصورة التي تبحث عنها في المدن الفرنسية فلا تجد لها أثرا. فقط ثمة القبعات الصوفية والجلابيب المزركشة حتى وأنت على مقربة من شارع الشانزيليزي، أو على بعد خطوات من قوس النصر بعاصمة الأنوار باريس» (ص،59)
من منظور التلفظ الساخر يُصوِّر السارد شكل اللباس المغربي بالقرب من المعالم التاريخية السياحية الفرنسية بمدينة باريس وكيف تنقلب علامات اللباس المغربي حين يتواجد مغاربة فرنسا بالمغرب، السارد يوظف السخرية كآلية معرفية ليضيء للقارئ صورة النحن هناك والهنا، أيضا نجده يوظف السخرية في حقل رياضة كرة القدم مع الفريق الباريسي الذي أصبح يديره مديرا عربيا من قطر، يقول على لسان مشجع لفريق مارسيليا وهو الفريق الخصم للفريق الباريسي: «هذا الفريق يجب أن يخوض مبارياته في الدوري القطري وليس الفرنسي، في إشارة لمالكه القطري الشيخ ناصر الخليفي، الذي أغدق المال على الفريق» (ص،65).
في المقابل يُصوِّر السارد العلائق بين السياسة والاقتصاد والرياضة وخصوصا كرة القدم من خلال التحوّلات التي عرفها الفريق الباريسي وكيف أن شعار «لنحلم أكبر» الذي بصم عليه مالِك الفريق.
إن السارد بمعرفته وثقافته الموسوعية والمتنوعة بين السياسي والرياضي والسياحي يستضيح لنا عن تحوّلات في قيم الشباب الفرنسي وكيف يتصوّر لعبة كرة القدم، وكيف يتمثلها على أنها «عقيدة جديدة»؛ تلك العقيدة التي نابت عن شيوعية ماركس ورأسمالية آدم سميت ووجودية سارتر. وعليه، يستبين السارد عن صراع اليسار واليمين وكيف أن لعبة كرة القدم تحسم هذا الصراع السياسي التقليدي لصالح عقيدتها الجديدة، حيث إن الشعب الفرنسي خرج لاستقبال أبطال مونديال فرنسا 1998 في أعداد لم تخرج في زمنية الثورة الفرنسية، وكيف أن أهداف زين الدين زيدان أضحت تنوب عن الأحداث السياسية، وكيف أن جمهور باريس سان جيرمان حين حقق الفوز بكأس الرابطة الفرنسية الخامسة سجل رقما قياسيا من حيث علو صيحات الفرح والصخب إلى قوة صوت 109 ديسيبل.
عموما، هي سخرية تؤسس معرفة للمتلقي، خارج فرنسا ويؤسس لها السارد بتقابل فريقين ينتميان إلى دولتين مختلفتين لكن تجمعهما العلامة التيجارية لإحدى شركات الطيران العربي، يقول: «لقد صدق من قال إن العولمة، التي تغزو البلدان والشعوب، لا يمكن أن تمر بمحاذاة الكرة. إنها البداية» (ص،71).
في مدينة بروكسيل عاصمة بلجيكا الأمر يختلف كثيرا، حيث يصور السارد قوة الثقافة المغربية من خلال احتفالية المغاربة في سنة 2004 بذكرى مرور أربعون سنة على وصول أول العمال المغاربة إلى المملكة البلجيكية، وهي احتفالية من تنظيم جمعية «فضاء ذاكرة الهجرة المغربية» واختارت لها شعار: «من الإندماج إلى المواطنة»؛ يؤشر السارد على أن حضور المغاربة في بروكسيل هو حضور قوّي ومتنوع سياسيا واقتصاديا وثقافيا، حضور يقاوم العنصرية، إن مدينة بروكسيل تصبح داخل النّص مرآة مغربية لباقي عواصم أوروبا التي تشكو اللا-اندماج: «في بروكسيل لا تشعر أن المغاربة على استعداد للاندماج ... حتى وهم في قلب عاصمة الاتحاد الأوروبي» (ص،75).
