«إن الدين سينتصر لأنه يُسبغ المعاني على الأشياء»1.
تحليل فلسفي:
أول الكلام هو تصحيح النسبة والسياق الأصلي للعبارة:
قبل التحليل لا بد من ضبط المصدر لأن العبارة هي نقل وتلخيص لا اقتباس حرفي. النص الأصلي جاء في مؤتمر صحفي عقده "جاك لاكان" في المركز الثقافي الفرنسي بروما في 29 أكتوبر 1974 ونُشر لاحقا بعنوان Le triomphe de la religion (دار سيوي، 2005، بإشراف جاك-ألان ميلر) scienceshumaines.com.
الصياغة المؤكدة في المحضر الأصلي:
«يستطيع الدين أن يُعطي معنى - يمكن القول - لكل شيء معنى للحياة الإنسانية مثلا... والدين سيعطي معنى لأكثر التجارب غرابة تلك التي بدأ العلماء أنفسهم يشعرون تجاهها بشيء من القلق». أنتهى.
نفتتح القول بالتنبيه إلى نقطتين مهمتين وهو ما يمنح التحليل انطلاقة صحيحة:
1. قوله «سينتصر» ليست وعدا قاطعا بل ترجيحا بشرط.
لأن الصيغة الأصلية تقول: "إذا انتصر الدين كما هو الأرجح سيكون ذلك علامة على أن التحليل النفسي فشل".
هنا الشرط لم يتحقق بعد.
والمعلق على الشرط عدم عند انعدام الشرط.
أي أن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء الحكم أو المشروط لأن الشرط أساس لوجود المشروط فإن غاب الشرط يمتنع ويسقط وجود الشيء المرتبط به تماما.
مثال للتوضيح: وجود الأوكسجين شرط للأحتراق إذا انعدم الأوكسجين انعدم الاحتراق.
2. العبارة في الترجمة العربية تقابل منطقا ضمنيا عند لاكان: الانتصار ليس نتيجة قوة سياسية أو صدق ميتافيزيقي بل نتيجة وظيفة الدين وهي وظيفة إنتاج المعنى.
فالتحليل ينبغي ألا يُقرأ كدفاع ديني "لاكان" كان ملحدا صريحا بل كان يعرف نفسه ساخرا بأنه «نتاج الكهنة».
ما يصفه "لاكان" هو ميكانيزم لا حقيقة لاهوتية.
لكن عن أي جزء من أجزاء «الدين» يتكلم "لاكان"؟
بالتأكيد هو لا يقصد العقيدة بل الآلة الرمزية للمعنى.
"لاكان" لا يقصد «الدين» بالمعنى العقدي التقليدي مثل: (إيمان، طقس، مؤسسة) بل يقصد وظيفة نفسية-رمزية: الوظيفة التي تعالج جرح المعنى في الوجود الإنساني. هنا نصل إلى الفهم الدقيق: الدين عند "لاكان" بنية لا مجموعة أطروحات.
فما هي بنية الدين عند "لاكان"؟
لفهم بنية الدين عند "لاكان" لا بد من فهم ثلاثيته:
أ: الرمزي: وهو نظام اللغة والقانون هو أصل مصدر المعنى بحكم كونه نظام الفوارق والاشارات. والرمزي هو ما يجعل الأشياء قابلة للفهم.
ب: المتخيل: هو نظام الصورة والتماهي وأيضا ميدان الوهم.
ج: الواقعي: هو ما يقاوم الترميز ويكدر أساريره لأن الواقعي صلب عصي على المعنى مثل: الفقد والموت والمرض والعدم. يجب أن نفهم أن الواقعي هنا ليس «الواقع» كما يعاش بل "حده" أي المواقف التي تحتاج إلى أجابة فأنت تأكل وتشرب وتنام هذه كلها واقع ولا تحتاج إلى تبرير لكن "حد الواقع" هي تلك المواقف التي تحتاج إلى أجابة كالموت والمرض والفقد والألم.
