عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

شيماء هماوندي: فن السفر كعلاج فلسفي

قراءة فلسفية في كتاب آلان دو بوتون "فن السفر"

يُعد كتاب "فن السفر" لآلان دو بوتون محاولة لإستعادة البُعد التأملي للسفر، وفي هذا الكتاب لايُقدم آلان دو بوتون دليلاً سياحياً، بل يطرح فكرة فلسفية مفادها السفر بوصفه علاجاً، حيث أن كتاب "آلان دو بوتون" يندرج ضمن مشروع أكبر هو "السفر كتدريب وتأهيل في مدرسة الحياة"، وهو يرى الفلسفة "علاجاً" وليس مجرد إنتقالاً جغرافياً، فلن يصل الإنسان الى النضج العاطفي والنفسي إلا بالتجارب الواقعية، فالسفر هو أداة فعّالة لتدريب الروح على الفضائل الفلسفية والتي في مقدمتها التواضع المعرفي، والقدرة على الدهشة، والتقبل، فالتواضع المعرفي هو أن نُدرك أن العالم أكبر من تصوراتنا، والقدرة على الدهشة هي الفضيلة الفلسفية التي تساعدنا على إكتشاف المعنى، والتقبل هو أن نتقبل أن السعادة لاتكمن في المكان، بل في طريقة إدراكنا للمكان الذي نحن فيه.

بُنية الكتاب تقوم على خمس فصول أو محطات أساسية في رحلة السفر، حيث يستعرض الكاتب جوانب مُتعددة للسفر مع شخصيات مختلفة، بالإضافة الى بيان تأثيرات السفر الفلسفية والعلاجية مع كل تجربة وموقف، وكل مرحلة ومحطة من محطات السفر في الكتاب تقترن بمُرشد فكري لفهم حقيقة السفر ودوافعة العلاجية، ويستعين "دو بوتون" بتجارب شخصيات بارزة من فنانين وأدباء ومفكرين من بينهم (جون روكسين، وإدوارد هويز، وفان كوخ، وإدموند بيرك، ووليام وردزورث) لتعميق الإدراك الجمالي في تجربة السفر العلاجية، فيتناول في المحطة الأولى الرحيل، الذي يمثل لحظة الإنطلاق والدافع النفسي وراء ترك المألوف، ويرى أن الرؤية الحقيقية ليست وظيفة العين بل وظيفة الإنتباه، وان معظمنا ينظر ولكن لايرى، ويشير من خلال ذلك الى أن فن السفر هو فن الإنتباه، أي أن نتعلم كيف نرى سحابة أو مدخنة أو محطة قطار أوشجرة وكأننا نراها للمرة الأولى، ويتناول في المحطة الثانية الدوافع، ويناقش فيها الأسباب التي تدفعنا الى السفر وما نأمل في العثور عليه، حيث يحلل دو بوتون اللوحات التي تصور محطات الوقود والفنادق الموحشة، ليقول لنا أننا نسافر هروباُ من الأُلفة القاتلة، فالسفر هو محاولة لإعادة إكتشاف الذات في مكان جديد لعلها تُشفى وتجد نفسها، والمحطة الثالثة تتناول المشاهد والمناظر الطبيعية من حولنا، ويقدم دوبوتون من خلالها إستعارة لتفضيلات البشر الداخلية، على سبيل المثال : لماذا نحب الصحراء؟ أو لماذا قد نفضل البحر؟ لأن الطبيعة على حد قوله تقدم لنا إستعارة لتفضيلاتنا الداخلية ورغباتنا الكامنة، ويشرح دو بوتون كيفية تفاعلنا البصري والنفسي مع الأماكن الجديدة، فالطبيعة ليست جميلة بذاتها بل لأننا نُسقط عليها أفكارنا الفلسفية، ويتناول في المحطة الرابعة الفن مع فان كوخ، ويُشير فيها الى أن الفنان لا يرسم مايرى بل ما يريد أن يرسم، وبالمثل فإن المسافر يجب أن يحمل معه إطاراً جمالياً يلتقط به التفاصيل المُهملة، فالمسافر عادةّ يلتقط  التفاصيل التي يُفضلها، ويقترح دو بوتون أن نحمل معنا في السفر "دفتر رسم" لا كاميرا، لأن الرسم يجبرنا على التأمل، بينما يتناول في المحطة الخامسة موضوع الغياب، وهنا تكمن ذروة الكتاب الفلسفية، بالحديث عن المغزى من السفر، فالحكمة الحقيقية هي أن نتعلم كيف نسافر دون أن نتحرك، وأن نكتشف الغرابة والدهشة في حياتنا وبيتنا، ويناقش فيه العودة من الرحلة، وكيف تؤثر الرحلة على نظرتنا لمكاننا الأصلي وحياتنا المٌعتادة، فالمسافر الحقيقي هو الذي يعود بنظرة جديدة الى شارعه القديم فيرى مالم يكن يراه، فالعلاج لا يكون بالضرورة بتغيير المكان، بل بتغيير نظرتنا إليه.