ثنائية شمال-جنوب: سردية القارة الإفريقية
داخل السرد الرَّحلي الإفريقي وخصوصا بلد الكامرون يُشيَّدُ السرد على تقابل فضائين:
الشمال الفقير/ الجنوب الغني.
واتخذ العنوان «موسم الهجرة إلى الجنوب هربا من فقر كاروا» شكل تشاكل دلالي مع مبنى عنوان رواية موسم الهجرة إلى الشمال للروائي السوداني الطيب صالح، لكنه يتضاد هذا التشاكل في المعنى الشمال/ الجنوب، أيضا آلية وصف مدينة كاروا الكاميرونية التي تعيش حالة فقر وتمزق وانتشار السيدا فالسارد عمل على تجذير هذا المرض القاتل من خلال آلية إحصائية: يقول:«واتضح لنا بعد ذلك أن أقدم مهنة تجد لها مرتعا خصبا في جل المدن الكاميرونية، ولذلك لم تتردد وزارة الصحة الكاميرونية في الإعلان أن أكثر من 600 كاميروني يُصاب يوميا بالسيدا» (ص،109).
رقم مخيف يضمنه السارد محكي رحلته ليستبين عن الهول واللا-حياة هذه الأمكنة، وربط السارد هذا الرقم المخيف بحالات الأمية التي وصلت إلى 94% في سنة 2001، وأن فقط 3% من تصل إلى التعليم الجامعي التي تأسست أول نواة له في سنة 1962. السارد يحمل المتلقي إلى عوالم الإحصاء ليصوّر له حقيقة الحكي، أيضا يشيّد تلفظ الحقيقة على قانون التقابل والتضاد داخل ثنائية الشمال الفقير والجنوب الغني. يؤكد السارد على فقر الشمال الإسلامي وغنى الجنوب المسيحي من خلال آلية الوصف والتصنيف والإحصاء كالآتي:
- الشمال الكاميروني: مدينة كاروا الشمالية/ إسلامية/ فقر سيدا أمية غبار/ وسيلة نقل هي الدراجات.
- الجنوب الكاميروني: مدينة ياوندي، ومدينة دوالا/ مسيحية/ غنى/ اقتصاد نشيط/ فرص شغل وتحسين وضعية اجتماعية.
من خلال لعبة التناظر الإثناني، نستبين هذا من قول السارد:
«مدن الجنوب هي الأغنى في الكامرون، في الوقت الذي تعيش فيه مدن الشمال الفقر المدقع» (ص،107).
يستضيح السارد لنا المعنى وكذلك عن حالات الهجرة من الشمال إلى الجنوب، والحدّ الفاصل بين الفقر والغنى هو الفضاء الطبيعي «الجبل» إنه جبل «كامرون» الذي يُشكِّلُّ حدّا جغرافيا بين الفقر والغنى الكاميرونيين، إنه الجبل الذي استمدت منه البلاد اسمها. في سياق هذا الواقع الإثناني الكاميروني تصبح الكتابة عند الكاتب والإعلامي سي أحمد أمشكح كاميرا تقحمنا داخل عوالم الرحلة وهذا يؤشر على العقد الذي ربط الكاتب بالقارئ وهو عقد ميثاق أخلاقي يقول الحقيقة بالبوح والمضمر، فليس كل شيء يُقال وإنما تحضر الإشارة والتلميح والترميز ومنح القارئ حقّ التأويل المنطقي انطلاقا من النص وحده فقط.
وهم وحقيقة: «حقيقة القاهرة وخيال السينما»
في رحلة السارد إلى بلاد مصر وخصوصا مدينة القاهرة، يُفتَتَحُ السرد بشهية طبيعة المنافسات الرياضية بين المغرب ومصر في لعبة كرة القدم ومن ثمّة تتوالد حكايات الرحلة في اتجاه عوالم تاريخ مصر والقاهرة وثقافتها وأشكال حيوات من يسكنونها، السارد داخل القاهرة يُصوّر الحقيقة التي تُزيفها السينما المصرية وما يُنقل على شاشة التلفزيون:
«كان لنا أن نكتشف القاهرة... ثمّة فرق شاسع بين حقيقة القاهرة وخيال السينما، فنحن أمام مدينة مكتظة ومختلفة ولا تخلو من مظاهر البؤس والفقر» (ص،115).