بهذه المقابلة يصير قول العبارة واضحا: المعنى نتاج (الرمزي-المتخيل) و"الحد الواقعي" هو الفجوة التي لا يسدها معنى وهذه الفجوة هي مثار الشك في كل دين.
ونتسائل لماذا يفشل الدين عند "الحد الواقعي"؟
خذ هذه الحدود: طفل يصاب بالسرطان أو يولد معاقا. عالم شاب يموت وهو في قمة عطائه كارثة طبيعية تقتل آلاف الأطفال والنساء.
هنا يعجز الرمزي والمتخيل في إيجاد الجواب فيلجأ إلى العجز المعرفي (حكمة) لا تعرف علتها!؟
فالرمزي في الدين مصمم لهذا العجز ليعالج ما لا يمكن تفسيره. وهذه هي الوظيفة المزدوجة للدين: إنتاج معنى + إخفاء الجهل.
ونسأل مرة أخرى لماذا «يُسبغ الدين المعاني على الأشياء»؟
والجواب هو: لأن "الحد الواقعي" عديم المعنى هذه هي نقطة المركز. إسباغ المعنى ليس ثرثرة بل مناورة وجودية حيث يشعر الإنسان بالفقد والقلق فيأتي الدين ويمنح المعنى لما لا معنى له وعزاء للحياة الإنسانية أمام الموت والعدم. لكن المفارقة الدقيقة: إسباغ المعنى يُخفي إن الإسباغ نفسه نتيجة بشرية تاريخية وهذا ما لا يلتفت إليه الكثير. فالدين يُغطي الواقعي بمنطق «كل شيء له معنى» وهنا ينسج الدين (بنية الوهم) لأنه حتى المتدين الذي يملك أدنى درجات الوعي يدرك "أن ليس كل شيء له معنى".
فيلوذ بجواب (حكمة لا يعرف معناها).
وهنا يظهر مفهوم القلق الوجودي فالرمزي في الدين وجد للخلاص من القلق الوجودي وهو يقايض هذا بمبادلة: عبادات وشعائر وخضوع مقابل معنى لإزالت القلق.
جدل المفارقة: العلم يوسع الواقعي فيزداد الدين قوة!
هذه أخطر نقطة و"لاكان" يقول: "خلافا لما ظُن منذ أوغست كونت العلم لا يحل محل الدين بل العكس لأن العلم دائما سيدخل زلزالا بحيث سيكون لزاما أن يُعطى له معنى».
أقول تمام القول قول "لاكان" لأن العلم يؤكد الواقعي يوميا ويُنتج جديدا من خريطة الجينوم إلى الهندسة الوراثية والأستنساخ ويكتشف مجهولا - لم يكن في حساب الدين - من المجرات إلى الثقب الأسود فيثير قلقا.
والقلق هنا ليس شكا نظريا بل موقف وجودي العلم لا يستطيع أن يقول «ما معنى هذا لك» لأن بنيته بنية كمية - وظيفية لا بنية معنى. فيقفز الدين ليحتل الفراغ في دلالة الوجود لا في التفسير الفيزيائي.
فمقولة "لاكان" إذن ليست تقريرا بل نبوءة بنيوية: حيث ينتصر العلم موضوعيا يزداد موقع الدين وظيفيا.
هذا هو السر الكامن خلف صمود الأديان أمام أمواج العلمنة الحداثية. نؤكد مرة ثانية لا ينطلق "لاكان" في هذا الحكم من موقف لاهوتي مدافع عن العقائد وإنما يحلل ميكانيزمات العقل البشري والوظيفة التي لا يستطيع أي نسق آخر بما في ذلك العلم أن يؤديها بكفاءة مماثلة.
أما الترجمة الفلسفية الدقيقة لعبارة "لاكان" فهي: الدين لا ينتصر لأنه صادق صدقا ميتافيزيقيا بل لأن الإنسان لا يحتمل مواجهة "الحد الواقعي" بلا معنى.
***
سليم جواد الفهد
.....................
1. جاك لاكان، انتصار الدين مسبوق بخطاب إلى الكاثوليك، ترجمة: محمد الحاج سالم، ص7، 2023.