يصف آلان دو بوتون المشاهد والأحداث في كتابه ليستعرض مفارقة نفسية وفلسفية هي الفجوة بين التوقع والتجربة، ليعلمنا درساً بالغ الأهمية يتمثل في ملاحظة مانراه والإستمتاع به، لأن الحياة هي رحلة سفر قصيرة، فالإنسان وحده قادر على تقرير كيف يريد أن يُمضي وجوده، لذلك فهو يشير الى أننا أمام خيارين: أما أن نسعى الى أن "نجني الكثير من القليل"، أو نكتسب القليل من الكثير"، ويعد ذلك مهارة يكتسبها الإنسان بالتجربة، وتدريب النفس على ملاحظة الجمال، والبحث عن المعنى، وذلك لا يتحقق إلا من خلال التجارب الواقعية والتي يُعد السفر أبرزها.

نستطيع أن نقول أن الكتاب يطرح تساؤلات جوهرية تُساهم في إعادة تشكيل واقع الإنسان، مثل لماذا نُسافر؟ وماذا نتوقع أن نجد؟ وكيف نكون أكثر سعادة ورضا في رحلاتنا؟ وكيف نُشفى من قلقنا ومخاوفنا؟ ويستعين آلان دو بوتون بمجموعة من الكُتاب والفنانين والمفكرين ليقدم من خلالهم السفر بوصفه دواء مثالي لعلاج مشكلات الحياة، فعندما يواجه الإنسان تجربة السفر بكل مافيها من خيبات ومسرات، يعود وهو مقتنع أن ماكان يواجهه هو جزء ضرورى من رحلته الوجودية، ويستعرض  الكاتب من خلال هذا الكتاب السبب الأبرز لتعاسة الإنسان المعاصر ألا وهو فرط القلق، وقلة المعرفة، وعدم عيش اللحظة الحاضرة، فالبشر منغمسون بالحزن على الماضي، والقلق من المستقبل، متناسين أن حياتهم الحقيقية هي في الحاضر، وفي هذه اللحظة التي لا يعطونها القدر الكافي من الإنتباه والإهتمام.

ويُشير آلان دو بوتون الى أن فشل الرحلة هو جزء من فنها، فخيبة الأمل التي نشعر بها حينما تكون الرحلة عكس التوقعات هي لحظة إدراك ووعي وجودي يُصيبنا، لأنه يكشف لنا حقيقة أننا قد نستمتع بالرحلة أكثر من الوصول الى الوجهة، وهذا بحد ذاته يثبت لنا أن علاج المشكلات لا يعني بالضرورة أن نكون سُعداء، بل أن نكون في حالة تقبل وطمأنينة وسلام مع ذواتنا.

إن عبقرية آلان دو بوتون في كتاب "فن السفر" تكمن في أنه حول السفر من فعل إستهلاكي يؤدي الى مُتعة لحظية، الى "فعل علاجي" و"تجربة وجودية" لمواجهة القلق والمخاوف، ويرى الكاتب أن السفر الحقيقي هو عبارة عن مغامرة داخلية تهدف الى إعادة إكتشاف الذات، والبحث عن الجمال في تفاصيل الحياة اليومية، فليس مهماً السؤال الى أين يُسافر الإنسان بقدر أن نسأل كم من التجارب التي حصل عليها؟ وكم مشكلة تمكن من حلها؟ وكيف واجه قلقه؟ وكيف تصدى لمخاوفه؟ وبذلك يتضح لنا أن الكتاب لم يكن فقط عن السفر، بل كان عن الأزمات النفسية والفكرية والوجودية التي نستطيع علاجها من خلال السفر.

*** 

شيماء هماوندي

في المثقف اليوم