يصف السارد تاريخ القاهرة وشخصياتها وفضاءاتها السياحية وأزقتها ومقاهيها وذاكرتها السياسية من خلال حالات الاحتجاج والثورات داخل فضاء الساحة ، ساحة «ميدان التحرير» نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919، أيضا هي السنة التي عرفت أول تحرر للمرأة المصرية عندما خلعت «اليشمك» (شكل نقاب عثماني) داخل فضاء ميدان التحرير، ومن بعد ثم ترسيخ الاسم رسميا في ثورة يوليو عام 1952، فتوالت الاحتجاجات والثورات حيث يصف السارد «ثورة الخبز» في 18 و 19 من يناير 1977، أيضا يُجذِّر تاريخ ثورة 25 يناير 2011، السارد يعمل على تجذير تاريخ الساحة التي أصبحت رمز المتظاهرين وصمودهم وحريتهم في علاقة بتاريخ مدينة القاهرة التي أسهم في تبلورها وتطوّرها الفاطميين، يُشيِّدُ السارد تاريخية القاهرة نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي مع الدولة الفاطمية التي شهدت قوّتها انتشارا في المغرب العربي آواخر القرن التاسع الميلادي.
خاتمة
أطَّر الكاتب محكياته الرحلية وفق مثلثية الفضاءات والأزمنة والشخصيات التي تتقاطع بين ثلاثة قارات ليقحم المتلقي داخل الرحلة حيث انطلقت من القدس وانتهت بالقاهرة، وقبل القاهرة كانت رحلة مدينة كاروا الكاميرونية.
السارد بهذا التصنيف الهندسي لمحكيات الرحلة يكشف لنا عن أشكال حياة المدن العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية وعليه نكون أمام تصنيفات مكانية وفق علاقة تضاد:
أمكنة حيّة / أمكنة ميتة.
وعليه؛ شخصيات حيّة/ شخصيات ميّتة.
وأسأل مع السارد، هل الأمكنة هي التي تصنع الإنسان والسرور أم الإنسان هو من يصنع الأمكنة وحالات حياة جيّدة تقطع مع التمزق والفقر والأمراض بصيغة أخرى: هل تستطيع لعبة كرة القدم أن تصنع شكل حياة اقتصادية وسياسية عادِلة باعتبارها «عقيدة جديدة»؟ وكيف هي وظيفة هذه العقيدة الجديدة في علاقة بالسياسي والاقتصادي والثقافي داخل «مملكة» الاتحاد الدولي لكرة القدم من داخل مدينة زوريخ السويسرية التي وصفها السارد بالمدينة الهادئة حد القرف والمدينة المالية التي تتسم بسرية العمليات البنكية، أيضا مدينة للثقافة والفكر والستريبتيز وكأن المدينة لا تعرف الفرق بين صراخ وصخب الرقص وصراخ وصخب مدرجات الملاعب، السارد يحسم في ذلك: «نحن القادمون من أجل حدث كروي حلمنا معه...وليس في رياضة الستريبتيز» (ص،91).
التأمل هو حلم يُصوُّر تحت الضغط، ومحكيات الرحلات وأحداثها هي شكل كتابة تحت الضغط مثلها مثل الصحافة.
في الأخير، «رحيق الأسفار» رحلة تضيء التحوّلات التي تُصوِّر لنا الأمكنة التي كانت مسرحا مهنيا للصحافة الرياضية ومن ثمّة وهبتنا هذه الأسفار محكيا معرفيا يتداخل فيه الفن القصصي والتاريخي والسياسي والاقتصادي والتوثيقي والقول الساخر انتقادا لوضعيات شخصيات وأشكال حيواتها. في نهاية القول إن آلية الكتابة عند أحمد أمشكح رامت المعنى أكثر من المبنى وتعرية الأمكنة وكشف ازدواجية وتناقض الشخصيات والمدينة كذلك.
***
د. فؤاد بنبشينة - المغرب








